الروح، ويترك القلب مقروح. الجائع عفيف خفيف، والشابع عاكف على الكنيف، من لم يزل شابعاً لم يزل الشيطان له متابعاً. الشبع يكسب الوجع، ويذهب الورع، ويكثر الطمع.
  الصوم جُنَّة من النار، ورضى للجبار، من أطاع ضرسه أضاع نفسه، الجوع في الفؤاد نور، وفي المعاد سرور. من استعمل القصد استغنى عن الفصد، ومن أشفق على نفسه لم يتبع شهوات ضرسه. من أطاع أسنانه هدم أركانه، من قنع شبع، ومن شبع طمع. كم من طاعة نبعت من مجاعة، وكم من قناعة أتت بخير بضاعة، لا مجاعة مع القناعة.
  [ثم] قال الوافد: صف لي المتوكل الواثق بربه؟
  قال العالم: عجباً لمن يثق بالمخلوق ولا يثق بالخالق، ومن يهتم بالرزق وقد ضمن له الرزق، ثق بكفاية الله واعتمد عليه، ورد أمورك وأحوالك كلها إليه، من لم يثق بضمان مولاه، وَكَله إلى خدمة دنياه، إن الله سبحانه يقول: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}[هود: ٦].
  ما أعجب أمورك! تأمن ما رُهِبْتَ، وتحزن لما كفيت، ولا تشكر على ما أعطيت.
  إلى كم تأسى على المفقود؟ ! وقد ضمن الرزق الملكُ المعبودُ، إلى كم الحزن على القوت؟ ! وقد ضمن القوت الحي الذي لا يموت، الرزق مقسوم، وطالبه مغموم، كثير الهموم.
  من جعل بالمولى اشتغاله، كفاه المولى في الدارين أشغاله، من وَكَل أموره إلى مولاه لم يكله إلى أحدٍ سواه، وأغناه وكفاه، وآواه وأعطاه، ومن اعتصم بالله وقاه، ومن استعاذ به أنجاه، ومن أمَّل إفضاله، لم يحرمه نواله، ومن توكل على الوهاب، لم يخضع لأبناء التراب، من عرف أن الله متكفل بالرزق، ساق إليه أسباب الرزق، من أقرّ أن الله هو المتفضل، لم يكن على غيره متوكل، من عرف أن الله هو الجواد، سخى بما في يده وجاد، من عرف أن الله هو المعطي، لم يعصه