التخلص من جثة أخيه؛ لأنه كان يحمله معه أينما ذهب إلى أن تعفن وتحللت جثته(١)، ولم يكن ندمه هذا على قتله لأخيه؛ لأنه لو كان ندمه على ذلك لكان ندمه هذا توبة.
  {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}(٢)، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى بني إسرائيل: أن من قتل نفساً بغير حق فهو كما لو قتل الناس جميعاً، وجزاؤه القصاص، وهذا جزاؤه عندهم، ولا دية فيه عندهم بخلافه في شريعتنا؛ فإنه يصح أن يعفو ولي المقتول عن القصاص ويأخذ الدية، وهذا تخفيف من الله في شريعتنا، أما في شريعة بني إسرائيل فليس للقاتل إلا القتل.
  وهذا إذا لم يكن ذلك المقتول قد قتل ولا كان مفسداً في الأرض، وهو المراد بقوله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}(٣) أي: أنه
= - إذا علقنا الجار والمجرور بـ «النادمين» اختل الربط بين قصة ابني آدم وبين آية {كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ... }، وإذا علقناه بـ «كتبنا» حصل الربط والتناسب.
- إذا علقناه بـ «كتبنا» حصلت فائدة جديدة للجار والمجرور، وإذا علقناه بـ «النادمين» لم تحصل فائدة جديدة للجار والمجرور؛ لأن العلة مفهومة من سياق القصة، وقد قالوا: إن التأسيس خير من التوكيد
(١) سؤال: لماذا اهتم هذا الاهتمام بجثة أخيه، ولم يهتم لقتله وسفك دمه؟
الجواب: اهتم بجثة أخيه لأن رؤيتها يقلقه ويضيق بها صدره، ولا سيما بعدما تغيرت وتجيفت، ومن حيث إن رؤيتها تبعث على مقته وذمه ولعنه.
(٢) سؤال: ما المقصود بقوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ}؟
الجواب: المراد بذلك أن قصة قتل أحد ابني آدم لأخيه هي العلة والسبب الذي كتب الله من أجله على بني إسرائيل قتل القاتل والقصاص و ... إلخ.
(٣) سؤال: هل المراد كمن قتل الناس جميعاً في تحمل وزر قتلهم جميعاً؟ أو ماذا؟
الجواب: المراد تصوير عظم الذنب وكبره من حيث إن قتل الناس جميعاً مُسْتَنْكَر في العقول ومستقبح وعظيم، لا في تحمل ذنب قتل الناس جميعاً، فإن العدل يقتضي أن يكون عذاب من قتل اثنين مضاعفاً على من قتل واحداً.