وفي قوله: (وتعلم) دليل على ما أشرنا إليه سابقاً من الاستعانة بأنظار العلماء، إذ هو في معنى التعلم منهم، بل ينبغي له مراجعة من أمكنته مراجعته، فقد قال علي: (فمن شاور الرجال شاركها في عقولها) رواه في النهج.
  وقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ}[آل عمران: ٥٩] ولم يفصل وقال: (من استبد برأيه هلك) وقد حث أمير المؤمنين # على التبصر والتفهم بجعله اليقين على تبصرة الفطنة.
  وقوله: (فمن تبصر الفطنة تبينت له الحكمة وجعله العدل على غائص الفهم وغور العلم)، وقوله: (فمن فهم علم غور العلم) ذكر ذلك في سياق قوله: (الإيمان على أربع شعب) وقد نبه الله على ذلك بقوله: {لِقَوْمٍ يَفْقَهُوْنَ}[الأنعام: ٩٨] والفقه: الفهم.
[الفائدة الثامنة: في الدليل]
  الدليل لغة ما يُعَرِّفُ طرق الأمكنة على وجه يقتدى به، أو بقوله، جمادًا كان أو حيواناً، عاقلاً كان أو غير عاقل، والدلالة لغةً: العلامة، وأما في الاصطلاح فهما بمعنى واحد، وهو ما إذا نظر الناظر فيه نظراً صحيحاً، أوصله إلى المطلوب ومن خص استعمال الدليل بما يوصل إلى العلم، قال: أوصله إلى العلم بالغير إذ ما يوصل إلى الظن يسمى أمارة، وإطلاق اسم الدليل عليه مجاز، ولا يشترط في الدليل أن يكون واضعه وضعه لذلك، كما قال السيد مانكديم محتجاً بأنه لا يقال في أثر اللص أنه دليل عليه، وإن أمكن الاستدلال به على موضعه؛ لأنه لم يضعه لذلك لمبالغته في إخفاء نفسه، لأنا نقول قد حصل الغرض، وإن لم يقصده فعدم القصد لا يخرجه عن كونه دليلاً كما أن ترك النظر في الدليل لا يخرجه عن كونه دليلاً.
  إذا عرفت هذا فاعلم أن الأدلة خمسة: العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع،