القرآن الكريم مع التفسير

سورة البقرة

آية
إجمالي الآيات: 286 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 201
وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
📝 التفسير:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ 201 أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ 202} (1) فأما المؤمنون فهم يسألون الله الدنيا ويسألونه الآخرة ويتعوذون به من النار، فهؤلاء الذين يستجيب الله دعوتهم، ويتقبل أعمالهم، ويعطيهم من الدنيا والآخرة، وينجيهم من عذاب النار.
__________
(1) - سؤال: ما هي الحسنة في الدنيا؟ وما هي الحسنة في الآخرة؟
الجواب: الذي يظهر لي أن الحسنة في الدنيا هي الهداية للحق، مع ما يتبعها ويترتب عليها مما وعد الله أهل الهدى في مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق]، والحسنة في الآخرة هي الجنة وما فيها من النعيم.
سؤال: ما الوجه في قوله: {نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} ولم يعطهم كل ما كسبوا؟
الجواب: المعنى: من جنس ما كسبوا وهو الثواب، فـ «من» لبيان الجنس.
الآية 202
أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
📝 التفسير:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ 201 أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ 202} (1) فأما المؤمنون فهم يسألون الله الدنيا ويسألونه الآخرة ويتعوذون به من النار، فهؤلاء الذين يستجيب الله دعوتهم، ويتقبل أعمالهم، ويعطيهم من الدنيا والآخرة، وينجيهم من عذاب النار.
__________
(1) - سؤال: ما هي الحسنة في الدنيا؟ وما هي الحسنة في الآخرة؟
الجواب: الذي يظهر لي أن الحسنة في الدنيا هي الهداية للحق، مع ما يتبعها ويترتب عليها مما وعد الله أهل الهدى في مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق]، والحسنة في الآخرة هي الجنة وما فيها من النعيم.
سؤال: ما الوجه في قوله: {نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا} ولم يعطهم كل ما كسبوا؟
الجواب: المعنى: من جنس ما كسبوا وهو الثواب، فـ «من» لبيان الجنس.
الآية 203
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
📝 التفسير:
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} أي: أيام منى: يوم العيد وثانيه وثالثه ورابعه، والذكر في هذه الأيام هو تكبير الله وتعظيمه وتعظيم شعائره.
{فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} فمن أراد التعجل رجم أول يوم، وثاني يوم، وثالث يوم، فإذا أراد أن يعود إلى أهله ويتعجل النفور فليتعجل، والمراد باليومين بعد يوم العيد وذلك ثانيه وثالثه.
{وَمَنْ تَأَخَّرَ} إلى اليوم الرابع ورمى في اليوم الرابع {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} (1) الله ولم يتجاوز حدوده، {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ 203} احذروا معصية الله فهو محاسبكم ومجازيكم على أعمالكم في يوم القيامة فاحذروا فإن الله يحصي عليكم أعمالكم الصغير منها والكبير.
__________
(1) - سؤال: ما فائدة نفي الإثم: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} في حق المتأخر؟
الجواب: الفائدة أن بعض الناس كانوا يؤثِّمون المتقدم وبعضهم يؤثِّم المتأخر، فنفى الله تعالى الإثمين.
الآية 204
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
📝 التفسير:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ 204} قال الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن بعض الناس يكون كلامه حسناً لما فيه من البلاغة والفصاحة، ويدعي حالفاً أنه صادق فيما يقول، وهو العدو اللدود، فكونوا منه على حذر ولا تصدقوه.
الآية 205
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا تَوَلَّى (2) سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ (3)
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ 205} إذا ذهب من عندك أخذ في الإفساد والإيقاع بين الناس وغرس الفتن والمشاحنة بينهم، ويقال: إنه الأخنس بن شريق.
_______
(2) - سؤال: هل يصح أن يحمل قوله «تولَّى» على التولية والرئاسة على الناس؟
الجواب: لا يحمل على الرئاسة؛ لأن سياق الآية يفيد أن الرجل كاذب فيما يدعيه ويقوله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه يفعل خلاف ما قاله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد خروجه من عنده.
(3) - سؤال: ما المراد بالنسل في الآية؟

الجواب: المراد بالنسل الناس، فقد كان ذلك الرجل حريصاً على إتلاف أرواح الناس، وإتلاف زروعهم ومعايشهم.
الآية 206
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ
📝 التفسير:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} (1) فتأخذه الحمية والكبر، بفعل الإثم ويزيد في تمرده وعصيانه.
{فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} يكفيه جهنم جزاءً على أعماله الخبيثة، {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ 206} وما أشد ذلك الجزاء وما أعظمه، ففراشه من جمر جهنم الذي اشتد سعيره وتعاظم لهبه، فيتطاير شرره لشدة سعيره، {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ 32 كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ 33} [المرسلات].
__________
(1) - سؤال: ما موقع قوله: «بالإثم» من الإعراب؟ وما تقدير معناها؟
الجواب: بالإثم حال من العزة أي متلبسة بالإثم، أو من الهاء في «أخذته» أي: آثماً، ويجوز أن يتعلق «بالإثم» بأخذته، أي: بسبب الإثم.
الآية 207
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
📝 التفسير:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ 207} بعد أن ذكر الله الذي تولى في الأرض ليفسد فيها- ذكر بعضاً من الناس آخر باع نفسه من الله؛ لأجل أن ينال رضوانه، وقد استسلم وسلم نفسه خالصة لله، وانقاد له أشد الانقياد، وترك هوى نفسه ودواعيها.
الآية 208
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} يعني في دين الإسلام.
{وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ 208} ولا تسمعوا له وتتبعوا خطواته (2):
من عبادة الأصنام، وأكل الميتة، وشرب الخمر، وقتل النفس التي حرم الله قتلها، والإفساد في الأرض، وأكل أموال الناس بالباطل؛ فإن الشيطان لا يدعوكم إلى خير لعداوته لكم، وحنقه عليكم.
_______
(2) - سؤال: لماذا سماها الله تعالى خطوات؟

الجواب: استعار الخطوات للاتباع للشيطان فيما يدعو إليه من المعاصي، والاستعارة أبلغ في توصيل المعنى إلى ذهن المخاطب، وذلك أنها تصور المعنى للمخاطب بصورة يدركها حسه ويراها بعينه، ويطرب لها ذهنه، وينتعش لها فهمه.
الآية 209
فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 209} (1) إذا وقعتم في خطوات الشيطان بعد أن جاءتكم البينات من الله فاعلموا أن الله سيعاقبكم ويجازيكم.
__________
(1) - سؤال: لماذا عبَّر الله بقوله: {عَزِيزٌ حَكِيمٌ 209} بدل: سيعاقبكم، أو نحوها؟
الجواب: في التعبير بـ {عَزِيزٌ حَكِيمٌ 209}:
- أن هذا التعبير كناية والكناية أبلغ من الحقيقة من حيث إنها دلت على أنه تعالى سينتقم منهم، مع بيان الدليل على قدرته على الانتقام، فكأنه قال: سأنتقم منهم وأعذبهم لأني قوي غالب قادر قاهر.
- وتدل لفظة «حكيم» على أنه تعالى لا يعذب إلا من يستحق العذاب، ولا ينتقم إلا ممن يستحق النقمة من غير أن يزيد على ما يستحقه العاصي، ولا يظلم مثقال ذرة.
الآية 210
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
📝 التفسير:
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} (2) قد أعد الله عذاب المجرمين المصرين على عصيان الله، ويوشك أن يحل بهم فلينتظروا نزوله عليهم من السماء.
{وَقُضِيَ الْأَمْرُ} سينتهي أمرهم وشركهم وما هم عليه من الضلال والعناد بحلول عذاب الله بهم، ثم يرجعون بعد ذلك إلى الله فيعذبهم في جهنم خالدين، {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ 210}.
____________
(2) - سؤال: ما معنى «هل» في الآية؟
الجواب: معنى «هل» النفي.
الآية 211
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
📝 التفسير:
{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} (3)
المعنى أن الله قد أعطى بني إسرائيل نعماً كثيرة وعظيمة، وأراهم الكثير من آياته البينات، فكان من المفروض أن يكونوا أول من يستجيب لرسل ربهم الذي أولاهم ذلك الفضل العظيم.
{وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ 211} فالنبي نعمة من الله على البشر وعلى اليهود، فمن يبدل هذه النعمة بالكفر، فسيلقى جزاء كفره الذي أعده الله للكافرين.
__________
(3) - سؤال: لو أعربتم: {كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ}؟ وهل يصح أن يكون قوله: «آية» مفعولاً ثانياً لـ «آتينا» دخلت عليه «من» الزائدة أم أنه تمييز فقط؟

الجواب: كم: اسم استفهام مبتدأ، وجملة آتيناهم خبر «كم»، والعائد محذوف، والتقدير: آتيناهم إياه، والجملة في محل نصب مفعول ثانٍ لسل، وعلق عن العمل لأن السؤال سبب في حصول العلم، و {مِنْ آيَةٍ}: تمييز لكم، ودخلت «من» على التمييز لوجود الفصل بين «كم» وتمييزها، وفي إعراب ما ذكرنا خلاف، وقد عقد في المغني لإعراب هذه الآية فصلاً صغيراً. ووجه آخر في إعراب الآية: كم: اسم استفهام في محل نصب مفعول به ثان لـ «آتيناهم». آتيناهم: فعل وفاعل ومفعول به أول. من آية: تمييز «كم». وهذا الإعراب أولى من إعراب «كم» مبتدأ، وإنما كان هذا أولى لعدم الاحتياج للتكلف لتقدير رابط، و «من آية» تمييز ولا ينبغي إعرابه مفعولاً به بتقدير زيادة «من» لأنها لا تزاد إلا بعد النفي أو ما في معناه.
الآية 212
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
📝 التفسير:
{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} (1) الحياة الدنيا مزينة في قلب كل واحد، غير أن هؤلاء الكفار قد اغتروا بهذه الزينة التي في قلوبهم وألهتهم عما زينه الله لهم من الدين والثواب، وإلا فإن الله قد زين الدنيا في قلوب الناس جميعاً، وكذلك زين لهم الآخرة وثوابها، وزين لهم الحق وهاتان الزينتان تتصارعان في قلب ابن آدم فغلبت زينة الحياة الدنيا في قلوب الذين كفروا، قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ... } [آل عمران:14]، فحب الدنيا في قلب كل إنسان غير أن أولئك الكافرين غرتهم زينة الحياة الدنيا واتبعوها ومالوا إليها.
{وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} ويحتقرونهم ويستهزئون بهم، {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} والمتقون يوم القيامة فوق الذين كفروا في أعلى عليين، والكافرون في دركات الجحيم بين أطباق جهنم.
{وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 212} الرزق في الدنيا ليس ميزاناً فهو يرزق الذين كفروا ويعطيهم الرئاسة والوجاهة والأموال والأولاد ولا يدل ذلك على أنهم أفضل من المؤمنين حتى يحتقروهم ويستهزئوا بهم، فالله يعطي الرزق من يشاء بغير حساب.

________
(1) - سؤال: ما معنى التزيين في هذه الآية؟
الجواب: المعنى أن الشيطان حسّن الدنيا في أعين الكافرين وحببها إليهم، حتى مالوا إليها بكل قلوبهم، وحتى تركوا الدين الحق وأعرضوا عنه، وهذا التزيين هو زائد على التزيين الذي طبع الله عليه المكلفين المذكور في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ... } الآية [آل عمران:14]، ومن هذا التزيين الطبيعي يجد الشيطان له مدخلاً وطريقاً على المكلفين، فإنه يحرك ذلك بوساوسه، ويزيد من نشاطه ولهيبه، ويزين له المعصية حتى يقع المكلف فيها.
الآية 213
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
📝 التفسير:
{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} قبل أن تبعث إليهم الأنبياء هم على ملة واحدة هي ملة الكفر.
{فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} فبعث الله تعالى رسله إلى أهل الكفر يدعونهم إلى عبادة الله وحده وترك الكفر والشرك ويبشرون من يستجيب لدعوتهم ويؤمن بما جاءوا به بالثواب العظيم في جنات النعيم، وينذرون الكافرين بالله وبرسله بالعذاب العظيم في نار جهنم.
{وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} (1) مع كل نبي كتاب {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} ويكون مرجعاً لهم يرجعون إليه عند اختلافهم.
{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} الذين نزل عليهم {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} بعدما وضح الحق لهم وعرفوه، {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} حسداً وعداوة لبعضهم البعض، مثل ما فعل اليهود عندما حسدوا النبي، وقالوا لماذا لم يأت منهم وأتى من العرب؟ وهم عالمون أنه حق من عند الله.
{فَهَدَى (2)
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 213} حين يختلف الناس في الحق فالله يهدي المؤمنين لمعرفة الحق والهدى رحمة منه للمؤمنين.
_________
(1) - سؤال: لماذا أفرد «الكتاب»؟
الجواب: أفرد لأنه يقصد به الجنس الذي يصدق على المفرد والجمع.
سؤال: ما موضع «بالحق»؟
الجواب: موضعه النصب على الحالية من الكتاب.
(2) - سؤال: ما معنى الفاء في قوله «فهدى»؟
الجواب: دلت الفاء على أن هداية الله للمؤمنين حصلت بعد الاختلاف من غير تريث.

سؤال: ما المقصود بالهداية في هذه الآية؟
الجواب: المراد بهداية الله هنا هو التوفيق والتنوير.
سؤال: إذا قال قائل بأن قوله: «بإذنه» يدل على أن الله أذن وأجاز الاختلاف، فكيف أرد عليه؟
الجواب: اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون المكلف مختاراً في فعل ما كلف به وترك ما نهي عنه، فنتج عن ذلك حصول الاختلاف، وحصول الطاعة والعصيان، وذلك مسبب عن الاختيار الذي أذن الله فيه وجعله للمكلفين، فاستعمل الإذن في المسبب وهو في الحقيقة للسبب.
الآية 214
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
📝 التفسير:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} (1) قال الله للمؤمنين: أتظنون أنكم ستدخلون الجنة بغير معاناة وتعب؟ كلا؛ بل لا بد من التمحيص والابتلاء والفتن حتى يتبين من هو الثابت على الإيمان، من المتزلزل فيه مثل ما جاء على الذين من قبلكم مستهم البأساء والضراء، وحصلت لهم شدائد زلزلتهم عن ثباتهم واستمرت وطالت {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} فاستبعدوا واستبطأوا النصر حتى قالوا: متى يأتينا النصر (2)؟
{أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ 214} لا بد من النصر ولكنه لا يأتي إلا بعد محن وشدائد؛ لأجل أن يظهر الناس على حقيقتهم، ويتميز الصادق من الكاذب، وتبين مراتبهم في الدين.
__________
(1) - سؤال: ما معنى «أم» في قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ}؟
الجواب: تفسر «أم» بـ (بل والهمزة)، والتقدير: بل أحسبتم.
سؤال: ما المراد بـ «من قبلنا» في قوله: «من قبلكم»؟
الجواب: هم أنبياء بني إسرائيل وأتباعهم المؤمنون.
(2) - سؤال: علام يخرَّج فعل الرسول والمؤمنين في استبعاد النصر والتشكك فيه؟
الجواب: قوله: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} كناية عن انهيار صبرهم ونفاده، والطلب من الله للفرج أو للمزيد من الصبر، وليس المقصود بـ {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} استبعاد النصر والتشكك فيه، وإنما أرادوا تعجيل النصر لانهيار صبرهم ونفاده؛ لطول الشدائد عليهم.
الآية 215
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} قالت الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ماذا ننفق؟ {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} أيُّ خيرٍ تنفقونه {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} فليس المشكلة أن تنفقوا، ولكن المهم أين تضعون النفقة، فلم يخبرهم ماذا ينفقون؟ هل الذهب أم الفضة أم الخيل أم البقر؟ بل أخبرهم أين يضعونها (1).
{وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ (2) فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ 215} لا يضيع عند الله وإن كان شيئاً قليلاً.
__________
(1) - سؤال: ما الحكمة في إخبارهم أين يضعونها، وهم قد سألوا عن المنْفَق ما هو؟
الجواب: الوجه هو تنبيه المخاطبين إلى ما هو الأهم، فنبههم تعالى إلى موضع الصدقة الذي هو أهم مما سألوا عنه.
سؤال: ما موضع «ما» في قوله: {مَا أَنْفَقْتُمْ}؟
الجواب: موضعها النصب على أنها مفعول به، والتقدير: أي نفقة أنفقتم.
(2) - سؤال: ما الوجه في دخول «من» في قوله: {مِنْ خَيْرٍ} في الآيتين؟
الجواب: أدخلت «من» في الآيتين لبيان الإبهام الكامن في «ما» الشرطية.
الآية 216
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} (3) أوجب الله عليكم أيها المؤمنون القتال وألزمكم به وحتمه عليكم، وهو تكليف ثقيل عليكم تنفر أنفسكم عنه وتكرهونه، مع أن لكم في هذا التكليف مصالح عظيمة ومنافع كبيرة في دينكم ودنياكم وعاقبة أمركم.
{وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} فإنهم إذا قعدوا عن القتال فسيستولي عليهم العدو ويقتلهم ويسبي ذراريهم.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 216} فهو عالم بعواقب الأمور وما تصير إليه.
_____
(3) - سؤال: كيف صح الإخبار بـ «كره» عن الضمير «هو»؟
الجواب: وضع المصدر موضع «مكروه» للمبالغة في شدة كراهتهم للقتال، فصح الإخبار به عن الضمير.
الآية 217
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
📝 التفسير:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} المشركون يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف القتال في الشهر الحرام؟ فقال الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} (1) القتال فيه معصية كبيرة عند الله، ولكن هناك شيء أكبر منه وهو: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} فهو أكبر {وَكُفْرٌ بِهِ} وأنتم تكفرون بالله وهو أكبر، {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وتصدون عن المسجد الحرام فتمنعون الحج والعمرة، {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ (2) عِنْدَ اللَّهِ} إخراج أهل الحرم عن الحرم هو أكبر من القتال في الشهر الحرام بمعنى أن الله قال للمشركين: إن صدكم للناس عن الإسلام وصدكم لهم عن المسجد الحرام وإصراركم على الكفر بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وطردكم للنبي والمسلمين من المسجد الحرام كل ذلك هو أعظم وأكبر جرماً عند الله من القتل في الشهر الحرام الذي صدر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطأً.
{وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} فتنتكم للناس عن الإسلام فمن أسلم عذبتموه حتى يكفر، فهذا أكبر من القتل في الشهر الحرام، يستنكرون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قتل أصحابُه الكفارَ في أول رجب وهو من الأشهر الحرم ظناً منهم أنهم في آخر جماد فرد الله عليهم بهذا الرد.
{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} قال الله تعالى للمسلمين إن المشركين لا يزالون يقاتلونكم لا ينفكون عن قتالكم ولا يبقون حيلة ولا وسيلة حتى يردوكم عن دينكم إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً فاصبروا وأعدوا نفوسكم للثبات والاستقامة على دينكم ولا ترتدوا على أعقابكم بعد أن هداكم الله للدين الحق.
{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 217} حذر الله المسلمين من أن يرتدوا عن دينهم، فمن ارتد منكم أيها المسلمون عن دينه ورجع إلى دين المشركين ولم يتب إلى الله ومات على ردته فإن الله سيدخله نار جهنم خالداً فيها، ولا ينتفع بما كان له من الأعمال الصالحة التي عملها قبل ردته؛ لأنه قد ضيعها بردته وأحبطها بكفره.
__________
(1) - سؤال: ما فائدة تنكير المبتدأ، وهو قوله: {قِتَالٌ فِيهِ}؟
الجواب: لو عرف المبتدأ لدخل فيه ما حصل من عبدالله بن جحش، والله تعالى لا يريد دخوله في الحكم، فعدل عن التعريف إلى التنكير ليكون الحكم في قتال آخر غير ما حصل من المسلمين.
(2) - سؤال: هل قوله «أكبر» خبرٌ عن المتعاطفات من قوله: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} .. إلى قوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ}؟
الجواب: «أكبر» خبر عن المتعاطفات المذكورة.
الآية 218
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} يعني هاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة. {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 218} أما الذين استقاموا على الإيمان وهاجروا إلى الله ورسوله وجاهدوا فإنهم من أهل رحمة الله وثوابه ومن أهل جنته وهم الحقيقون بمغفرته.
الآية 219
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} والميسر القمار، المسلمون يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن حكم الخمر والميسر.
{قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} فأجابهم أن في تعاطي الخمر والميسر إثماً كبيراً ومفاسد عظيمة وفيهما أيضاً منافع للناس إلا أن إثمهما أعظم وأكبر من منافعهما وما يحصل من المفاسد أكبر مما يحصل من المنافع (1).
وقد نزلت هذه الآية في أول الإسلام حين كان الإسلام ضعيفاً فلما قوي الإسلام وتمكن الدين من قلوب المسلمين جزم الله بتحريم الخمر والميسر جزماً وأمر باجتنابهما (1).
{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} المسلمون يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم {قُلِ الْعَفْوَ} (2) يعني الفضلة الفاضلة عن حاجتك، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ 219} هكذا يبين الله للمسلمين أحكام دينهم ليتفكروا في رحمته بهم فيشكروه على ما هداهم.
__________
(1) - سؤال: يقال: أيُّ منفعة في الخمر والميسر؟
الجواب: المنفعة: هي الاجتماع واللهو والطرب، وكسب المال بغير تعب.
(1) - سؤال: تثار نقاشات حول تدريج تحريم الخمر عند بعض أصحابنا، فهل يمكن أن يستدل من هذه الآية ونحوها على التدريج؟
الجواب: في هذه الآية دليل على تدريج التحريم للخمر.
(2) - سؤال: كيف نوافق بين هذه الآية وقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9]؟
الجواب: هذه الآية وردت في الإنفاق في اليسر وعند الغناء، وقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9]، وردت في الإنفاق وقت الشدة حين لا يجد المنفق إلا قوت يومه، فمدح الله تعالى الذي يؤثر غيره بقوته.
الآية 220
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} نزلت هذه الآية بعد نزول قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا 10} [النساء]، فخافوا خوفاً شديداً فسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله إن معنا أيتاماً تحت أيدينا فكيف نعمل بهم؟ فقال الله تعالى: {قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} يعني: إصلاح أموالهم خير من تركها، {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} وإذا خالطتموهم في الزاد فلا بأس فقدروا نفقتهم وضعوها بين نفقتكم وكلوا جميعاً ولا حرج عليكم بعد التحري والنظر فيما يصلح أموال اليتامى.
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} (1) والله عالم بنية كل واحد؛ فتمييز اليتيم وحده بأكله وشربه يورث في نفسه شيئاً وفي ذلك مشقة فاخلطوا نفقتهم مع نفقتكم وكلوا جميعاً فهم إخوانكم، والله هو عالم بنية المفسد والمصلح.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 220} لو أراد الله أن يوقعكم في المشقة والحرج لأوقعكم، ولكن يريد التيسير عليكم فجعلكم تخالطوهم.
__________
(1) - سؤال: هل يصلح أن يكون تفسير «يعلم المفسد من المصلح»: يميز من يريد إصلاح أموال اليتامى ممن يريد إفسادها؟
الجواب: هو بمعنى: يميز فيثيب المصلح، ويعاقب المفسد.