محمد؛ لأنهم قد تمردوا وعاندوا وزادوا في تمردهم وعنادهم، وقد أنزلنا عليهم التوراة فحرفوها وبدلوها؛ فلا سبيل إلى هدايتهم وردهم إلى الحق والهدى(١)، فاقطع طمعك منهم، ولا تتعب نفسك في ملاحقتهم.
  {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٤١}(٢) قد استحكم غضب الله عليهم، وحق عليهم عذابه
(١) سؤال: قد يقال: إذا لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله سبيل إلى هدايتهم فكيف كلفوا بالهداية؟ وقد يحتج بمثل هذا أهل الجبر فكيف يجيب المرشدون على ذلك؟
الجواب: قدرة النبي صلى الله عليه وآله واستطاعته في هذا الباب هي تبليغ رسالات الله، ودعوة الناس إلى دين الله، والتذكير لهم، وتكرير المواعظ وتنويعها، والصبر والتحمل، ومقابلة الإساءة بالإحسان، والتلطف والبر؛ ليصغوا لمواعظه وتذكيره، هذا هو منتهى استطاعة النبي صلى الله عليه وآله، وليس بوسعه أن يدخل الناس في الهدى، ولا سبيل له إلى ذلك بعد أن بلغ الرسالة ونصح الناس. وقد كلف الله تعالى الناس جميعاً بالدخول في الهدى الذي دعاهم إليه النبي صلى الله عليه وآله، فاستجاب المؤمنون، ودخلوا في دين الله، وأبى الكثير أنفةً وكبراً، بعد معرفتهم الحق، واختاروا الكفر، ومالوا إليه بإرادتهم واختيارهم، ورغبتهم فيه وحبهم له، ولم يتركوا الدخول في الهدى لعدم قدرتهم على الدخول فيه، فهم قادرون ومستطيعون للدخول فيه، ولكنهم عدلوا عنه رغبة في شهوات الدنيا وزينتها، وإيثاراً للعاجل على الآخرة.
(٢) سؤال: {لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} من أعظم ما يشكل على الطلبة، فلو وضحتم المعنى المقصود منها؟
الجواب: إذا استجاب المكلف لداعي الله، ودخل في الهدى أمده الله تعالى بالألطاف والتوفيق والتنوير، وبذلك تزول الشبهات من قلبه وتنمحي آثارها، فيطهر قلبه، وتستنير بصيرته، وإذا رفض المكلف داعي الله وأعرض عنه واستكبر وأصر على الكفر لم يستحق شيئاً من ألطاف الله وأنواره وتوفيقه التي يعطيها للمستجيب ثواباً على قبوله للهدى وإجابته لداعي الله. والدليل على أن ذلك ثواب على الاستجابة قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ١٧}[محمد]، وقوله تعالى: {وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ =