كان المسلمون في المدينة مختلطين باليهود، ومجاورين لهم، وكانت بينهم أحلاف وعلاقات من زمن الجاهلية، ولا يريدون أن يقطعوا الود الذي بينهم وبين اليهود مريدين بذلك نصرتهم إذا هجم عليهم عدو في المدينة، أو أصابتهم بلوى أو نحو ذلك، وهؤلاء هم أكثر أهل المدينة، وقلة قليلة هم الذين تركوا هذه الأحلاف والعلاقات بعد الإسلام، وقد نهاهم الله سبحانه وتعالى عن موالاتهم في هذه الآية وحكم أن بعضهم موال لبعض فلا ينبغي للمؤمن موالاتهم، وأخبر الله تعالى بأن من يتولهم منكم فإنه منهم، فمن أصر على مؤاخاة اليهود والاستمرار على محالفتهم ومناصرتهم ومصاحبتهم؛ فإنه ليس بمؤمن، وهو عند الله وفي حكمه يهودي.
  {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}(١) سترى يا محمد أهل النفاق مسارعين إلى مؤاخاة اليهود(٢) ومناصرتهم، وتوثيق العلاقات بهم، معتذرين إليكم بحاجتهم إليهم لدفع الأعداء، ودرء نوائب الدهر.
  {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي
الجواب: الموالاة المرادة هي: ربط علاقة بين طرفين على المناصرة وعلى أن أي اعتداء على واحد من أي الطرفين يعتبر عدواناً على الجميع، وعلى التعاون بالنفس والمال والنفقات اللازمة في دفع العدو، و ... إلخ. والموالاة مفاعلة وهي صيغة تدل على مشاركة بين طرفين أو أطراف فرادى أو جماعات، ومعنى موالاة: مناصرة ومحالفة.
(١) سؤال: ما هي الدائرة؟ وما إعراب جملة: {يَقُولُونَ نَخْشَى}؟
الجواب: الدائرة: هي النكبة من نكبات الزمان، وكأنها سميت دائرة لأن الزمان يدور بها.
وجملة {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} جملة بيانية أي: لبيان العلة التي جعلتهم يسارعون إلى محالفة اليهود، ويجوز أن تكون الجملة حالية من فاعل يسارعون.
(٢) سؤال: هل تُحمَل المسارعة إلى إخوانهم المسلمين أم أنها إلى اليهود فقط؟
الجواب: المسارعة إلى موالاة اليهود، والضمير في «فيهم» يعود إلى اليهود والنصارى، والتعبير بقوله: «فيهم» يدل على أن الذين في قلوبهم مرض «المنافقين» منغمسون بين اليهود، وفي دائرتهم، ينتقلون من جماعة إلى جماعة، ومن فريق إلى فريق.