القرآن الكريم مع التفسير

سورة الإسراء

آية
إجمالي الآيات: 111 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
📝 التفسير:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 1} تقدس الله وتعالى عن أن يكون له شريك أو مثيل أو شبيه، يقص الله سبحانه وتعالى علينا كرامته لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك أنه كان قد أصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الضيق والغم، ودخلت الشكوك في قلبه عندما رأى من المشركين عدم الاستجابة له، واتهم نفسه بالنقص والتقصير في دعوته؛ لما يراه فيهم من زيادة العناد والتمرد، فأسرى به الله سبحانه وتعالى ليرفع من شأنه، ويرد عليه معنوياته، ويعرف أنه لم يكن منه أي تقصير في تبليغ دعوته، وأنه لم ينقص من قدره شيء عنده تعالى، وكذلك ليشاهد آثار الأنبياء قبله (1)؛ لأن المسجد الأقصى في بلاد الشام، وكانت مهبط الأنبياء والمرسلين، فإذا شاهد آثارهم ازداد طمأنينة، وازدادت معنوياته وهمته ونشاطه في مواصلة نشر دعوته، وتبليغ رسالة ربه؛ لان الله سبحانه وتعالى عالم بأن فعله هذا سيزيد من نشاطه، وسيزيل ما كان أصابه من الأسى والحزن بسبب عدم استجابة المشركين له.
وأخبر أن أرض الشام جعلها أرضاً مباركة لما فيها من كثرة المياه وخصب الأرض، وكثرة الثمار، وما كان فيها من الخير، وكونها مقصداً لتجارتهم من جميع أقطار الأرض ثم إنها أرض الأنبياء عليهم السلام.

__________
(1) -سؤال: هل تقصر الآيات في قوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} على مشاهدة آثار الأنبياء، أم أن هناك آيات أخرى مثل معجزة قطع المسافة في ليلة واحدة ونحو ذلك؟
الجواب: قطع المسافة الطويلة في ليلة واحدة آية من آيات الله تعالى أراها الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فتكون من ضمن آيات الله التي في قوله تعالى: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}، وقد يكون المراد بالآيات غير ذلك وهو ما ذكره الله تعالى في سورة النجم عند ذكره تعالى لمعراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى 12} إلى قوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى 18}.
الآية 2
وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا
📝 التفسير:
{وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه أنزل على موسى التوراة التي فيها هدى بني إسرائيل وطريق نجاتهم.
{أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا 2} (1) وأمرهم ألا يتخذوا إلهاً غيره، وأن يفردوه وحده بالعبادة.
__________
(1) -سؤال: فضلاً ما موقع: {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا 2} الإعرابي؟
الجواب: لا محل للجملة من الإعراب؛ لأنها مفسرة.
الآية 3
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا
📝 التفسير:
{ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا 3} (2) وأن بني إسرائيل هم من ذرية من أنجاهم الله سبحانه وتعالى من الغرق، وهم أولاد نوح عليه السلام، وقد كان أبوكم نوح عبداً شكوراً وجدير بكم أن تقتفوا أثره في شكر الله.
__________

(2) -سؤال: ما إعراب: {ذُرِّيَّةَ}؟
الجواب: «ذرية» منصوب بتقدير أعني، أي: على الاختصاص، وقيل: منصوب على النداء.
الآية 4
وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا
📝 التفسير:
{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا 4} (3) أخبر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل في توراتهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، وأنهم سيتكبرون في الأرض، وسيظهرون عليها بالفساد مرتين.
__________

(3) -سؤال: يقال: لماذا عدي {قَضَيْنَا} بـ «إلى» وهو بمعنى: أخبرنا وأعلمنا الذي يتعدى بنفسه؟
الجواب: عدي بـ «إلى» مع أنه بمعنى أعلمنا وأخبرنا لأنه ضُمِّن معنى «أوحينا» الذي يتعدى بـ «إلى».
الآية 5
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا
📝 التفسير:
{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا (4)خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا 5} فإذا كان إفسادهم الأول فإن الله سبحانه وتعالى سيسلط عليهم قوماً من عباده أهل قتل وقتال، وسيقتحمون بلادهم، وسيكثرون فيهم القتل، وأخبرهم أن هذا واقع لا محالة، وهؤلاء الذين سلطهم عليهم هم أهل بابل، وهم جيش بخت نصر (1).

__________

(4) -سؤال: ما معنى «فجاسوا»؟ وما أصل اشتقاقها؟

الجواب: «جاسوا» الجوس: الاستقصاء في طلب الشيء وبابه قال، تقول: جاس يجوس جوساً.

(1) -سؤال: على أي دين كان هؤلاء؟ وهل كانوا ملتزمين به؟
الجواب: ليس هناك ما يدل على أن أولئك العباد الذين سلطهم الله على بني إسرائيل كانوا أهل دين سماوي، أم لم يكونوا أهل دين سماوي، إلا أن قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} يدل على أن أولئك كانوا على غير هدى وإلا لما سلط الله تعالى بني إسرائيل عليهم. وقوله: {عِبَادًا لَنَا} فيه دلالة ضعيفة على أنهم كانوا أهل ديانة سماوية.
الآية 6
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا
📝 التفسير:
{ثُمَّ رَدَدْنَا (2) لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} وأخبر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل أنهم بعد ذلك سيستردون دولتهم وهيبتهم، وسيظهرهم في الأرض.
{وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا 6} وأنه سيمكنهم في الأرض بالأموال والبنين والقوة، والعدة والعدد.
__________

(2) -سؤال: يقال: كيف نسب الله تعالى رد الكرة لهم إلى نفسه وهي من فعلهم مع أنهم كانوا مفسدين؟
الجواب: نسب الله تعالى ذلك إلى نفسه من حيث أنه تعالى هيأ لهم أسباب الكرَّة والنصر والتمكين والعدد والعدة و .. إلخ، ولم يكونوا مفسدين حينذاك، وقد يكون ما فعلوه بأمر الله تعالى.
الآية 7
إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا
📝 التفسير:
{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} (3)وأخبرهم بأنهم إن أحسنوا وعملوا الأعمال الصالحة كان ذلك عائداً عليهم بالثواب والنعيم الدائم، وأنهم إن أساءوا كان وزرهم على ظهورهم، وهم الذين سيتحملون عاقبة وزرهم.
{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ} وهي إفسادهم المرة الثانية في الأرض.
{لِيَسُوءُوا (1) وُجُوهَكُمْ} وهم أهل بابل سيسلطهم الله سبحانه وتعالى عليكم مرة أخرى، وسيمكنهم منكم فيلحقون بكم الأذى والقتل.
{وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وسيعبثون بمقدساتكم ويخربونها ويستبيحون حرمتها.
{وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا 7} وسيهلكون كل ما يظهرون عليه، وسيدمرون مساكنكم ومزارعكم ومواشيكم، وكل ما ظفروا به منكم أيها اليهود.
أخبر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بذلك في التوراة على لسان موسى قبل وقوعه.

__________

(3) -سؤال: يقال: الظاهر أن تستعمل «على» في قوله: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}، فما السر في العدول إلى اللام؟

الجواب: الظاهر هو ما ذكرتم وقد عدل عنه للمناسبة لما قبلها: {لِأَنْفُسِكُمْ}.

(1) -سؤال: يقال: ما هي هذه اللام الداخلة على الأفعال: «يسوءوا، ويدخلوا»؟ ولماذا جيء بجواب الشرط على هذه الصيغة؟
الجواب: جواب الشرط محذوف والتقدير: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم، فاللام الداخلة لـ «يسوءوا، ويدخلوا» هي لام التعليل وهي متعلقة بـ «بعثناهم».
الآية 8
عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا
📝 التفسير:
{عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} وأخبر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بأنه بعد إفسادهم في الأرض مرة أخرى، وبعد أن يسلط عليهم عباده في الكرة الثانية بأنه سيرحمهم مرة أخرى، وسيرد عليهم قوتهم ودولتهم.
{وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} وأخبرهم بأنهم إن عادوا إلى الفساد في الأرض فسيسلط عليهم من يعذبهم، وعلى هذا إلى يوم القيامة كلما عادوا عاد عليهم، وكان آخر تسليط عليهم هو أن سلط الله سبحانه وتعالى عليهم هتلر في الحرب العالمية الثانية، قتل نحواً من ستة مليون يهودي، وخرب مساكنهم، والآن قد تراجعوا وعادت لهم هيبتهم، وقد بدأوا في الفساد في الأرض، وقريباً سيسلط الله عليهم من ينتقم منهم، ويقتلهم ويذلهم كما وعد سبحانه وهو لا يخلف الميعاد.
{وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا 8} وأخبرهم بأنه قد جعل جهنم سجناً للكافرين يعذبهم فيها بعد أن يعذبهم في الدنيا بالخزي والذل والقتل.


الآية 9
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا
📝 التفسير:
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (1) وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا 9} (2) أخبر الله سبحانه وتعالى أن القرآن يهدي الناس إلى طريق نجاتهم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بثواب الله والنعيم الدائم.
__________
(1) -سؤال: مم أخذ قوله: {أَقْوَمُ}؟ وما يكون معناها تبعاً لاشتقاقها؟
الجواب: أخذ من أقام، على غير القياس، وعند سيبويه أنه قياس. والمعنى: أن القرآن يهدي للطريق التي لا ميل فيها ولا اعوجاج ولا لبس ولا خفاء.
(2) - سؤال: ما موضع المصدر المؤول: {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا 9}؟
الجواب: موضعه الجر بباء مقدرة، والجار والمجرور متعلقان بـ {يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ}.
الآية 10
وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
📝 التفسير:
{وَأَنَّ (3) الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 10} وفيه الوعيد لمن كفر بالله سبحانه وتعالى، وأنكر البعث بعد الموت بالعذاب الأليم في نار جهنم خالدين فيها أبداً.
__________

(3) -سؤال: علام عطف المصدر: {وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}؟
الجواب: هو معطوف على: {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا 9} أي: أنه يبشر المؤمنين ببشارتين: أن لهم أجراً كبيراً، وأن الكافرين معذبون، وكان ذلك بشارة للمؤمنين لما فيه من الإنصاف لهم من الكافرين الذين لقوا منهم ما لقوا من القتل والتعذيب والأذى، و ... إلخ.
ويجوز أن يقدر فعل أي: ويخبر بأن الذين لا يؤمنون .. فيكون من عطف الجمل.
الآية 11
وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا
📝 التفسير:
{وَيَدْعُ (4)الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا 11} أخبر الله سبحانه وتعالى عن طبيعة الإنسان المكذب بأنه يستعجل نزول الشر كاستعجاله بنزول الخير، وأنهم يدعون على أنفسهم بالشر، ويستعجلون نزوله؛ لأن الأنبياء كانت تدعوا أممها إلى الله تعالى، وكان كل نبي يحذر قومه أنهم إن أصروا على الكفر والتمرد فسينزل الله بهم عذابه في الدنيا ويستأصلهم، فكانوا يستعجلون نزول العذاب بهم، ويسألون أنبياءهم أن يدعو الله سبحانه وتعالى بأن يعجل بنزول العذاب عليهم تكذيباً منهم واستهزاءً بأنبيائهم.

__________

(4) -سؤال: ما الوجه في حذف الواو من {يَدْعُ} هل هو التقاء الساكنين؟ فلماذا لم يحذف في سائر الكلمات؟

الجواب: حذفت في خط المصحف، وخط المصحف سنة لا يقاس عليها، ولا يطلب لذلك علة.
الآية 12
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا
📝 التفسير:
{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ} ثم يذكر الله سبحانه وتعالى عباده بآياته الدالة على قدرته وعلمه وحكمته؛ فأمرنا بأن نتفكر في آية الليل والنهار.
{فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} (1) جعل الله الليل أسود مظلماً وجعل لنا النهار ضياءً ونوراً لنرى فيه مصالحنا وأسباب معايشنا ومنافعنا، ونبتغي فيه أرزاقنا.
{لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا (2)عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} وكذلك لنعرف بهما الشهور والأسابيع والسنين، ومواعيد أعمالنا ومعاملاتنا، ومواسم عبادتنا.
{وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا 12} وأخبرنا أنه قد فصل لنا كل آياته، ووضحها وبينها لنا.

__________
(1) -سؤال: هل كانت القمر منيرة ثم طمست ومحيت كما هو ظاهر الآية؟ أم أنها من أصلها، أوضحوا ذلك؟
الجواب: تكون القمر منيرة ثم يمحوها الله شيئاً فشيئاً حتى يعود كالعرجون القديم، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك: {لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} وهذا التعليل هو من اللف والنشر غير المرتب، فقوله: {لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} علة لقوله: {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} وقوله: {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} علة لقوله تعالى: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ} فكانت الحكمة في محو آية الليل هي معرفة السنين والحساب.
(2) -سؤال: علام عطف قوله: {لِتَعْلَمُوا}؟ وما إعراب: {كُلَّ شَيْءٍ}؟

الجواب: عطف {وَلِتَعْلَمُوا} على {لِتَبْتَغُوا فَضْلًا}، و {كُلَّ شَيْءٍ} مفعول به لفعل محذوف تقديره: فصلنا كل شيء، وإنما قدرنا له فعلاً محذوفاً لاشتغال الفعل الذي بعده بضميره.
الآية 13
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا
📝 التفسير:
{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} (1) وأخبرنا أنه قد ألزم كل إنسان عمله يتحمله في عنقه، وأن كل امرئ مرهون بعمله فعمله هو الذي يوبقه أو يطلقه.
{وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا 13} وأنه يوم القيامة سيحصي على كل إنسان عمله، وسيعرض عليه صحيفة أعماله يوم القيامة فيرى فيها كل صغير من أعماله وكل كبير {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف:49].
__________
(1) -سؤال: يقال: لماذا سمي العمل طائراً؟
الجواب: الأصل في ذلك أن العرب كانوا يعتقدون أن الطائر الذي يطير من يسار الرجل إلى ناحية يمينه (السانح) سبباً للخير، والعكس سبباً للشر (البارح) يتفاءلون بالأول ويتشاءمون بالثاني، فمن هنا شبهوا عمل الإنسان بالطائر المذكور، والوجه الجامع هو كون المشبه والمشبه به سبباً للشر أو الخير.
الآية 14
اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا
📝 التفسير:
{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا 14} (2)وسيعرض عليه كتابه ليرى عمله الذي عمله في الدنيا، وسيقرأ ما كتب فيه من أعماله ليحكم كل امرئ على نفسه بما يستحقه، وإن أنكر أو كذب بشيء قد كتب عليه فستأتي الشهود لتشهد عليه عند الله سبحانه وتعالى بالحق.

__________

(2) -سؤال: ما إعراب: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا 14}؟
الجواب: «كفى» فعل ماضٍ، والباء حرف جر، و «نفسك» مجرور لفظاً مرفوع محلاً لأنه فاعل كفى، والظرف والجار والمجرور متعلقان بـ «حسيباً»، وحسيبا: تمييز، ويجوز أن يكون حالاً لأنه مشتق بمعنى محاسب أو حاسب.
سؤال: هل في هاتين الآيتين دليل على أن الكَتْبَ حقيقي وأن فيه غرضاً صحيحاً ولطفاً لبني آدم؟ فما رأيكم؟

الجواب: نعم فيهما دليل على ذلك.
الآية 15
مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
📝 التفسير:
{مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} فلا يظن أحد أنه سيضر الله تعالى بكفره وتمرده وعصيانه أو يضر دينه أو نبيه، وإنما سيضر نفسه فقط، ولن يتعدى ضره إلى غيره.
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ولا تحمل نفس ذنب نفس أخرى، بل كل نفس سوف تتحمل وزرها وحْدَها.
{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا 15} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يعذب أحداً حتى يبعث إليهم رسولاً يحذرهم وينذرهم؛ ليقطع عليهم الاحتجاج والأعذار؛ فلا يكون لهم عذر عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
فإن قيل: فكيف بمن لم تبلغه دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟
فالجواب عليه: أن الله سبحانه وتعالى سيثيبه على قدر ما يمليه عقله عليه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خلق العقل وجعل فيه القدرة التي تمكنه من الوصول إلى معرفته سبحانه والعلم بوجوده، فمن استجاب لداعي العقل والفطرة هذه وآمن بالله سبحانه وتعالى فسيدخله الجنة حتى ولو لم تبلغه دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1).
وبالنسبة لزماننا هذا فقد اختلف الوضع، وأصبحت وسائل المعرفة موجودة وفي متناول الجميع في شتى بقاع الأرض، وبسهولة وتيسير، وما على المكلف إلا أن يفتح الإنترنت وسيتوصل إلى ما أراد.
وعلى الجملة فلن يعذب الله سبحانه وتعالى إلا من بلغته الحجة، وعرف الحق ثم أعرض عنه.

__________
(1) - سؤال: إذا قال واحد من هؤلاء: لم يُمْلِ عليّ عقلي بأن الله قادر عالم و .. إلخ فماذا يجاب عليه؟
الجواب: من طبيعة العقل وفطرته الإذعان بتعلق الفعل بفاعله والحدث بمحدثه، ولا يمكنه التخلي عن هذه الفطرة، وهكذا ما يظهر في الفعل والصنع من الحكمة والإتقان يدل على علم فاعله وإتقانه يذعن العقل للجزم بذلك والقطع به؛ لذلك فلا يقبل قول من يدعي أن عقله لم يوح إليه بقدرة الذي أحدث المحدثات المشاهد حدوثها بعد العدم إلا إذا كان مدعي ذلك ناقص العقل.
الآية 16
وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا
📝 التفسير:
{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا (1) فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا 16} (2) أخبر الله سبحانه وتعالى أنه إذا أراد أن يهلك أهل قرية، وأن ينزل عليهم عذابه لكفرهم وفسادهم؛ فإنه قبل ذلك يرسل إليهم رسولاً يأمرهم وينهاهم، ويحذرهم وينذرهم، ويخبرهم أنهم قد استحقوا نزول العذاب بهم إن لم يؤمنوا ويستجيبوا فإذا لم يؤمنوا عذبهم الله واستأصلهم وقطع دابرهم.
ومترفوها هم كبار القوم وزعماؤهم؛ لأن رسل الله سبحانه وتعالى يذهبون إلى الكبار؛ لأن الكلمة تكون كلمتهم، وأما البقية فيكونون تبعاً لهم.
__________
(1) -سؤال: إذا استدل أهل الجبر بهذه الآية على مذهبهم فكيف نرد عليهم؟
الجواب: ليس فيها دليل على مذهب الجبر، فمعنى الآية: أن الله تعالى إذا أراد أهل قرية لكثرة فسادها فإنه لا يعذبها حتى يرسل إليها رسولاً لتتم به الحجة عليهم كما قال سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا 15} [الإسراء].
(2) -سؤال: يقال: هل في هذه الآية دليل على أن الإرادة بمعنى العلم باشتمال الفعل على المصلحة؟ إذ لا يمكن أن تفسر الإرادة هنا بمعنى فعل المراد لتقدم الإرادة على الإهلاك بنص الآية ومنطوقها؟
الجواب: فيها دليل واضح على أن الإرادة ليست نفس المراد لتقدم الإرادة على نفس المراد بنص الآية هذه؛ لذلك تكون الإرادة هي العلم باشتمال الفعل على مصلحة.
الآية 17
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا
📝 التفسير:
{وَكَمْ (3)أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا 17} يذكر الله سبحانه وتعالى المشركين لعلهم يعتبرون فيرجعون إليه، ولعلهم إن عرفوا بمصائر الأمم المكذبة قبلهم اعتبروا.

__________

(3) -سؤال: ما إعراب: {كَمْ أَهْلَكْنَا}؟

الجواب: «كم» في محل نصب مفعول به لأهلكنا، وليست «كم» للاستفهام بل هي خبرية.
الآية 18
مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا
📝 التفسير:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا 18} (1) من أراد الدنيا وزينتها ولذاتها- فإن الله سيمتعه فيها ويعطيه على حسب ما اقتضته الحكمة والمصلحة، ثم بعد ذلك يدخله نار جهنم خالداً فيها مخلداً.
__________
(1) -سؤال: لا زال يلتبس على كثير منا تفسير إرادة الدنيا، فالقلوب مائلة إلى شهوات الدنيا، فما توضيح ذلك؟
الجواب: الدنيا المذمومة التي يكره الله تعالى من عباده أن يريدوها ويطلبوها ويأكلوها هي نوعان:
1 - ... ما حرمه الله تعالى على عباده من الخمر والزنا والربا وأكل أموال الناس بالباطل والقتل والظلم والكبر و ... إلى آخر ما حرمه الله في دين الإسلام.
2 - ... الدنيا التي تلهي عن ذكر الله وعن تأدية ما أوجب الله، فإن لم تؤد إلى ذلك فليست مذمومة ولا منهياً عنها {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:32].
الآية 19
وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا
📝 التفسير:
{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ (2)فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا 19} ومن عمل لآخرته وترك الدنيا وشهواتها ولذاتها؛ فإن الله سبحانه وتعالى سيثيبهم فيها في النعيم الدائم الذي لا ينقطع.

__________

(2) - سؤال: فضلاً ما موضع: {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} الإعرابي؟ وما فائدته؟

الجواب: موضعه النصب على الحالية، والفائدة من هذا القيد أن الإيمان شرط في قبول الأعمال الصالحة، فمن عمل الأعمال الصالحة وهو غير مؤمن فلا تنفعه عند الله ولا تقبل منه.
الآية 20
كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا
📝 التفسير:
{كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ (1) وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا 20} وأخبر الله سبحانه وتعالى أنه يعطي كلا الصنفين من أراد الدنيا، ومن أراد الآخرة، وليس رزقه في الدنيا وعطاؤه فيها محصوراً على أحد فهو يرزق في الدنيا الناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم.
__________
(1) -سؤال: من فضلكم ما إعراب: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ}؟
الجواب: «كلاً مفعول به مقدم لـ «نمد» و «هؤلاء» بدل من «كلاً»، و «هؤلاء» الثانية معطوفة على الأولى.