وقد أتعب نفسه في طلب هداهم وإيمانهم، فما لقي منهم إلا التكذيب والإعراض عن دعوته، فتمنى صلى الله عليه وآله أن يعطيه الله تعالى آية عظيمه تذعن لها قريش، ولا تستطيع ردها؛ فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية تخبره بأن الله تعالى قد صَرَّف لهم آياته، وضرب لهم الأمثال، ونَوَّع الدلالات، فلم يبق لهم عذر عنده تعالى، فاحْسِمْ طمعك يا محمد من إيمانهم، فلن يؤمنوا أبداً.
  فإن بقي لك مطمع في إيمانهم فابحث لهم عن آية في باطن الارض أو في عنان السماء، ولكن ذلك ليس تحت قدرتك، والقدرة هي لله تعالى وحده، فلو شاء أن يدخلهم في الإيمان كرهاً لأدخلهم؛ لأنه على كل شيء قدير، غير أن الله تعالى قد قضت حكمته بأن يترك الاختيار إلى عبيده، فمن شاء فليؤمن باختياره، ومن شاء فليكفر، فلا تطمع يا محمد فيما ليس فيه مطمع.
  {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى(١) يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٣٦}(٢) لا يستجيب لدعوتك يا محمد ولا ينتفع بها إلا الذين يسمعون، أما قومك من
= الجهل محمول على حرص النبي صلى الله عليه وآله على هدايتهم؟
الجواب: حرص النبي صلى الله عليه وآله على إسلام قريش ليس جهلاً، وخطابه صلى الله عليه وآله بـ «لا تكن من الجاهلين» مثل خطابه صلى الله عليه وآله بقوله: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٤}[الأنعام]، {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ}[هود: ١٧]، والمراد بخطابه ذلك إبعاد النبي صلى الله عليه وآله عن شدة الحسرة والضيق لإعراض قومه، فإنه بعد علمه صلى الله عليه وآله بأن جده وسعيه في ملاحقتهم لا ينفع، وبعد تبليغه رسالات الله إليهم يكون سعيه إذا سعى بعد ذلك عبثاً، لا يفعله إلا الجاهل الأحمق، ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله قد فعل إلا أن الله تعالى نهاه أن يفعل.
(١) سؤال: هل مرادكم أن الموتى استعارة فمن أي أنواعها؟
الجواب: الموتى مستعار للمعرضين عن دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله من قريش، والعلاقة المشابهة، وهي استعارة تصريحية أصلية.
(٢) سؤال: ما الوجه في الإتيان بـ «ثم» في قوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٣٦} إذا كان البعث هو نفس الرجوع؟
الجواب: الوجه في الإتيان بـ «ثم» أن الرجوع إلى الله للحساب والجزاء أعظم من البعث من الموت، والرجوع إلى الله غير البعث من الموت.