الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان(ع)

اليمن — صعدة توفي 566 ه الإمام المتوكل على الله
حجم الخط:

نسبه عليه السلام:

هو الإمام المتوكل على الله أبو الحسن أحمد بن سليمان بن محمد بن المطهر بن علي بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم .

قيامه:

سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، اجتمع لديه من سلالة الوصي ثلاثمائة رجل من أهل البسالة والعلم، ومن سائر العلماء ألف وأربعمائة رجل، منهم: القاضي العلامة إسحاق بن أحمد بن عبد الباعث المتوفى سنة خمس وخمسين وخمسمائة رضي الله عنه، واستفاض على جميع اليمن، وخُطِبَ له بينبع وخيبر، وانقادت لأحكام ولايته الجيل والديلم، ودخل إلى جهات صعدة في قدر عشرين ألفاً من فارس وراجل.
ومن ملاحمه العظام التي هدَّ بها أركان الملحدين الطغام، وقعة في اليمن انجلت عن خمسمائة قتيل، وخمسمائة أسير، وكانت خيله في هذه الوقعة ألفاً وثمانمائة فرس، وقد كان أشرف أصحابه على الهلاك، فمدّ الإمام يده إلى السماء، وقال: اللهم إنه لم يبق إلا نصرك، فأرسل الله عليهم ريحاً عاصفاً، فاستقبلت وجوه القوم، فحمل الإمام وحمل أصحابه، وانهزم أعداؤه، وقد أشار إلى هذه الوقعة الوصي ، وإلى الموضع الذي وقعت فيه.
قال القاضي محمد بن عبدالله الحميري في قصيدة يخاطب بها الإمام صدرها:
أقَمْتَ قناةَ الدين يا ابنَ محمد
فأشْرَقَتْ الآفاقُ منك بغرَّة
..إلى قوله:
فخمس مئين حزّ منها وريدها
وطاروا إلى روس الجبال شلائلاً
وصرتَ كمثل الشمس بادٍ عمودُها
كثير لربِّ العالمين سجودُها
وخمس مئين أثقلتها قيودُها
من الخوف منها خافقات كبودها
وتقرَّرت بسيفه أحكام الدين الحنيف.

من كراماته:

وله كرامات بيِّنات، منها: أن والده - وكان ممن يصلح للإمامة - رأى في المنام ملكين يقولان له:
بشـراكَ يا ابنَ الطُّهْرِ من هاشم
بأحمدَ المنصور من هاشمٍ
بماجدٍ دَوْلتُه تُحْمَدُ
بُوركَ فيمن اسمُه أحمدُ
ومنها: الملحمة التي رواها عبدالله بن محمد الطبري عن الهادي يرفعه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وذكر القائمين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وما يكون منهم، ومن أعلامهم في الدولتين، إلى أن انتهى إلى الإمام أحمد بن سليمان فذكر بيعته وصفته، وما يكون من أمره إلى نهايته.
ومنها: قضية السيل والمطر الذي نصره الله به، وغير هذا كثير، وقد استوفى ذلك الإمام المنصور بالله(ع) في الشافي وغيره.
قال الشاعر فيه:
يا ابنَ بنت النبيّ كلّ لسان
ظَهَرَتْ فيك معجزات كِبَار
تُبْرِئُ الأَكْمَهَ العَلِيْلَ وتشفي
..إلى قوله:
غير أن الوليّ لله لا تُنْـ
مادح ما يكون مَدْح لساني
لم نَخَلْها تكون في إنسان
بشفَا الله أَعْيُنَ العميان
ـكَرُ فيه خصائص الرحمن

ومن مؤلّفاته:

أصول الأحكام في السنة، وهو من أجلّ مؤلفات أهل البيت ، وكتاب الرسالة العامة، وكتاب المطاعن، والهاشمة لأنف الضلال، وشرحها العمدة، وكتاب حقائق المعرفة في أصول الدين، وكتاب المدخل في أصول الفقه.
القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام:

ومن أجلِّ أصحابه علمُ أعلام الزيدية:

القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام بن أبي يحيى المتوفى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وكان الإمام عبدالله بن حمزة يقول في كتبه - إذا ذكر الإمام أحمد بن سليمان والقاضي جعفراً -: قال الإمام والعالم، أفتى بذلك الإمام والعالم، حكى ذلك الإمام والعالم.
توفاه الله: في شهر ربيع الثاني سنة ست وستين وخمسمائة، عن ست وستين سنة.
وما أحسن قول نشوان بن سعيد الحميري فيه:
يا ابن الأئمة من بني الزهراء
وإمام أهل العصـر والّنور الذي
كم رامت الكفار إطفاء له
شمس يراها الجاحدون فلم يطِقْ
يا داعياً يدعو الأنام لرشدهم
أَسْمَعْتَهم فكأنهم لم يسمعوا
يا خير من يمشـي به قدم على
..في أبيات، ولنشوان:
وذكرتَ آل محمد وودادهم
إلى قوله:
لا أَسْتَعِيْضُ بدين زيد غيرَهُ
وله:
سَلام الله كلّ صباح يومٍ
على الغُرِّ الجحاجح من قُرَيْشٍ
بني بنت الرسول إلامَ كلّ
فأَبْلِغْ ساكني الأمصار أنّا
بأكرم ناشيء أصلاً وفرعاً
رضينا بالإمام وذاك فرض
وابن الهداة الصفوة النجباء
هُدِيَ الولي به من الظلماء
عمداً فما قدروا على إطفاء
منهم لها أحد على إخفاء
وصلاحهم في بكرة وعشاء
ما جاءهم من دعوة ونداء
وجه البسيطة من بني حواء
فرض علينا في الكتاب مؤكّد
ليس النحاس به يُقاسُ العَسْجَدُ
على خَيْرِ البريَّة أجمعينا
أئمتنا الذين بهم هُدِينا
يظن بكم من الناس الظنونا
بأحمد ذي المكارم قد رضينا
وأعلى قائمٍ حسباً ودينا
نقولُ به ونُعْلِنُ ما بقينا
قبر الإمام أحمد بالمشهد بحيدان خولان. وكذا قبر نشوان في الشاهد.

أولاده:

الأمير يحيى وكان بمحلّ من العلم، بطلاً فصيحاً، قتله أصحاب الإمام المنصور بالله غيلة، ولم يرض الإمام قتله، وقد كان خالفه، وكان هذا أول حدث بين البطنين، والله أعلم بحقيقة الأمر، ومحمد، والمحسن، وفليته، والمطهر الأكبر، والمطهر الأصغر، وسليمان، ولم يعقبوا.
من مشائخه:
وأخذ الإمام المتوكّل على الله عن الشريف الإمام العالم الحسن بن محمد من ولد المرتضى، وعن العالم الفاضل العباس بن علي بن محمد بسنده إلى المؤيد بالله ، وعن الشيخ العالم الحافظ إسحاق بن أحمد بن عبد الباعث بسنده إلى المرتضى .
زيد بن الحسن البيهقي:
وعن شيخ الإسلام أبي الحسين زيد بن الحسن البيهقي، الذي خرج من العراق لزيارة الإمام الهادي إلى الحق ، وعقد مجلساً لإملاء فضائل العترة بالمشهد المقدس الخميس والجمعة، فأملا فيه مدّة سنتين ونصف فما أعاد حديثاً، توفي راجعاً بموضع يسمى القياس من جهة الشُّقيق بتهامة، سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وقد شوهد النّور على قبره.
ومن مشائخه: عالم العدلية ناصر الحق، الحاكم أبو سعيد المحسن بن محمد بن كرامة الجشمي، صاحب المؤلفات الجامعة، تنيف على أربعين مؤلفاً، منها: التهذيب في التفسير، قيل إن الكشاف مأخوذ منه، والعيون وشرحه في الكلام، وتنبيه الغافلين في فضائل الطالبيين، وجلاء الأبصار في الحديث، والسفينة، وكان معتزلياً، ثم رجع إلى مذهب آل محمد، وفاز بالشهادة بمكة المشرفة سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
وروى القاضي زيد بن الحسن عن الحاكم أبي الفضل وهب الله عن أبيه الحاكم الحسكاني صاحب شواهد التنزيل بسنده إلى الإمام زيد بن علي (ع).
وكثيراً ما يلتبس زيد بن الحسن بتاج الدين زيد بن أحمد بن الحسن البيهقي، ويقال: أحمد بن أحمد الذي ورد اليمن في أيام المنصور بالله عبدالله بن حمزة ، سنة عشر وستمائة، وقد ذكره في الشافي.
قبره: بمحنكة يماني حيدان.
من طرق الأسانيد:
ويروي عن الإمام المتوكل على الله: القاضي شمس الدين جعفر بن أحمد، وأخذ عن الإمام المتوكل على الله، والقاضي جعفر الأميران الداعيان إلى الله شمس الدين وبدر الدين الآتي ذكرهما، والشيخ العالم محيي الدين حميد - ومحمد له اسمان - بن أحمد بن الوليد القرشي، المتوفى سنة إحدى وعشرين وستمائة. مما رواه عن الإمام: أصول الأحكام.
والشيخ العالم المتكلّم الحسن بن محمد الرصاص المتوفى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وهذان الشيخان محيي الدين والحسن من أشياخ الإمام المنصور بالله .
وممن أخذ عن الإمام والقاضي: الشيخ الحافظ سليمان بن ناصر السحامي، صاحب: شمس الشريعة، والنظام، والروضة.
وممن أخذ عن القاضي شمس الدين جعفر: السيد الإمام حمزة بن سليمان والد الإمام المنصور بالله ، والأمير القاسم بن غانم السليماني، والعالمان الأفضلان عبدالله ومحمد ابنا حمزة بن أبي النجم، وغيرهم كثير.
وممن أخذ عنه القاضي شمس الدين كُتبَ العراق الشيخُ الحافظ قطب الدين أحمد بن أبي الحسن الكني، المتوفى في عشر الستين وخمسمائة، وهو يروي عن أبي الفوارس توران شاة، عن علي بن آموج، عن القاضي زيد بن محمد الكلاري صاحب الشرح المنتزع من شرح التحرير لأبي طالب، عن الشيخ علي خليل، عن القاضي يوسف بن الحسن الجيلي خطيب المؤيد بالله، عن أبي العباس، والمؤيد بالله، وأبي طالب ، وهذه إحدى الطرق إلى كتبهم وأسانيدهم.
ويروي الكني أيضاً عن زيد بن الحسن البيهقي بسنده.
وشارك القاضي شمس الدين جعفراً في الرواية عن الكني الشريف الإمام أبو عبدالله الحسن بن عبيدالله بن محمد بن يحيى المعروف بالمهوّل من ولد الهادي إلى الحق ، الذي يروي عنه الأمير بدر الدين محمد بن أحمد وغيره ¤، وقد ذكرنا طرقنا المتصلة بهم في أواخر التحف، وفي لوامع الأنوار، وفي الجامعة المهمة.
قال في البسامة:
وأحمد بن سليمانٍ فما رَضِيَت
دعا وكان إماماً سيّداً عَلَماً
وصبَّحت خيلُه صنعاء مُعْلمة
وحاصرت حاتماً فيها عساكِرُه
واجتاحه عند شيعان بملحمة
وجعفر ثم إسحاقٌ له نصـرا
وكم أجاب على غاوٍ ومبتدع
(يعلا) به وهو مرضي لدى البشـر
براً تقياً ومن كل العيوب بري
لما غدى النُكر فيها غير مستتر
فانقاد للحق بعد الضعف والخَوَرِ
ألف مضوا بين مأسور ومجتزر
في عصبة وزرٍ ناهيك من وزر
كمثل نشوان واليامي ذي النُّكُر
أما قوله: واليامي ذي النكر، فقال الشرفي: عنى به قاضيَ الإسماعيلية، وعالمهم في زمانه، ومنجّمهم وشاعرهم، محمد بن أحمد صاحب كتاب الصريح صنو حاتم بن أحمد.
وذكر في سيرة الإمام أحمد أن حاتماً لما كاتب الإمام يريد الدخول في طاعته لم يقبله الإمام لأمور قد عرفها منه، فرد حاتم بن أحمد كلاماً جافياً، وتمثل فيه بقول المتنبي:
كَدَعْوَاكَ كلّ يدّعي صِحّة العَقْلِ
فردَّ عليه الإمام :
إذا كنتَ لا تدري بما فيك من جهل
ولم أنْتَحِل ما ليس فيَّ وإنما
ومن جهل الرحمنَ والرّسل لم يكن
ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهلِ

فذاك إذاً جهل مضاف إلى جهلِ
مقالي حقّ قد يصدقه فعلي
بمعترف يوماً بحقّ بني الرسل

إلى قول الإمام:
بسم الله الرحمن الرحيم، حَمِدْتُ من أَنْطَقَ الفَيلسوف بذِكْرِه وحَمْدِهِ، وإن كان مُبْطِناً من ذلك بخلافه وضدّه؛ لأنه سلك في مبتدأ كلامه طريقة محمودة لو أتمّها، فذم الجفاء والمشاتمة، ثم عاد إليها.
..إلى قوله:
جرى ما جرى حتى إذا قيل سابقٌ
ج تَلاَحَقَهُ عِرْقُ الحِرَان فَبلّدا

..إلى قوله:
ولا لومَ عليه فإنه مضى يوم دخلنا عليه صنعاء بعضُ لبّ فؤاده، ومضى بعضُه يوم الشرزة، فبقي بلا لبّ إلا ما يتكلّفه.
..إلى قوله: وما مثله هُوَ وهُمْ إلا مثل بعوضة لا يدري الإنسان إلا طنينها مع أذنه، فإذا طلبها لم يجدها، وقد بلغتُ مَكْرُوْهَهُ ومَكْرُوْهَ غيره بحمد الله تعالى:
إذا شئتُ أرغمتُ العدوَّ ولم أَبِتْ
أُقَلِّب فكري في وجوهِ المكائِدِ

وقد هجانا أخوه الذي مات طريداً لنا فناب عنا بعض شيعتنا، فقال:
لو سارَ ألف مدجّج ليحلّ في
تِلْكَ الشجاعة لا شجاعة معشـر
غمدان غير إمامنا لم يقدر
مثل العجائز في ظلال المنظر

..إلى قوله: وإنّ أحسن المدح ما أقرَّ به الضدُّ لِضِدِّه..إلى قوله: فقد شهد لنا بالإمامة، والوفاء والزعامة، وقال فينا:
رأيتُ إماماً لم يرَ الناس مثله
عفا ووفا حتى كأني عنده
وقال أخوه أسعد في شعره:
مَلَكتَ فاسْجَحْ منعَّماً يا ابن فاطم
وإن كنتَ قد بُلِّغْتَ عني مقالَة
أبرّ وأوفى للطريد المشـرّد
أخٌ أو حميم لست عنه بمبعد

وشيِّد مباني هاشم ذي المكارم
فقد تُبْتُ يا مولاي توبة نادم

..إلى قوله : فلذَّتي في الدنيا قتاله وقتال أمثاله من أعداء الله تعالى، وقد نغَّصْتُ عليه وعلى غيره من أهلِ الدنيا دنياهم في كل ناحية، ولي اليوم نيف وعشرون سنة، كلما فرغت من حرب قوم من الظالمين، قمتُ بحرب آخرين من أعداء رب العالمين، وإني لا أبرح كذلك حتى أموت.
..إلى قوله: فليعلم أن الداء الذي لا دواء له هو الموت، وأنا له كذلك إن شاء الله تعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: ((نحن السمّ فمن شاء فليستمّ، ونحن الشمّ فمن شاء فليشتم))، وأنا له داء ولضده دواء، فليعلم ذلك والسلام، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله.
قلت: وقد ظهر أنهم تابوا لما في رسالة بخط الأمير الحسين بن محمد ذكر أنها من رسائل الإمام أحمد بن سليمان أجاب بها على فليته، وقد اعترض عليه في الإستعانة بهمدان، فرد عليه بكلام قال فيه: فأما السلطان الأجلّ علي بن حاتم - فإنه مبائن للباطنية بالقول والفعل محارب لهم على ذلك هو وأبوه وجده، أما هو فحربه لهم مشهور ظاهر، وأما أبوه حاتم فكان يمقت الباطنية، ويتبرأ منهم..إلخ، وله شعر يقول فيه:
بريتُ من الذُّئَيْبِ ومن علي
مواذين عموا وغووا هداهم
ظَمُوا ورويت من ماءٍ معين
شقوا بخلافهم للدين حقاً
ولو أني أشاء شهرت منهم
أأخشى الناس في ديني وأعصـي
وقومي مَذْكَرٌ وشبا حسامي
فإن ترني وإياهم جميعاً
ولو وردوا الفرات لنجّسوه
ومن ماذون همدانٍ بريتُ
فإن شايعتُهم فلقد عميتُ
ولو أني صحبتهمُ ظميتُ
وخالَفْتُ الغواة فما شقيتُ
فضائح لا تواريها البيوت
كأني بعد ذلك لا أموت
لسان مثله لولا الصموت
فقل كيف الْتَقى ضبّ وحوت
ولم يكُ طاهراً حتى يموتوا
العودة إلى صفحة الأئمة

أئمة آخرون