التي ينثر عليها الحب للطير، وليس يريد بذلك مرافقة الطير ولا منفعتها، لكنه يريد أن يصطادها بذلك الحب المنثور على الشبكة.
  كذلك عالم السوء لا يريد بعلمه رضى الله، ولكنه يريد رضى نفسه ومنفعتها، وقد جعل هذا علمه شبكة يصطاد بها حطام الدنيا. وإنما العلم المنجي علم القلوب المنيرة الصافية الخائفة القانعة باليسير، السليمة من الآفات والتخاليط، وليس العالم من قد أسكره حب الدنيا، وإنما العالم الذي يعمل للآخرة الباقية، فهو منتظر للنزول والانتقال، مشغول يخاف أن يفاجئه الموت بحال من الأحوال، فقلبه محزون، وشره مأمون، يجول بقلبه في الجنة أحياناً، وفي النار أحياناً، يخاف أن يكون من أصحاب النار، ولا يكون من أصحاب الجنة، فليس له همة غير تفتيش الآفات، وكثرة الذكر في كل حركة وسكون.
  [ثم] قال الوافد: صف لي الحياة الطيبة؟
  قال العالم: أقول لك: إن الحياة الطيبة لا تدركها إلا بخمسة أشياء:
  - أول ذلك: العقل.
  - ثم المعرفة.
  - ثم اليقين.
  - ثم العلم.
  - ثم الغنى بما عند الله، فهذه الحياة الطيبة.
  فإذا أردت أن تنالها فعليك بمنازعة النفس ومعاداتها، ومخالفة الهوى، فإن لك في ذلك كفاية، فإذا أردت أن تكون من أهل الصدق في الحياة الطيبة فإنك تنفي العادة الخبيثة، وألبس نفسك الصبر والخلق الحسن، وأزل عن قلبك الذكر الرديء، ولا تشغل قلبك بغير ذكر الله وطاعته، وأمت حرارة الشهوة من نفسك، وليكن الموت عندك أحب إليك من الحياة، فإن الصالحين من قبلك تناسوا قلوبهم بالحزن الطويل، والجهد الثقيل، يريدون بذلك رضى ربهم،