من فزع من يوم القصاص، تضرع إلى ربه بإخلاص. من تحقق أن الرب اطلع في المعصية عليه، أسبل الدموع في الليل على خديه. من علم أن إلى ربه مرجعه، هجر في الليل نومه ومضجعه، من تحقق أن المصير إلى الله والرجوع، أكثر من السجود والركوع.
  من تفكر في قبيح الرجوع، شرد عن عينيه الهجوع، وأسبل من مقلتيه الدموع. مَن علم أنه مأخوذ مطلوب، كان له في الليل تهجد وهبوب. من عرف عصيانه، داوَم أحزانه. من داوم أحزانه، لم تنطبق بالليل أجفانه. من غلب على قلبه الحزن نزع من عينيه الوسن.
  من تحقق الإفلاس، شرد عنه النعاس. من علم أن الله يدعوه، لم يزل يخافه ويرجوه، إن الله يقول عزّ من قائل: «هل من داع فأجيب؟ هل من مطيع فأثيب؟ هل من متقرب فأنا منه قريب؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأُفضِل عليه، هل من متوكل فأسوق عطاي إليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من مستعين فأعينه؟ هل من مستجير فأجره».
  يا أهل الليل دام لكم الوصال، يا أهل الليل نلتم خير منال، يا أهل الليل أبشروا بالسرور والجمال، يا أهل الليل كفيتم جميع الأهوال، يا أهل الليل أمنتم الأفزاع والأشغال، يا أهل الليل تقر أعينكم عند انقضاء الآجال، يا أهل الليل عليكم بالتضرع والابتهال، فقد اطلع عليكم الكبير المتعال.
  يا أهل القرآن تهجّدوا بذكر الرحمن، يا أهل القرآن معكم النذير والبيان.
  من سهر في الليل وقام، وتجوَّع بالنهار وصام، كان مقامه في الآخرة خير مقام.
  يا أهل الليل قد أغلقت الملوك عليها أبوابها، وطاف عليها حجابها، وطلبت صحبة أصحابها، وأرخى أهل المعاصي أستارها، وأنا الملك الجبار العزيز الغفار الستار، أطلب عبادي، وأزيد أهل ودادي، ومن يختار على مراده مرادي، أقول: يا عبادي .. أبشروا بودادي، وبالثواب في معادي.