ثم إن إثبات المماثلة مذهب حادث لم يرد به دليل؛ إذ لا يخلو إما أن يثبتوه بالسمع فأين هو، أو بالعقل فإما أن يكون عن التفكر في ذات الله، أو عن التفكر في غيرها، أو في التفكر لا في ذاته ولا في غيرها، إن كان الأول فهو محرم إذ من تفكر في الذات ألحد، وإن كان الثاني فلا يفيد؛ إذ التفكر في غيره لا يدل على كيفية استحقاقه لصفاته، وإن كان الثالث فهو تفكر لا في شيء.
  الحجة الخامسة: اتفاق الناس على القول بأن ذات الباري تعالى واجبة الوجود، ولو كان الوجود هو الذات لكان بمنزلة قولهم: أن ذات الباري واجبة الذات.
  والجواب: أنه قد ثبت أنه يصح إطلاق موجود على الله تعالى، وثبت أن وجوده تعالى مخالف لوجود غيره، ومن جملة ما وقعت فيه المخالفة الوجوب والجواز في الوجود، فإذا أردنا التعبير عن هذا قلنا: إن ذاته تعالى واجبة الوجود من غير نظر إلى كون الوجود هو الذات، وإن كان هو هي في المعنى، والتوصل بالعبارات إلى المعاني المقصودة لا مشاححة فيها، وأيضاً فإن أهل العربية يمنعون إضافة الشيء إلى نفسه وعطف الشيء على نفسه، فإذا وقعت المغايرة اللفظية جوزوا ذلك، فكذلك هنا فإنه يجوز مع اختلاف اللفظين التعبير بقولنا: أن ذات الباري واجبة الوجود، ولا يحسن أن نجعل الذات موضع الوجود لما فيه من التكرير المستهجن. والله اعلم.