القرآن الكريم مع التفسير

سورة الشورى

آية
إجمالي الآيات: 53 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
حم
ℹ️ لا يوجد تفسير مسجل لهذه الآية.
الآية 2
عسق
ℹ️ لا يوجد تفسير مسجل لهذه الآية.
الآية 3
كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
📝 التفسير:
{حم 1 عسق 2 كَذَلِكَ (1) يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 3} ابتدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بالرد على قول المشركين إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذاب، وإن هذا القرآن الذي جاء به ليس كلام الله سبحانه وتعالى، وإنه إنما اختلقه وافتراه من عند نفسه، أو إنما تعلمه من بشر؛ فأخبرهم بأنه ليس من كلام البشر، وما ينبغي لبشر أن يأتي بمثل هذا الكلام، فهو كلام العزيز الذي لا ينال الغالب الذي لا يقهر، والحكيم الذي أحكم آياته وأنزلها في غاية الدقة والإحكام.
__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما إعراب قوله: «كذلك» هنا؟
الجواب: «كذلك» صفة لمصدر محذوف وعامله «يوحي» الذي بعده.
الآية 4
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
📝 التفسير:
{لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ 4} فهو المتعالي عن الولد والزوجة والشريك والمعين، وهو العظيم الذي ليس كمثله شيء.
الآية 5
تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
📝 التفسير:
{تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} (2) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن المشركين بلغوا النهاية في الكفر والعناد والتكذيب حتى أن السماوات كادت أن تتفطر وتتشقق من كفرهم ونسبتهم إلى الله سبحانه وتعالى ما لا يليق به من الشركاء والأولاد.
{وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 5} فالمشركون ينسبون إلى الله تعالى الشركاء والأولاد بينما الملائكة ينزهون الله تعالى ويقدسونه، ويطلبون من الله سبحانه وتعالى المغفرة لمن آمن (1) من أهل الأرض.

__________
(2) - سؤال: إلام يعود ضمير «من فوقهن»؟ وما فائدة هذا القيد «من فوقهن»؟
الجواب: يعود إلى السموات أي: أن التفطر يبدأ من فوق السموات السبع، وفائدة هذا القيد تعظيم جريمة الشرك والكفر حيث بلغ كبر جريمة الشرك حداً كاد ما فوق السموات أن يتفطر ثم تتفطر السموات سماءً بعد سماء.
سؤال: يقال: ما الحكمة في الإخبار بتفطر السماوات من دون ذكر ما تتفطر منه؟
الجواب: لم يذكر ما هو الذي تتفطر منه السموات لتقدم ما يدل عليه وهو قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ 4} أي: له وحده ما في السموات ... ليس للشركاء الذين تدعونهم من دون الله نصيب في ذلك، ففي هذه الآية حصر وقصر وهو إثبات الملك لله ونفيه عن الشركاء، فالشركاء مذكورون بالقوة في هذه الآية.

(1) - سؤال: من أين نفهم هذا القيد هنا؟
الجواب: استفيد هذا القيد من آية غافر وهي قوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:7].
الآية 6
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ 6} (2) فلا يظن أولئك المشركون أن الله سبحانه وتعالى غافل عنهم وعن أعمالهم، فهو عالم بهم ومحص لجميع أعمالهم، وسيحاسبهم ويجازيهم عليها.
أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ليعلمه أن ما عليه إلا التبليغ فقط، وأما أمر حسابهم فهو على الله سبحانه وتعالى.
___________
(2) - سؤال: فضلاً ما محل جملة: {اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ}؟ وهل جملة: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ 6} معطوفة عليها أم ماذا؟
الجواب: «الله حفيظ عليهم» خبر الذين، و «ما أنت عليهم بوكيل» في محل رفع معطوفة عليها كما ذكرتم.
الآية 7
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
📝 التفسير:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا (3) وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ} (4) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد أنزل عليه القرآن لينذر به أهل مكة ومن حولها من القرى، وينذرهم المخاطر التي هم قادمون عليها والأهوال التي سيلاقونها يوم القيامة إن هم استمروا على ما هم فيه من الشرك والضلال.
{لَا رَيْبَ فِيهِ (5) فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ 7} لا شك ولا ريب في يوم الجمع وحصوله ليجزي الله كل نفس ما عملت، فيدخل الله تعالى أهل الأعمال الصالحة الجنة، ويدخل أهل الأعمال الخبيثة جهنم.
___________
(3) - سؤال: يقال: ظاهر الآية تقييد إنذار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو خلاف المعلوم ضرورة أنه منذر للجن والإنس أجمعين، فكيف؟
الجواب: في بداية الأمر كلفه الله تعالى بإنذار عشيرته الأقربين ثم بإنذار أهل مكة وما حولها، ثم لما عظم أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره الله بإنذار ملوك العالم المعروفين في ذلك الزمان، وهو صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله إلى الناس جميعاً إلا أن الله كلفه بالتدريج في إبلاغ الرسالة.
(4) - سؤال: فضلاً ما السر في تكرير قوله: «وتنذر» بالعطف وكان من الممكن أن يقول ومن حولها يوم الجمع؟
الجواب: في التكرير إشارة إلى أن اليوم الآخر يستدعي عناية خاصة، وأن الله تعالى بعث نبيه لغرضين هما: لتنذر أم القرى، والثاني هو: تنذر يوم الجمع.
(5) - سؤال: هل لهذه الجملة محل من الإعراب أم لا محل لها؟ ولماذا؟
الجواب: يحتمل أن تكون معترضة فلا محل لها وأن تكون حالاً من يوم الجمع فتكون في محل نصب.
الآية 8
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
📝 التفسير:
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ} كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرهق نفسه ويتعبها في ملاحقة قومه ليؤمنوا حتى كاد أن يهلك نفسه من شدة حرصه وأسفه على عدم إيمانهم، فأمره الله تعالى أن يهون على نفسه ولا يتعبها فما عليه إلا أن يبلغهم قبلوا أم لم يقبلوا، وأخبره أنه لو شاء أن يدخلهم في الهدى وأن يلجئهم إليه لفعل فهو قادر أن يجمع أهل الأرض جميعاً على دين واحد وملة واحدة، غير أن مشيئته وحكمته اقتضت أن يكون الدين موكولاً إلى مشيئتهم (6) واختيارهم؛ ليدخل الجنة من استحقها، واختار طريقها بمحض إرادته واختياره، وذلك بعمل الطاعات وما يرضي الله سبحانه وتعالى، واجتناب ما يغضبه ويوجب سخطه، ويعذب الذين اختاروا طريق الضلال، وانتصبوا لعداوة الله تعالى ورسله عليهم السلام، ولو لم يكن كذلك لبطل الثواب والعقاب.
{وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 8} لا يجد الظالمون يوم القيامة من ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله أو يشفع لهم عنده تعالى.
____________

(6) - سؤال: يقال: ظاهر الآية أن الله سبحانه جعل الإدخال في رحمته موكولاً إلى مشيئته سبحانه فهل قوله: {وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ ... } قيد لذلك؟ أم كيف؟
الجواب: كما ذكرتم فقوله: {وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 8} دليل وبيان على أن المراد بمن يشاء: هم المؤمنون المستجيبون لأمره.
الآية 9
أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ (7) يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 9} اتخذ المشركون لهم أرباباً يعبدونها من دون الله تعالى، وتركوا عبادة الإله الذي بيده حياتهم وموتهم، والذي كل ما في السموات وما في الأرض في قبضته وتحت سيطرته وقدرته فهو الذي يستحق العبادة وحده دون ما سواه من المعبودات.

__________
(7) - سؤال: فضلاً ما محل هذه الجملة من الإعراب؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب معطوفة على «فالله هو الولي».
الآية 10
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
📝 التفسير:
{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي} ثم بدأ الله سبحانه وتعالى في إرشاد عباده إلى الطريق لمعرفة الحق، فأخبرهم أن ما اختلفوا فيه من الأديان وتفرقت كلمتهم فيه فينبغي لهم أن يردوه (1) إلى الله سبحانه وتعالى فهو الذي يحق الحق ويبطل الباطل.
{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ 10 فَاطِرُ (2) السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} هو الإله الذي ينبغي أن يتوكل عليه المتوكلون ويرجع إليه المنيبون، فهو وحده الذي بيده النفع والضر، وبيده مقاليد السماوات والأرض.
__________
(1) - سؤال: لو بينتم لنا كيف يتم الرد إلى الله سبحانه؟ وهل يتم الرد من الجاهل الذي لا يميز بين الأدلة ولا قدرة له على استخراج دلالتها أم كيف؟ وما الوجه في الاكتفاء بالرد إلى الله في هذه الآية دون الرد إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما في آية النساء حفظكم الله وتولاكم؟
الجواب: الرد إلى الله هو الرد إلى ما حكم الله تعالى به في القرآن الكريم أو على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أي: ما صح عنه باتفاق المختلفين، ولا يتم الرد من الجاهل وإنما يستطيعه أهل الرسوخ في العلم، ولم يذكر الرد إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكر في سورة النساء لأن ذكر الرد إلى الله كاف، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]، ولا يمكن الرد إلى الله إلا عن طريق رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب «فاطر السماوات والأرض»؟
الجواب: «فاطر» خبر رابع أو خامس لذلكم.
الآية 11
فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
📝 التفسير:
فَاطِرُ (2) السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} هو الإله الذي ينبغي أن يتوكل عليه المتوكلون ويرجع إليه المنيبون، فهو وحده الذي بيده النفع والضر، وبيده مقاليد السماوات والأرض.
{جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} ومن صفته تعالى أيضاً أنه هو الذي خلق لكم من جنسكم أزواجاً لتسكنوا إليها نعمة منه أنعم بها عليكم، وكذلك هو الذي أنعم عليكم بهذه الأنعام ذكورها وإناثها وسخرها في خدمتكم ومنفعتكم.
{يَذْرَؤُكُمْ فِيه} يخلقكم في هذه الأزواج (3)، وذلك بما يحصل من التناسل والتوالد من خلال التزاوج والتناكح.
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ (4) شَيْءٌ} ومن صفته أنه المتفرد بصفات الإلهية والكمال فلا يشابهه أو يماثله أحد.
{وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 11} (5) وهو وحده العالم بجميع المسموعات والمبصرات لا يخفى عليه خافية لا في السماء ولا في الأرض.

__________
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب «فاطر السماوات والأرض»؟
الجواب: «فاطر» خبر رابع أو خامس لذلكم.
(3) - سؤال: يقال: ظاهر هذا أن الضمير في «فيه» يعود إلى الأزواج فلِمَ لم يأت بضميرها المناسب «فيها»؟ وهل يصح أن نجعل «في» هنا سببية، أي: يذرؤكم بسببه أم لا؟
الجواب: قال الزمخشري: إن الضمير هذا عائد إلى الجعل أو التدبير، وقال إن هذا الجعل والتدبير بمنزلة المنبع والمعدن أي: فتكون «في» ظرفية هكذا وجه الزمخشري إعراب هذه الآية وهو خير المعربين.

(4) - سؤال: فضلاً ما مختاركم -رفع الله مقامكم- في الكاف في قوله «كمثله» هل هي حرفية أم اسميه؟ وهل ذلك من مجاز الزيادة أم تشبيه صريح؟
الجواب: لا يترتب على القول باسمية الكاف أو حرفيتها خلاف إطلاقاً، وهكذا لا يترتب على القول بزيادتها أو عدم زيادتها خلاف إطلاقاً فليختر الطالب أي القولين شاء حرفيتها أو اسميتها أو زيادتها أو عدم زيادتها.
(5) - سؤال: ما الوجه في ختم هذه الآية بقوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 11}؟
الجواب: ذكر هذان الاسمان في وسط الذكر لله والثناء عليه بأسمائه وأفعاله، أول ذلك قوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي} وآخره قوله: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 12} والوجه في ذكر الله تعالى في هذه الآيات هو بيان أنه هو الذي يستحق العبادة والشكر والذكر دون ما يعبد من دونه.
الآية 12
لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} مفاتيح خزائن السماوات والأرض فهي بيده وحده، وأرزاق الخلق جميعاً كلها بيده فيضيق على من يشاء منهم، ويوسع في رزقه على من يشاء منهم.
{إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 12} فلا يبسط رزقه أو يضيقه على أحد إلا على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
الآية 13
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ
📝 التفسير:
{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ (7) وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا (1) الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} يخاطب الله سبحانه وتعالى عباده مخبراً لهم بأنه لم ينزل ما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الدين والشريعة إلا ما أنزل على من سبقه من الأنبياء السابقين، وأن ما أوصاهم به وحكم عليهم في القرآن هو نفس ما أوصى به الأنبياء السابقين وأمرهم بتبليغه، وهو أن يقيموا (2) دين الله سبحانه وتعالى ويحيوا شرائعه، وأن يكونوا على ذلك يداً واحدة، وكلمتهم تكون واحده، وهي توحيد (3) الله سبحانه وتعالى وعدم الإشراك به شيئاً (4).
{كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} عندما دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشركين إلى توحيد الله تعالى وتنزيهه عن الشركاء عظم ذلك على المشركين، وكبر في نفوسهم، واستنكروا غاية الاستنكار؟
{اللَّهُ (5) يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ 13} والله سبحانه وتعالى هو الذي له أن يصطفي ويختار من يشاء من عباده لنبوته ورسالته، فليس لأحد أن يقترح عليه أو يعترض.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يهتدي (6) لدينه إلا من تواضع للحق وأخلص نفسه لقبوله.


__________
(7) - سؤال: من فضلكم ما فائدة تأخير قوله: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} وكان القياس تقديمه على أن يكون مفعول «شرع»؟
الجواب: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن المقصود في هذه الآية هو بيان أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الدين هو الدين الذي جاء به نوح من عند الله وجاء به إبراهيم و .. إلخ، وهو دين جميع المرسلين، وليس بدعاً من الأديان حتى يستنكره المشركون وينفروا منه ويعرضوا عنه؛ لذلك وسط الله تعالى قوله: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} بين {مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} و {إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} ليأنسوا به ولا ينفروا عنه.

(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب «أن أقيموا»؟
الجواب: «أن» مفسرة وما بعدها تفسير لما وصى به نوحاً و ... إلخ.
(2) - سؤال: هل يؤخذ من هنا أن إقامة الدين وإحياءه واجب على جميع الناس لا على العلماء والدعاة أم كيف؟
الجواب: إرشاد الناس وإقامة الدين والدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات كما قال سبحانه وتعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... } [آل عمران:104].
(3) - سؤال: من أين نأخذ أنه توحيد الله فقط؟
الجواب: يؤخذ ذلك مما أوحاه الله تعالى في السور المكية ومنها هذه السورة فإنها تستهدف إثبات التوحيد ونفي الشرك وإثبات اليوم الآخر ولا تكاد تخرج عن هذا الموضوع.
(4) - سؤال: قد يفهم بعض الناس أن التمسك بالمذهب الحق في الأصوليات وعدم النظر إلى المخالفين أو اعتبارهم هو التفرق المذموم في هذه الآية، فما توجيهكم في ذلك؟
الجواب: التمسك بالحق والتواصي به هو المطلوب الذي جاء به القرآن وأمر به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن خالف الحق ودان بالباطل فأمره إلى الله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ... } [المائدة:105]، ومن تمسك بالحق والهدى فليس من أهل التفرق ولو لم يكن إلا واحد على الحق والهدى {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 256} [البقرة]، ولكن يجب على أهل الحق والهدى أن يظهروا الدلائل الدالة على صحة ما هم عليه من الدين والمذهب ويبينوها وينشروها، وإذا عرضت عليهم دلائل أهل المذاهب الأخرى أن ينظروا فيها ويبينوا الحق بدلائله.
(5) - سؤال: هل هذه الجملة ابتدائية لا محل لها؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب لأنها مستأنفة لبيان العلة التي من أجلها كبر على المشركين ما يدعوهم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن اختيار الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي استنكروه وقالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ 31} [الزخرف]، وقالوا: مستهزئين ومستنكرين: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا 41} [الفرقان].

(1) - سؤال: فمن أي معاني الهدى هذا؟
الجواب: الهدى هنا بمعنى التوفيق والتنوير وزيادة الألطاف.
الآية 14
وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ
📝 التفسير:
{وَمَا تَفَرَّقُوا (2) إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} (3) وهم أهل الكتب السماوية كانوا كلمة واحدة ويداً واحدة، ثم بعد أن أرسل الله سبحانه وتعالى إليهم رسله، وأنزل عليهم شرائعه وكتبه تفرقوا واختلفوا فمنهم من آمن، ومنهم من كفر.
وكفر من كفر منهم إنما كان بغياً منهم على الحق وعناداً وتمرداً عليه، لا لخفاء الحق وعدم وضوحه، فهو واضح وجلي، وآيات الله سبحانه وتعالى مكشوفة لهم، وبينة لا غبار عليها.
{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} (4) فلولا أن حكمة الله تعالى اقتضت تأجيل عقابهم وجزائهم إلى يوم القيامة لحكم بينهم، ولعجل عذاب المبطل في الدنيا قبل يوم القيامة.
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ 14} أراد الله سبحانه وتعالى بهم أمة (1) محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد أورثهم الكتاب والحكمة بعد اليهود والنصارى، ولكنهم كذبوا به وتمردوا.

__________
(2) - سؤال: فضلاً من المراد بهذا الضمير؟
الجواب: يراد بالضمير أهل الكتاب بدلالة قوله: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} وقد آتى الله تعالى أهل الكتاب التوراة والإنجيل وفيهما العلم والحكمة، وبدلالة قوله في آية أخرى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ... } [الشورى:14]، وبدليل قوله في الآية التالية: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ ... }.
(3) - سؤال: ما إعراب «بغياً»؟ وإلام يعود ضمير «بينهم»؟
الجواب: «بغياً» مفعول من أجله، وضمير بينهم يعود إلى ما عاد إليه ضمير «تفرقوا».
(4) - سؤال: يقال: ظاهر الآية تناول الضمائر للمختلفين جميعاً من آمن ومن كفر، فكيف يخرج المؤمنون عن هذا الذم؟
الجواب: التفرق والاختلاف لا يكون إلا بين اثنين أو فريقين فأكثر والمؤمنون -وإن كانوا طرفاً في الخلاف أو التفرق- فالذم متوجه إلى من خالف الحق والمحقين دون المحقين كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ .. } [البقرة:213]، وقال تعالى: {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} [البقرة:253]، ولا يخفى أن المؤمنين غير مذمومين وإن صدق عليهم اسم الاختلاف.

(1) - سؤال: هل هناك قرائن أخرى على أنهم أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد نفهم أنهم خلائف الأنبياء من اليهود والنصارى؟
الجواب: ليس هناك قرائن على ذلك بل الآية محتملة لما ذكرنا وقد فسرت بالمشركين وباليهود والنصارى وبأهل الكتاب المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولعل أقربها أن المراد أهل الكتاب المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لوجود قرينة ذلك وهو قوله تعالى: {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ... } الآية، ويمكن حمل الآية عليهم وعلى المشركين، والله أعلم.
الآية 15
فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
📝 التفسير:
{فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ (2) وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} لأجل ما شرع الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الدين الذي شرعه لمن قبلهم من الأنبياء والأمم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعوهم إلى ذلك الدين الذي شرعه لهم، وأمره أيضاً أن يستمر على دعوته وعلى دينه ذلك على حسب ما أمره به، غير مبال بهم أو بتكذيبهم وتمردهم عليه أو استهزائهم به.
ونهاه أيضاً عن الاستجابة لهم فيما يدعونه إليه من ترك (3) التعرض لآلهتهم أو السب لها، وكانوا يقايضونه ويساومونه على ذلك.
{وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ} وأن يخبرهم بأنه قد آمن وصدق بما أنزل الله سبحانه وتعالى من الكتب السالفة على من سبقه من الأنبياء.
{وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ (4) بَيْنَكُمُ} وأن يخبرهم بأن الله سبحانه وتعالى قد أمره بأن يقيم الحق والعدل بين أولئك المختلفين من المشركين واليهود والنصارى، وأن يدعوهم إلى الحق والهدى والقرآن.
{اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ 15} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يحسن جداله مع المشركين وأن يأخذ معهم بجانب الرفق واللين، وأرشده إلى كيفية (5) الأخذ معهم والرد في الكلام لئلا ينفرهم عن الدين أو يجعلهم ينظرون إليه بنظرة سيئة، وفيما أرشد إليه الله سبحانه وتعالى في هذه الآية ما لا يخفى من اللطافة واللين والرفق، وعدم الجرح أو الخدش. ومعنى «لا حجة بيننا وبينكم»: لا محاججة بيننا وبينكم.

__________
(2) - سؤال: فضلاً ما معنى الفاء في قوله: «فلذلك» وفي قوله: «فادع»؟ وما إعراب: «كما أمرت»؟
الجواب: الفاء هي الفصيحة أي: إن كفروا وتفرقوا وشكُّوا في القرآن وكذبوا به فلذلك فادع، وهي في قوله: «فادع» مكررة للتأكيد. «كما أمرت» صفة لمصدر محذوف في الأصل ثم أقيمت هذه الصفة مقام المصدر والتقدير: استقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها.
(3) - سؤال: يقال: أليس مما أمر به أن لا يسب الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم؟
الجواب: المراد بالسب الذي ذكرناه هو ما يسميه المشركون سباً من نحو ما بينه الله في القرآن من أن دين التوحيد هو الحق وأن دين المشركين باطل والشرك باطل وأن ما يعبده المشركون من دون الله لا يضر ولا ينفع ولا يبصر ولا يسمع وأنهم بعبادتها أضل من الأنعام و .. إلى آخر ما ذكر الله تعالى في القرآن عن الأصنام والشرك والمشركين، وهذا في الحقيقة ليس سباً وإنما هو بيان للدين الحق وتوضيح وكشف للباطل على حقيقته، ولعل السبَّ الذي نهى الله تعالى المؤمنين عنه هو غير ذلك الذي أنزله الله تعالى في القرآن وأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغه للناس.

(4) - سؤال: ما هي هذه اللام الداخلة على «أعدل»؟
الجواب: اللام هي لام التعليل، والمأمور به محذوف، والتقدير: أمرت بكذا وكذا لأعدل، وقيل: إن اللام تحل محل «أن» في «أمرت وأردت» فتقول: أردت أن تفعل وأردت لتفعل.
(5) - سؤال: هلَّا بينتم أيدكم الله بتأييده هذه الكيفية بتفصيل شيء مما في هذه الآية؟ وبماذا نرد على من يقول بأننا سندخل في المداهنة معهم لو فعلنا هكذا؟
الجواب: أمر الله تعالى هنا نبيه بالدعوة إلى الله: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ} وبالاستقامة على الدين الذي أنزله الله تعالى، والدعوة إلى الله تكون بإقامة الحجج والبينات و ... إلخ. ثم أمر الله تعالى نبيه أن يتلطف في دعوته ولا يتكلم بما ينفرهم عنه {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ} ولا يخفى أن هذه المقولة ستؤنس أهل الكتاب وتصغي بآذانهم إليه، {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} وهذه المقولة أيضاً هي الأخرى في الأنس والإصغاء. {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} وهذه المقولة جامعة غير مفرقة، {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} وكذلك هذه مقولة عادلة غير منفرة، {لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} لا محاججة ولا مجادلة بيننا وبينكم إذ قد كشفنا وجه الدعوة للناس جميعاً واستوضحتموها وتلونا عليكم حجج الله وبيناته ...
وبما شرحنا ووضحنا يتبين أن مثل ذلك الأدب الذي أدب الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليس فيه مداهنة.
الآية 16
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ 16} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن الذين يحاجونه ويجادلونه من المشركين في آيات الله تعالى من بعد أن وضحت لهم، وعرفوا صدقها وحجيتها- بأن حججهم واهية وجدالهم باطل، وأن جدالهم ذلك ليس إلا تعنتاً وتمرداً على الحق، وقد استوجبوا بذلك غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه عليهم. ومعنى «داحضة»: زائلة باطلة.
الآية 17
اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
📝 التفسير:
{اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} يرد الله تعالى هنا على المشركين المكذبين بآياته بأنه الذي أنزل القرآن على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وليست الشياطين التي تنزلت به كما يزعمون، وأن ما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم هو الدين العدل والحق.
والقرآن هو الميزان (1) الذي يتبين به الحق والباطل والحسن والقبيح.
{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ 17 يَسْتَعْجِلُ (2) بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} كان المشركون يستعجلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتيهم بالساعة، ويطلبون منه تعجيلها، فأخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنها قد أوشكت وقد اقترب موعدها، ولا يعلم ميعادها إلا الله وحده.
__________
(1) - سؤال: فضلاً هل تريدون أن عطف الميزان على القرآن تفسيري أم كيف؟ وهل يصح حمل الميزان على العدل والتسوية بين الناس في الحقوق أم لا؟
الجواب: ما فسرناه به هو وجه من ثلاثة أوجه والثاني أنه الجزاء بالثواب والعقاب، والثالث أنه الميزان الذي يوزن به، والذي ذكرتموه في السؤال هو ما قصدناه في التفسير.
(2) - سؤال: ما محل هذه الجملة المضارعية؟
الجواب: قد تكون في محل نصب حالاً من ضمير الساعة المستتر في «قريب» وقد تكون مستأنفة فلا محل لها.
الآية 18
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ
📝 التفسير:
يَسْتَعْجِلُ (2) بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} كان المشركون يستعجلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتيهم بالساعة، ويطلبون منه تعجيلها، فأخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنها قد أوشكت وقد اقترب موعدها، ولا يعلم ميعادها إلا الله وحده.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} وأما المؤمنون فهم مشفقون وخائفون من حلولها لما تيقنوا من حتمية وقوعها وحلولها، وماذا سيكون فيها.
{أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ 18} أولئك الذين يجادلون في أمر الساعة وينكرونها، ويستعجلون حلولها استهزاءً- سائرون في غير طريق الهدى، وتائهون في ظلمات الجهل والباطل.

__________
(2) - سؤال: ما محل هذه الجملة المضارعية؟
الجواب: قد تكون في محل نصب حالاً من ضمير الساعة المستتر في «قريب» وقد تكون مستأنفة فلا محل لها.
الآية 19
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ
📝 التفسير:
{اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} ثم تمدح الله سبحانه وتعالى بأنه رحيم بعباده، ومن رحمته بهم أنه يمهلهم ولا يعجل بعذابهم مع استحقاقهم له.
{يَرْزُقُ (1) مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ 19} وهو الذي يبسط رزقه على من يشاء من عباده، وذلك على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما محل هذه الجملة؟
الجواب: تكون في محل رفع خبر ثانٍ للفظ الجلالة.
الآية 20
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ
📝 التفسير:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} من كان يطلب ثواب الله تعالى بعمل الصالحات، واجتناب ما يوجب سخط الله تعالى وغضبه، فإن الله سبحانه وتعالى يوفقه للهدى، ويثبته ويسدده، ويضاعف له الأجر والثواب (2).
{وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ 20} وأما من كان يطلب الدنيا ويسعى وراءها، ويجعلها أكبر همه، مقصراً (3) في أمور دينه، غير مبال بما يقع فيه من المعاصي والمحظورات- فإن الله سبحانه وتعالى سوف يعطيه حظه منها، ولكنه سيحرمه في الآخرة الأجر والثواب.

__________
(2) - سؤال: ما مناسبة جعل الثواب حرث الآخرة مع أن الحرث سبب في جلب النتائج والثواب من النتائج؟
الجواب: الحرث يطلق -كما قالوا- على إلقاء البذر في الأرض و .. ، وعلى الزرع الحاصل منه، فعلى هذا يرتفع الإشكال فإن الثواب الناتج عن الأعمال الصالحة هو مشبه بالزرع الحاصل من إلقاء البذر في الأرض.
(3) - سؤال: من فضلكم ما الدليل على أنه لا يطلق عليه مريد الدنيا إلا إذا كان مقصراً في أمور دينه؟ وإن رأيتم أن توردوا لنا ضابطاً في مريد الدنيا ومريد الآخرة فسيكون أنسب؟
الجواب: التوسع في الأموال وجمعها والتنعم فيها وبناء المساكن الراقية و ... إلخ حلال هذا هو الأصل بدليل قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:32]، ويصير ذلك مذموماً بـ:
- ... أن يشتغل بها عما أوجب الله تعالى عليه: {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون:9]، ولذلك حملناه على المقصر في أمور دينه.
- ... أن يجمعها من حلال وحرام كالغش والتطفيف والربا ونحو ذلك.
- ... أن ينفقها في حلال وحرام وبغي وفساد.
- ... أن لا يؤدي ما أوجب الله عليه فيها من الزكاة ونحوها.
- ... أن يغتر بها وينسى فضل الله عليه ويتعاظم ويعجب بما ذكر الله هنا عن قارون.