القرآن الكريم مع التفسير

سورة البقرة

آية
إجمالي الآيات: 286 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 181
فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 181} أولئك الذين سمعوا الموصي يوصي، لا يجوز لهم أن يغيروا الوصية؛ فإن غيروا أثموا، وتحملوا وزر التغيير كله، وليس على الميت منه شيء.
الآية 182
فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} إذا حضروا عند المحتضر وهو يوصي وخافوا منه الميل في وصيته أو أن يأثم فيها فالأحسن أن يصالحوه في الرجوع عن الحيف والميل، والجنف: الحيف والميل، والإثم: أن يضع المال في غير حق، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 182}.
الآية 183
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 183} يعني فَرْضُهُ عليكم أيها المؤمنون وشرعُهُ مثل ما فَرْضُهُ على من قبلكم فلا يكبر عليكم أيها المؤمنون فقد كتبه الله على من كان قبلكم من الأمم، فالصيام فريضة عامة في كل الشرائع، وبمعرفة عموم الفريضة يهون تحملها؛ لأن المصائب إذا عمت هانت.
وشرعه الله لما يؤدي إليه من تقوى الله؛ إذ يخفف شهوة الإنسان، ويكسر هوى النفس، فهو يقرب إلى التقوى.
الآية 184
أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} (1) وفريضة الصيام هي أيام قليلة بالنسبة لأيام الإفطار، {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} رخص الله في الإفطار للمريض والمسافر ثم يقضي ما أفطره بعد شهر رمضان.
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} يعني لا يطيقونه إلا بشدة ومشقة، فالإمام الهادي عليه السلام قال بأن (لا) محذوفة وهي مرادة فيكون معناها: لا يطيقونه إلا بمشقة شاقة، وعلى الذين لا يطيقونه من كبار السن وليس القضاء مأمولاً منهم فهؤلاء عليهم الفدية، وهي طعام مسكين عن كل يوم نصف صاع.
وبعضهم قال بأنها غير محذوفة، وإنها رخصة في أول الإسلام فالمرء مخير بين الصوم والفدية، وقد نسختها الآية التي بعدها.
{فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} إذا أراد الزيادة على طعام المسكين فهو أحسن {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 184} يعني أن الصيام أفضل من الفدية، وأظن أن هذا هو القول الأحسن أن المسلمين كانوا مخيرين في أول الإسلام بين الصوم والفدية ثم نسخ التخيير وحتم الصيام.
__________
(1) - سؤال: علام انتصب قوله: «أياماً»؟
الجواب: انتصب بالصيام في: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}.
الآية 185
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} يعني أنزله الله إلى سماء الدنيا، وإلا فأول ما نزل في الثاني عشر من ربيع الثاني متفرقاً على ثلاثة وعشرين سنة، ولم ينزل دفعة واحدة؛ لأن النبي والمسلمين كانوا أميين فلا يحفظونه إلا في صدورهم، فأنزله الله دفعات لأجل أن يحفظه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان:32]، {وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا 106} يعني مفرقاً قليلاً قليلاً على وقت الحاجة على حسب الحاجة والحوادث.
{هُدًى لِلنَّاسِ} لأجل أن يهتدي الناس بهديه، {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} وبياناً وتوضيحاً لشرائع الإسلام، وفرقاناً بين الحق والباطل.
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فمن كان حاضراً ولم يكن مسافراً فيجب عليه الصيام، {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} لا يريد الله تعالى أن يضيق على عبيده، ويشدد عليهم، بل يريد لهم التخفيف؛ فرخص للمسافر والمريض في الإفطار، على أن يقضوا عند الإمكان وتيسر الصيام، وهذه الآية نسخت الأولى، وهي: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فلم يرخص لمن شهد الشهر إلا للمريض والمسافر.
{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} (1) حين تقضون وذلك لأجل أن يتم صيام الشهر؛ لأنه أوجب صيام الشهر جميعه، {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} يعني تشكرونه وتعظمونه لأجل هدايتكم إلى الصيام، ودلالتكم عليه.
{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 185} شرع لكم الصيام لأجل أن تشكروه؛ إذ أن الصيام نعمة ينبغي أن نشكره عليها إذ لا يكلفنا إلا بما فيه مصلحة لنا وقد اكتشف الطب الحديث أن في الصيام منافع عظيمة للإنسان.
__________
(1) - سؤال: ألا يمكن بأن يكون إتمام عدة صيام الأداء؟
الجواب: الذي ظهر لي أن اللام لتعليل شرع الإفطار ثم القضاء، وعليه فيكون المعنى كما ذكرنا.
الآية 186
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ 186} هذه آية الدعاء وسَّطَها الله بين آيات الصيام دلالة على أن شهر رمضان شهر الدعاء؛ فينبغي للإنسان أن يكثر من الدعاء إلى الله والرجوع إليه.
قالت الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ يعنون: هل هو بعيد فنرفع أصواتنا بقوة، أم قريب فنكلمه بصوت ضعيف؟! فنزلت هذه الآية.
وإذا أرادوا أن أجيب دعوتهم ويبلغوا رشدهم ونجاح مطالبهم فليستجيبوا لي، ويطيعوني، ويمتثلوا أمري، فأما المعرضون عن طاعته وامتثال أمره فلا تستجاب دعوتهم ولا يصلون إلى مطلوبهم.
الآية 187
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
📝 التفسير:
{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} حرم الله تعالى في أول الأمر مقاربة النساء من بعد صلاة العشاء في شهر رمضان وبعد أن ينام الرجل فلا يحل له أن يقرب زوجته، ثم إن الله تعالى نسخ هذا الحكم وخفف على المسلمين، فأحل لهم مقاربة النساء في ليالي رمضان، والرفث كناية عن الجماع.
{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} (1) كان هناك ناس من الصحابة يباشرون نساءهم وهو محرم عليهم، ثم نسخ هذا التحريم، ومعنى تختانون: تخونون أنفسكم بمباشرة النساء.
{فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} فقد رخص لكم في ذلك في الليل كله، {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يعني قضاء الشهوة والوطر، وبعضهم قال: إنه الولد.
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} يعني باشروهن وكلوا واشربوا طوال الليل إلى أن يتبين لكم بياض الفجر وهو المنتشر المعترض، أما النور الذي يطلع ولم ينتشر فيسمى الفجر الكاذب فيجوز الأكل والشرب والنكاح فيه ما لم ينتشر النور يميناً ويساراً.
{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} امضوا في الصيام إلى أن يدخل الليل وهو معروف.
{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فإذا كان الصائم معتكفاً في المسجد فلا يحل له أن يقرب الزوجة لا في الليل ولا في النهار (1).
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} فهذه حدود حدها الله لكم فلا تتجاوزوها وقفوا عندها.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ 187} لعلهم يتقون الوقوع فيما نهى الله عنه.
________
(1) - سؤال: هل معنى العفو عدم المؤاخذة، أو نسخ التحريم؟
الجواب: المراد بالعفو عدم المؤاخذة على ما فعلوا.
(1) - سؤال: هل التحريم لحرمة الاعتكاف كما هو الظاهر، أم لحرمة المساجد؟
الجواب: يظهر لي أنه لحرمة الاعتكاف؛ إذ لو كان لحرمة المساجد لجاز الوطء عند الخروج من المسجد.
سؤال: وإذا كان مستثنياً لليل فيجوز له المباشرة فيه؟
الجواب: إذا استثنى المعتكف الليل جاز له الوطء في الليل.
الآية 188
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} بغير حق، {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا (2) مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ (3)
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ 188} نهى الله تعالى المؤمنين أن يأكلوا حق بعضهم البعض بغير وجه حق، ونهاهم أن يجعلوا أموالهم أو شيئاً منها رشوة للحكام ليحكموا لهم ببعض أموال الناس بغير حق.
يفهم منه إذا أعطيت الرشوة لتستخرج حقاً لك أنه يصح ويجوز ولو كانت محرمة على الآخذ (1).
_____
(2) - سؤال: ما فائدة التعبير بقوله: «فريقاً» في الآية: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ}؟
الجواب: الفريق هو اسم للجماعة من الناس، وقد قيل في توجيه الآية: إن الكلام على القلب أي: لتأكلوا أموال فريق من الناس.
(3) - سؤال: ما موضع الجار والمجرور «بالإثم» الإعرابي؟

الجواب: موضعه النصب متعلق بـ «تأكلوا»، ويجوز أن يعرب حالاً من الواو.
(1) - سؤال: قد يقال بأن المستخرج هذا يعين على نشر الرشوة فكيف يجاب عليه؟
الجواب: يمكن الرد على ذلك بأن من الشرائع المقررة بين المسلمين منذ عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم جواز مفاداة أسير المسلمين من أيدي الكافرين والبغاة، ومثل ذلك جواز إعطاء الظالم وقطاع الطرق بعضاً من المال ليتركوا للمعطي ماله.
الآية 189
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
📝 التفسير:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الهلال عندما يبدو صغيراً ثم يكبر ثم ينقص بعد ذلك، فقال الله: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} (2) يعرفون بها الأوقات والسنين ومواعيد الديون ونحو ذلك، {وَالْحَجِّ} ومواقيت تعرف بها أوقات الحج.
{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} البر هو في تقوى الله، وامتثال أمره، وليس البر فيما كان يفعله الناس في الجاهلية؛ فكانوا إذا أحرموا بالحج لا يدخلون البيوت من الأبواب، وإنما يدخلون من غير الأبواب.
{وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ} احذروه ولا تتجاوزوا حدوده، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 189} لأجل أن تظفروا بثواب الله ورضوانه.
_________
(2) - سؤال: ما الحكمة في إجابتهم بغير ما سألوا؟
الجواب: الحكمة في ذلك تتجلى في أمرين:
1 - ... بيان غفلتهم حيث سألوا عما لا يعنيهم، وتركوا السؤال عما يعنيهم.
2 - ... بيان جواب السؤال الذي كان من المفروض أن يسألوا عنه.
الآية 190
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
📝 التفسير:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ 87} كان هذا في أول الإسلام أذن الله للذين يقاتلون في سبيل الله أن يقاتلوا من قاتلهم، ولا يقاتلوا أحداً لم يقاتلهم، ثم بعد ذلك قال الله: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36]، لأنهم مصرون على قتلكم وقتالكم، لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، فما داموا مصرين على قتلكم وقتالكم فقد أُذِنَ لكم بقتالهم جميعاً.
الآية 191
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
ثم قال سبحانه: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} هؤلاء المشركون الذين يقاتلونكم أيها المؤمنون اقتلوهم حيث وجدتموهم، والمراد بهم قريش.
{وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أخرجوهم من مكة.
{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} كان المشركون يفتنون المؤمنين يعني يعذبون المؤمن حتى يكفر، وذلك أن المشركين احتجوا على محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين قطع أصحابه الطريق على المشركين وقتلوهم وكان في أول رجب وهو من الأشهر الحرم ظناً منهم أنهم لا زالوا في آخر جمادى، فقالوا: إن محمداً قد انتهك حرمة الشهر الحرام، فقال الله: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} يعني التعذيب للمسلم حتى يرتد أشد مما زعموه انتهاكاً لحرمة الشهر.
ثم قال الله للمسلمين: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} فهو حرم محرم فلا تنتهك حرمته بقتل أو نحوه.
{فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} أذن لكم بقتلهم عند المسجد الحرام إذا قاتلوكم فيه، {كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ 191} أي مثل هذا الجزاء جزاء الكافرين ولو كانوا بحرمه البيت الحرام.
الآية 192
فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 192} وكفوا عن قتلكم وقتالكم فالله سيغفر لهم فباب التوبة مفتوح.
الآية 193
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} إلزام من الله للمسلمين بقتال المشركين حتى ينتهي الشرك والمشركون وفتنتهم، ولا يبقى لها وجود {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} وحتى يكون الدين والعبادة والطاعة لله وحده لا يشرك معه في عبادته أحداً.
{فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ 193} فلا تقربوهم إن كفوا عن قتالكم.
الآية 194
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} حين انتقد المشركون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عندما قتلوا المشركين في الشهر الحرام، فقال الله: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ} فأنتم أيضاً قد قتلتم في الشهر الحرام، واحدة بواحدة، ولم ينتهك المسلمون حرمته وإنما هو قصاص وجزاء سيئة سيئة مثلها.
{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ (1) مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} قال الله للمؤمنين: إن اعتدوا عليكم فاعتدوا عليهم ولو في الشهر الحرام والبلد الحرام.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ} فلا تعتدوا وتنتهكوا حرمة الشهر إلا إذا كان قصاصاً.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ 194} بنصره وتأييده فلا تنتهكوا حرمة الشهر الحرام ولا البلد الحرام، والله معكم بنصره وتأييده ما دمتم ملتزمين بتقواه وامتثال أمره.
______
(1) - سؤال: ما المراد بالمثلية هنا؟ ولماذا لا يجوز ما فوق المثل؟ وهل الآية عامة؟
الجواب: المراد بالمثلية أن يكون الجزاء مساوياً لفعل المعتدي لا يزيد عليه؛ لأن الزيادة ظلم، والآية عامة لكل من اعتدى عليه، وفي كل عدوان يمكن الاقتصاص فيه، فإن لم يمكن الاقتصاص فالأرش بدل الاقتصاص.
الآية 195
وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
📝 التفسير:
{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} تعاونوا على ذلك؛ لأجل أن تجاهدوا المشركين.
{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فلا تتركوا الإنفاق؛ لأنه يؤدي إلى التهلكة (1). {وَأَحْسِنُوا} أنفقوا {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 195} (2).
__________
(1) - سؤال: ألا يمكن أن تكون الآية عامة في أي تهلكة، فتصلح دليلاً لمن ترك الأمر بالمعروف مع الخشية على نفسه؟
الجواب: الآية عامة وهي دليل لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الخشية على نفسه.
(2) - سؤال: ما هو الإحسان المراد في الآية؟
الجواب: المراد مطلق الإحسان المتناول لكل بر، والإنفاق أحد مدلولاته، وإنما فسرناه بالإنفاق لوقوعه في سياقه.
الآية 196
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
📝 التفسير:
{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ذكر الله تعالى الحج فأمر من أحرم بالحج أو العمرة أن يتم ما أحرم به لا محالة، وأن لا يخرج منه، فليس كسائر النوافل، فإذا أحرم فقد وجب عليه أن يكمل ما دخل فيه من حج أو عمرة.
{فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} حال حائل بينكم وبين مكة، أو حبسكم مرض أو نحوه.
{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} شاة أو بقرة أو جمل، يبعث به المحصر إلى مكة ينحر هناك، فإذا نحر خرج المحرم من إحرامه، وحلق أو قصّر.
{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} امكث على إحرامك بعد بعثك للهدي إلى أن تعلم أن الهدي قد ذبح، فإذا كان الإحصار عن حج فينتظر إلى أيام منى، وإن كان عن عمرة فأي وقت يبعث به ثم يعلم أنه نُحِرَ فك إحرامه، وإن تعسر عليه إخراج الهدي فك إحرامه وبقي الهدي في ذمته، فإذا تيسر له الهدي بعث به إلى مكة فحلق أو لبس (3).
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} يعني: من مرض بعدما أحرم بحج أو عمرة.
{أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} ألم في رأسه واحتاج إلى الحلق، أو إلى أن يلبس.
{فَفِدْيَةٌ} تلزمه، وهي {مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو يذبح شاة فدية عن الحلق أو عن اللباس.
{فَإِذَا أَمِنْتُمْ} من العدو ولم يقع إحصار، {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} من أراد أن يضع حجه على تمتع فيبدأ بعمرة ثم يحج بعد العمرة، وعليه ما تيسر من الهدي وأقله شاة.
{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} وقد حج تمتعاً، {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} آخرها يوم عرفة، ومن فاته صيام هذه الثلاثة الأيام فليصم يوم العيد وثانيه وثالثه، وهذا تدارك، وإذا فاتته هذه الثلاثة الأيام أيضاً فالواجب عليه شاة ولا يجزئ الصوم.
{وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} عند عودته إلى أهله (1)، {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (2) للمتمتع.
{ذَلِكَ (3) لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (4)
فالساكن في مكة لا يصح منه التمتع.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ 196} الزموا حدوده وتعليماته، واعلموا أن عقابه شديد لمن يتجاوز حدوده، ويخالف تعليماته.
______
(3) - سؤال: من أين نأخذ هذا الحكم: وإن تعسر عليه .. إلخ؟
الجواب: يؤخذ من دليل آخر مثل قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16].
(1) - سؤال: هل يسمى رجوعاً ولو كان في الطريق قبل أن يلحق بأهله؟
الجواب: إذا خرج من مكة عائداً إلى وطنه فيسمى راجعاً ويصح صيامه.
(2) - سؤال: ما فائدة قوله «كاملة»؟
الجواب: الفائدة دفع التجوز فقد يتجوز بالعشرة عن التسعة مثل عشر ذي الحجة.
(3) - سؤال: لماذا لا يصح أن تكون الإشارة بـ «ذلك» لوجوب الهدي؟
الجواب: لو كان الضمير عائداً على وجوب الهدي لقيل: «ذلك على من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام»؛ لذلك امتنع عود الضمير إلى الهدي.
(4) - سؤال: هل تدل الآية: {حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} على أن حرمة ما بين المواقيت وبين الحرم المحرم كحرمة الحرم المحرم؟ أم أنه لا يصح التمتع لمن كان داخل الحرم المحرم فقط؟

الجواب: لا تدل الآية على حرمة ما بين المواقيت وبين الحرم المحرم، ولكن تدل على أن حاضر المسجد الحرام لا يتمتع، وقد فسروا حاضر المسجد الحرام بمن لا يلزمه الإحرام إذا دخل مكة، والذي لا يلزمه الإحرام هو من كان داخل المواقيت سواء أكان داخل الحرم أم خارجه.
الآية 197
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
📝 التفسير:
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} (1) هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة؛ فلا يحرم الحاج للحج إلا في أشهر الحج هذه وهي شهران وعشرة أيام، فلا يصح أن يحرم للحج في شهر رمضان مثلاً.
{فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} يعني أحرم بالحج في هذا الوقت.
{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} والرفث: هو الكلام الذي يحصل بين الرجل وزوجته من مقدمات الجماع. والفسوق: أعمال الفسق. والجدال: هو المماراة والمشاجرة، والمراددة في الكلام الذي يوغر الصدور.
{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} من الذكر والتسبيح وقضاء حاجات الناس ونحو ذلك.
{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} جهزوا لكم زاداً يكفيكم في الحج ويكفيكم حاجة الناس، وأما أفضل الزاد فهو التقوى؛ لأنها توصلك إلى الجنة.
والمفترض أن الحاج يتزود بما يكفيه من الزاد في الطريق إلى الحج إلى أن يعود، فهو غير مناف للتوكل.
{وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ 197} يعني احذروني واحذروا مخالفتي وتجاوز حدودي.
__________
(1) - سؤال: لماذا جمعها الله «أشهر» وليست إلا شهران؟
الجواب: جمعت لوجود معنى الجمع، وهو موجود في الاثنين فما فوق.
الآية 198
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ
📝 التفسير:
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا (2) فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} في سفر الحج إذا أرادوا التجارة والبيع والشراء فلا حرج على فاعل ذلك.
{فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} (3)
عندما يفيض الحاج من عرفات إلى مزدلفة.
{فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} (1) يعني في مزدلفة فلا يصلي المغرب والعشاء إلا هنالك (2).
{وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ 198} (3) من قبل أن يعلمكم الله كنتم من الجاهلين بمناسك الحج ومعالمه فاذكروه بالطاعة له والشكر على هدايتكم إلى معالم دينكم ومناسك حجكم.
______
(2) - سؤال: ما موضع المصدر المؤول: {أَنْ تَبْتَغُوا} من الإعراب؟
الجواب: موضعه الجر بـ «في» محذوفة.
(3) - سؤال: ما معنى الفاء هذه «فإذا» ونحوها المتكررة في آيات الحج؟

الجواب: الفاء التي في قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} سببية عاطفة والثانية رابطة للجزاء بالشرط، وهكذا الفاء في: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ} الأولى سببية عاطفة لأن معرفة وقت الحج سبب لفرض الحج والثانية رابطة سببية. {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} والفاء الأولى كذلك. ويقال: إن الفاء الأولى في هذه الآيات هي الفاء الفصيحة، ولم يظهر لي ذلك؛ إذ لا حاجة تدعو إلى تقدير معطوف عليه أو شرط؛ لأنه يمكن العطف على الجمل التي قبل الفاء من غير خلل في المعنى، فإن قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} مسبب ومترتب على وجوب إتمام الحج والعمرة لمن دخل في أحدهما، وهكذا قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} فإنه رخصة مرتبة على النهي عن الحلق.
(1) - سؤال: ألا يصح أن تكون الآية دليلاً على ذكر الله بعد الفجر حين المرور بالمشعر الحرام؟
الجواب: يصح أن تكون الآية دليلاً على ذلك وعلى وجوب صلاة المغرب والفجر عند المشعر الحرام.
(2) - سؤال: من أين علم أن ذكر الله هو صلاة المغرب والعشاء؟
الجواب: علم ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبلال: ((الصلاة أمامك)) وتكون الآية دليلاً أيضاً على صلاة الفجر، وعلى ذكر الله عند المشعر الحرام، وذلك من حيث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فعل كل ذلك في المشعر الحرام، وقال: ((خذوا عني مناسككم)).
(3) - سؤال: ما معنى: {كَمَا هَدَاكُمْ}؟ أو ما إعرابها الذي يفهمنا معناها؟
الجواب: الكاف للتعليل، و «ما» مصدرية، والتقدير: واذكروه لأجل هدايته إياكم.
الآية 199
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} أمرهم الله أن يفيضوا من عرفات؛ لأن المشركين كانوا يفيضون من مزدلفة ولم يكونوا يدخلون عرفة؛ لأنهم كانوا يقولون: نحن أهل الله فلن نخرج من الحرم، فقال الله: {أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} يعني قفوا في عرفة، وأفيضوا من (4) عرفة ولا تفعلوا مثل ما فعلت قريش وإخوانها.
{وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 199} استغفروا الله لأجل ما كنتم عليه في الجاهلية من الوقوف في مزدلفة.
_______
(4) - سؤال: يقال: إذا كانت الإفاضة من عرفات فما فائدة العطف بـ «ثم»؟
الجواب: العطف بـ «ثم» يفيد أهمية ما بعدها على ما قبلها؛ لأن المشركين كانوا قد تهاونوا بالإفاضة من عرفات، فنبه الله تعالى على أهميتها ووجوبها.
الآية 200
فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ
📝 التفسير:
{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} يعني أكملتم أعمال الحج {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} كان المشركون حين يقضون مناسك حجهم يجتمعون فيذكر كل منهم مفاخره ومفاخر آبائه، فقال الله للمسلمين: أعلنوا ذكر الله وتكبيره وتعظيمه، وأثنوا عليه بما هو أهله كما كنتم تفعلون أيام الشرك من ذكر مفاخر آبائكم أو أشد من ذلك وأكثر. والمشروع في أيام منى التكبير والتحميد والتمجيد لله.
{فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ 200} بعض الحجاج يطلبون الله متاع الدنيا فيعطيهم الله منها، وليس لهم في الآخرة نصيب.