القرآن الكريم مع التفسير

سورة الرعد

آية
إجمالي الآيات: 43 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} يشير الله سبحانه وتعالى إلى تفخيم هذه السورة لما اشتملت عليه من الآيات الواضحة المنيرة التي فيها البينات والحجج التي تكشف عن صدقه، وفيها حث على النظر والتفكر في هذه الآيات، واستنكار على من أعرض عنها.
{وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن القرآن الذي أنزله إليه هو الكلام الحق والصدق، وليس خرافات وأساطير الأولين كما يزعمون.
{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ 1} فقد عرف المشركون ذلك، وأنه حق وصدق، ولكنهم استكبروا عن الإيمان به، وأعرضوا وتمردوا.
الآية 2
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
📝 التفسير:
{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (1) يثير الله سبحانه وتعالى عقول المشركين وغيرهم إلى أن ينظروا إلى السماء فوقهم، فمن الذي رفعها وأمسكها بغير عمد تعتمد عليه، وأخبرهم أنه قد جعلها آية ظاهرة أمام أعينهم معلقة فوقهم بكواكبها ونجومها بلا مانع يمنعها من السقوط إلا قدرته سبحانه، فلماذا لا يؤمنون بالذي رفعها وأمسكها من السقوط بقدرته؟
{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض ثم سيطر عليها بقدرته، {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} وحثهم أيضاً أن ينظروا إلى الشمس والقمر هاتين الآيتين الظاهرتين أمامهم، وفي مجيئهما وذهابهما على تقدير في دقة متناهية لا تختلف عن مسارها ذلك منذ أن خلق الله السماوات والأرض وستظل كذلك إلى يوم القيامة.
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} (2) وأخبرهم أن تدبير أمور السماوات والأرض وما بينهما من الخلق والرزق والحياة والموت والمطر والرياح وإخراج الثمر والنبات بقدرته وعلمه وحكمته.
{يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ 2} فصل الله سبحانه وتعالى لنا هذه الآيات الدالة عليه وعلى جلاله وعظيم قدرته- لنؤمن به وبلقائه وحسابه وجزائه، وقد نزلت هذه السورة في مكة بين المشركين يخاطبهم الله سبحانه وتعالى بها لإعراضهم وتمردهم عليه.

__________
(1) -سؤال: من فضلكم ما محل جملة {تَرَوْنَهَا} الإعرابي؟ وما ينبني على هذا الإعراب من معانٍ؟
الجواب: {تَرَوْنَهَا} مستأنفة لا محل لها من الإعراب أي: أنكم ترونها مرفوعة بلا عمد، ويجوز أن تكون الجملة في محل جر صفة لعمد، أي: أن الله تعالى رفع السماوات بغير عمد مرئية، أي أنه رفعها بعمد من قدرته، أي: أن قدرته هي التي أمسكت السماوات.
(2) -سؤال: فضلاً ما محل جملة: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}؟
الجواب: جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
الآية 3
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} وأخبرهم أنه وحده هو الذي مد لهم الأرض وبسطها، وهيئها لمعيشتهم؛ فما بالهم يعدلون عن عبادته إلى عبادة الأصنام التي لا قدرة لها أصلاً؟
{وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} (1) وهو الذي خلق على ظهرها الجبال الراسية لتثبيتها وإمساكها، وهو الذي أنزل لهم المطر، وأنبت لهم به أنواع الثمار.
{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} وهو الذي جعل ظلمة الليل تغطي ضوء النهار؛ يدعوهم الله سبحانه وتعالى إلى أن يتفكروا ويتدبروا في ذلك، ليرجعوا عن غيهم وشركهم إلى فاطر السماوات والأرض.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 3} أخبرهم الله سبحانه وتعالى أن فيما ذكر آيات ودلالات واضحة على قدرته وعظمته وسيطرته على ما في السماوات والأرض لمن تفكر ونظر وتأمل.
__________
(1) -سؤال: هل يلزم أن لا يوجد نوع من أنواع الثمار إلا ويوجد معه زوجة بمثابة الأنثى طبقاً لهذه الآية؟
الجواب: المراد في الآية أن كل ثمرة خلقها الله تكون صنفين أي: نوعين أو أكثر، فالعنب أصناف كثيرة والتمر أنواع، و ... إلخ، ولا يوجد ثمرة على وجه الأرض من نوع واحد.
الآية 4
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ} أراد بذلك البساتين والأراضي الزراعية المتنوعة في زراعتها.
{وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} وأخبر أن فيها بساتين النخل، وأن هذه النخل صنوان وغير صنوان، فالصنوان هي النخلة التي يخرج من عرضها نخلة مثلها متفرعة منها، وغير الصنوان هي المفردة التي لم يخرج منها ذلك.
{يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} وأخبر أن هذه البساتين المتنوعة تسقى بنفس الماء.
{وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} ومع ذلك تتفاوت في طعمها ونكهاتها، يبعث الله سبحانه وتعالى هنا المشركين على النظر والتفكر في هذه القطع المتجاورات، وأصناف ما تنبته وتخرجه من الثمار المختلفة والمتنوعة، من هو الذي خالف بينها، وميز بين طعومها وألوانها، مع أنها تسقى بماء واحد وفي تربة واحدة؟
يستنكر الله سبحانه وتعالى عليهم لماذا لا يؤمنون بمن ظهرت فيهم آيات قدرته وآيات علمه ورحمته.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 4} فانظروا وتفكروا في ذلك، وستعرفون أنه لا بد من قدرة قادر عليم تدبر هذه الأشياء، وتخالف (1) بينها في منتهى الدقة والإحكام.
__________
(1) -سؤال: هل ما دلت عليه هذه الآية هو ما يعبر عنه علماء الكلام بدليل الاختلاف؟
الجواب: نعم ذلك هو دليل الاختلاف.
الآية 5
وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
📝 التفسير:
{وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} (2) يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه إذا تعجب من شيء فليتعجب من قول المشركين: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}؛ لأنهم قد استنكروا كيف يصح أن يردهم
الله سبحانه وتعالى أحياءً وقد صاروا تراباً؟
ففي قولهم هذا العجب العجاب؛ فكيف لا يستطيع أن يعيد خلقهم!! وقد خلق ودبر أمر السماوات والأرض، وأخرج البساتين والثمار المختلفة والمتنوعة مع أنها تنبت في تراب واحد وتسقى من ماء واحد؟ أليس من قدر على ذلك، وقدر على خلقهم من العدم قادر على أن يعيد خلقهم مرة أخرى؟ فإن كنت متعجباً يا محمد من شيء فتعجب من زعمهم هذا الكاذب، واتهامهم لله جل وعلا بالعجز وعدم القدرة، مع ما كان منه من كل تلك الآيات الظاهرة الدالة على عظيم قدرته.
{أُولَئِكَ (1) الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن هؤلاء الذين يتهمون الله سبحانه وتعالى، ويشككون في قدرته- هم الذين كفروا بربهم.
{وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 5} فبكفرهم بربهم سيغل الله سبحانه وتعالى أيديهم إلى أعناقهم، ويسحب بهم إلى نار جهنم خالدين فيها أبداً.
__________

(2) -سؤال: فضلاً ما هو إعراب: {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ}؟
الجواب: {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} جملة جواب الشرط وهي في محل جزم، و «عجب» خبر مقدم، و «قولهم» مبتدأ مؤخر.
(1) -سؤال: هل للإشارة بأولئك إلى من ذكر نكتة فما هي؟
الجواب: النكتة في الإشارة المذكورة أنهم أبعدوا في الكفر وتوغلوا فيه، وأنهم استحقوا الأغلال والخلود في عذاب النار كبعدهم في الكفر وذهابهم فيه إلى غاية بعيدة.
الآية 6
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ
📝 التفسير:
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} كان المشركون يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعجل لهم العذاب الذي توعدهم به على كفرهم.
{وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} يُعَجِّب الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من شأنهم هذا كيف يستعجلون نزول العذاب بهم وهم يرون ما حل بالأمم السابقة التي كانت قبلهم ويرون آثارهم؟ وأن هذا من سخافة عقولهم، والمثلات هي: الأيام التي مَثَّلَ اللهُ سبحانه وتعالى بأصحابها وعذبهم فيها وعاقبهم.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ 6} أراد الله سبحانه وتعالى بذلك أنه لا يعجل بإنزال عقوبته وعذابه بالعصاة مع أنهم قد استحقوا ذلك، بل يمهلهم ويؤخرهم، والتمهيل هو المراد بالمغفرة في الآية (1).
وأخبر أنه إذا أنزل عقابه بأحد فإن عقابه يكون شديداً؛ فليحذروه وليحذروا عقابه.
__________
(1) -سؤال: يقال: هل لهذا المعنى (أن المغفرة التمهيل) دلالة تؤيده من كلام العرب أو نحوها فقد يحتاج المقام لذلك؟
الجواب: المغفرة: هي ترك المؤاخذة بالذنب، والتمهيل: هو ترك المؤاخذة للمجرمين بإجرامهم في مدة الحياة الدنيا؛ لذلك فالتمهيل هو من مسميات المغفرة. وفي هذه الآية: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد:6]، لا يصح تفسير المغفرة {لَذُو مَغْفِرَةٍ ... } إلا بالتمهيل لهم وعدم مؤاخذتهم حالاً.
الآية 7
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ
📝 التفسير:
{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} يقول الكافرون لو كان محمد نبياً كما يزعم لكان معه آية من ربه تشهد بصدقه، مع أنه قد جاءهم بالآيات الواضحة والحجج القاطعة غير أنهم لم يعتدوا بها وكذبوها وعاندوا مع معرفتهم بصحة ما جاء به واستيقانهم لصحة ما جاءهم به من الآيات.
{إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} (2) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لم يرسله إلا لينذرهم فقط، وليس عليه أن يأتيهم بما يقترحون من الآيات، فلن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية.
{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ 7} وأخبره بأنه يبعث لكل قوم من يهديهم إلى طريق الحق، وأنت يا محمد هادي (3)هذه الأمة لو كانوا يهتدون.
__________

(2) -سؤال: فضلاً ما الوجه في فصل هذه الجملة: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ} عما قبلها؟
الجواب: فصلت لأنها ليست من مقول قول الذين كفروا، وهي جملة مستأنفة وقعت جواباً على قولهم.
(3) -سؤال: هنا روايات متظافرة أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المنذر وعلياً الهادي فما صحة ذلك؟

الجواب: الروايات صحيحة، وحقاً فعلي عليه السلام هو الهادي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمبين للأمة ما اختلفوا فيه من الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحق معه وهو مع الحق وهو خليفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والقائم مقامه، وهو نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بنص القرآن و ... إلخ.
الآية 8
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ
📝 التفسير:
{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ} يخبر الله سبحانه وتعالى المشركين عن مدى علمه وإحاطته بكل شيء، وأنه يختص بعلم ما تحمله كل أنثى، وما تغيض أرحامهن وتنقصه، وما يزداد فيها من الحمل، وهل بواحد أم باثنين أم بأكثر من ذلك؟ وهل هو حي أم ميت (1)؟
{وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ 8} وكل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى فهو على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من غير زيادة ولا نقصان.
فانظر لخلق الإنسان، وما في تركيبه من الإتقان العجيب، والتناسق البديع، وكونه على هذه الهيئة والصفة والتقدير، فانظر إلى خلق اليدين مثلاً لو أن اليد كانت أطول مما هي عليه كيف يكون حاله ومنظره، وأيضاً لو كانت أصغر مما هي عليه كيف يكون منظره وحاله؟
وكيف لو كان بغير شعر كيف يكون منظره؟ وكيف لو كانت عيناه على شكل غير شكلها هذا؟ وكذلك كل عضو في الإنسان إذا نظرت وتفكرت فيه ستجد أنه قد وضع في مكانه المحدد له على منتهى الدقة، وعلى حسب ما يوافق احتياجه في المعيشة.
وكذلك انظر إلى هذا الماء الذي ينزل من السماء فهو على قدر حاجة الإنسان والحيوان، وعلى حسب ما يوافق مصالحهم، فلو أنه زاد على ذلك القدر لكانت الفيضانات، ولاختلت أمور المعيشة، وانظر إلى الشمس لو أنها ارتفعت قليلاً عن مكانها لتجمدت الكائنات وانتهت، ولو أنها نزلت قليلاً لأحرقت من في الأرض، وأنها قد وضعت على حسب احتياج الإنسان ومصلحته، وكل ما في السماوات والأرض على هذا المنوال، وعلى قدر الحكمة والمصلحة.
ولو تتبعنا ذلك هنا وبسطناه على حسب ما يقتضيه المقام لاحتجنا إلى الكثير من الكلام.
وقد قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ 49} [القمر]، يعني على قدر الحكمة والمصلحة لا كما يزعم أولئك أن المعنى أن كل فعل يفعله الإنسان فهو من الله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.

__________
(1) -سؤال: يقال: هل ما يعلم في زماننا بواسطة الأشعة ونحوها ينقض اختصاص الباري بعلم ما في الأرحام، أم أن لذلك معنى آخر؟
الجواب: لا منافاة ولا تناقض فالله سبحانه وتعالى يختص بعلم ما في الأرحام ونوع ما تصير إليه النطفة من ذكر أو أنثى، وعدده واحد أو أكثر، وكماله ونقصه، ولونه و .. إلخ، وعلم ذلك محجوب عن البشر، فلا يعلم بواسطة الأشعة نوع الجنين وكماله أو نقصه إلا بعد أن يكتمل خلقه وتكوين جميع أعضائه، أي: حين يصير إنساناً كاملاً بجميع أعضائه ولم يبق بيننا وبينه إلا جلدة البطن وأغشية الأحشاء.
الآية 9
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ
📝 التفسير:
{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} والتقدير ذلك فهو صادر من العالم بما يحتاجه خلقه في الحاضر والمستقبل.
والغيب هو: الأمور المستقبلة والخفية الغائبة عن الحس، والشهادة هو: الأمر الحاضر المحسوس.
{الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ 9} (1) فهو الكبير بعلمه المحيط بكل شيء، وبقدرته المسيطرة على كل شيء، وعظمته وملكه للسماوات والأرض وما بينهما، لا تلحقه صفات النقص من التعب والإعياء، ولا الموت والفناء، ولا العجز ولا الجهل، فهذا هو معنى الكبير المتعالي.
__________
(1) -سؤال: يقال: هل لحذف الياء هنا نكتة أو سبب أم لا؟ فلماذا حذفت؟
الجواب: تحذف الياء في مثل هذا للتخفيف، ولذلك نكتة زائدة هنا وهي مناسبة رؤوس الآي.
الآية 10
سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ
📝 التفسير:
{سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} (2)فهو عالم بهما جميعاً، {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ 10} وعالم بمن هو متخف في ظلمة الليل، ومن هو سائر في وضح النهار لا يخفى عليه شيء من ذلك.

__________

(2) -سؤال: ما هو إعراب: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ}؟

الجواب: «سواء» خبر مقدم، و «منكم» متعلق بمحذوف حال من فاعل سواء، و «من أسر» اسم موصول مبتدأ مؤخر، و «سواء» مصدر بمعنى مستو.
الآية 11
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ
📝 التفسير:
{لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} يخبر الله سبحانه وتعالى عن ضعف الإنسان، وأنه لا حول له ولا قوة حتى في نفسه، وأنه قد امتن على كل إنسان بأن سخر له ملائكة يحفظونه من المهالك والمصائب، ولا يرتفعون إلا عند حلول أجله.
والمراد أن للإنسان حافظاً يحفظه وهذا الحافظ هو من أمره تعالى (1)، فقد يكون ملائكة وقد يكون غير ذلك، فكل شيء بقدرته تعالى، والمعقبات المراد بها أنها تتعقبه في كل أوقاته، ولا تنفك عنه.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} عندما يكفر الإنسان نعم الله سبحانه وتعالى عليه ويبطر، ولا يشكر الله تعالى عليها فإن الله سبحانه وتعالى سيرفع نعمه عنه، فينبغي للإنسان إذا أنعم الله سبحانه وتعالى عليه بنعمة أن يؤدي حق شكرها، وشكره لله يكون بامتثال أوامره، والانتهاء عن مناهيه.
{وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ} فإذا أراد الله سبحانه وتعالى إنزال مصيبة أو مكروه بقوم فلن يستطيع أحد (2) أن يدفع ذلك، ولا أي قوة في الأرض تستطيع رد ذلك، فلا مفر لهم منه إلا إليه.
{وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ 11} ولا ناصر لهم غير الله سبحانه وتعالى، فالأحسن لهم أن يرجعوا إليه، ويقلعوا عما هم عليه من الكفر والتمرد والعصيان.

__________
(1) -سؤال: يظهر من هذا أن: {مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} متعلق بمحذوف صفة لـ «معقبات» فهل هو كذلك؟ وما الوجه في عدم تعلُّقِهِ بـ «يحفظونه»؟
الجواب: الأمر كذلك: فـ «من أمر الله» صفة لمعقبات، وليس متعلقاً بيحفظونه، والذي يرجح ما ذكرنا: اختلال المعنى أو فساده لو علقناه بيحفظونه، فإن الله تعالى إذا أراد أمراً فلا مرد له: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [هود:43]، ولكن يجوز أن يتعلق الجار والمجرور بيحفظونه على تأويل «من» بمعنى الباء أو بمعنى «عن» أي: يحفظونه بأمر الله أو عن أمر الله.
(2) - سؤال: هل تريدون أن هذا صلة لما قبله؟ وأن المعقبات تمنع من حفظ الإنسان إذا أراد الله إنزال المكروه به؟
الجواب: الكلام متصل في المعنى بما قبله، وأن المعقبات التي تحفظ الإنسان لا تحفظ الإنسان مما يريده الله من السوء له.
الآية 12
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ
📝 التفسير:
{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} (2) يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن البرق الذي نراه أنه من خلقه، ومن آيات قدرته، فبعض الناس يصيبه الخوف من رؤيته خشية أن يصيبه منه مكروه، وبعضهم يكون طامعاً في المطر، وما يأتي من الخير معه.
{وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ 12} وأن هذه السحاب التي ترونها أمامكم المحملة بالماء، فالله سبحانه وتعالى هو الذي أنشأها وخلقها.
ينبه الله سبحانه وتعالى مشركي مكة بذلك لعلهم يرجعون إليه إذا نظروا وتفكروا فيها، ويتركون ما هم عليه من عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، ولا تغني شيئاً.
__________

(2) -سؤال: يقال: هل من الممكن أن يراد حصول الأمرين جميعاً الخوف والطمع عند الناس جميعاً؟
الجواب: المراد هو ذلك أي: حصول الأمرين جميعاً عند الناس جميعاً أو على التوزيع كما ذكرنا فالكل صحيح.
الآية 13
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ
📝 التفسير:
{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ (3)وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} أراد الله سبحانه وتعالى بذلك أن الرعد يدل على عظمة منشئه وخالقه، وعلى رحمته بعباده وعظيم نعمته عليهم بالمطر الذي يخرج الله تعالى به لهم رزقهم، فمن نظر وتفكر في الرعد سبح الله وعظمه ونطق بحمد الله على ما رأى من عظيم النعمة بالرعد والمطر.
وأخبر الله سبحانه وتعالى عن الملائكة بأنها تحمد الله وتسبحه خوفاً منه لمعرفتهم العظيمة به حق معرفته.
{وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ 13} والله تعالى هو الذي يرسل الصواعق؛ فلماذا لا يؤمنون به مع آياته الكثيرة التي يرونها، ولماذا يصرون على كفرهم بربهم وهم يرون آثار قوته العظيمة وقدرته الشديدة، ومعنى «الْمِحَالِ»: القوة.

__________

(3) -سؤال: ما معنى الباء في قوله: {بِحَمْدِهِ}؟ وهل يصح أن يحمل التسبيح على حقيقته أم لا؟ ولماذا؟

الجواب: الباء للملابسة والمصاحبة أي: متلبسة بحمده، والتسبيح الحقيقي لا يتأتى إلا من ذي روح عاقل.
الآية 14
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ
📝 التفسير:
{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} هناك من يعبد الشمس ومن يعبد الأصنام ومن يعبد عيسى بن مريم، ومن يعبد البقر، و ... إلخ، فأخبر الله تعالى ونبيه ذوي العقول بعد أن عدد آيات ربوبيته وآيات قدرته وآيات علمه ورحمته إلى أنه هو وحده الذي يستحق العبادة وأنه هو الذي يستحق أن تتوجه إليه الخلائق بالطاعة والخشوع والتذلل دون ما سواه من المعبودات.
{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} وأخبر الله سبحانه أن ما سواه من المعبودات عاجزة لا تنفع ولا تقدر على النفع.
{إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ 14} وأن دعوتهم للأصنام هذه ليست إلا كحال من يؤشر بيديه إلى الماء من بعيد ويناديه بأن يأتيه ليشربه، فهل يستطيع هذا الماء أن يأتي؟ فدعوتهم هذه في ضلال وضياع.
الآية 15
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ
📝 التفسير:
{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ 15} يخبر الله سبحانه وتعالى هنا أن ما في السماوات والأرض خاضع لله تعالى ومنقاد لمشيئته وإرادته من البشر وغيرهم من الملائكة والجن والحيوانات والنجوم والكواكب وغيرها، وأخبر أن بعض هذه الأشياء خاضع ومنقاد طوعاً كالملائكة وبعض الجن والإنس بمحض إرادتهم واختيارهم، والبقية خاضع له كرهاً كالنجوم والجبال والشجر والدواب أي أنها منقادة لإرادته ومشيئته، ولا اختيار لها في ذلك.
وذكره للظلال فقد أراد به الشمس لأنه ملازم لها ويعني به أن الشمس منقادة له في مسار واحد لا تختلف عنه أبداً منذ أن خلق السماوات والأرض، فالظلال منقاد لله تبعاً لانقياد الشمس.
الآية 16
قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
📝 التفسير:
{قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل المشركين من رب السماوات والأرض؟ وأخبره بأنهم (1) سيعترفون بأن الله خالقها ومالكها والمسيطر عليها.
{قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} إذا اعترفتم بأن الله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض فلماذا تتخذون من دونه آلهة تعبدونها؟ مع أنها لا تملك لنفسها شيئاً من النفع، ولا تدفع عنها شيئاً من الضر، فضلاً عن أن تنفع غيرها، أو تدفع عن غيرها ضراً أو مكروهاً.
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} فأخبروني إذاً هل يستوي الأعمى والبصير؟ وهل يعدل العاقل إلى تفضيل الأعمى على البصير، وإلى اختيار الظلمة على النور؟ فما بالكم تعدلون إلى عبادة من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وتتركون عبادة رب السماوات والأرض؟
{أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ}، يستنكر الله سبحانه وتعالى عليهم عبادتهم للأصنام فهل خلقت هذه الآلهة كخلق الله حتى اشتبه عليكم خلق الله من خلق ذلك الإله الآخر فذهبتم تعبدونه مع الله لأجل ذلك.
{قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ 16} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخبرهم أنه ما دام أنكم قد اعترفتم بالله سبحانه وتعالى، وأنه خالق السماوات والأرض- إذاً فهو وحده المختص بالإلهية، والمستحق للعبادة لا شريك معه في ذلك، فلأي سبب عدلتم إلى عبادة غيره.

__________
(1) -سؤال: يقال: من أين نفهم هذا مع أن الأمر الإلهي «قل» ظاهر في أن يجيب هو صلى الله عليه وآله وسلم ؟
الجواب: جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو حكاية لإقرارهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان:25]، ولذا جاء بعدها: {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ ... }.
الآية 17
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ
📝 التفسير:
{أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} ثم أخبر عن قدرة الواحد القهار الذي استحق العبادة وحده بأنه الذي أنزل المطر من السماء بقدرته، ومعنى «بقدرها»: بالمقدار الذي أراده الله سبحانه واقتضته الحكمة.
{فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا} وأخبر أن هذا السيل يحمل زبداً فوقه والزبد كما هو معلوم لا نفع فيه، والرابي: هو المرتفع المنتفخ.
{وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} (1)وأخبر تعالى أن هناك زبداً آخر يخرج من الذهب والفضة والحديد والنحاس عند صياغته بالنار، والمعروف أيضاً أن هذا الزبد غير نافع ولا قيمة له.
{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قد ضرب للحق والباطل مثلاً فالزبد هو مثل الباطل والماء هو مثل الحق، وزبد المعادن هو مثل الباطل والمعدن هو مثل الحق.
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً} يضيع ويذهب وكأن لم يكن شيئاً، وإن كان يظهر أمام عين الرائي عندما يطفو على الماء في صورة وكأنه شيء ذو شأن، ومعنى جفاءً: مرمياً به لا يُلتفت إليه.
{وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} الذي فيه نفع للناس وهو الماء فإنه يبقى على وجه الأرض، وأما ذلك الزبد الذي لا ينفعهم فيذهب وينتهي، فمثل الحق والباطل في النفع وعدمه كحال الزبد والماء.
{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ 17} يضرب الله تعالى الأمثال للناس ليقرب إلى عقولهم صورة الحق وصورة الباطل كما فعل تعالى هنا حين صوَّرَ الحقَّ لنا بصورة الماء وصَوَّرَ الباطلَ بصورة الزبد الذي يطفو على وجه السيل ويملأ العين بجهامته ثم يذهب ويتلاشى ولا يستفيد منه إنسان ولا حيوان.

__________
(1) -سؤال: من فضلكم ما إعراب: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ} إلى قوله: {زَبَدٌ مِثْلُهُ}؟

الجواب: «مما» جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. «يوقدون»: صلة الموصول. «ابتغاء» مفعول من أجله. و «زبد مثله» مبتدأ مؤخر ومثله صفة.
الآية 18
لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ
📝 التفسير:
{لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} أخبر الله سبحانه وتعالى أن الذين استجابوا له وآمنوا به وصدقوا آياته ورسله فلهم جزاء الحسنى في الدنيا والآخرة. والمراد بالحسنى: المثوبة الحسنة وهي المغفرة والجنة والسلامة من النار.
{وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ} (1) ورفضوا دعوة الله سبحانه وتعالى وكفروا به.{لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ} لن يكون لهم إلا الندم والحسرة يوم القيامة، ولو كان لأحدهم ملء الأرض ذهباً وأضعاف ذلك ليفتدي به- لاقتدى به من هول ما يرى من عذاب الله.
{أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ} وسيحاسبهم الله سبحانه وتعالى حساباً شديداً على كل صغيرة وكبيرة، بخلاف المؤمن فإن الله سبحانه وتعالى يتجاوز عن صغائره ويمحوها بسبب محافظته على طاعة الله {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا 8} [الانشقاق].
{وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ 18} ثم يدخلهم -أي: الذين لم يستجيبوا له- نار جهنم خالدين فيها أبداً، يكون فراشهم فيها النار، وعليهم غطاء من نار مع ما يلقونه من أنواع العذاب.

__________
(1) -سؤال: يقال: هل تصدق الآية على كل من رد شيئاً من التكاليف أو ترك العمل به؟
الجواب: تصدق الآية على كل من لم يعمل بما فرضه الله قطعاً أو أنكره ورده.
الآية 19
أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ
📝 التفسير:
{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا (1) أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} لا يستوي من آمن بك يا محمد وعرف الحق الذي أنزله الله إليك واهتدى به، هو وذلك الذي تعامى عن الحق وأعرض عنه.
{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ 19} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يفرق بينهما إلا أهل العقول والمعرفة، وأما أولئك المشركون فالمؤمن والكافر عندهم سواء لأنهم لا يؤمنون بالبعث والحساب ويقولون إن من مات صار تراباً وانتهى أمره.
فأجاب الله سبحانه وتعالى عليهم بأنهم ليسوا سواء، وأنه لا بد من دار يجازى فيها كلٌ منهما، ويتناصف فيها الظالم والمظلوم، وأن ذلك الذي يزعمه أولئك المشركون لا يصح عقلاً، فهل يصح أن يكون من أصابه البلاء من حين ولادته إلى موته، وذلك الصحيح على السواء؟
إذاً فإنا نحكم عقلاً عندما نرى ذلك المبتلى لم ينل جزاءه في الدنيا أن هناك داراً غير هذه الدار ينال فيها عوض ما فاته في الدنيا، وأنه لو لم يكن ذلك لكان ظلماً من الله سبحانه وتعالى أن يميته قبل أن ينال عوضه، وكذلك الظالم والمظلوم فعندما لا نرى هذا الظالم ينال جزاءه في الدنيا فإنا نقطع أنه لا بد من دار غير هذه الدار ينال فيها جزاءه، وذلك أنا نعلم أن الله سبحانه وتعالى عدل حكيم ومن عدله وحكمته أن ينال هذا الظالم جزاءه، ويأخذ هذا المظلوم حقه، وكذلك الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير فهو قادر على أن يمنع هذا الظالم، ويحول بينه وبين هذا المظلوم، ولكنه خلَّى بينهما، وجعل هذا متمكناً، ووفر له جميع أسباب ظلمه من الآلات والقوى، وفي مقابله سلب عن المظلوم التمكين والقوى التي يدفع بها عن نفسه، إذاً فلا بد أن يبعثهما فيعوض هذا ما قد سلبه في الدنيا، وينيل ذلك الظالم جزاءه، يعرف ذلك كل من نظر وتفكر بعقله.
__________
(1) -سؤال: يقال: كان من حق كتابتها طبقاً لقواعد الكتابة أن تفصل هكذا «أن ما» لأنها موصولة فلماذا أدمجت؟
الجواب: نعم كان من حق كتابتها أن تكون مفصولة كما ذكرتم، ولكنها أدمجت لأنها كتبت في المصاحف التي كتبها الصحابة ووزعوها في أمصار المسلمين، وعلى ذلك التزم المسلمون أن يرسموا كتابة المصاحف من بعد ذلك على ما رسمه الصحابة وجعلوا ذلك سنة في كتابة المصحف إلى اليوم.
الآية 20
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ
📝 التفسير:
ثم وصف الله سبحانه وتعالى أولو الألباب فقال: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ 20} وهو إيمانهم بالله سبحانه وتعالى وامتثالهم لما أمرهم به، واجتنابهم ما نهاهم عنه؛ فهذا هو عهدهم وميثاقهم مع الله سبحانه وتعالى الذي يوفون به، وهكذا هم متصفون بالوفاء، وعدم نقض العهد فيما بينهم وبين الناس.