{فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ١٢} هذا وعد من الله بأن يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار إن هم أطاعوه واستقاموا على دينه، فمن خرج منهم عن طريق الهدى الذي رسمه لهم فقد ضل الطريق وهلك.
  ثم إن بني إسرائيل لم يفوا بهذه العهود فقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} بسبب نقضهم ميثاقهم لعناهم وسلبناهم التوفيق والتنوير، {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}(١) حرفوا التوراة وغيروها ولم يبالوا بمعصية الله وسخطه لقساوة قلوبهم.
  {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}(٢) تركوا كثيراً مما أمرهم الله به ولم يعملوا به.
  {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ١٣}(٣) خاطب الله النبي صلى الله عليه وآله بأنك يا محمد لا تزال ترى
(١) سؤال: ما موضع جملة: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ}؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب؛ لأنها بيانية بين بها الدليل الذي يدل على قساوة قلوبهم، وإلى أي مدى وصلت قساوتها.
(٢) سؤال: هل يصح أن يحمل النسيان على حقيقته أم لا؟
الجواب: الأولى أن النسيان هو تركهم لفعل ما أمر الله به؛ لأن الله تعالى لا يذم على النسيان الحقيقي {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}[البقرة: ٢٨٦].
(٣) سؤال: مم كان هذا الاستثناء: {إِلَّا قَلِيلًا}؟
الجواب: استثني من الضمير المجرور في «منهم» والكلام تام موجب.
سؤال: إذا قيل: بأنه قد سبق لكم أن المائدة من آخر ما نزل، فكيف يتم التوفيق بينه وبين كون الصفح إلى أن يأذن الله له في قتالهم؟ وهل يصح حملها على أنها دعوة للصفح والعفو مطلقاً، أو في حالات؛ جمعاً بينها وبين قوله: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}[التوبة: ٧٣]، أم كيف؟
الجواب: ما ذكرناه في التفسير هو أحد تفسيرين فسروا بها هذه الآية، والتفسير الثاني هو أنك وإن كان بينك وبين اليهود عهد ومواثيق فإنك لا تزال تطلع على خيانة منهم، فلا تؤاخذهم بما يفعلونه من الخيانة للعهد والعقد، وتغاض عن ذلك واصفح، ولا تنقض عهدك معهم لما ترى منهم من الخيانة. وهذا التفسير أولى بالصحة والقبول.