⬇️ تحميل الكتاب كاملاً

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيلمحمود بن عمر الزمخشري(ت: 538)

محمود بن عمر الزمخشري
📄 صفحة 527 - الجزء 1

  وهو مثل في القلة، كالفتيل والقطمير. والمراد بالملك: إما ملك أهل الدنيا، وإما ملك الله كقوله تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ} وهذا أوصف لهم بالشح، وأحسن لطباقه نظيره من القرآن. ويجوز أن يكون معنى الهمزة في أم: لإنكار أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك، وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كما تكون أحوال الملوك. وأنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئا. وقرأ ابن مسعود: فإذاً لا يؤتوا، على إعمال إذا عملها الذي هو النصب، وهي ملغاة في قراءة العامة، كأنه قيل: فلا يؤتون الناس نقيرا إذاً {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه. وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العزّ والتقدّم كل يوم {فَقَدْ آتَيْنا} إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة {آلَ إِبْراهِيمَ} الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وآله، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه. وعن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان. وقيل: استكثروا نساءه فقيل لهم: كيف استكثرتم له التسع وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟ {فَمِنْهُمْ} فمن اليهود {مَنْ آمَنَ بِهِ} أى بما ذكر من حديث آل إبراهيم {وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} وأنكره مع علمه بصحته. أو من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وآله، ومنهم من أنكر نبوّته. أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من كفر، كقوله: {فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ}.

  {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ٥٦}

  {بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها} أبدلناهم إياها. فإن قلت: كيف تعذب مكان الجلود العاصية جلود لم تعص؟ قلت: العذاب للجملة الحساسة، وهي التي عصت لا للجلد. وعن فضيل: يجعل النضيج غير نضيج. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله «تبدّل جلودهم كل يوم سبع مرّات» وعن الحسن: سبعين مرّة يبدّلون جلوداً بيضاء كالقراطيس {لِيَذُوقُوا الْعَذابَ} ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك للعزيز: أعزّك الله، أى أدامك على عزّك وزادك فيه