ورفض الدنيا، فمن عرف الرب عَبَدَه، ومن عرف الدنيا زهد فيها، فمن عرف الله أحبه، ومن أحبه لم يعصه، وعمل بما يرضيه، وإن نعيم المحب ساعةً واحدة أكثر وأحلى وأطيب وأعلا من نعيم أهل الدنيا بنعيمهم، من يوم خلقهم الله تعالى إلى آخر ما يفنيهم، وإن رفيع الدرجات ذو العرش إله الدنيا والآخرة حبيبهم، به يستأنسون، وعلى بساط قربه يتقلبون، وفي جزيل كرمه يتنعمون، وبذكره يتلذذون، وبالوصول إليه يفتخرون، قد وعدهم من جزيل عطائه، وسعة رحمته، ومكنون فضله، ما يعجز عنه الوصف، ورضي عنهم وأرضاهم واصطفاهم، أولئك الذين لا يشقى جليسهم، ولا تُرد دعوتهم، يدورون مع الحق حيثما دار، والأرض بهم رحيمة، والجبار عليهم راضٍ، جعلهم الله بركة أرضه، ورحمة على عباده، فطوبى لهم وحسن مآب.
  قال الوافد: صف لي الصادق المجتهد؟
  قال العالم: هو الذي لا يعجز عن الاجتهاد فيما يقربه إلى الله، في تحريكه وسكونه، وكلامه وقيامه وقعوده، ثم يجعل اجتهاده من جميع جوارحه بصدق تكلفه، ثم يجعل تحريك لسانه، واستماع أذنيه، وبطش يديه، ومشي رجليه، وأخذه وعطاه، ونومه ويقظته، وجميع ما يكون منه في ليله ونهاره، يصدق بعضه بعضاً.
  ثم يجعل طعامه وشرابه، ولباسه، وجوعه وعطشه، وقيامه وقعوده، وشبعه وريّه، يوافق بعضه بعضاً، ويجعل جميع ذلك صدقاً منه، وقصداً إلى ما يوافق إرادته، وليكن ذلك من خالص قلبه. فإن فعل ذلك كان صادقاً في إرادته من عبادته، فإن الصادق المحب المستمر في الطاعة، ينبذ الدنيا وراء ظهره، ويظمأ نهاره، ويسهر ليله، ويترك شهواته، ويخالف هواه، ويقصر أمله، ويقرب أجله، ويخلص عمله من الآفات والتخاليط، ويرتعد بدنه من خوف الله.
  قد عزف الدنيا عنه لمّا عرف مكرها وخاف مضرتها، لم ينظر إليها بقلبه، ولم يمش إليها بقدمه، ولم يبطش فيها بيده، حذراً من الدنيا وحذراً من شرورها