الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة(ع)

اليمن — عمران توفي 614ه الإمام المنصور بالله
حجم الخط:

نسبه عليه السلام:

هو الإمام المنصور بالله أبو محمد عبدالله بن حمزة بن سليمان بن حمزة بن علي بن حمزة بن الإمام النفس الزكية الحسن بن عبد الرحمن بن يحيى بن عبدالله بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم عليهم أفضل السلام.
دعا سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وجدّد الله به الدين الحنيف، وفَلَّ بمواضيه أعضاد أهل الزيغ والتحريف.
الأميران شمس الدين وبدر الدين(ع):
وبايعه الإمامان الكريمان شيخا آل الرسول شيبتا الحمد: شمس الدين يحيى بن أحمد، وبدر الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن يحيى بن الناصر بن الحسن بن عبدالله بن الإمام المنتصر بالله محمد بن الإمام القاسم المختار بن الإمام الناصر لدين الله أحمد بن الإمام الهادي إلى الحق ، وقد كان حاول الإمام المنصور بالله أن ينهض أحدُهما، وحثهما غاية الحث، من ذلك ما قال للأمير شمس الدين في قصيدة - وفيها الإقواء المعروف، وهو شائع في لسان فصحاء العرب، وحسبك بالإمام -، وهي:
يا ابنَ علي بن أبي طالب
فأنتَ لا أَنْطِقُها كاذباً
قُمْ فانْصـر الحقَّ على الباطلِ
عالم أهل البيت والعاملِ
ومنها:
وادْعُ فعندي أنَّها دعوة
كامِلَة في رجُلٍ كامل
ومن قصيدة فيهما:
لعا لشمس الهدى والبدر إنهما
شيخان من آل طه كلما نطقا
بحرا نوَالٍ وعلمٍ كلّما وهبا
ليثا نزال وسيفا كلّ ملحمة
يا يحيى يا ابن إمام الناس كلّهم
فأنتَ صفوة أهل البيت كلّهم
أنتم سنام بني الزهراء فاطمة
يبنون في المجد ما أسَّت أوائلهمْ
خير البرية منحص ومنهدم
تساقط الدرّ والأمثال والحكم
مواهباً خجلت من وقعها الديم
مرهوبة وجباه الخيل تصطدم
أنتَ الذي نوره تُجْلَى به الظلم
وصنوك الفاضل العلامة العلم
والرأس إذْ في بنيها الرأس والقدم
ولا يصدهُم خوف ولا عدم
..إلى آخرها.
وقال السيد صارم الدين في البسامة:
وشيبتا الحمد شيخانا له نصـرا
وفرّقا همماً في الضم للبشـرِ
توفي الأمير شمس الدين سنة ست وستمائة عن تسع وسبعين سنة، وتوفي الأمير بدر الدين سنة أربع عشرة وستمائة، وعمره خمس وثمانون، مشهدهما بهجرة قطابر يماني مسجد نيد الصباح، الأمير بدر الدين الشامي، يليه الأمير شمس الدين، يليه الأمير علي بن الحسين .
قال الإمام المنصور بالله حين توفي الأمير شمس الدين ʼn:
عَهِدْنا مَغِيبَ الشَّمْسِ بالغرْبِ دائماً
فَغابَتْ ضَحَىً شاميَّةً في قَطَابرِ
وفيه الإستخدام البديعيّ؛ لأنّه أَطْلَقَ الشمس أوّلاً وأراد الحقيقة، وأعاد الضمير إليها في قوله: فغابت باعتبار المسمى.
هذا، والإمام المنصور بالله مجدِّدُ الست المائة، ولقد جدَّد فيها الإيمان، وأقام الله به واضح البرهان، وما هو إلا من الآيات النيرات، والحجج البينات الباهرات.

من كراماته(ع):

وأجرى الله له من الكرامات ما يبهر الألباب، وتخرّ مذعنة له الرقاب، منها: النور الذي أضاء حال دخول الإمام مدينة شبام، حتى ظنه بعضهم ضوء القمر، ثم ظهر له أنه آخر شهر.
ومنها: الرّاية الخضراء التي رأوها بين راياته، ومنها: ما رواه الفقيه حميد الشهيد رحمه الله، قال: أخبرنا السلطان الفاضل الحسن بن إسماعيل، قال: سمعتُ وأنا في داري في ظفار كلاماً في أول الليل بعد وفاة المنصور قبل أن نعلم بموته، وكرّره قائله حتى حفظته، فسمعته يقول: أبا محمد أنتَ القمر الزاهر، وأنتَ الرّبيع الماطر، وأنت الأسد الخادر، وأنت البحر الزاخر، أنت من القمر نوره وضياؤه، ومن الشمس حسنه وبهاؤه، ومن الأَسَد بأسه ومضاؤه. ثم أتى الخبر بعد ذلك بموته في كوكبان.
قال في الحدائق: ومنها: القصة المشهورة، وهي أن ورد سار لما تقدم إلى ناحية حوث في بعض أيامه، فأخرب دار الإمام ، ثم عاد إلى صنعاء، فما تمَّ الأسبوع حتى أنزل الله تبارك وتعالى سَيْلاً لم يعهد أهل هذه الأعصار مثله، وكان قد بنى في صنعاء قصراً شامخاً، وتأنّق فيه وتعمّق، فهدمه ذلك السيل، واسْتَلَبَ كثيراً من أمواله ونفائسه، ونجا بعد أن أشفى على الهلاك، إلى غير ذلك من الكرامات الجمة، وذكر مثل ذلك في مآثر الأبرار، وفي اللآلي المضيئة.
ولم يزل خافضاً بحسامه وجوه المعتدين، رافعاً ببيانه فرائض ربّ العالمين، حتى قبضه الله إليه في المحرَّم سنة أربع عشرة وستمائة، عمره اثنتان وخمسون سنة وثمانية أشهر، واثنتان وعشرون ليلة. مشهده بظفار.

صفته عَلَيْه السَّلام:

كان طويل القامة، تامَّ الخلق، دُرِّي اللون، حديد البصر حدّة مفرطة، أبلج، كثّ اللحية، كأنه قضيب فضة، قد غلب الشيب على عارضيه.
وقد أعلم به محمد بن أمير المؤمنين في أبيات له، قال فيها:
ووديعة عِنْدي لآل محمَّد
أُودِعْتُها وجُعِلْتُ من أُمَنَائِها
ثم أشار إلى الوقت الذي قام فيه الإمام فقال:
وهناك يبدو عزُّ آل محمد
وقيامها بالنصـر في أعدائها
ونقل من قصيدة قديمة ذكر صاحبها صفات الغزّ الذين جاهدهم الإمام ، منها:
أهل فِسْقٍ ولواطٍ ظاهر
يتركون الفَرْضَ والسّنة لا
ينقلون المال من أرض سبأ
فإذا ما الناس ضاقوا منهمُ
ظهر القائم من أرض سبأ
اسمه باسم أبي الطهر النبي
يملأ الأرضين عدلاً مثلما
أهل تعذيب وضربٍ بالخُشُب
يعرفون الله ليسوا بعرب
نحو مصـر ودمشق وحلب
في بسيط الأرض طُراً والحدب
يمني السكن شامي النسب
ذاك عبدالله كشّاف الكرب
ملأت جوراً وهذا قد غلب
وفي الأسانيد اليحيويّة للقاضي العلامة تقيّ الدين عبدالله بن محمد بن عبدالله بن أبي النجم، المتوفى سنة تسع وأربعين وستمائة: وبإسناده عن زيد بن علي أنه قال: نحن الموتورون، ونحن طلبة الدم، والنفس الزكية من ولد الحسن، والمنصور من ولد الحسن..إلى آخر الأثر، وهو في أحكام الإمام الهادي إلى الحق.
ووجدت في رسالة القاضي العلامة فخر الدين عبدالله بن زيد العنسي عن النبي صلى الله عليه وآله مخاطباً فاطمة &: ((فإنّ من ولدك الهادي، والمهدي، والمرتضى، والمنصور))، انتهى.
ومدّة إمامته تسعة عشر عاماً، وتسعة أشهر وعشرون يوماً.

أولاده:

الأمير الناصر محمد قام محتسباً، وكان له من رباطة الجأش وثبات القلب عند منازلة الأقران، ومجاولة الفرسان ما هو خليق بمثله، وكان فصيحاً بليغاً مفلِّقاً، وأخذ في الدعاء إلى الله والجهاد في سبيله حتى توفاه الله سنة ثلاث وعشرين وستمائة، بعد أن توسل إلى الله إن كان قد قبل عمله أن يقبض روحه، عمره اثنان وثلاثون عاماً.
الفقيه الشهيد حميد بن أحمد المحلي:
ومال إلى جنابه كثير من العلماء، منهم: الفقيه العلامة الشهيد حميد بن أحمد المحلي الهمداني الوادعي، صاحب الحدائق الوردية، ومحاسن الأزهار، والعمدة، وغيرها.
وجرت له كرامة عظمى، وهي: أنّ رأسَهُ أذَّنَ بعد قطعه في الجيش، قال الإمام شرف الدين :
وَبَعْدَ القطْعِ قَدْ شَهِدَتْ عِدَاهُ
بأنَّ الرّأسَ أذَّنَ في الجنودِ
توفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
والحسين، وحمزة، وإدريس، والفضل درجوا جميعاً، والأمير المتوكل أحمد، وعلي، وإبراهيم، وسليمان، والحسن، وموسى، ويحيى، والقاسم، وجعفر، وعيسى، وداود.

من مؤلفاته(ع):

كتاب الشافي أربعة أجزاء أحاط فيه بأنواع العلوم وهو أعرف من أن يوصف، ومنها: الرسالة الناصحة، وشرحها، وكتاب المهذب، وحديقة الحكمة شرح الأربعين السيلقية، أودع فيها من علوم العربية ومعاني الألفاظ الشريفة ما بهر الألباب، وله كتاب صفوة الاختيار في أصول الفقه، وكتاب العقد الثمين في (تبيين أحكام الأئمة الهادين)، وكتاب التفسير، وكتاب الجوهرة الشفافة إلى العلماء كافة، والرسالة الكافية لأهل العقول الوافية، والرسالة الهادية، والدرة اليتيمة، والأجوبة الكافية، وكتاب عِقد الفواطم، وغيرها من المؤلفات الجليلة.
وله في الفصاحة الرائعة والبلاغة البارعة المقام الأرفع، والمكان الأعزّ الأمنع، وديوانه: مطلع الأنوار، ومشرَق الشموس والأقمار، وأعظم مواقعه في نشر معالم الدين على منهاج الأئمة الهادين، كقوله الذي رواه عنه الإمام عز الدين بن الحسن في المعراج وهو:
ولولا ثلاثٌ هنّ من عِيْشَةِ الفتى
فمنهنّ خَلْطُ الخيل بالخيل ضَحْوَة
ومنهنّ نشـر الدين في كلّ بلدة
ومنهنّ تطهير البلاد عن الخنا
بذلك أوصاني أبي وبمثله
وجدّك لم أَحْفَلْ متى قام عوَّدي
على عَجَل والبيض بالبيض ترتدي
إذا لم يقم بالدين كل مبلّد
ورحض أديم الأرض من كل مُفْسِدِ
أُوصِي بنيّ أَوْحَداً بعد أوحد
والبيت الأول لطرفة بن العبد عدّ بعده خصاله الثلاث اللاتي لولاهنّ لما بالى بالحياة تركتها اختصاراً، وهنّ في معلّقته ومحصولها: شرب الخمر، والكرّ على الخيل، والعكوف مع الحسناء، فعارضه الإمام بخصاله هذه، وكلّ ينفق مما عنده كما قال الوصي : قيمة كل امرء ما يحسنه، وكلّ إناء بالذي فيه ينضح، وحسبك أن الإمام لما وصلت قصيدته البائية بغداد أغلق الخليفة العباسي بابها ثلاثة أيام لانخلاع قلبه من الفزع، وعندهم ألوف من العساكر العظام، حسبوا أن الإمام في أثرها.
هذا، والجدُّ الجامع لبني حمزة هو الأمير الشهيد حمزة بن الإمام النفس الزكية أبي هاشم الحسن بن عبد الرحمن، ويتفقون هم وأولاد الهادي في الحسين بن القاسم بن إبراهيم ، قال في البسامة:
وفي ابن حمزة عبدالله حازمنا
جاءت بمعضلة نكداء رائعة
وقادة العجم من أقصـى ممالكها
فحاصرت كوكباناً وهو ساكنه
حتى قضى نحبه والسيف منصلت
وكان للمال في كفيّه أجنحة
وشيبتا الحمد .... إلخ البيت المارّ.
وخير داع دعا منا ومفتخر
وصاولت مَنْ غدا بالمكرمات حري
إليه تركض خيل البغي والبطر
وصنوه فارس الهيجاء في البكر
في كفّه ومضـى في معشـر صبر
فإن يقع منه شيء فيهما يَطِرِ
وما رعى المشـرقي الندب حرمته
بعد العفيف عفيف الثوب والأزر
العودة إلى صفحة الأئمة

أئمة آخرون