⬇️ تحميل الكتاب كاملاً

دروس رمضانية

علي بن أحسن الحمزي
📄 صفحة 276 - الجزء 1

  والتقرب إليه، فإن أحببت أن تسلك طريقهم، وتقفو آثارهم، فحول نفسك عن الدنيا وزهرتها، وأدِّب نفسك بالجوع، وأذلها بالفقر، وموّتها بقرب الأجل، وأبصر بعينيك إلى عرصة القيامة، حتى كأنك تحاسب فيها، فحاسب نفسك قبل ورودك إليها، واقطع نيتك عن كل شغل يشغلك عن الله، وتأدب بآداب الصالحين الذين من قبلك، رموا بقلوبهم نحو خالقهم، وكلما تحولت قلوبهم إلى غيره، حملوا عليها بالزجر، ورجعوا إلى مقامهم، وقصدوا بأبدانهم نحو قلوبهم جهداً منهم، وأيأسوا أنفسهم عن الدنيا وراحتها، وعوَّدوا قلوبهم الجهد وكدُّوها في طاعة خالقهم، فعندما عرف الله منهم الصدق والثبات أثابهم بالفرح والسرور من عنده، وصرف عنهم العادة الردية.

  فإذا أردت أن تكون مثلهم فغمض عينيك عن الدنيا، وأختم أذنيك عن أقاويل أهلها، واصرف قلبك عن زهرات بهجتها، وانقطع إلى ربك، وأعمر قلبك بذكره، واستعمل لسانك في شكره، واجعل قلبك مملوءاً من محبته، وتلذذ بطاعته، فإنه يغنيك عن الخلق كلهم، ويهوّن عليك الصعوبة، ويخفّف عليك المؤنة، وتصير حراً عن عبودية الدنيا إذا وصلت حبلك بحبل خالقك، وتسلم من الأشغال، وتصبح منير القلب كثير الذكر، لذيذ المناجاة، حريصاً على الطاعات، قليل الزلل والخطأ، قليل الغفلة، حسن الفعال، صافي الذكر، قليل الكلام والفضول، واسع الصدر، خلوتك مع الله لا تزول، وأنسك بالله لا تستوحش إن كنت في القفرة، ويكثر يقينك في قلبك، فبدنك مطيع، ولسانك ذاكر، وكلامك حق، وعملك زين، وسعيك مشكور، وكل شيء منك نور، وكل حركة وسكون منك محمود، قد أعد الله لك النعيم في جنات النعيم.

  [ثم] قال الوافد: كيف يكون المريد للعبادة؟

  قال: يكون قلبه يجول في الملكوت الأعلى، ثم يمنع نفسه من الرجوع إلى عادتها وشهواتها، فإن لم يكن كذلك فهو مغرور فيما هو فيه، وغير مستحق لما