خلق هذا؟ ومن أوجد هذا؟ ومن عمل هذا؟ ومن أين أتى؟ وكيف هو الذي صنعه؟
  فلو أخبرته أن هذا الحجر هو الذي صنع هذا الشيء لاستنكر ولم يصدق، ولو أخبرته أن الشمس صنعت نفسها لرأيته يتعجب من ذلك ويضحك، وما ذلك إلا أن هناك دواعي في داخله تدعوه إلى غير ذلك، وأن الذي أوجده غير ذلك: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}(١) [الروم: ٣٠]، فطرهم على معرفته، وعلى الإيمان والتصديق به لا بغيره، ولن تستقر وتهدأ الفطرة إلا حين تصادف الصدق والحق.
  وبعض المفسرين يفسر قوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} بأن المرء يكفيه أن يؤمن بالله ويصدق به، وما سوى ذلك فسيغفره الله إن شاء، من الزنا والسرقة وسائر المعاصي ما دام لم يشرك بالله. وتفسيرها على هذا الوجه خطأ، وتفسيرها الصحيح هو ما قدمنا.
  {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩} هذا تعجيب من الله للرسول صلى الله عليه وآله في شأن اليهود: انظر يا محمد كيف يزكي هؤلاء أنفسهم، ويقولون بأنهم أهل الجنة، وأنها لم تخلق إلا لهم! وأنهم أكرم البشر عند الله، وأنهم أهل طاعته، ولن يدخل الجنة إلا هم! وأن الله لن يعذبهم بذنوبهم، فقال الله تعالى: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩} فمن حكم الله له بأنه من أهل الجنة فهو كذلك وليست لمن حكم(٢) لنفسه بها، ولن
(١) سؤال: هل المراد بفطرة الله إيجاد دواعي الاستدلال على الخالق الموجد .. إلخ؟
الجواب: المراد بفطرة الله التي فطر العقول عليها هي إيجاد دواعي الاستدلال، وفيما ركزه الله فيها أن كل فعل لا بد له من فاعل، فلو اجتمع الناس عند عاقل مَّا وحاولوا أن يقنعوه بأنه لا صانع لتلك السيارات التي تأتي من الخارج، وأن تلك المباني القديمة في مدينة صنعاء وصعدة لا باني لها لما اقتنع ولا صدق.
(٢) سؤال: من منطلق أنه لن يظلم أحداً هل يصح أن يقال: فمن زكى نفسه منهم وهو مستحق فهو زاكٍ عند الله؟
الجواب: التزكية تكون على صور: =