القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأحزاب

آية
إجمالي الآيات: 73 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 1
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا 1} وجه الله سبحانه وتعالى خطابه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد به غيره؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان من أهل العصمة، وقد أراد الله سبحانه وتعالى لعباده أن يتقوا عذابه وسخطه ويتركوا ما يوجب ذلك من المعاصي، وتقوى الله سبحانه وتعالى تكون بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.
وكان أهل الكفر يدارون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن يفعل لهم بعض ما يريدون من دينهم، وأن يتساهل معهم في بعض آخر من أعمال الكفر، ويعدونه بأنه إن فعل ذلك ورضي لهم فسيؤمنون له ويصدقون ما جاء به.
وكذلك المنافقون كانوا يعرضون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل معهم مثل ذلك من الأعمال التي لا ترضي الله تعالى فنهاه عن طاعتهم وعن الاستماع لهم أو الميل إلى شيء مما يقترحونه عليه، وأمره أن يترك مشورتَهم وأخذَ الرأي منهم؛ لأنهم لن ينصحوا للإسلام، ولن يشيروا عليه إلا بما فيه فساد أمر الدين، وزرع الفرقة بين المسلمين (1).
وأخبره أنه عليم حكيم لا يأمر إلا بما فيه مصلحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللدين وللإسلام والمسلمين، وعلى الجملة فإن ما يأمرنا الله سبحانه وتعالى به من الشرائع ليس إلا لمصلحة قد علمها لنا، وأنه لم يأمر بشيء لأجل أن يشق علينا أو يتعبنا به، ولم ينهنا عن شيء لأجل أن يحرمنا أو يمنعنا، وإنما لأجل دفع الشر والفساد عنا، وما فيه ضرر علينا، وأما هو تعالى فلا تنفعه طاعة من أطاعه ولا تضره معصية من عصاه.
فالصلاة مثلاً لم يأمر عباده بها إلا للمصلحة التي تعود عليهم منها في دينهم ودنياهم، وذلك لما فيها من القربة إلى الله سبحانه وتعالى، وكسب رضوانه وثوابه، وأيضاً لما فيها من الرياضة للجسم.
وما شَرَطَهُ من الوضوء لإقامتها إنما هو لما فيه من الطهارة والنظافة للجسم، وإزالة الأوساخ والأمراض والجراثيم التي تَعْلَقُ بالجسم.
وكذلك الزكاة لما فيها من النفع للفقراء، والسبب الذي تعود به من استقامة الحياة بما يحصل من التعامل بينهم، وكذلك فإن العقل يستحسن إشباع الفقراء وسد جوعتهم، وأيضاً فإن العاقل لا يقبل أن يبيتَ الغنيُّ شبعاناً وجاره جائع، ويمقت من فعل ذلك ويذمه، فلذلك أمر الله سبحانه وتعالى الغني بمواساة الفقير، ولما فيها من بقاء الأخوة بين الأغنياء والفقراء فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها.
وكل الشرائع هكذا ليست إلا لمصالح تعود على العباد، لا غرض لله سبحانه وتعالى فيها غير ذلك؛ لأنه غني لا يحتاج (2).

__________
(1) - سؤال: يقال: إذاً فالأمر موجه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف؟ وهل يصح أن يحمل على أنه أمر بالاستمرار في التقوى وترك طاعة الكافرين والمنافقين؟ وأن المراد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو كان معصوماً؛ إذ العصمة لا تسقط التكليف، وقد يكون فيه لطف لبقية المكلفين حينما يشعرون بأن الأمر لا زال للمعصوم، وسيعظم عندهم هذا الأمر ويكون منهم اهتمام بالغ؟
الجواب: الأمر موجه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو المخاطب به، وكما ذكرتم فإنه يراد منه الاستمرار على تقوى الله وترك طاعة الكافرين والمنافقين، والمراد أتباعه المؤمنين، وهذا كما يقال: من باب «إياك أعني واسمعي يا جارة»، ودليل ذلك قوله: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا 2}، فوجه الخطاب إلى أتباعه صلى الله عليه وآله وسلم في آخر هذه الآية.

(2) - سؤال: وكيف ندرج الشكر لله بالصلاة ونحوها ضمن المصالح التي تعود للعبد؟
الجواب: المصالح التي تعود للعبد من فعل الصلاة:
- ... الطهارة والنظافة التي من شأنها إزالة الميكروبات المؤذية للصحة.
- ... الوضوء والصلاة يجددان للمرء الحيوية والنشاط، يظهر ذلك في وجه المصلي.
- ... رياضة بدنية تتحرك فيها جميع أجزاء الجسم، وجميع ما يحتاجه البدن من الرياضة الضرورية.
- ... الاجتماع بالأقارب والجيران والإخوان كل يوم عدة مرات، ولا يخفى ما يترتب على ذلك من المصالح التي فيها دوام التواصل، والإحساس بالترابط، ومنها التشاور عند الحاجة، ومنها السؤال عن الغائب والمريض، ونحو ذلك.
- ... إنعاش القلب بذكر الله فلا يزال القلب حياً بذكر الله بالمداومة على الصلاة، ولا يخفى ما في انتعاش القلب بذكر الله من آثار على سلوك الإنسان، فيترك القبيح ويتجنب الشر، ويندفع إلى فعل الخير وحسن المعاملة، وبسلوكه هذا يحصل على ثقة الناس به وميلهم إليه وحبهم له، ويكتسب حسن معاملتهم له، وحسن الثناء عليه {سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا 96} [مريم].
الآية 2
وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
📝 التفسير:
{وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا 2} بعد أن نهى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن طاعة الكافرين والمنافقين أمره أن يتبع ما أوحي إليه من الشرائع والتعاليم في القرآن (1)، وأمته تدخل تبعاً له في هذا الأمر.
ثم أخبره تعالى بأنه عالم بجميع أعمال عباده، ومطلع على أسرارهم وما في ضمائرهم، وسيجازيهم على ظاهرها وباطنها.
__________
(1) - سؤال: قد يفهم أنه لم يوح الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا القرآن فقط دون السنة، فكيف تقولون في ذلك؟
الجواب: السنة تابعة للقرآن أي: أنها لبيان ما شرع الله تعالى في القرآن وتفصيل ما فيه من الأحكام، فالصلاة والزكاة مما أمر الله تعالى به في القرآن، وبيان كيفية الصلاة ومقادير الزكاة جاءت من السنة، إلا أنها لبيان ما أراده الله في القرآن؛ لذلك فالسنة ليست شيئاً آخر غير القرآن.
الآية 3
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
📝 التفسير:
{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا 3} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يتوكل عليه في ذلك لأجل أن يدفع عنه ضرر الكافرين والمنافقين ومؤامراتهم ومحاولاتهم لقتله وإفساد أمره، وأن لا يبالي بهم؛ لأنهم مهما حاولوا أن يضروه فلن يستطيعوا ذلك ما دام متوكلاً عليه وكفى بالله حافظاً (2).
__________
(2) - سؤال: يقال: وبماذا يُفَسَّر الضر الذي حصل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة أحد وليلة الهجرة ونحو ذلك؟

الجواب: المراد أنهم لن يصلوا إلى إفساد دعوة النبي وإبطال أمره ألا ترى أن الله تعالى سمى نجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين واختبائه في الغار نصراً: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ... } الآية [التوبة:40]، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته متوكلاً على الله معتمداً عليه مطمئناً إلى حفظه حتى في حالة إحاطة العدو، وهكذا نجاه الله تعالى يوم بدر وهو في وسط الميدان وقد انهزم عنه المسلمون ولم يبق حوله إلا عدة أنفار.
الآية 4
مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
📝 التفسير:
{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لم يخلق لأحد قلبين ليرتب على هذا الخبر ما بعده من الأحكام.
{وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ 4} كان الرجل يقول: زوجتي علي كظهر أمي، أو مثل أمي، فاستنكر الله سبحانه وتعالى عليهم ذلك؛ لأنه لا يصح أن تكون زوجته حلالاً وحراماً في آن واحد، كما أنه لا يصح ولا يجوز أن يكون مع الرجل قلبان في جوفه.
وكذلك كانوا يتبنون الأولاد، فكان أحدهم يشتري عبداً ثم يعتقه (1) ثم بعد ذلك يعلن بين الناس أنه ولده وأنه يرثه ويورث منه، وأنه ينسب إليه، ونحو ذلك من الأحكام التي تكون لأبناء النسب.
وقد فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك في زيد بن حارثة قبل النبوة، فقد اشتراه وأعتقه، ثم أعلن بين الناس أنه ولده، فكان الناس ينادونه بزيد بن محمد، ثم إن الله سبحانه وتعالى نهاهم أن ينسبوهم إليهم، وأن لا يقولوا زيد بن محمد، وإنما ينسبونه إلى أبيه الذي ولده فيقولون: زيد بن حارثة؛ لأنه لا يصح أن يكون ابن محمد وابن حارثة في آن واحد كما لا يصح أن يكون للرجل قلبان في جوفه، وأخبرهم أن قولهم: زيد بن محمد، وجعلهم للزوجة أُمًّا كل ذلك لا يصح ولا يجوز، فقد أمرهم الله سبحانه وتعالى أن ينسبوا زيداً إلى أبيه الحقيقي، وأن يتركوا الظهار.
__________
(1) - سؤال: فضلاً هل كانت قصة التبني مقصورة على العبيد المعتقين، فما السر في تسميتهم أدعياء؟ أم تشمل من لا أب له؟
الجواب: الذي يظهر لي أن التبني كان ظاهرة منتشرة في المماليك، يعتقه سيده ثم يعلن للملأ أنه ابنه، وتسميتهم أدعياء لأنه لا حقيقة لهذه البنوة، وإنما يقولونها بألسنتهم، ويسمون ابن التبني دعياً لأنه إنما دعي ونسب بالدِّعوة، وأدعياء: جمع دعي، ولا يراد بتسميتهم أدعياء أنهم من سفاح أو لقطاء.
الآية 5
ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
📝 التفسير:
{ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} أي: لا تنسبوا زيداً إلى محمد، وانسبوه إلى أبيه الحقيقي الذي هو حارثة، وكذلك غيره من الأبناء الذين ينسبونهم إلى أنفسهم بالدعوة والتبني، وذلك لما كانوا يرتبونه على ذلك من الأحكام من التوارث وحرمة التناكح، وغير ذلك من الأحكام التي تلحق النسب.
{هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} يعني: أن نسبتهم إلى آبائهم هو الحق والعدل الذي يريده الله سبحانه وتعالى.
{فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} وإن لم تعلموا لهم آباءً تنسبونهم (1)إليهم فنادوهم بـ: «يا أخي في الدين، أو يا مولاي»؛ لأن المعتَق يسمى مولى.
{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ (2) وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 5} وإذا نسيتم هذه التعاليم وناديتموهم بذلك فلا حرج ولا بأس عليكم، إن كان على سبيل الخطأ والنسيان؛ لأن الله تعالى يغفر الخطأ والنسيان (3)، ولا يؤاخذ عباده عليه.

__________
(1) - سؤال: من كان لغير رشدة فابتلي بتبنيه أحد المؤمنين في عصرنا، فكيف يعمل في نسبته، فقد يتحسس الصبي لو نسبه إلى أُخُوَّته في الدين؟ وما هو دليل أهل المذهب في جواز النسب لمن أرضع منهم كما قيل؟

الجواب: إذا ابتلي المؤمن بمولود منبوذ عند باب بيته أو في المسجد أو في أي مكان فأخذه ورباه عنده، فليعلم أهل قريته إن لم يكونوا قد علموا، فإذا علموا ذلك وعرفوا الطفل فلا محذور بعد ذلك أن يراعوا مشاعر الطفل فيتركوه ليقول: يا أبي ويا أمي ويا أخي و ... ، وليقولوا له: يا بني؛ إذ لا يترتب على ذلك مفاسد كالتي كانت في دين الجاهلية، ولا تحصل أحكام البنوة والأبوة، ولا يحصل تغرير، فأهل البلد يعرفون، وإنما لأجل مراعاة مشاعر الطفل، فالأبوة ليس لها حقيقة وإنما هي مجاز وتشبيه، والعلماء لا يستنكرون على من يقول لولد غيره: يا بني، ولا من يقول لغير أبيه: يا أبي، لعلم المخاطب والسامع أن ذلك ليس حقيقة، بخلاف ما كانت عليه الجاهلية. فإذا رضع الطفل من زوجة الرجل الذي أخذه فقد صارت المرضع أماً له وزوجها أباً، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعائشة لما احتجبت عن رجل: ((إنه عمك)).

(2) - سؤال: فضلاً: ما فائدة التنصيص على هذا مع فهمه من قوله: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ}؟
الجواب: الفائدة هي التأكيد للحكم المفهوم، فإن التصريح به بعد الدلالة عليه بالمفهوم دليل على عناية الشارع به أيما عناية.
(3) - سؤال: هل للخطأ صور غير النسيان فلو ذكرتموها؟ وما الوجه في تعميم الاستدلال بها في أوجه الخطأ؟
الجواب: قد يكون الرجل معتقداً أن ذلك الرجل هو ابن فلان حقيقة فيسميه به وينسبه إليه بعد علمه بالنهي، وفي الواقع أنه ليس ابناً له، فهذا خطأ وليس من النسيان. ووجه تعميم الاستدلال بها في كل ما هو خطأ: هو ما فيها من عموم الموصول «فيما»، فإن «ما» هي من ألفاظ العموم والشمول، فتشمل كل خطأ وقع من المسلم، إلا ما استثناه الدليل من الجناية على النفس بالجرح أو القتل أو على المال؛ فإن الشارع أوجب الدية والكفارة في النفس والأرش في الجرح والضمان في الأموال.
الآية 6
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا
📝 التفسير:
{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (3)ثم أنزل الله سبحانه وتعالى فرض الطاعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحكم على جميع أمته أن يطيعوه ويمتثلوا لما يأمرهم به، ولو كان ذلك فيما يكرهونه، أو يظنون فيه خلاف مصلحتهم.
{وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} ونساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهن أمهات للمؤمنين يجب عليهم توقيرهن واحترامهن احترام الولد لأمه ويحرم عليهم نكاحهن حرمة الأمهات.
{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ (1) اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} وما كانوا يجعلونه من التوارث ونحوه لأبناء التبني لا يجوز ولا يصح، فأولو الأرحام أولى بذلك التوارث ونحوه، والقريب أولى بقريبه من دون جميع الناس، حكم حكم الله به في كتابه، وألزم به جميع عباده.
{إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا (2) إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا 6} إلا إذا أردتم أن تحسنوا إلى أولئك الذين كنتم تدعونهم بالتبني على سبيل الصلة والصدقة والوصية فذلك لكم، وأما النصيب المفروض في الميراث فليس لهم شيء منه.

__________
(3) - سؤال: ظاهر الآية أن المقصود بالأولوية الولاية العامة التي لا يد لأحدٍ معها، فإذا قيل إنها في قوله: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأحزاب:6] ليست الولاية العامة فلتكن الأولى مثلها، فبماذا نجيب على ذلك؟

الجواب: يقال: الولي والأولى من الألفاظ المشتركة لفظياً مع اختلاف معانيها، والقرائن والسياق هو الذي يعني المعنى المراد في مثل ذلك، فإذا قيل: فلان ولي فلان معناه أنه أولى به، ولفظ «ولي» مشترك كما ذكرنا بين معان كثيرة، منها: الولاية العامة، ومنها: ابن العم، والوارث، والحليف، والعبد، والسيد، والناصر.

(1) - سؤال: بماذا تعلق الجار والمجرور: {فِي كِتَابِ اللَّهِ}؟ وما السر في عدم تصريحه بالأنصار، أو في تنصيصه على المهاجرين فقط؟
الجواب: «في كتاب الله» متعلق بأولى أو بضمير الفاعل في أولى. ولم يذكر الأنصار لأنهم المرادون بقوله «المؤمنين» في قوله: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} إذ لم يكن يوم نزلت الآية في الجزيرة إيمان إلا في المدينة.
(2) - سؤال: مم الاستثناء في قوله: {إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا}؟
الجواب: الاستثناء متصل، وهو من أعم عام الأحوال، أي: إلا أن تعطوا أولياءكم على وجه الهبة والهدية والإحسان.
الآية 7
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا
📝 التفسير:
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا 7} (1) والميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على أنبيائه هو أن يبلغوا رسالاته إلى أممهم، فذلك عهد مؤكد قد شدد الله سبحانه وتعالى عليهم فيه، وأكده عليهم أبلغ تأكيد.
__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما معنى «إذ» في هذه الآية؟ وما هو العامل فيها؟ وهل توهم أن أخذ الميثاق كان متقدماً فكيف بقوله: «ومنك»؟ وهل الأخذ يتعدى بـ «من» أو بـ «على»؟ وما السر في إضافة الميثاق إلى الأنبياء في قوله: «ميثاقهم»؟ وما النكتة في تقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء عليهم السلام في أخذ الميثاق؟
الجواب: «إذ» مفعول به وهي اسم زمان وناصبها فعل محذوف تقديره «واذكر»، وأخذ الميثاق قد كان متقدماً على نزول الآية حيث أخذ الله ميثاق كل نبي على تبليغ رسالة ربه، كل نبي في وقت رسالته، وقد كان أخذ الميثاق على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو في أول رسالته. وقدم ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك لأنه المقصود بتذكير الله له بأخذ الميثاق عليه وعلى غيره من الأنبياء، وذلك ليشد من عزمه ويبعث من نشاطه على المضي في سبيل رسالته وتبليغ رسالته. وذكر الله تعالى هنا من ذكر من الأنبياء ليهون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما هو فيه من المشاق في تبليغ رسالة ربه، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا علم أن الله أخذ الميثاق من الأنبياء في تبليغ رسالات الله وأنهم واجهوا مثل ما يواجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التكذيب والأذى والمشاق فإنه يهون عليه ما هو فيه، فالمصائب إذا عمت هانت.
الآية 8
لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا
📝 التفسير:
{لِيَسْأَلَ (2)الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا 8} وأن الله تعالى سيسأل الأنبياء يوم القيامة: هل بلغوا رسالاته وأدوا ما أمرهم به؟ وكذلك الكافرين بهم سيسألهم: كيف كان موقفهم من أنبيائهم؟ وماذا كان جوابهم عندما دعوهم؟ وكيف قابلوا دعوتهم؟

__________
(2) - سؤال: قوله: «ليسأل» علة لماذا؟

الجواب: المعلول هو أخذ الميثاق على الأنبياء في تبليغ رسالات الله.
الآية 9
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا 9} نزلت هذه الآية في شأن ما حصل في يوم الخندق عندما أحاط المشركون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه في المدينة من كل مكان، وكان سلمان الفارسي قد أشار على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحفر خندق حول المدينة ليمنع المشركين منهم، فأراد الله سبحانه أن يذكِّر المؤمنين بتلك النعمة التي أسداها إليهم حين تلك الواقعة الأليمة حيث كان المشركون قد اجتمعوا من كل صوب، وتعاهدوا على أن يجتثوا الإسلام، ويستأصلوا أهله، ثم إن الله سبحانه وتعالى أنزل رحمته على المؤمنين فأرسل على المشركين ريحاً شلت حركتهم، وأخذت خيامهم، وأطفأت نيرانهم، وأقلقتهم قلقاً شديداً حتى اضطروا إلى الرجوع والعودة من حيث أتوا خائبين منكسرين، والمقصود بقوله: «وجنوداً لم تروها»: قد تكون هي الرعب والخوف والاختلاف مع اليهود.
الآية 10
إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا
📝 التفسير:
{إِذْ (1) جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ (2)مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا 10} (2) يذكِّر الله سبحانه وتعالى المسلمين بذلك اليوم عندما كان المشركون قد تحالفوا من جميع أطراف البلاد العربية عازمين على القضاء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه، وقد أقبلت جيوشهم من كل مكان حتى أحاطوا بالمدينة، وعندما كان الرعب قد أخذ منهم كل مأخذ وأيقنوا عندها بالهلاك لما رأوا من الكثرة التي قد أقبلت عليهم، وكان الشك قد دخل في قلوب المسلمين في ذلك الوعد بالنصر الذي كان قد وعدهم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وساورهم التردد في صدق كلامه الذي كان يقوله لهم من أنهم سيظهرون على البلاد جميعها، وأنهم سيملكون قصور كسرى وقيصر، ومعنى «زاغت الأبصار»: مالت عن طريقها وعادتها، و «بلغت القلوب الحناجر» تصوير وتمثيل للخوف والضيق الذي بلغ بالمسلمين.

__________
(1) - سؤال: علام انتصبت «إذ» الظرفية في هذه الآية؟
الجواب: على البدلية من نعمة الله في قوله: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}.
(2) - سؤال: هل المراد بقوله: {مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} مواضع سفلى وعليا أتوا منها؟ أم كناية عن إحاطتهم من كل مكان؟

الجواب: المراد أنهم حوصروا من كل جانب بالجيشين؛ الجيش الذي أتى من أسفل، والجيش الذي أتى من أعلى، أي: من جهة الشرق ومن جهة الغرب.

(2) - سؤال: ما إعراب «الظنونا»؟ وما وجه جمعه مع كونه مصدراً؟ وما هي «أل» هذه التي دخلت عليه؟ وكذا الألف الأخيرة؟
الجواب: «الظنونا»: مفعول مطلق مبين للنوع؛ إذ يدل على أنواع مختلفة من الظنون، ولعل هذا هو الوجه في جمعه مع كونه مصدراً، وظاهر مذهب سيبويه المنع من ذلك، وهذه الآية تصلح دليلاً لمن أجاز جمع المصدر المبين للنوع، والألف الأخيرة مزيدة فيه كألف الإطلاق التي تدخل على قوافي الشعر، وأما «أل» التي دخلت عليه فهي «أل» الجنسية التي تدخل على الجنس كما صرح به بعض المعربين، والله أعلم.
الآية 11
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا
📝 التفسير:
{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا 11} (2)أخبر الله سبحانه وتعالى أن ذلك كان اختباراً منه لهم وتمحيصاً لقلوبهم، وكيف سيكون موقفهم تجاه نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ما صار على المسلمين يوم الخندق هو من الفتن والاختبارات التي قد تحدث الله سبحانه وتعالى عنها في قوله: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ 2} [العنكبوت]، فقد ابتلى الله سبحانه وتعالى المسلمين هنا حتى ظهر صادق الإيمان من المختل فيه.

__________
(2) - سؤال: هل يمكن أن نستفيد من الآية مدى التمحيص والشدة التي نزلت بالمؤمنين، حتى يكون ذلك كالعذر لهم في شدة الهلع والخوف، فلا يُنتقدوا في ذلك حتى يعتبروا من ضعاف الإيمان، من حيث شرح حالتهم، وخاطبهم بالمؤمنين؟

الجواب: نعم، يستفاد ذلك من الآية، فلا يضر الخوف الشديد إيمان المؤمنين، إلا من بلغ به الخوف إلى أن يترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ساحة المواجهة مع العدو ويغادر إلى بيته أو مأمنه؛ فإنه بذلك يكون منافقاً، كما ذكر الله في الآيات التالية لهذه الآية.
الآية 12
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا
📝 التفسير:
{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا 12} (1) عندما رأى المسلمون ما رأوا من إقبال أهل الشرك إلى المدينة من كل مكان خافوا خوفاً شديداً، وساورت أكثرهم الشكوك والريبة في صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما وعدهم به من النصر وظهور الإسلام، وكان ذلك اختباراً من الله تعالى وتمييزاً لصادقي الإيمان الثابتين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غيرهم، وظهر عند ذلك ضعاف الإيمان من المنافقين وغيرهم، وبدأوا يُصَرِّحُون بنفاقهم في ذلك الموقف، ويرمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكذب وخلف الوعد. ومعنى «غروراً»: لا صحة له.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب «غروراً»؟
الجواب: «غروراً» نعت لمصدرٍ محذوف حل محله، فهو مفعول مطلق.
الآية 13
وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا
📝 التفسير:
{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} وبدأ المنافقون بالإرجاف بين أوساط المسلمين وبث الرعب والخوف في قلوبهم فقال فريق منهم: يا أهل المدينة ارجعوا إلى بيوتكم فإنه لا إقامة لكم هاهنا.
{وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا 13} (2)وبعض المسلمين قام يستأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويختلق الأعذار كقولهم: إن اليهود ستستغل ذلك الموقف، وتدخل بيوتهم لكونها خالية عمن يدافع عنها، وتنهب أموالهم، وتسبي نساءهم وذراريهم، وإنه لا بد أن يذهبوا لحماية بيوتهم، وهم بذلك إنما يريدون الفرار، وهؤلاء الذين هذه حالهم هم المنافقون، وأما المؤمنون صادقو الإيمان الثابتون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يظهر منهم أي شيء من ذلك، أو يظهر عليهم أي شيء من أمارات الخوف.

__________
(2) - سؤال: ما محل جملة: «يقولون»؟ وهل الواو عاطفة في قوله: «وما هي بعورة»، فما وجه وصلها؟ أم لا، فما هي؟

الجواب: لا محل لها من الإعراب؛ لأنها بمنزلة عطف البيان مما قبلها؛ لهذا فصلت عما قبلها. والواو في قوله: «وما هي بعورة» ليست للعطف بل هي واو الحال، والجملة في محل نصب على الحال.
الآية 14
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا
📝 التفسير:
{وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا 14} فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم خبرهم ليطلعه على حقيقة أمرهم ونفاقهم، وأن المشركين لو دخلوا عليهم وظهروا على جوانب من بلادهم ثم أمروهم بالردة (1) والكفر لأجابوهم إلى ذلك من دون أي تردد. ومعنى «ما تلبثوا بها»: ما انتظروا بها.
__________
(1) - سؤال: من أين نستفيد أن الفتنة في الآية هي الردة؟ وهل يصح أن نحملها على مقاتلة المسلمين؟
الجواب: الفتنة: هي الردة أو طاعة المشركين فيما يدعونهم إليه من قتال المسلمين أو غيره، وهذا من أنواع الردة.
الآية 15
وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ} (2) وهؤلاء المنافقون كانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك على الثبات معه، وعدم الفرار من بين يديه مهما كان، ولكنهم نقضوا تلك العهود وظهر كذبهم.
{وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا 15} (3)وسوف يسألهم الله سبحانه وتعالى عن عهودهم تلك التي قد نقضوها.

__________
(2) - سؤال: ما محل جملة «لا يولون الأدبار»؟ وما إعراب «الأدبار»؟
الجواب: لا محل لها جواب العهد. والأدبار: مفعول به.
(3) - سؤال: هل لا بد من تقدير نائب الفاعل في قوله: «مسئولاً» أي: مسؤولاً عنه ليتم المعنى؟ أم أنه تام بدون هذا التقدير؟

الجواب: يجوز ألا نقدر «عنه» ويكون نائب الفاعل ضميراً مستتراً فيه يعود إلى العهد، ويكون هذا من المجاز العقلي، وهذا هو الأولى من تقدير «عنه» محذوفاً؛ لأن التقدير خلاف الأصل.
الآية 16
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
📝 التفسير:
{قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا 16} (1) أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر أولئك المنافقين الذين فروا من بين يديه بأن فرارهم لن ينفعهم، وأنهم لو سلموا من القتل تلك الساعة فلن يسلموا من الموت، فما هي إلا مدة يسيرة ثم يأتيهم ذلك الذي يفرون منه رغماً عن أنوفهم.
__________
(1) - سؤال: فضلاً فصلوا القول في إعراب: {وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا 16}؟
الجواب: الواو في قوله: «وإذاً .. » استئنافية، والكلام بعدها مستأنف. «إذاً» قد تكون حرف جواب فالتنوين أصلي وليس عوضاً عن شيء، ويصح أن تكون «إذا» الشرطية والتنوين عوضاً عن جملة الشرط، و «لا تمتعون» جواب الشرط، أي: وإذا فررتم من الموت أو القتل لا تمتعون. و «قليلاً» ظرف زمان، أي: إلا زمناً قليلاً.
الآية 17
قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
📝 التفسير:
{قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا 17} (2) وأمره أيضاً أن يسألهم هذا السؤال: من الذي سيدفع عنكم عذاب الله وعقوبته إن أراد إنزالها بكم؟ وإلى من ستفرون إن أراد اللحاق بكم؟
__________
(2) - سؤال: يقال ما الوجه في عطف قوله: {أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} على {أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا} مع تباينهما وظهور أن العصمة من العقوبة لا من الرحمة؟ وما إعراب: {مَنْ ذَا الَّذِي}؟
الجواب: المعنى في قوله: «أو أراد بكم رحمة»: أو من ذا الذي يمنع الرحمة إن أراد بكم رحمة، وهذا المعنى كما في قوله: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر:2]، «من» اسم استفهام مبتدأ، و «ذا» اسم إشارة خبر، و «الذي» بدل من «ذا».
الآية 18
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
📝 التفسير:
{قَدْ (1) يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه عالم بأولئك الذين يخذلون الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويثبطونهم عن القتال بين يديه.
{وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا 18} (2) وعالم أيضاً بأولئك الذين يثبطون إخوانهم وأصدقاءهم بترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدم القتال بين يديه، ويدعونهم إلى الإقبال إلى صفهم، وبأولئك الذين يختلقون الأعذار للفرار من بين يديه. ومعنى «البأس»: القتال والحرب.
__________
(1) - سؤال: ما معنى «قد» في قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ}؟
الجواب: معنى «قد» هنا التكثير مع التحقيق، وأصلها إذا دخلت على المضارع تفيد التقليل.
(2) - سؤال: ما إعراب: {هَلُمَّ إِلَيْنَا}؟ وعلام عطف قوله: {وَلَا يَأْتُونَ}؟
الجواب: «هلم» اسم فعل أمر يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع ومعناه: أقبلوا، ففاعله مستتر، و «إلينا» جار ومجرور متعلق بـ «هلم». «ولا يأتون» الواو للحال والجملة بعدها في محل نصب على الحال.
الآية 19
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
📝 التفسير:
{أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} (3) ثم وصف الله سبحانه وتعالى هؤلاء الذين يخذلون الناس ويثبطونهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم إنما يبخلون على المؤمنين بتثبيطهم ذلك ويحسدونهم على كل خير من النصر والظفر والغنائم، وأن ذلك منهم ليس إلا لكرههم الشديد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والثابتين معه.
{فَإِذَا (4)جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ (1) إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} (2) فإذا حصلت شدة على المسلمين ودارت رحى الحرب فإنك ترى أعينهم تدور من كثرة تلفتهم من شدة الفزع، وتنعقد ألسنتهم خوفاً على أنفسهم من الموت والقتل.
{فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} فإذا ذهبت تلك الشدة وزال الخوف فإنك تراهم يتفننون في سب المؤمنين والكيد بهم، وانتهاك أعراضهم وحرمهم. ومعنى «سلقوكم بألسنة حداد»: آذوكم بكلامهم الصادر من ألسنة ذربة قاطعة كالحديد.
{أَشِحَّةً (3) عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا 19} ولا يحبون الخير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا لأحد من أصحابه، وإن كانوا قد آمنوا بألسنتهم ودخلوا في الإسلام فهم ما زالوا على الكفر في الحقيقة، ولن يقبل الله سبحانه وتعالى منهم أي قربة أو عمل، وسيعذبهم على ذلك ويخزيهم في الدنيا والآخرة.

__________
(3) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ}؟ وما نوع اسمية «أشحة»؟
الجواب: «أشحة» منصوب على الحال من فاعل «يأتون». و «أشحة» جمع شحيح وهي صفة، وكان القياس أن تجمع على أشحاء كصحيح وأصحاء مما لامه وعينه من جنس واحد.
(4) - سؤال: ما علاقة هذه الجملة بقوله قبلها: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ}؟

الجواب: الفاء عطفت حالة المنافقين في حال الخوف على حالتهم المحكية فيما قبل الفاء، ويجوز أن تعرب الفاء استئنافية.

(1) - سؤال: ما محل جملة: «ينظرون إليك»؟ وجملة: «تدور أعينهم»؟
الجواب: الجملة الأولى في محل نصب على الحالية من فاعل ينظرون، والثانية كذلك.
(2) - سؤال: ما الوجه في تشبيههم بمن يغشى عليه من الموت؟
الجواب: تدور أعينهم كدوران أعين من يغشى عليه من الموت، ووجه الشبه ظهور أثر الخوف في العين، فدوران الأعين هو علامة الخوف الذي بلغ الغاية والنهاية وهو ظاهر في المغشي عليه من الموت، فشبه به هؤلاء المنافقين عند حضور لقاء العدو ومواجهته ليكشف لنا بالتشبيه ما يحصل للمنافقين من الخوف الشديد الذي بلغ النهاية والغاية.
(3) - سؤال: هل يصح أن نحمل قوله: {أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} على أنهم بخلاء حريصين على كل خير من مال أو غنيمة أن لا يفوتهم؟
الجواب: نعم، يصح ذلك، والبخيل يكون كذلك يطلب الخير لنفسه ولا يحبه لغيره.
الآية 20
يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا
📝 التفسير:
{يَحْسَبُونَ (1) الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا} عندما أرسل الله تعالى جنده على المشركين في الخندق وهزمهم و عادوا خائبين مكسورين إلى مساكنهم، كان المنافقون يظنون أنهم لا زالوا محيطين بالمدينة من شدة خوفهم وشكهم في نزول الفرج والنصر.
{وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ} (2) وأخبر سبحانه أن تلك الأحزاب المتحزبة ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام لو عادوا بعد هزيمتهم تلك لتمنى أولئك المنافقون أنهم من أهل البوادي البعيدة عن المدينة فلا تصل إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا عن طريق السؤال والتقصي للأخبار.
{وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا 20} (3) فلا فائدة من وجودهم بينكم أيها المؤمنون، فلا يحزنكم فرارهم، فوجودهم كعدمهم سواءً.
__________
(1) - سؤال: ما محل هذه الجملة من الإعراب؟
الجواب: يبدو أنها استئنافية لبيان وتصوير شدة خوفهم.
(2) - سؤال: ما معنى «لو» في قوله: {لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ}؟ وما محل جملة: {يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ}؟ وهل «في» في قوله: {فِي الْأَعْرَابِ} على بابها؟ أم لا، فما معناها؟
الجواب: «لو» حرف مصدري يسبك مع ما بعده بمصدر. وجملة «يسألون» في محل عطف على الحال من فاعل «بادون». و «في» على بابها ظرفية أي: في بلد الأعراب.
(3) - سؤال: هل «في» بمعنى «بين» في قوله: «فيكم» أي: بينكم؟
الجواب: «في» على بابها أي: في جملتكم والظرفية معنوية.