القرآن الكريم مع التفسير

سورة الطلاق

آية
إجمالي الآيات: 12 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأمته، وإنما خص الله تعالى خطابه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم تشريفاً له لكونه كبير الأمة وقائدها؛ فإذا أراد أحدكم أن يطلق امرأته فليطلقها مستقبلة (1) لعدتها، وذلك في طهر لم يطأها فيه (2)، ثم تعتد بعده بثلاث حيض؛ لأنه إذا طلقها وهي في حيضها فسيتسبب ذلك في تطويل عدتها بأن تحتاج إلى ثلاث حيض بعد هذه الحيضة التي وقع فيها الطلاق فتطول عدتها، فمن خالف تعليم الله وطلق زوجته وهي حائض فإنه يقع طلاقه (3)، ويأثم لمخالفته لأمر الله تعالى.
والمراد بقوله: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}: احسبوا لها ثلاث حيض تعتد بها.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} ولا تخالفوا تعاليمه في الطلاق، ولا تقعوا في بدعي الطلاق وهو أن يطلقها في طهر قد (4) جامعها فيه، أو يطلقها وهي حائض، أو يطلقها أكثر من واحدة.
{لَا تُخْرِجُوهُنَّ (5) مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} وإذا طلقتموهن فلا تخرجوهن من بيوتهن، وأنفقوا (6) عليهن حتى تنتهي عدتهن، وهن فلا يخرجن (7) من بيوتهن حتى تنتهي عدتهن إلا إذا كانت تؤذي أهل زوجها أو ترميهم بالكلام الفاحش والبذيء (8) فإنها تخرج في هذه الحالة من بيت زوجها.
{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} (9) فهذه حدود الله سبحانه وتعالى وتعاليمه فالتزموا بها ولا تتجاوزوها، ومن خرج عن هذه الحدود وتعداها فقد ارتكب معصية الله تعالى واستوجب سخطه.
{لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (10) 1} فالتزموا بهذه الحدود من السكنى والنفقة والتربص هذه المدة لعل الله تعالى أن يحدث في هذه المدة ما يوجب المودة ويرد المحبة والألفة فيتصالحا ويتراجعا.
__________
(1) - سؤال: من أين نفهم هذا التقدير؟
الجواب: فهم ذلك من اللام في قوله: «لعدتهن» أي: لوقت عدتهن بحيث يكون وقت عدتهن مستقبلاً وهذه اللام مثل اللام التي في نحو قولهم: «لخمس بقين من شهر كذا» فالخمس في هذا مستقبلة.
(2) - سؤال: ما وجه اشتراط أصحابنا لعدم الوطء والطلاق في حيضته المتقدمة؟ وكذا ما وجه اشتراط كونه واحدة في الطلاق السني؟ أم أنه أخذ من أدلة أخرى غير الآية؟
الجواب: اشتراط ما ذكرتم مأخوذ من السنة.
(3) - سؤال: يقال: وكيف نتأول الحديث المشهور: ((ما لم يكن عليه أمرنا فهو رد))؟
الجواب: يمكن تخصيص هذا الحديث بآثار كثيرة رويت عن أئمتنا عليهم السلام أولهم علي عليه السلام ظاهرها القول بوقوع الطلاق البدعي باستثناء الإمام الناصر الأطروش عليه السلام فإنه قد اشتهر عنه القول بعدم وقوع الطلاق البدعي.
(4) - سؤال: يقال: من أين أخذ هذا القيد مع أنه يصدق عليها أنها مستقبلة لعدتها ولو قد جومعت في ذلك الطهر؟
الجواب: ذلك مأخوذ من السنة وليس من هذه الآية.

(5) - سؤال: فضلاً ما إعرابها؟ وما إعراب «لا يخرجن»؟ وما موضع المصدر «أن يأتين»؟ وبم نصب الفعل هذا؟
الجواب: «لا» ناهية. «تخرجوهن» مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وضمير النسوة مفعول به. «لا يخرجن» لا: ناهية، يخرجن: فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم والنون فاعل مبني على الفتح في محل رفع. «أن يأتين» موضعه النصب على الظرفية، والتقدير: ولا يخرجن في أي وقت من الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة مبينة، ونصب الفعل بأن المصدرية، والفعل مبني على السكون في محل نصب.
(6) - سؤال: من أين نستفيد وجوب النفقة؟
الجواب: النفقة تابعة للسكنى؛ لأنها إذا كانت محبوسة في بيت الزوج بأمر الله فتلزم لها النفقة.
(7) - سؤال: ما الوجه في تقييد عدم جواز خروجهن بكونه في التطليقة الأولى والثانية فقط في كلام أهل الفقه؟
الجواب: الوجه هو ما ذكره الله تعالى من العلة والسبب في نهيه عن خروج الزوجات المطلقات من بيوت أزواجهن بقوله: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا 1} أي: لعل الله يحدث رغبة في قلب الزوج أو قلبيهما فيراجع زوجته، وهذا إنما يكون في الطلاق الرجعي الأول والثاني.
(8) - سؤال: يقال: ظاهر الفاحشة المبينة في الزنا فما وجه صرفه إلى البذاءة في الكلام؟
الجواب: قد فسرت الفاحشة بالزنا، وفسرت بما ذكرنا، وإنما ذكرنا البذاءة لأنها هي المتوقع حصولها من المطلقة خلال العدة، ويكثر حصول ذلك من المطلقات فيحصل منها أذى كثير لأهل بيت الزوج، والزنا غير متوقع خلال العدة وهي في بيت الزوج.
(9) - سؤال: هل الإشارة بقوله: «تلك حدود الله» تعود إلى كل مسألة مما تقدم كعدم جواز الخروج وغيرها؟ أم أنها متوجهة إلى الطلاق السني فقط؟ وما الذي يستفاد من هذه الآية؟
الجواب: تعود الإشارة إلى كل ما تقدم من أحكام الطلاق وتوابعه؛ لأنها في موضوع واحد متصل بعضها ببعض ولم يقع في الكلام إضراب وانتقال.
ويستفاد من هذه الآية عدة أحكام شرعية:
1 - ... لا يجوز تطليق الزوجة وقت الحيض، بل يكون كما أمر الله وشرع في طهر، وهذا من قوله: «لعدتهن»، أي: مستقبلات لعدتهن.
2 - ... يجب على الأزواج إحصاء عدة المطلقات، وذلك لما يترتب على إحصائها من بدايتها إلى نهايتها من أحكام كوجوب النفقة والسكنى وجواز الرجعة، وجواز الخروج، ثم جواز نكاح المعتدة.
3 - ... وجوب السكن والنفقة للمعتدة رجعياً.
4 - ... تحريم خروجها من بيت زوجها حتى تنقضي العدة في الرجعية.
5 - ... جواز خروجها من بيت زوجها إذا حصل منها أذى كبير لأهل بيت زوجها، وجواز خروجها للحد.
6 - ... جواز الرجعة في خلال العدة في الرجعية.

(10) - سؤال: ما موضع هذه الجملة «لا تدري .. »؟ وما إعراب مفرداتها؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب لأنها تعليل لما تقدمها. و «لا» نافية «تدري» مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه. «لعل الله» لعل للترجي ولفظ الجلالة اسمها. «يحدث بعد ذلك أمراً» الجملة في محل رفع خبر «لعل»، ولا محل لهذه الجملة لأنها استئناف لبيان العلة في عدم دراية المخاطب، كأنه قيل: لا تدري ما يكون في المستقبل؛ لأنه غيب محجوب علمه، والله وحده المختص بعلم الغيب.
الآية 2
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا
📝 التفسير:
{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ (4) بِمَعْرُوفٍ} فإذا أوشكت (5) عدة المطلقة على الانقضاء فإن كان للزوج رغبة في مراجعتها وظنٌّ في حسن العشرة معها والقيام بحقوقها الزوجية فليراجعها وإلا فليتركها وليفارقها من دون أي إضرار بها كأن يتركها إلى أن توشك عدتها على الانتهاء، ثم يراجعها ثم يطلقها، وهكذا لأجل أن يُطَوِّل عليها، فهذا لا ينبغي ولا يجوز.
{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} أشهدوا عدلين على الطلاق وعلى المراجعة، والإشهاد واجب (1) إذا خيف التناكر.
{ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} لن يمتثل لأوامره تعالى وتعاليمه (2) إلا من كان يؤمن بالله تعالى، ويصدق باليوم الآخر.
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (3)
__________
(4) - سؤال: هل المراد إتمام المفارقة بالتطليق السابق أم إحداث مفارقة جديدة؟ ولماذا؟
الجواب: المراد المفارقة بالطلاق السابق، فلا يراجعها ليطول عليها العدة.
(5) - سؤال: يقال: ما الذي يرشدنا أن معنى «بلغن»: قاربن بلوغ الأجل؟
الجواب: الذي أرشدنا إلى ذلك هو قوله بعد ذلك: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} وإمساك الزوج للمطلقة لا يصح إلا إذا كانت في بقية من العدة، ولا يصح له إمساكها ومراجعتها بعد انقضائها.

(1) - سؤال: فضلاً من أين نعرف أنه لا يجب الإشهاد إلا في هذه الحالة؟
الجواب: قد أمر الله الزوجات المطلقات بالبقاء في بيوت أزواجهن ونهى الأزواج أن يخرجوهن لعل الله أن يبدل الكره بمحبة والنفور برغبة وألفة، فإذا حدث ذلك رجع بعضهما إلى بعض من غير عقد، وسيظهر أمرهما إذا تراجعا وسيعلم الناس ذلك، ومن شأن الشهادة أن تكون على العقود، وبعد فلا يحصل بالمراجعة بين الزوجين واجتماعهما وبالخلوة بينهما فساد، ولا يترتب على ذلك خلاف، وإنما يحصل الفساد والخلاف فيما إذا كانت الزوجة المطلقة في غير بيت زوجها لا يراها ولا تراه، ثم يراجعها من غير علمها في العدة مراجعة بالقول ثم تنقضي العدة فتتزوج الزوجة فيعترض زوجها الأول ويدعي أنه قد راجعها، فدعواه هذه بعد العدة أنه كان قد راجع في العدة غير مقبولة إلا ببينة وإلا فهي مردودة عليه في وجهه وغاية ما يلزم يمين من الزوجة أنها ما تعلم أنه راجع.
(2) - سؤال: يقال: ما الوجه في إطلاق الوعظ على المسائل الفقهية؟
الجواب: أطلقت العظة هنا لأن ما ورد من أحكام جاءت بالأمر والنهي والتحذير والتذكير وليست العظة شيئاً آخر غير ما ذكرنا.
(3) - سؤال: هل من جملة المخرج توفيقه إلى عدم الدخول في الورطات في مسائل الطلاق المتقدمة ونحوها؟ أم أنه ابتداء كلام جديد؟
الجواب: نعم من جملة المخرج التوفيق لمن امتثل أمر الله في الطلاق وحدوده بعدم الدخول في الورطات والسلامة من الندم والتوفيق إلى ما فيه الخير في الدنيا والاخرة، وهذه الآية وإن وردت في موضوع الطلاق فإنها عامة لكل من يتقي الله ويمتثل أمره وينتهي عند نهيه ولا يتجاوز حدوده في الطلاق وفي غيره من أبواب الدين.
الآية 3
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا
📝 التفسير:
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (3) 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا 3} (4) ومن اتقى الله سبحانه وتعالى وامتثل أوامره فإنه تعالى سيجعل له مخرجاً من كل ضيق وشدة في الدنيا، ومن الوقوع في المصائب والفتن، ويسهل أرزاقه، ويكفيه ما أهمه من أمور دنياه من حيث لا يتوقع ولا يحتسب، وسيصلح له جميع أموره، ومن اعتمد على الله سبحانه وتعالى ووكل جميع أموره إليه فإن الله تعالى حسيبه وكافيه، وهذا وعد من الله سبحانه وتعالى، وإذا وعد الله تعالى بوعد فلا بد أن ينفذ وعده، غير أن حكمته تعالى اقتضت أن يجعل لمواعيده مواقيت محددة على حسب الحاجة والمصلحة.

__________
(3) - سؤال: هل من جملة المخرج توفيقه إلى عدم الدخول في الورطات في مسائل الطلاق المتقدمة ونحوها؟ أم أنه ابتداء كلام جديد؟
الجواب: نعم من جملة المخرج التوفيق لمن امتثل أمر الله في الطلاق وحدوده بعدم الدخول في الورطات والسلامة من الندم والتوفيق إلى ما فيه الخير في الدنيا والاخرة، وهذه الآية وإن وردت في موضوع الطلاق فإنها عامة لكل من يتقي الله ويمتثل أمره وينتهي عند نهيه ولا يتجاوز حدوده في الطلاق وفي غيره من أبواب الدين.
(4) - سؤال: ما الفرق بين القراءتين «بالغ أمره» بالإضافة وبغير إضافة؟ وما محل جملة «قد جعل الله لكل شيء قدراً»؟ وهل القدْر بمعنى التقدير أم بمعنى الأجل والمدة؟
الجواب: الفرق بين القراءتين هو لفظي والمعنى واحد، فالإضافة إنما تفيد تخفيف اللفظ، وجملة «قد جعل الله لكل شيء قدراً» لا محل لها من الإعراب تعليلية، و «قدراً» بمعنى: تقديراً لأجَلَه ومدته وكيفيته أي: كون البلاء النازل بالإنسان بلاء بالغاً أو بلاء صغيراً أو بينهما.
الآية 4
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا
📝 التفسير:
{وَاللَّائِي (1) يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} (2) ثم ذكر الله سبحانه وتعالى لعباده عدة المرأة التي قد بلغت سن اليأس وأمنت (3) عود الحيض عليها، وعدة التي لم يأتها الحيض بعدُ كالصغيرة والضهياء فعدة هاتين والآيسة ثلاثة أشهر.
{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وتعتد المطلقة (4) الحامل بوضع حملها، فمتى ما وضعت حملها فقد انقضت عدتها ولو كان وضعها بعد طلاقها بساعة.
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا 4} ومن يحافظ على تقوى الله تعالى ويقف عند حدوده ويمتثل ما أمره- فإنه سييسر له جميع (5) أمور دينه ودنياه.

__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعرابها مفصلاً؟ وما نوع اسمية «المحيض»؟ وما فائدة التقييد بقوله: «من نسائكم» وهو معلوم؟
الجواب: «اللائي» اسم موصول لجمع المؤنث وهو في محل رفع مبتدأ، وجملة «يئسن من المحيض» صلة الموصول والعائد ضمير النسوة الذي هو النون في قوله: «يئسن»، و «المحيض» مصدر ميمي بمعنى الحيض، وجاء التقييد بقوله: «من نسائكم» كموافقة سؤال السائلين الذين ارتابوا في عدة الزوجات الآيسات وذلك أنهم عرفوا عدة الحائض والحامل فتحيروا وارتابوا في عدة الزوجة الآيسة فسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزل قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ ... }.
(2) - سؤال: ما إعراب {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ}؟ وهل قوله: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} مبتدأ فأين خبره؟ أم أنه معطوف على {وَاللَّائِي يَئِسْنَ ... } فهل يصح؟
الجواب: «فعدتهن» مبتدأ مضاف إلى الضمير. «ثلاثة أشهر» خبر مضاف إلى أشهر والجملة في محل رفع خبر «اللائي»، وجاءت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط فهي رابطة، ويجوز في قوله: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} أن يكون مبتدأ وخبره محذوف دل عليه ما قبله، فيكون من عطف الجمل، ويجوز أن يكون معطوفاً على المبتدأ فيكون من عطف المفردات.
(3) - سؤال: يقال: ظاهر الآية أن هذا مع وقوع الريبة والشك «إن ارتبتم»؛ فكيف؟
الجواب: القيد بقوله: «إن ارتبتم» و «من نسائكم» إنما كان لموافقة السائلين كما أفدنا في الجواب الذي قبل هذا.
(4) - سؤال: من أين نستخرج هذا القيد؟
الجواب: يستخرج ذلك القيد من سياق السورة فإنها في ذكر أحكام الطلاق من أولها إلى ما بعد هذا الموضع كما ترى.

(5) - سؤال: من أين فهمنا التعميم هنا؟
الجواب: فهم من الإضافة أي: من إضافة أمر إلى الضمير واسم الجنس المضاف يعم كقوله تعالى: {بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} [المائدة:1]، وهذا إذا لم يكن هناك قرينة تدل على العهد.
الآية 5
ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا
📝 التفسير:
{ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا 5} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عباده بأن هذه تعاليمه (2) وشرائعه التي يجب العمل والالتزام بها، ومن التزم بها فإنه سيكفر عنه سيئاته (3) وسيجزل له الثواب ويضاعف له الأجر.
__________
(2) - سؤال: وما الوجه في إفراد «أمر» في قوله: «أمر الله»؟
الجواب: «أمر الله» وإن كان مفرداً فهو اسم جنس مضاف فيعم جميع المفردات، وعموم مثل هذا يكون بشرط أن لا توجد قرينة دالة على العهد؛ لأن الإضافة قد تكون للعهد.
(3) - سؤال: هل هذه السيئات مثل المذكورة في سورة النساء: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء:31]، أم لا؟ فكيف تبقى السيئات مع التقوى المشروطة؟
الجواب: هذه الآية وآية النساء سواء في السيئات، ولا تبقى السيئات مع التقوى؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.
الآية 6
أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى
📝 التفسير:
{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ (6) حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} أراد الله سبحانه وتعالى بالضمير الزوجات (7) والمطلقات اللاتي في العدة فيجب لهن على الأزواج السكنى (8) والنفقة على حسب ظروف الزوج في اليسر والعسر.
{وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} (1) ونهاهم أن يلحقوا بهن أي ضرر أو أذى يتسبب في خروجهن من سكنهن.
{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى (2) يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وإن كانت الزوجة ذات حمل فالواجب على الزوج إن طلقها أن ينفق عليها حتى تضع ما في بطنها من الحمل.
{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ (3) أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} وإن أخذت ولدها لترضعه فيجب عليه أن يسلم لها أجرة الرضاع إن طلبت (4) ذلك، وتكون الأجرة بالمعروف وسطاً فلا تجحف به بأن تطلب فوق المعتاد، ولا يجحف بها بأن يعطيها أقل من المعتاد. ومعنى «وأتمروا»: ليقبل بعضكم من بعض ما طلبه فإذا دفع الزوج قدراً مناسباً فلتقبله الزوجة، وإذا طلبت الزوجة قدراً من الأجرة مناسبة فليقبل الزوج.
{وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ (5) فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى 6} وإن طلبت هذه الأم ما يعسر على الزوج دفعه من أجرة الرضاع فليبحث لولده عن مرضعة غيرها.
__________
(6) - سؤال: ما معنى «من» هنا؟ وبم تعلقت؟ وما معنى «من» في «من وجدكم»؟
الجواب: معنى «من» التبعيض في «من حيث سكنتم» وهي متعلقة بـ «أسكنوهن»، و «من» في قوله: «من وجدكم» بيان لقوله: «من حيث سكنتم» فهي متعلقة بمحذوف أي: حال كون ذلك المكان من وجدكم أي: مما وجدتم، أي: على قدر الحال والمال والسعة والضيق، فلو لم يكن للزوج إلا موضع واحد فليسكنها في جزء منه.
(7) - سؤال: يقال: من أين نعرف دخول الزوجات والسياق في المطلقات؟
الجواب: السياق في المطلقات كما ذكرتم والكلام فيهن، وإنما تدخل الزوجات لأنه إنما ثبت للمطلقات الرجعيات السكنى والنفقة لأن الزوجية لم تنقطع بل بقي للزوج في حال العدة الخيار، ولم تنقطع أحكام الزواج فله أن ينظر إليها وله أن يخلو بها وله أن ... و .. إلخ؛ لذلك قال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ... }.
(8) - سؤال: هل يمكن أن نأخذ من هنا أن السكنى واجبة للمطلقة المبتوتة؟ أم كيف؟
الجواب: خرجت المبتوتة بدليل يخصها وهو ما علم من أنه لا تجوز الخلوة بالمبتوتة؛ لذلك لا يجوز للزوج أن يسكنها عنده، وهذا مع أن السياق في الرجعيات.

(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب هذه الآية؟
الجواب: «لا» ناهية، «تضاروهن» مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل. «لتضيقوا» اللام للتعليل وتضيقوا مضارع منصوب بأن مضمرة والواو فاعل. «عليهن» جار ومجرور متعلق بتضيقوا.
(2) - سؤال: هل يمكن أن يقال بأن هذه الآية قرينة على أن الضمير في «أسكنوهن» للمطلقات فقط؟
الجواب: نعم، وقد بينا سبب دخول الزوجات في جواب السؤال الأول.
(3) - سؤال: هل يمكن أن نقول بأن السياق في المطلقات فقط فلا تدل الآية إلا على وجوب أجرة رضاع المطلقة لا التي تحت الزوج فلا يجب لها أجرة؟ أم أنه قد دل عليها دليل آخر فما هو؟
الجواب: نعم السياق في المطلقة فلا تجب الأجرة لمن هي تحت الزوج.
(4) - سؤال: من أين نأخذ هذا الشرط ولزومه؟
الجواب: إن وقع عقد إجارة بين الطرفين الزوج والزوجة فالواجب تسليم الأجرة المتفق عليها، وإن طلقت الزوجة وهي ترضع ولدها فسكتت وسكت الزوج فلا تجب لها أجرة إلا إذا طلبتها، والمقصود في التفسير هو هذا القسم الأخير.
(5) - سؤال: ظاهر صيغة «تعاسرتم» الدلالة على المفاعلة فهل حصول العسر من الزوج وارد في ذلك الحكم؟
الجواب: نعم يدخل الزوج ولو كان التعاسر من جهته فقط.
الآية 7
لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا
📝 التفسير:
{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ (1) سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا (2)} لا يجب على الزوج الإنفاق إلا على قدر حالته وظروفه المعيشية، فمن ضُيّق عليه الرزق فلا يجب عليه أن ينفق إلا مما يسره الله تعالى وسهله له، وإن لم يجد شيئاً ينفقه فلا حرج عليه، ولا يلزمه أن يقترض للنفقة فلا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها (3).
{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا 7} هذا وعد من الله سبحانه وتعالى لمن ضُيّق عليه رزقه بأنه لا بد أن يفرج عليه، وأن ييسر له أموره؛ فلتصبر هذه الزوجة والمعتدة حتى يفرج الله تعالى عن هذا الزوج المعسر.
__________
(1) - سؤال: هل «من» على بابها أم لا؟ فما معناها؟
الجواب: هي على بابها وهو ابتداء الغاية.
(2) - سؤال: إذا كان الزوج ذا غنى مفرط فهل يجب عليه الإنفاق حسب حالته ولو أدى به إلى البذخ ونحوه أم كيف؟
الجواب: يجب عليه الإنفاق حسب حالته وحسب عادته المعتادة ولو كثرت النفقة إلا ما لا يبيحه الدين.
(3) - سؤال: هل يؤخذ من هنا أنه لا يجب على الزوج التكسب لأجل نفقة الزوجة؟ إن كان ذلك فكيف نعمل بالحديث المشهور: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول)) ونحوه؟ وهل يختلف الحكم لو كان عرف القرية التكسب للإنفاق أم لا؟
الجواب: إذا كانت عادة الزوج التكسب للنفقة أو كانت عادته الزراعة، فعليه أن ينفق مما اكتسبه، أما التكسب والزراعة فلا يحتاج إلى أمر شرعي لإيجابه فالفطرة البشرية مندفعة بطبيعتها إلى كسب المال من حيثما تيسر، فكل امرئ ميسر لما خلق له، أما من لا يعتاد التكسب كالعلماء والمشغولين بطلب العلم فلا يجب عليهم التكسب بل إن الاشتغال بالعلم وطلبه باب من أبواب الرزق.
الآية 8
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا
📝 التفسير:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (4) 8 فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا 9} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن كثيراً من القرى والأمم كذبت أنبياء الله تعالى ورسله، وكفرت بآياته وباليوم الآخر، فعذبهم ودمرهم في الدنيا (5) جزاءً على تكذيبهم وتمردهم؛ فانظروا كيف كانت عاقبة هذه الأمم عندما كذبت وتمردت، واعتبروا بما جرى عليهم، واحذروا أن تفعلوا كفعلهم فتقعوا فيما وقعوا فيه من عذاب الله وسخطه. ومعنى «عتت»: تجبرت وتكبرت، و «نكراً»: منكراً فظيعاً.
__________
(4) - سؤال: ما نوع اسمية «نكرا»، و «كأين من قرية»؟
الجواب: «نكراً» الظاهر أنه مصدر وصف به للمبالغة فهو بمعنى منكر و «كأين» خبرية للتكثير وهي بمعنى «كم» الخبرية.
(5) - سؤال: هل تطلق المحاسبة في قوله: «فحاسبناها حساباً شديداً» على تعذيب الدنيا أم كيف؟
الجواب: المحاسبة هنا هي الاستقصاء بالمجازاة في الدنيا على كل ما فعلوه من صغير أو كبير.
الآية 9
فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا
📝 التفسير:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (4) 8 فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا 9} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن كثيراً من القرى والأمم كذبت أنبياء الله تعالى ورسله، وكفرت بآياته وباليوم الآخر، فعذبهم ودمرهم في الدنيا (5) جزاءً على تكذيبهم وتمردهم؛ فانظروا كيف كانت عاقبة هذه الأمم عندما كذبت وتمردت، واعتبروا بما جرى عليهم، واحذروا أن تفعلوا كفعلهم فتقعوا فيما وقعوا فيه من عذاب الله وسخطه. ومعنى «عتت»: تجبرت وتكبرت، و «نكراً»: منكراً فظيعاً.
__________
(4) - سؤال: ما نوع اسمية «نكرا»، و «كأين من قرية»؟
الجواب: «نكراً» الظاهر أنه مصدر وصف به للمبالغة فهو بمعنى منكر و «كأين» خبرية للتكثير وهي بمعنى «كم» الخبرية.
(5) - سؤال: هل تطلق المحاسبة في قوله: «فحاسبناها حساباً شديداً» على تعذيب الدنيا أم كيف؟
الجواب: المحاسبة هنا هي الاستقصاء بالمجازاة في الدنيا على كل ما فعلوه من صغير أو كبير.
الآية 10
أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا
📝 التفسير:
{أَعَدَّ (1) اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا (2) اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا 10 رَسُولًا (3) يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} وقد أعد الله سبحانه وتعالى لهم العذاب الشديد في الآخرة، فاحذروا أن تفعلوا أفعالهم وقد أنعم الله سبحانه وتعالى عليكم بأن أرسل إليكم رسولاً من أنفسكم، وأنزل معه القرآن ليقرأه عليكم، ويذكركم بآياته وبيناته الواضحة التي يخرجكم بها من ظلمات الشرك والجهل إلى نور الحق والهدى.
{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا 11} (4) ثم أخبرهم أن من آمن بالله تعالى، وعمل الأعمال الصالحة- فإنه سيثيبه بالنعيم الدائم في جنات النعيم والبساتين المثمرة التي تجري الأنهار من تحتها.
__________
(1) - سؤال: هل هذه الجملة ابتدائية أم ماذا؟
الجواب: نعم هي مستأنفة لتأكيد ما سبق.
(2) - سؤال: ما السر في تكرير الأمر بالتقوى في هذه السورة أكثر من خمس مرات؟ وما الوجه في أمر المؤمنين أن يحذروا مثل فعال هذه القرى المهلَكة وهم قد آمنوا؟
الجواب: السر في تكرير التقوى هو من أجل أن لا يتهاونوا بما أمرهم الله به من أحكام الطلاق وما يتبعه من النفقة والعدة والسكنى فكررت التقوى ليأخذوا بكل التعاليم مأخذ الجد ولا يتهاونوا بشيء منها أو كلها، وذلك لأن بعض هذه الأحكام المتعلقة بالطلاق وتوابعه في هذه السورة قد يبدوا في نظر المخاطبين صغيراً غير ذي أهمية، فاقتضى الحال لذلك أن يذكرهم الله بالتقوى أربع مرات بين تلك الأحكام ليعلموا أنها عند الله عظيمة فلا يعرضوا أنفسهم لغضب الله بمخالفتها أو التهاون بها، ثم ختم تلك الأحكام المتعلقة بالطلاق وتوابعه بتذكيرهم بما حل بالقرى الكثيرة التي تجاوزت حدود ربها وعصته وتمردت عن طاعته، وأنه حاسبها حساباً شديداً وعذبها عذاباً عظيماً وذلك من أجل أن يعظم للمخاطبين أمر تلك الأحكام وأنهم إن تهاونوا بها فسيعرضوا أنفسهم لغضب الله وحسابه وعذابه، فليحذروا أن يحل بهم مثل ما حل بأهل تلك القرى الكثيرة التي أحل الله بها غضبه وعذابه لما عصوه ولم يمتثلوا أمره.
(3) - سؤال: ما موضع «الذين آمنوا» بعد قوله: «يا أولي الألباب»؟ وما إعراب «رسولاً» فلم يتضح لنا كونه بدلاً من «ذكراً» لعدم فهم المعنى فهل توافقونا في ذلك؟ وما وجه استدلال بعض أصحابنا بها على أن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم أهل الذكر إذا قلنا بفساد المعنى على البدلية؟
الجواب: موضع «الذين آمنوا .. » النصب على أنه نعت للمنادى المضاف أو عطف بيان. «رسولاً» مفعول به لأرسلنا محذوفاً أي: أرسلنا رسولاً يتلو عليكم، وتكون هذه الجملة مستأنفة لبيان كيفية إنزال الذكر إلينا في جواب سؤال مقدر، وهذا الإيجاز غير مخل، وليس فيه تلبيس ولا توهيم عند التأمل لوجود ما يدفع توهم البدلية، فالذكر شيء والرسول شيء آخر، فلا يصح فيه بدل الكل من الكل ولا بدل الاشتمال؛ لأن الذكر غير مشتمل على الرسول، وهذا مع أن قوله: «أنزلنا» مانع من صحة البدلية، فلا يصح: أنزلنا رسولاً إلا بتأويل، ولا داعي للتأويل مع إمكان توجيه الكلام بوجه صحيح من غير تأويل، وغاية ما يعترض على ما ذكرنا هو حذف الفعل، وهو جائز مع ورود القرينة.
وإذا فسد القول بالبدلية فلا يصح الاستدلال بها على ما قاله بعض علماؤنا، ولو فسد الاستدلال بالآية فأهل البيت هم أهل الذكر وأهل القرآن وأهل الحق بدليل حديث الثقلين المجمع على صحته.

(4) - سؤال: ما موضع جملة «قد أحسن الله له رزقاً»؟ وما وجه تنكير «رزقاً»؟ وهل يؤخذ من الآية أن الثواب يسمى رزقاً؟
الجواب: «قد أحسن الله له رزقاً» في محل نصب حال ثانية، والأولى «خالدين» فهي في محل نصب. ونكر «رزقاً» للتعظيم. ويؤخذ من الآية أن نعيم الجنة يسمى رزقاً.
الآية 11
رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا
📝 التفسير:
{أَعَدَّ (1) اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا (2) اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا 10 رَسُولًا (3) يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} وقد أعد الله سبحانه وتعالى لهم العذاب الشديد في الآخرة، فاحذروا أن تفعلوا أفعالهم وقد أنعم الله سبحانه وتعالى عليكم بأن أرسل إليكم رسولاً من أنفسكم، وأنزل معه القرآن ليقرأه عليكم، ويذكركم بآياته وبيناته الواضحة التي يخرجكم بها من ظلمات الشرك والجهل إلى نور الحق والهدى.
{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا 11} (4) ثم أخبرهم أن من آمن بالله تعالى، وعمل الأعمال الصالحة- فإنه سيثيبه بالنعيم الدائم في جنات النعيم والبساتين المثمرة التي تجري الأنهار من تحتها.
__________
(1) - سؤال: هل هذه الجملة ابتدائية أم ماذا؟
الجواب: نعم هي مستأنفة لتأكيد ما سبق.
(2) - سؤال: ما السر في تكرير الأمر بالتقوى في هذه السورة أكثر من خمس مرات؟ وما الوجه في أمر المؤمنين أن يحذروا مثل فعال هذه القرى المهلَكة وهم قد آمنوا؟
الجواب: السر في تكرير التقوى هو من أجل أن لا يتهاونوا بما أمرهم الله به من أحكام الطلاق وما يتبعه من النفقة والعدة والسكنى فكررت التقوى ليأخذوا بكل التعاليم مأخذ الجد ولا يتهاونوا بشيء منها أو كلها، وذلك لأن بعض هذه الأحكام المتعلقة بالطلاق وتوابعه في هذه السورة قد يبدوا في نظر المخاطبين صغيراً غير ذي أهمية، فاقتضى الحال لذلك أن يذكرهم الله بالتقوى أربع مرات بين تلك الأحكام ليعلموا أنها عند الله عظيمة فلا يعرضوا أنفسهم لغضب الله بمخالفتها أو التهاون بها، ثم ختم تلك الأحكام المتعلقة بالطلاق وتوابعه بتذكيرهم بما حل بالقرى الكثيرة التي تجاوزت حدود ربها وعصته وتمردت عن طاعته، وأنه حاسبها حساباً شديداً وعذبها عذاباً عظيماً وذلك من أجل أن يعظم للمخاطبين أمر تلك الأحكام وأنهم إن تهاونوا بها فسيعرضوا أنفسهم لغضب الله وحسابه وعذابه، فليحذروا أن يحل بهم مثل ما حل بأهل تلك القرى الكثيرة التي أحل الله بها غضبه وعذابه لما عصوه ولم يمتثلوا أمره.
(3) - سؤال: ما موضع «الذين آمنوا» بعد قوله: «يا أولي الألباب»؟ وما إعراب «رسولاً» فلم يتضح لنا كونه بدلاً من «ذكراً» لعدم فهم المعنى فهل توافقونا في ذلك؟ وما وجه استدلال بعض أصحابنا بها على أن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم أهل الذكر إذا قلنا بفساد المعنى على البدلية؟
الجواب: موضع «الذين آمنوا .. » النصب على أنه نعت للمنادى المضاف أو عطف بيان. «رسولاً» مفعول به لأرسلنا محذوفاً أي: أرسلنا رسولاً يتلو عليكم، وتكون هذه الجملة مستأنفة لبيان كيفية إنزال الذكر إلينا في جواب سؤال مقدر، وهذا الإيجاز غير مخل، وليس فيه تلبيس ولا توهيم عند التأمل لوجود ما يدفع توهم البدلية، فالذكر شيء والرسول شيء آخر، فلا يصح فيه بدل الكل من الكل ولا بدل الاشتمال؛ لأن الذكر غير مشتمل على الرسول، وهذا مع أن قوله: «أنزلنا» مانع من صحة البدلية، فلا يصح: أنزلنا رسولاً إلا بتأويل، ولا داعي للتأويل مع إمكان توجيه الكلام بوجه صحيح من غير تأويل، وغاية ما يعترض على ما ذكرنا هو حذف الفعل، وهو جائز مع ورود القرينة.
وإذا فسد القول بالبدلية فلا يصح الاستدلال بها على ما قاله بعض علماؤنا، ولو فسد الاستدلال بالآية فأهل البيت هم أهل الذكر وأهل القرآن وأهل الحق بدليل حديث الثقلين المجمع على صحته.

(4) - سؤال: ما موضع جملة «قد أحسن الله له رزقاً»؟ وما وجه تنكير «رزقاً»؟ وهل يؤخذ من الآية أن الثواب يسمى رزقاً؟
الجواب: «قد أحسن الله له رزقاً» في محل نصب حال ثانية، والأولى «خالدين» فهي في محل نصب. ونكر «رزقاً» للتعظيم. ويؤخذ من الآية أن نعيم الجنة يسمى رزقاً.
الآية 12
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا
📝 التفسير:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا 12} (2) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عباده بأنه وحده الذي يستحق الإلهية، وأن يخصوه بعبادتهم؛ لأنه الذي خلق هذه السماوات السبع والأرضين السبع، ثم أخبرهم بأنه ينزل القرآن من السماء إلى الأرض؛ ليطلعهم على عظيم قدرته وإحاطة علمه (1).
__________
(2) - سؤال: هل جملة «الله الذي خلق .. » ابتدائية أم لها موضع فما هو؟ وما محل «يتنزل الأمر بينهن»؟ وإلام يعود الضمير في «بينهن»؟ ولم أسند التنزل إلى الأمر لا إلى الباري تعالى؟ وما الوجه في تضعيف الفعل «يتنزل الأمر» إذا كان المراد بالأمر القرآن؟ وما وجه تقديم الجار والمجرور «من الأرض» وهل يحتاج «لتعلموا» مفعولين فأين هما؟ أم يكفي فيه مفعول واحد فأين هو؟ وما إعراب «علماً»؟
الجواب: جملة «الله الذي خلق» ابتدائية، وجملة «يتنزل الأمر» في محل نصب حال، وضمير «بينهن» يعود إلى «سبع سموات ومن الأرض». وإسناد التنزل إلى الأمر مجاز عقلي، والفاعل الحقيقي معلوم. وجاء التضعيف «يتنزل» لنزول الأمر شيئاً فشيئاً وجزءاً فجزءاً وآية فآية وسورة فسورة ولم ينزل دفعة واحدة. وقدم «من الأرض» لأن الأرض هي المقصودة بالذكر. أما قوله: «مثلهن» فليس إلا كالصفة للأرض. و «أن» وما دخلت عليه في قوله: «إن الله على كل شيء قدير» على تأويل مصدر ساد مسد مفعولي «لتعلموا». وقوله: «علماً» تمييز نسبة أي: أنه محول عن فاعل وكان الأصل: أحاط علمه بكل شيء.

(1) - سؤال: هل يؤخذ من الآية صحة الاستدلال على أن الله قادر وعالم بالسمع؟ وعدم الاحتياج إلى العقل في ذلك؟ أم كيف؟
الجواب: خلق الله السموات والأرض ليكونا آية على عظمة الله وقدرته وسعة علمه؛ فالناظر في آياتهما سيعلم أن الله على كل شيء قدير وأنه بكل شيء عليم، ولا يحتاج المكلف للحصول على النتيجة إلا لمن ينبهه إلى النظر والتفكر.
سؤال: ما المناسبة في ختم سورة الطلاق المشتملة على أحكامه ومسائله بآية التوحيد هذه: «الله الذي خلق سبع سموات ... »؟
الجواب: في هذه الآية التنويه بأهمية أحكام هذه السورة بقوله: «يتنزل الأمر بينهن» وهذا مع ما فيها من الإشارة إلى تمام السورة ونهايتها، وهذا من حيث ذكر الغرض والغاية من خلق السموات والأرض.