قال السيد مانكديم: التقدير كالتحقيق ها هنا، وصار الحال في ذلك كالحال في تقدير الاصطراع بين زيد وأسد، وإن علمنا أنهما لا يتصارعان البتة، فكما أنا إذا قدرنا بينهما الاصطراع أمكننا أن نعلم كون أحدهما غالباً والآخر مغلوباً، ونعلم أن من غَلِب فهو الممنوع، والممنوع ضعيف متناهي القدرة.
  فإن قيل: لِمَ قلتم: إن صحة تقدير المحال محال، فجعلتم تقدير اختلافهما في الداعي والإرادة يقوم مقام الوقوع في الدلالة على صحة التمانع، ولم يقم تقدير وقوع الظلم من جهة الله تعالى مقام وقوعه في الدلالة على الجهل والحاجة.
  قيل: أما على ما ذهب إليه القرشي من أنه لا يصح تقدير وقوع الظلم من الله فالسؤال ساقط، وقد مر كلامه في الثامنة من مسائل الحمد لله، وأما سائر أصحابنا فقالوا: إن التقدير يقوم مقام التحقيق في إفادة العلم بنفي الثاني، كما يفيده لزوم وقوع التمانع؛ إذ تقدير صحة التمانع في الاستحالة كوقوعه في الاستحالة؛ لأن صحة تقدير وقوع المحال محال، بخلاف تقدير وقوع الظلم فإنه لا يدل على ثبوت الجهل والحاجة، وإنما يدل عليه وقوعه، فلم يقم التقدير هنا في التزامه الجهل والحاجة مقام الوقوع؛ إذ لوكان التقدير يستلزمها كالوقوع لم يحكم بإحالة السؤال، بل كنا نجيب بأنه يدل على الجهل والحاجة، كما قلنا: إن تقدير صحة التمانع يدل على نفي الثاني للقديم تعالى، فليس لهم أنه يحيلوا السؤال كما أحلناه هنالك؛ ثم إنا إنما