عمله في خلواته، أجلد الناس من غلب شهواته، أغفل الناس من ضيع حياته، أندم الناس مَن عطَّل ساعاته، أقوى الناس من مات على التوبة.
  رأس مالك في الدنيا الطاعة، التقاء أفضل بضاعة، من أمَّل الله أعطاه، من سأل الله بلَّغه سُؤاله.
  أسلمُ الناس مَن خَمُلَ ذكرُه، وكثر شكره، من قنع بالعطاء، سلا عما مضى.
  كيف لا يهتم ولا يغتم من لا يدري أي عمل بما يختم؟ ! كيف يهناه رقاده؟ ! وكيف يتوسد وساده؟ ! كيف يسكن نفسه وفؤاده؟ ! وهو لا يدري أهو مِن أهل الشقاوة أم من أهل السعادة؟ ! كيف يسكن إلى الدار والجار؟ ! ويقر به القرار؟ ! ويأكل في الليل والنهار؟ ! من هو موعود بعذاب النار، وغضب الجبار!
  لا تقصر في عمل الأخيار، ولا تسلك سبيل الفجار، ولا تكسب الأوزار، وأطع ربك في الليل والنهار، (ولا تأمن فتغتبن، ولا تجمع فتفتتن)، تجوَّع ولا تشبع، وتورَّع ولا تطمع، وخف واحزن، فمنزلك القبر وثوبك الكفن، كيف يلهو بالملاهي؟ ! مَن بين يديه الدواهي، كيف يكتسب الآثام؟ ! من وُكِّل به الملائكة الكرام، وكيف يضحك ويفرح؟ ! من عليه غداً يُصرخ؟ ! وللدود والهوام يطرح، كيف يفرح ويسترّ؟ ! من يموت ويقبر.
  [ثم] قال الوافد: قد وعدنا الله في كتابه الرحمة؟
  قال العالم: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٦}[الأعراف]، إذا عملت بالرضا، عفى عنك ما مضى، وحرم لحمك على لظى، (وإن لم تعمل بالرضى، أخذك بما بقي وما مضى، وأحرقك بنار لظى)، إذا نظر ستر، وإذا رحم غفر، عظيمٌ فضله، صادقٌ قوله، عليم، رحيم، بالكرم موصوف، وبالرحمة معروف، العبد ينشره، والرب يستره، يكافئ، ويعافي، ويشفي عبده، ويوفي وعده، كم قبيحٍ فعلناه ستره، وكم رزق لنا يسَّره، اقرع بابه، تجد جوابه، اقرأ كتابه، يبن لك عتابه، ارجع إليه يمنُ بالقبول، واقرب إليه يُحسن بالوصول، ما ضاع مَن قصده،