لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جُهَّالهم سادوا(١)
  والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة مبسوطة في مواضعها وليست بمحل السؤال، ولا يمنع قطعيتها كونُ بعض شروطها ظنياً كالكرم والتدبير، إذ لا طريق إليهما إلا الظن، وإلا لزم الدور لأن التدبير مثلاً متوقف على الإمامة والإمامة متوقفة عليه، ولها نظائر في القطعيات مثل الصلاة والصوم، فإنها قطعية وإن كان بعض شروطها ظنياً كالقبلة والوقت وبعض الطهارة ونحو ذلك، وفرض العالم ما ذكره السائل من الاختبار أو التواتر، وفرض الجاهل سؤال العلماء المحقين والاقتداء بهم، وإن كان لا يفيد إلا الظن لأنهم قد نزلوا العالم في حق الجاهل بمنزلة الدليل في حق العالم، فيجب على الجاهل في هذه المسألة الترجيح بين أدلته التي هي العلماء إذا تعارضت كما يرجح العالم بين الأدلة الشرعية، فيتحرى اتباع أهل العلم الراسخ والورع الكامل والخبرة التامة البعيدين عن الأغراض والأهواء والميل إلى الدنيا التي حبّها رأس كل خطيئة، فمهما فعل ذلك فذمته بريئة، وقد فعل ما وجب عليه ولو بايع أو جاهد أو قُتِل أو قَتَل، وهذا الذي قضت به الأدلة القطعية، بل يمكن دعوى الإجماع عليه لأنه لم يروَ عن أحد من الأئمة أنه أنكر على من تابعه وجاهد معه من العوام مع علمهم بأنهم لم يبلغوا درجة النظر والاجتهاد، بل لا زال دعاؤهم إياهم متواتراً ويلزمون البيعة والجهاد كرهاً، ولأنه لو كلف الجاهل العلم مع كون الأمور فورية لكان من تكليف ما لا يطاق، ولما جاز للإمام أن يجبر على الواجبات التي
(١) السراة: بالفتح جمع سري، وأما بالضم فهو جمع سار كغزاة جمع غاز ورماة جمع رام كما هو معروف في موضعه تمت نقلا من خط شيخنا الحافظ/ مجد الدين المؤيدي أيده الله تعالى.