القرآن الكريم مع التفسير

سورة فاطر

آية
إجمالي الآيات: 45 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} الله سبحانه وتعالى هو وحده المختص بالحمد والثناء؛ لأنه المتفرد بخلق السماوات والأرض وما بينهما، فهو الذي يستحق الحمد دون تلك المعبودات من دونه التي لا تستطيع أن تخلق شيئاً.
{جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} ثم وصف نفسه بهذا الوصف لينبه عباده على نعمة هدايتهم بما قد أرسل إليهم من الملائكة التي تنزل بوحي الله سبحانه وتعالى إلى الأنبياء الذين يبلغونهم رسالات ربهم، وما فيه نجاتهم وهدايتهم.
{أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 1} (1) ثم وصف الله سبحانه وتعالى هذه الملائكة بأنه قد جعل لها الأجنحة التي تحملها وتطير بها، وأنه قد جعل لبعضها جناحين اثنين وبعضها ثلاثة أجنحة وبعضها أربعة، وبعضها أكثر من ذلك وكل ذلك على حسب ما تقتضيه الحكمة.
__________
(1) - سؤال: فضلاً لو أعربتم: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ}؟ وما موضع الجملة: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}؟
الجواب: «جاعل الملائكة» صفة لله، والإضافة حقيقية لأنها بمعنى الماضي. «رسلاً» مفعول به ثان لجاعل، أو حال إذا قلنا: إن جاعل بمعنى خالق، ومذهب الكسائي هو عمل اسم الفاعل مطلقاً. «أولي» صفة لرسلاً. «مثنى» صفة لأجنحة. و «ثلاث ورباع» معطوف على مثنى. و «يزيد في الخلق ... » لا محل لها من الإعراب لأنها مستأنفة.
الآية 2
مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
📝 التفسير:
{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} (1) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن أمر عباده بيده سواءً كان ذلك خيراً أم شراً، وأن ما أراد لهم فهو كائن ولن يستطيع أحد أن يرد ما قضاه وأمضاه، وأنه إذا أراد بسط رزقه على أحد من خلقه فلن يستطيع أحد أن يحول دون ذلك أو يرفع تلك النعمة عنه.
{وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 2} وما أمسك على أحد من خلقه من رحمته ورزقه فلن يستطيع أحد أن يفتح له باب الخير، فإذا أمسك المطر عن أحد فلن يستطيع أحد أن ينزله لهم غيره؛ لان ذلك بيده وحده فهو القوي الغالب على كل شيء.
وكل ما يفعله الله سبحانه وتعالى من البسط والقبض وغير ذلك فإنما يكون لحكمة ومصلحة لعباده قد علمها في ذلك.
__________
(1) - سؤال: ما معنى «ما» في قوله: «ما يفتح»؟ وما إعرابها وعملها؟ وهل «من» الداخلة على رحمة زائدة أم لا فما معناها؟
الجواب: «ما» اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به ليفتح. و «يفتح» مجزوم بما. و «من» بيانية أصلية وليست زائدة، وهي ومدخولها متعلقات بمحذوف في محل نصب على الحال من «ما»، وصح لما في «ما» من العموم والإبهام.
الآية 3
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} يخاطب الله سبحانه وتعالى عباده ويأمرهم بأن يتذكروا نعمه الكثيرة عليهم في أنفسهم وفي أموالهم وأولادهم ليؤدوا حق شكره فإن الإنسان إذا ذكر نعمة المنعم عليه أقبل على شكره.
ألا ترى أن من أحسن إليك وكثر إنعامه عليك فإنك ستتوجه إليه وتتحرى كل ما يرضيه وتتجنب كل ما يسخطه عليك، وتحرص أشد الحرص على ذلك؛ فكذلك الله سبحانه وتعالى فالمفترض عليكم أن تتذكروا نعمه عليكم وإحسانه إليكم في كل وقت؛ لأن ذلك سيعينكم على طاعته وفعل ما يرضيه.
{هَلْ (1) مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} كل ما هم فيه من النعم هي من الله تعالى وحده، فلا خالق غير الله سبحانه وتعالى، ولا إله موجود غير الله جل وعلا.
{فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ 3} فكيف تصرفون عن عبادته؟ وما هو الذي صرفكم عن عبادته إلى تلك الأصنام التي لا تملك شيئاً من صفات الإلهية؟
__________
(1) - سؤال: ماذا تعني «هل» هنا؟ وما إعراب: {مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ}؟ وما محل جملة {يَرْزُقُكُمْ}؟ وما إعراب: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ 3}؟
الجواب: معنى «هل» هنا النفي أي: ما من خالق غير الله. و «من» حرف جر زائد، وخالق: مجرور لفظاً مرفوع محلاً مبتدأ، وخبره محذوف أي: لكم. و «غير الله» صفة لخالق مرفوعة على محله، و «يرزقكم» في محل رفع صفة لخالق. «فأنى» اسم استفهام منصوب على الحالية أو مفعول مطلق، والتقدير: أيّ إفك تؤفكون.
الآية 4
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
📝 التفسير:
{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ 4} ثم أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يكبر في نفسه تكذيب قومه وصدهم عن دعوته فكل الأنبياء قد لاقوا نفس التكذيب من أممهم، وأن لا يحزن على ما يلاقي من قومه فمرجعهم إليه جميعاً، وسيلقون جزاء أعمالهم وكفرهم وتكذيبهم.
الآية 5
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} يؤكد الله سبحانه وتعالى صدق ما وعد به من الحساب والجزاء، ولن يخلف وعده ذلك، فليحذروا أن تغرهم الدنيا وزينتها ولذاتها وشهواتها.
{وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ 5 إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} (2)وحذرهم من الشيطان أن يقعوا في حبائله ومصائده، أو يستجيبوا لما يزينه لهم من الشهوات، وأمرهم أن يعدوا العدة لحربه وعداوته كما قد أعد العدة لحربهم وإغوائهم (1).
{إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ 6} وأيضاً فهو لا يدعوكم إلا إلى ما فيه هلاككم وضياعكم، وإلى ما يتسبب في استحقاقكم العذاب في نار جهنم فاحذروه.

__________
(2) - سؤال: ما وجه تسمية الشيطان بالغرور؟ وما نوع اسمية الغرور؟

الجواب: سمي الشيطان غروراً لكثرة غروره للناس بوساوسه وخيله وخدعه، ولكثرة المغرورين. وغرور فعول من أفعلة المبالغة بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول، وهو صفة مأخوذة من اسم الفاعل «غارّ».

(1) - سؤال: هل يمكن أن يقال: إن الله سبحانه أراد أن يثير عندنا الحمية أو العصبية بذكره لعداوة إبليس لنا، فنقول: إن بعض الحمية أو العصبية محمود؟
الجواب: نعم، يصح ذلك والمفروض أن تكون الحمية للدين والغيرة على الحق مُثَارة عند كل مسلم، والحمية المذمومة هي الحمية للباطل والكفر.
الآية 6
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} يؤكد الله سبحانه وتعالى صدق ما وعد به من الحساب والجزاء، ولن يخلف وعده ذلك، فليحذروا أن تغرهم الدنيا وزينتها ولذاتها وشهواتها.
{وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ 5 إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} (2)وحذرهم من الشيطان أن يقعوا في حبائله ومصائده، أو يستجيبوا لما يزينه لهم من الشهوات، وأمرهم أن يعدوا العدة لحربه وعداوته كما قد أعد العدة لحربهم وإغوائهم (1).
{إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ 6} وأيضاً فهو لا يدعوكم إلا إلى ما فيه هلاككم وضياعكم، وإلى ما يتسبب في استحقاقكم العذاب في نار جهنم فاحذروه.

__________
(2) - سؤال: ما وجه تسمية الشيطان بالغرور؟ وما نوع اسمية الغرور؟

الجواب: سمي الشيطان غروراً لكثرة غروره للناس بوساوسه وخيله وخدعه، ولكثرة المغرورين. وغرور فعول من أفعلة المبالغة بمعنى فاعل لا بمعنى مفعول، وهو صفة مأخوذة من اسم الفاعل «غارّ».

(1) - سؤال: هل يمكن أن يقال: إن الله سبحانه أراد أن يثير عندنا الحمية أو العصبية بذكره لعداوة إبليس لنا، فنقول: إن بعض الحمية أو العصبية محمود؟
الجواب: نعم، يصح ذلك والمفروض أن تكون الحمية للدين والغيرة على الحق مُثَارة عند كل مسلم، والحمية المذمومة هي الحمية للباطل والكفر.
الآية 7
الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} تهديد من الله تعالى لمن كفر به، وصد عن دعوة أنبيائه وكذب بهم- بأنه سيجازيهم بالعذاب الشديد في نار جهنم.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ 7} وهذا تبشير من الله سبحانه وتعالى لمن آمن به وعمل الأعمال الصالحة بأنه سيغفر لهم ذنوبهم، وسيثيبهم بأجزل الثواب وأحسنه في جنات النعيم.
الآية 8
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
📝 التفسير:
{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا} (2)فهل يستوي ذلك الذي يفعل المعاصي من الشرك والزنا ونحو ذلك، ويظن أنه بذلك في خير العمل، هو وذلك الذي آمن بالله سبحانه وتعالى وصدق بما جاءت به أنبياؤه ورسله (1)؟
أراد الله سبحانه وتعالى أنهما لا يستويان حتماً، وأن كل عاقل سيحكم عليهما بذلك، وبما يستحقه كل واحد منهما.
{فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم بين عباده المختلفين فالضال هو من حكم الله بضلاله، والمهتدي هو من حكم بهداه، أما أنتم أيها الناس فليس من حكمتم بضلاله يكون ضالاً وليس من حكمتم بهداه يكون مهتدياً (3).
{فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} (4) فلا تحزن يا محمد عندما رفضوا اتباعك والإيمان بك والتصديق بدعوتك حتى تهلك نفسك بذلك.
{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ 8} أراد الله سبحانه وتعالى أنه سيجازيهم على أعمالهم التي عملوها وصنعوها.

__________
(2) - سؤال: ما النكتة في إبهام فاعل التزيين في هذه الآية؟ وهل يستفاد من الآية هذه أن صاحب العقيدة الباطلة قد يهلك ولو كان قاطعاً بعقيدته ظاناً أنها الحق؟

الجواب: أبهم الفاعل هنا لأنه لا يتعلق بذكره غرض؛ إذ الغرض هنا هو إنكار المساواة ونفيها بين المجرم والمؤمن بغض النظر عمن هو الذي أدخل المجرم في الإجرام أو تسبب في دخوله فيه. ويؤخذ من الآية: أن من اعتقد الدين الباطل فهو من الهالكين ولو قوي اعتقاده أنه على الحق، إلا أن الذي أراه وأعتقده أن نفوس المبطلين لا تطمئن ولا تسكن إلى ما يدينون به من الدين الباطل، ولا إلى ما يذهبون إليه من المذاهب الباطلة.

(1) - سؤال: هل تريدون أن الخبر محذوف؛ فما الذي دل عليه؟ وأين مبتدأه؟
الجواب: «من» في قوله: {أَفَمَنْ زُيِّنَ .. } مبتدأ وخبره محذوف أي: كالذين آمنوا ... والذي دل عليه هو السياق، فإن هذه الآية جاءت بعد قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... } يخاطب الله بها المشركين الذين أنكروا البعث والجزاء، ثم ساق فذكر أن جزاء الكافرين العذاب الشديد وجزاء المؤمنين المغفرة والرزق الكريم. ولما كان إنكار المشركين للبعث والجزاء يستلزم أن يكون المؤمن الذي يعمل الصالحات والمجرم الذي يرتكب الموبقات مستويان عند الله- أنكر الله تعالى عليهم ذلك الاعتقاد الذي يتساوى فيه المجرم والمؤمن، فقال: {أَفَمَنْ زُيِّنَ}، وقد استنكر الله تعالى على المشركين ذلك في عدة آيات فذكر الطريقين فقال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ 35 مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ 36} [القلم]، {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ 18} [السجدة]، {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر:20].
(3) - سؤال: فضلاً هل من قرينة على تأويلكم هذا في الضلال والهدى؟

الجواب: الدليل هو قوله في آخر الآية: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} أي: ليس إليك يا محمد ولا إليكم أيها الناس إدخال الناس في الهدى أو الحكم بهدايتهم إنما ذلك إلى الله، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ 8} دليل أيضاً على أن حكم الله تعالى بالضلال والهدى صادر عن علم بالأسباب التي اقتضت الحكم من الله على الضالين بالضلال.

(4) - سؤال: ما إعراب «حسرات»؟
الجواب: أحسن ما قيل فيها: إنها حال، ونسب إلى الزمخشري، وقيل بأنها تمييز، ونسب إلى المبرد، والله أعلم.
الآية 9
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ
📝 التفسير:
{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} هو تعالى وحده الذي يقدر على إرسال الرياح التي تجمع البخار الذي يتصاعد من البحار وتكثفه حتى يجتمع على شكل سحاب يحمل الماء، ثم تسوقه تلك الرياح وتسيره ليصب حيث أراد الله سبحانه وتعالى من البلاد التي أصابها الجدب؛ فإذا نزل المطر على تلك البلاد أحيا أرضها بالنبات بعد أن كانت قد يبست وأجدبت.
{كَذَلِكَ النُّشُورُ 9} فكما أحيا الله سبحانه وتعالى الأرض بالخضرة بعد اليباس والجدب كذلك سيحيي تلك العظام التي قد يبست وتفتتت يوم القيامة.
الآية 10
مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ
📝 التفسير:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا (2)} من كان يطلب العزة والرفعة والمنعة في الدنيا فليعلم أن أمر ذلك بيد الله سبحانه وتعالى وحده فهو الذي يعز ويرفع (3)،فمن أرادها فليطلبها من مظانها، وليفعل أسبابها وما يوجبها من طاعة الله سبحانه وتعالى وعمل ما يرضيه واجتناب ما يسخطه.
{إِلَيْهِ (1) يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (4) والكلم الطيب هو ما طاب من الكلام من ذكر الله سبحانه وتعالى والثناء عليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا الذي يتقبله الله تعالى ويثيب عليه، وكذلك الأعمال الصالحة يتقبلها الله سبحانه وتعالى ويجعلها في ميزان الحسنات.
{وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} وأما أولئك الذين يسعون بالفساد في الأرض ويعملون المعاصي والمنكرات، ويتحيلون لإبطال دين الله وشرائعه فهم من أهل عذاب الله تعالى وسخطه.
{وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ 10} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن مكرهم ذلك لن يضره، وأن ما يكيدونه لدينه ولأوليائه سيبطله، وأن ضرر ذلك لن يكون إلا على أنفسهم (5).
__________
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب: «جميعاً» في الآية مفصلاً؟
الجواب: «جميعاً» حال من العزة الثانية، والعامل الجار والمجرور لما فيه من معنى الفعل. ومعنى: «جميعاً» أي: في الدنيا والآخرة.
(3) - سؤال: قد نفهم أن الآية تفيد اختصاص أو استحقاق الله تبارك وتعالى بالعزة، بمعنى أنه المتعزز وحده، لا أن أمر العزة بيده سبحانه يعطيه من أراد، فمن أين نفهم ذلك؟

الجواب: فهم ذلك من قوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ... } أي: من كان يطلب العزة ويريدها ويسعى لها .. إلخ، و لاريب أن العزة بيد الله وحده، {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 26} [آل عمران].

(1) - سؤال: قد يستدل أهل الغباوة على عقيدتهم أن الله في السماء أو نحو ذلك بهذه الآية؛ فكيف يجيب عليهم المرشد بجواب مقنع؟
الجواب: لا زال يقال اليوم بين الناس: رفع فلان قضيته إلى الحاكم، ونحو: ارفع شكواك إلى المحافظ أو الرئيس، ونحو ذلك، ويقول المحافظ أو الرئيس: قد رُفِعَت قضية فلان إليّ، ولا يعني ذلك أن الرئيس أو المحافظ أو الحاكم على رأس جبل أو في السماء، وإنما يراد أن المحافظ أو الحاكم أو الرئيس له مكانة رفيعة ومنزلة عالية في السلطة، أي: رفعة وعلو معنوي لا حسي.
(4) - سؤال: ما العلة في تخصيص الكلم الطيب والعمل الصالح مع أنه يرفع إلى الله العمل السيئ والكلام السيئ فكله في علمه سبحانه وتعالى؟
الجواب: صعود الكلم الطيب ورفع العمل الصالح إلى الله كناية عن قبوله والثواب عليه، والكلم الخبيث والعمل السيئ غير مقبول عند الله ولا يستحق فاعله ثواباً من الله؛ لذلك خص الكلم الطيب والعمل الصالح بالصعود والرفع إلى الله.

(5) - سؤال: يقال: قد يصيب المؤمنين أشياء كثيرة من مكر أولئك المبطلين فكيف مع هذه الآية؟
يقال في الجواب: المراد أنه لا يتم للكافرين وأعداء الإسلام وأهله ما أرادوه ودبروه من محو الدين واجتثاثه من أصله واستئصال أهله، بل ما زال الدين ينمو ويتوسع، وما زال أهله يكثرون حتى صار له كيان كبير ودولة عظمى في جزيرة العرب، واندحر المشركون وفسد مكرهم وبطلت مكائدهم، هذا هو المراد، {فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال:36]، وليس المراد أنه لا يصيب المؤمنين أي أذى إطلاقاً في سبيل الدعوة إلى الله، بل المراد كما ذكرنا أن العاقبة الحسنة تكون لهم.
الآية 11
وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
📝 التفسير:
{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا} يبعث الله تعالى عباده على التفكر في قدرته والتأمل في آياته، وفي نعمه عليهم، وأن ينظروا في خلقهم ليعرفوا حقارة أنفسهم، وأنهم لم يخلقوا إلا من تلك النطفة القذرة المهينة، ثم لينظروا إلى تلك النطفة كيف تحولت بقدرته تعالى إلى إنسان سوي كامل القوى. والمراد بقوله «ثم جعلكم أزواجاً»: أي جعلكم ذكوراً وإناثاً.
{وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ (2)مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ 11} وأيضاً يطلعهم الله سبحانه وتعالى على مدى علمه وإحاطته بكل شيء، وأن علمه محيط بكل ما في السماوات وما في الأرض من غير مشقة أو تعب أو بحث في تعلمه، فلا تحمل أيُّ أنثى ولا تضع حملها إلا وهو يعلم ذلك وزمانه بالدقة، وكذا يعلم أعمار طوال الأعمار ومن كان قصير العمر، فكلها بعلمه سبحانه وتعالى.

__________
(2) - سؤال: هل يصح أن تحمل هذه الآية على نقصان عمر الجنين نحو قوله: {وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ} [الرعد:8]، أم لا؟ وعلام تدل إن كانت دالة على نقصان عمر الإنسان المكتوب له؟

الجواب: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن المراد في هذه الآية أن الله تعالى عالم بعمر كل إنسان من طال عمره ومن كان عمره ناقصاً بالنسبة لطويل العمر و .. و .. إلخ، وليس المراد ما سألتم عنه.
الآية 12
وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ (1) أُجَاجٌ} ومن آثار قدرته أيضاً -التي تبعث على الحيرة والدهشة والقطع بأن ذلك لا بد أن يكون بقدرة قادر لا تتناهى قدرته، وتدبير حكيم عليم دبره- ما أظهره تعالى من آيات قدرته في البحرين: أحدهما عذب بالغ العذوبة سائغ شرابه والبحر الآخر ملح شديد الملوحة فإن في ذلك آية عظيمة لمن نظر وتفكر.
{وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} (2)ثم جعل الله سبحانه وتعالى يعدد الفوائد التي جعلها لعباده في البحار، والمنافع العظيمة التي قد جعلها فيها فمن ذلك أنه جعل فيهما جميعاً اللحم الطري الذي يأكله الناس ويتلذذون بأكله، ويستخرجون منهما الحلي التي يلبسونها ويتزينون بها، نعمة من الله سبحانه وتعالى أنعم بها عليهم.
{وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 12} (3) وأيضاً سخر البحار لحمل السفن التي تسهل للناس تنقلهم في أسفارهم وتجاراتهم، وما تحمله لهم من البضائع، وكل ذلك من آيات قدرته وبالغ حكمته وعظيم نعمته. ومعنى «مواخر»: المخر شق الماء بحيزومها عند سيرها.
__________
(1) - سؤال: ما نوع اسمية «ملح»؟ وهل من حقها أن تكون «مَلِح» بكسر اللام لتكون على صيغة «فَعِل»؟ أم لا؟
الجواب: الملح اسم وليس بصفة فلا تكسر لامه.
(2) - سؤال: يقال: الحلي من اللؤلؤ والمرجان لا يستخرج إلا من المالح، فكيف أخبر الله تعالى أنهما يستخرجان من العذب والمالح على ظاهر الآية؟

الجواب: قد يقال: لما اجتمع البحران صح أن يقال: منهما، ومثله قوله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام:130]، والرسل من الإنس لا من الجن، ويمكن أن يقال: إن اللؤلؤ والمرجان يستخرجان من مجمع البحرين العذب والمالح.

(3) - سؤال: ما إعراب «مواخر»؟ وهل التعليل بقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 12} يعود إلى نعمة تسخير البحر للسفن أم إلى الكل؟
الجواب: «مواخر» حال لأن الرؤية بصرية، و «لعلكم تشكرون» يعود إلى نعمة تسخير البحر للسفن أي: أنه علة لقوله: {وَتَرَى الْفُلْكَ ... }.
الآية 13
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ
📝 التفسير:
{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} ومن آياته العظيمة الدالة على قدرته وعظمته آية الليل والنهار، وإدخال ساعات أحدهما في الآخر، فتارة تعتدل ساعاتهما، وتارة ترى الليل يتناقص وتدخل بعض ساعاته في النهار، وتارة يكون الأمر على العكس من ذلك، وهكذا على هذا المنوال طوال السنة على ميزان دقيق لا يتخلف أو يختل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
{وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} (2)ومن آياته أيضاً منازل الشمس والقمر التي جعلها الله تعالى لهما ليسيرا فيها على مدار العام، فلا تتخلف أحدهما عن منازلها تلك التي قدَّرها الله سبحانه وتعالى لها لحظة واحدة إلى يوم القيامة، وكل ذلك سخره الله سبحانه وتعالى لعباده ومنفعتهم، وإصلاح معايشهم، فإن في ذلك لآية عظيمة من آيات عظمته وقدرته وعلمه وحكمته.
{ذَلِكُمُ (1) اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ 13} فهو وحده الذي أنعم عليكم بهذه النعم، وهو الذي خلق لكم هذه الأشياء ودبرها وأحكمها بعلمه وقدرته، وأما تلك الآلهة التي تعبدونها من دونه فلا يملكون أي شيء.
والقطمير: هو تلك القشرة البيضاء التي تكون فوق نواة التمر. يستنكر الله تعالى هنا على المشركين لماذا يعبدون الأصنام وهم يعرفون أنها لا تملك شيئاً من ذلك، ولا حتى ما يساوي القطمير.

__________
(2) - سؤال: ما محل الجملة الاسمية: {كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى}؟

الجواب: الجملة في محل نصب حال من الشمس والقمر.

(1) - سؤال: ما السر في استخدام إشارة البعيد هنا؟
الجواب: السر هو تعظيم الله وعلو مقامه وظهور آيات عظمته ورحمته وإنعامه وإحسانه.
الآية 14
إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
📝 التفسير:
{إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ} فلماذا تعبدونهم، وتتوجهون إليهم وأنتم تعلمون أنكم إذا دعوتموهم لا يسمعون دعاءكم.
{وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} ولو فرض أنهم سمعوا دعاءكم فلن يستطيعوا أن يلبوا مطالبكم؛ لأنهم لا يملكون شيئاً؟
{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} وآلهتكم هذه يوم القيامة سوف تنكر عليكم عبادتكم لها (2)، وتنفي أنها قد دعتكم إلى عبادتها، وتواجهكم بالقول بأنكم لستم إلا كذابين ومفترين على الله سبحانه وتعالى.
{وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ 14} (1) يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد جاءه بالنبأ الحق والصدق.

__________
(2) - سؤال: هل المراد الأصنام فكيف يتأتى الإنكار منها؟ أم الملائكة التي صوروا الأصنام عليها؟
الجواب: المراد الملائكة والصالحين الذين صوروهم بالأصنام.

(1) - سؤال: كيف تحليل هذا التركيب: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ 14}؟ وهل هو كناية أو مجاز أو ضرب مضرب المثل؟
الجواب: التحليل: ولا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبيرٍ به، والخبير بالأمور هو الله تعالى. والتركيب حقيقي ليس فيه مجاز ولا كناية، والمعنى: أنه لا يوجد مخبر مماثل لله تعالى يخبر بالحق والصدق، وليس ذلك مثلاً إلا أنهم أجروا ذلك مجرى المثل لما فيه من الإيجاز والبلاغة ونظير ذلك مما أجري مجرى المثل في القرآن كثير، نحو: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر:43]، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا 2} [الطلاق]، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:53]، {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ 279} [البقرة]، ونحو ذلك من العبارات القصيرة الدالة على معان جليلة.
الآية 15
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ 15} ينبه الله سبحانه وتعالى عباده على غناه وسعة ملكه، وإلى حاجة الخلق إليه أشد الحاجة في جميع أمورهم، وافتقارهم إليه وإلى ما عنده، ويخبرهم أنه غير محتاج لهم ولا إلى طاعتهم. ومعنى الحميد هنا: المنعم على المخلوقات حتى استحق الحمد وكان أهلاً للحمد والثناء.
الآية 16
إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
📝 التفسير:
{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ 16 وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ 17} وهو قادر على أن يزيلكم ويستأصلكم، ويأتي بقوم آخرين يحلون مكانكم، فلن تستطيعوا أن تمتنعوا منه إن أراد بكم ذلك، فاحذروا غضبه وتجنبوا ما يسخطه فإذهابكم واستئصالكم ليس بممتنع عليه.
الآية 17
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
📝 التفسير:
{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ 16 وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ 17} وهو قادر على أن يزيلكم ويستأصلكم، ويأتي بقوم آخرين يحلون مكانكم، فلن تستطيعوا أن تمتنعوا منه إن أراد بكم ذلك، فاحذروا غضبه وتجنبوا ما يسخطه فإذهابكم واستئصالكم ليس بممتنع عليه.
الآية 18
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
📝 التفسير:
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (1) فليحذر كل امرئ أن يعصي الله تعالى ويفعل ما يغضبه، فكل امرئ سيحمل وزره على ظهره، ولن يتحمل أحد ذنب أحد.
{وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} وإذا كانت هناك نفس قد أثقلتها الذنوب والأوزار فلن يستطيع أحد أن يخفف عنها ثقلها ذلك أو يحمل عنها شيئاً من وزرها، ولو كان أقرب أقربائها.
{إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ (2) وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن مواعظه وإنذاره لن ينفع إلا أولئك الذين يخافون الله تعالى، ويخشون عذابه وسخطه، ويصدقون بوعده ووعيده، وما أخبرهم به من الأمور الغيبية، من يوم القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار، ويحافظون على إقامة فرائض الله من الصلوات وغيرها، فهؤلاء هم الذين ستنفع فيهم مواعظه، وسيتقبلون منه ما يقرأه عليهم من القرآن.
{وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ 18} ومن قَبِل ما جاء به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فتطهر عن المعاصي فقد نفع نفسه، ومرجع الناس في الأخير سيكون إلى الله سبحانه وتعالى فيعاقب المسيء ويثيب المحسن.
__________
(1) - سؤال: الوازرة هي النفس المعاقبة فمم أخذ ذلك؟ وما ماضي الفعل «تزر»؟
الجواب: أخذ من مصدر «وَزَرَ يَزِرُ».
(2) - سؤال: فضلاً ما موضع «بالغيب» من الإعراب؟ وما الوجه لتأويل الآية بمن ينفع فيهم الإنذار؟
الجواب: موضع «بالغيب» النصب على أنه حال من فاعل «يخشون» أو من مفعوله. والوجه في تأويل الآية بمن ينفع فيهم الإنذار: هو ما علم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلغ المشركين رسالة ربه واستمر على إنذارهم وسعى جهده في ذلك، فلما جاء الحصر في هذه الآية بقصر الإنذار على الذين يخشون ربهم بالغيب علمنا أنه قصد به الانتفاع بالإنذار.
الآية 19
وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ
📝 التفسير:
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ 19} شبه الله سبحانه وتعالى الكافر بالأعمى الذي لا يبصر شيئاً، ولا تستطيع أن تهديه أو تدله على الطريق مهما وصفت له، فكذلك الكافر لن تستطيع أن تدخل الهدى والدين إلى قلبه مهما حاولت فيه ومهما جئته به من الآيات والحجج، وشبه الله تعالى المؤمن بالبصير الذي إن تدله على الطريق فإنه يهتدي إليها ويسير فيها.
الآية 20
وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ
📝 التفسير:
{وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ 20 وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ 21} (1) وكذلك شبه الله تعالى حال المؤمن والكافر بهذه الأشياء، ووجه الشبه هو التفاوت الكبير الذي بين هذين الشيئين، وما هو عليه أحدهما من الارتفاع والآخر من الانحطاط، فشبه الله المؤمن بالنور والظل (2)، والكافر بالظلمات وحرارة الشمس في القيظ.
__________
(1) - سؤال: يقال: بأن الحرور بالليل يقابل السموم بالنهار فما صحة ذلك؟ أم أنه أيضاً يطلق على شدة الحر في النهار؟ وما علة ذلك؟
الجواب: الحرور يطلق على شدة الحر، أي: على السموم، والحرور: مبالغة في الحر غلب على السموم، وما ذكرتم من أن الحرور بالليل والسموم بالنهار هو قول معروف، وقد صدر البيضاوي التفسير بما ذكرناه ثم قال: وقيل: إن الحرور بالليل ... إلخ.
(2) - سؤال: ما السر والعلة في الابتداء بالظل الذي هو شبه المؤمن رغم ابتداء الآيتين السابقتين بوصف الكافر؟
الجواب: ابتدأ بذكر الكافر أولاً في الآيتين السابقتين، ثم ابتدأ بذكر وصف المؤمن في جملتين، أي: أن هناك تعادل في ذلك، وسر ذلك هو تقرير وتأكيد نفي المساواة، أي: لا يستوي الكافر والمؤمن، ولا يستوي المؤمن والكافر.