القرآن الكريم مع التفسير

سورة البقرة

آية
إجمالي الآيات: 286 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 241
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} فإذا تعرضن للخطاب بعد السنة فاتركوهن، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 240} وهذه الآية كما قلنا قد نسخت (3).
{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ 241} المتاع هذا عام، فمنه الكسوة مثل كسوة مثلها، ولها النفقة ينفق عليها ثلاثة قروء، وكذلك إذا لزمه المهر أو نصف المهر فاسمه متاع (4).
_______
(3) - سؤال: هل يصح الاستدلال بالآية على أن النسخ يصح ولو كان الناسخ متقدماً في الترتيب القرآني؟
الجواب: ترتيب القرآن ليس على ترتيب النزول، فيصح أن ينسخ المتقدم في الترتيب المتأخر فيه، والآية دليل على ذلك.
(4) - سؤال: هل يكون السكنى من المتاع؟ فما الذي أخرجه في حق المثلثة؟

الجواب: السكنى والنفقة من المتاع إلا أن المثلثة خرجت من استحقاق السكنى؛ لأنها صارت بالثلاث أجنبية، لا يجوز لها مساكنة زوجها في مسكن واحد.
الآية 242
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
📝 التفسير:
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 242} يبين لكم أحكام دينكم ومعاملاتكم لأجل أن تفهموا عن الله وتعملوا بشرائعه وأحكام دينه.
الآية 243
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ 243} هؤلاء قوم هربوا من الموت ثم إن الله أماتهم ليعلموا أنه لا مفر من الموت، وفي ذلك حث على الجهاد في سبيل الله، وأنه لا مفر من الموت ففي هذه الآية أخبرنا الله تعالى بقصة مضت في الأمم السابقة من بني إسرائيل، وهم أهل قرية خرجوا من ديارهم هرباً من الموت فلقيهم الموت وهم خارجون ثم إن الله تعالى أحياهم بعد موتهم، وهذه الآية مختصة ببني إسرائيل وهي الإماتة ثم الإحياء وذلك فضل من الله تفضل به عليهم، ونعمة لم يولها أحداً غير بني إسرائيل، وقد قص الله علينا هذه القصة ليعلمنا أنه لا مفر من الموت، وليحثنا على الجهاد في سبيله.
الآية 244
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 244} أمر الله المسلمين بالقتال في سبيله، فهو العالم بأعمالكم وأفعالكم فاحذروه فسيجازيكم إن لم تمتثلوا لأمره.
{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} يعني بالقرض: الإنفاق في سبيل الله، وفي الجهاد، وفي تجهيز المجاهدين، وفسرناها بهذا إذ سيقت في سياق الجهاد في سبيل الله، وإلا فالإنفاق يضاعفه الله تعالى على أي وجه وقع إذا كان المراد به وجه الله تعالى، فالنفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف لمن صدقت نيته، وخلصت لوجه الله.
الآية 245
مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
📝 التفسير:
{وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ 245} الله يبتليكم بالفقر والغنى، يعني يكلفكم بالنفقات لأجل أن يختبركم وإلا فهو قادر على أن يغنيكم جميعاً، وهذا الاختبار من الله تعالى لأجل أن يتميز ضعيف الإيمان من القوي وإلا فالله غني وقادر أن يغني الناس جميعاً، وأن يغني رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن معاونة المسلمين.
الآية 246
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَأِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} كان في شرائع بني إسرائيل أن النبي ليس مسؤولاً عن القتال، وإنما يوحى إليه بأن ينصب ملكاً يتولى القتال والجهاد.
والملأ: هم الأشراف والوجهاء، أتوا إلى نبيهم فقالوا: نريد ملكاً نقاتل في سبيل الله، {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} كيف لا نقاتل، {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} والحال أن العدو قد دخل بلادنا واستولى عليها.
{فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} فحصل منهم ما توقعه منهم نبيهم.
{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ 246} عالم بالذين تمردوا عن الجهاد وسيجازيهم.
الآية 247
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} اختاره الله لكم قائداً يقودكم لقتال عدوكم.
{قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا} كيف يكون ملكاً علينا؟
{وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} فهو فقير وليس من بيت الملك والقيادة {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} اختاره بعلمه وحكمته، وعلم أنه أهل للقيادة والولاية.
{وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} وعنده علم ومعرفة بالأحكام الشرعية وعلم بإدارة الحروب وأساليب القتال، وأعطاه الله جسماً كاملاً يملأ القلوب مهابة.
{وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} فلا دخل لكم.
{وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 247} فهو واسع ملكه، يختار من يشاء من أهل مملكته، وعالم بمن يصلح للملك والقيادة.
الآية 248
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} (1) التابوت: هو من بعد موسى وهارون. {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} إذا رأيتموه تأتيكم طمأنينة في القلب، ويزول الخوف، وتستطيعون القتال بثبات، وقد جعل الله ذلك آية وعلامة تدل بني إسرائيل على أن طالوت هو القائد والملك الذي اختاره الله لقيادة الحرب.
{وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} فيه آثار من بعد موسى وهارون والله أعلم ما هي؛ أهي صحف أم عصا موسى؟ لم يحددها الله، وهناك روايات إسرائيلية لا يوثق بها.
{تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} حملت الملائكة التابوت وجاءت به إلى بني إسرائيل ورأوا التابوت حين أتى إليهم آية من الله لهم ومعجزة لنبيهم عليه السلام وقد تكاثرت آيات الله لبني إسرائيل نعمة منه تعالى خصهم بها لم يؤتها غيرهم.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 248} إن كنتم مصدقين فهذه علامة واضحة لكم على أن الله قد اختاره ملكاً عليكم، ولكن كان العنادُ عادتَهم، والتمردُ ديدَنهم.
__________
(1) - سؤال: هل التابوت صندوق أم ما هو؟
الجواب: التابوت صندوق معروف عند بني إسرائيل ومشهور بينهم، إلا أنه في عصر طالوت لم يكن موجوداً عند بني إسرائيل، والدليل على أنه كان مشهوراً مذكوراً بينهم تعريفه بـ «ال» العهدية.
الآية 249
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} فلما خرج طالوت من البلاد هو والمقاتلون وسار بهم، {قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} (1) تخوضونه وتمرون من بينه في طريقكم، ويبتليكم بالعطش في هذا النهر، {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} (2) اختباراً لهم لكي يبين الخبيث من الطيب؛ لأنه لا يريد أن يقاتل إلا بالأخيار، {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} فهذا لا حرج عليه.
{فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} فشرب أكثرهم من النهر، ولم يصبر منهم إلا القليل، قيل: إن عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد أهل بدر.
{فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} الذين لم يشربوا، {قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} عندما رأوا الكثرة في عدوهم هابوا وخافوا وقالوا لقائدهم طالوت: لا طاقة لنا اليوم بقتال عدونا جالوت وجنوده لكثرة عددهم وقلتنا.
{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ 249} فقال أهل البصائر في الدين: كثيراً ما ينتصر القليل على الكثير فأخلصوا لله وارجوه واسألوه المعونة والنصر فإن الله يؤيد الصابرين بمعونته ونصره (3).
__________
(1) - سؤال: هنا «نَهَر» مفتوح الهاء فهل هو النهر لا غيره؟
الجواب: هو النهر الذي يجري فيه الماء لا غير، قال تعالى: {فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ 54} [القمر]، بالفتح.
(2) - سؤال: ما معنى قوله: {فَلَيْسَ مِنِّي}؟
الجواب: معناه فليس من جندي الذين أقاتل بهم عدوي.
(3) - سؤال: كيف مدح إيمانهم باليوم الآخر مع أنه عبر عنه بيظنون؟

الجواب: ارجع إلى تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ 45 الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ 46}.
سؤال: ما موضع «كم» الإعرابي في قوله: «كم من فئة»؟
الآية 250
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ (1) عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ 250 فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} وهذا هو المفروض: أن يلجأ المجاهدون إلى الله ويعتمدوا عليه لا إلى كثرتهم وقوتهم، فالنصر من عند الله فأنزل الله عليهم النصر والمعونة لالتجائهم إلى الله وإخلاصهم له.
__________
(1) - سؤال: ما هو الإفراغ المقصود في الآية؟
الجواب: سألوا الله تعالى أن يصب عليهم الصبر صباً؛ لحاجتهم إلى الصبر الكثير في مواجهة عدوهم.
الآية 251
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ
📝 التفسير:
{وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} كان نبي الله داود عليه السلام أحد الجنود الذين خرجوا للقتال تحت إمرة القائد طالوت ولم يكن نبياً حين خرج مع طالوت، بل لم يكن له ذكر ولا شأن في ذلك الوقت، وقد وفق الله تعالى داود لقتل ملك عدوهم واسمه جالوت فشاع ذكر داود وارتفع شأنه ورمقته الأبصار، وكان ذلك بتدبير الله تعالى لما يريده الله سبحانه لداود من شرف النبوة والملك.
{وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} ثم إن الله تعالى أعطى داود عليه السلام شرف النبوءة وأوحى إليه بشرائع الدين وأحكامه التي أوحاها إلى موسى عليه السلام وأوحى إليه بالزبور زيادة على أحكام التوراة، وعلمه من أنواع العلوم التي ليست في التوراة ولا في الإنجيل من ذلك علم استخراج المعادن، وعلم صناعتها، ومع ذلك فقد أعطاه الله الملك والسلطان في الدنيا، وكان سلطانه في بلاد الشام.
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} إن الله سبحانه يدفع شر بعض الناس ببعض بأن يغري بعضهم ببعض، ويسلط بعضهم على بعض؛ ليسلم أولياء الله من شرورهم وفسادهم.
{وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ 251} في تسليط بعضهم على بعض، وهذا فضل من الله ونعمة على أوليائه وعباده الصالحين.
الآية 252
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
📝 التفسير:
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} هذه آيات الله يتلوها على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وهي حق وصدق.
{وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ 252} فلا يكبر عليك تكذيب قومك فتكذيبهم لك لا ينقص منزلتك.
الآية 253
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
📝 التفسير:
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} (1) منازل رسل الله كلها رفيعة بل هي غاية ما تنتهي إليه منازل البشر في الرفعة عند الله تعالى، ورسل الله عليهم السلام وإن كانت منازلهم رفيعة فإنهم يتفاضلون في تلك المنازل فبعضهم أرفع من بعض، وذلك التفضيل هو بفضل الله ورحمته وعلمه وحكمته، منهم موسى عليه السلام فقد اختصه الله تعالى بفضيلة الكلام {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا 164} [النساء]، ومنهم عيسى عليه السلام فقد اختصه الله تعالى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وكان يصور تمثال طير من الطين فينفخ فيه فيطير.
ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو أفضل الأنبياء والرسل وأرفعهم منزلة لفضائل اختصه الله تعالى بها، فمنها: أن الله تعالى أرسله إلى الناس كافة، ومن قبله من الأنبياء يبعث كل منهم إلى قومه خاصة.
ومنها: أن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير الأمم.
ومنها: أن شريعته نسخت شرائع الأنبياء، وهي باقية لا تنسخ إلى يوم القيامة.
ومنها: أن الله تعالى أعطاه القرآن الذي لا يقدر المبطلون على تحريفه وتصحيفه وتغييره وتبديله {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ 42} [فصلت]، فهو باق كما أنزل إلى أن تقوم الساعة.
ومنها: أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الأنبياء أتباعاً إلى يوم القيامة.{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} جاء من بعد الأنبياء أمم تتقاتل فيما بينها، ولو أراد الله لمنعها القتال بالقهر، ولكنه خلاها وشأنها، وسيجازيهم يوم القيامة ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه.
قال سبحانه: {وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} وتقاتلوا فيما بينهم، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ 253} (1) من التخلية بين المكلفين ليرتب على ذلك الثواب والعقاب.
__________
(1) - سؤال: ما هو روح القدس الذي أيد به عيسى؟
الجواب: هو جبريل عليه السلام.
(1) - سؤال: ما فائدة تكرير قوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا}؟
الجواب: كرر الله تعالى ذلك ليقرر في نفوس المكلفين أن حكمة الله اقتضت التخلية بين عباده، واقتضت أن لا يمنعهم من القتال، وكرر ذلك وأكده لهم لما في نفوسهم من كراهة سفك الدماء، وتصور قبحه، فكان المقام يقتضي التأكيد.

الآية 254
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} على الأقل الزكاة، ونفقة الأولاد والأبوين العاجزين، ونحوها.
{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ} فلا بيع يوم الحساب ولا شراء (2)، ولا صداقة، {وَلَا شَفَاعَةٌ} يشفع أحد لأحد، {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ 254} (3) هم الذين ظلموا أنفسهم وبخسوها حظها، وأوبقوها في سخط الله.
_________
(2) - سؤال: ما هي الفائدة من نفي البيع والشراء في يوم الحساب؟
الجواب: يتوصل الإنسان في الدنيا إلى ما تشتهيه نفسه من متاع الدنيا بالبيع والشراء أو بواسطة الأصدقاء والأصحاب، فنفى الله تعالى حصول ذلك يوم القيامة؛ ليستعد المكلفون لهذا اليوم بالأعمال الصالحة.
(3) - سؤال: قد يؤخذ من الآية الحصر بأنه لا ظالم إلا الكافر، فكيف يجاب على ذلك؟
الجواب: هو حصر ادعائي مثل قولك: «زيد هو العالم»، أي: أن الكافرين هم الكاملون في الاتصاف بصفة الظلم.
الآية 255
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
📝 التفسير:
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} حي قيُّوم، معناه: قائم بتدبير مخلوقاته في السماوات والأرض وما فيهما من الخلق والرزق والإماتة والإحياء، لا يغفل لحظة واحدة عن ملكوته.
{لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} السنة: هي الغفلة أو خفقات النوم، فلا تعتريه غفلة -خفقة نوم- ولا نوم، وهناك رواية لا أعلم بصحتها وهي أن موسى عليه السلام سأل ربه: هل ينام ربنا؟ فأمر الله موسى عليه السلام أن يمكث ثلاث ليالٍ لا ينام، وأمره بأخذ قارورتين وأن يقبضهما في يده، فأرسل الله عليه النوم فأفلتت من يده وتكسرت؟ وذلك لأجل أن يستيقن موسى عليه السلام من نفسه أن الله لا تأخذه سنة ولا نوم، فكيف يدير شؤون السماوات والأرض وينام؟ فلو حصل ذلك لحدث خراب وفوضى، ولاختل توازن الكون.
{لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فكيف تأخذه السنة والنوم وله ما فيهما؟ إذاً لذهب كل شيء من تحت قدرته، ولتخلخلت أجرام السماوات والأرض وتهاوت وفسد الكون.
{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} لعظمته وجلاله وكبريائه لا أحد يشفع عنده ويطلبه إلا إذا أذن له في الكلام والشفاعة.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} فهو عالم بما بين أيدينا وهو الوقت الحاضر، وما خلفنا وهو ما قد مضى.
{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} في المستقبل وهو محيط بهذه الأشياء علم الله محيط بكل ما حصل في الزمن الماضي، وما اشتمل عليه الزمن الحاضر، وما سيأتي في الزمن المستقبل {إِلَّا بِمَا شَاءَ} بما أوحى إلى أنبيائه وأخبرهم {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} وسع علمه السماوات والأرض وما فيهما.
{وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} لا يثقله حفظ السماوات والأرض وما فيهما.
{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ 255} العلي عن مشابهة المخلوقين فلا يسهو ولا يغفل ولا يتعب ولا يشغله شأن عن شأن، ولا يعجزه شيء ولا تخفى عليه خافية، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ 103} [الأنعام].
الآية 256
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} (1) الدين ليس بالإكراه، بعث الله الأنبياء تبلغ الناس دينهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فمن أراد أن يتبع الرشد اتبعه، ومن أراد أن يتبع الغي اتبعه.
{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 256} والطاغوت: هو كل ما عبد من دون الله، فمن يكفر به ويؤمن بالله فقد تمسك بالحبل الوثيق الذي لا ينقطع، والله سميع عليم يسمع أقوالهم، ويعلم أعمالهم، وسيجازيهم عليها.
__________
(1) - سؤال: كيف يمكن التوافق بين هذه الآية وبين الآيات التي ظاهرها أنهم يُكْرَهون على الدخول في الدين نحو {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}؟
الجواب: أمر الله تعالى المؤمنين بالقتال حتى تكون كلمة الله هي العليا، فقاتلوا المشركين حتى قهروهم، ولم يؤمروا بإدخال الإيمان في قلوبهم كرهاً، وأمروا بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، والمروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال عن قريش: «والله ما أسلموا ولكن استسلموا».
الآية 257
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
📝 التفسير:
{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} ناصرهم، يهديهم ويخرجهم من ظلمات الشرك إلى نور الإسلام والهدى.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} أما الكافرون فأنصارهم طواغيتهم التي يعبدونها من دون الله، يزينون لهم الضلال، ويجرونهم إلى ظلمات الباطل، وأودية الهلاك، {يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} يصدونهم عن اتباع رسل الله وأنبيائه، وعن اتباع هدي القرآن إلى اتباع ضلالهم وباطلهم الذي زينوه لهم.
{أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 257}.
الآية 258
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} (1) قص الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم قصة ملك بابل واسمه نمرود ليخفف عليه ألم الصدمة التي لقيها من قومه حين كذبوه وردوا دعوته وآذوه وصدوا عنه واستهزئوا به وتمردوا عليه ونصبوا له العداء، فذكر تعالى له صلى الله عليه وآله وسلم أن أباه إبراهيم عليه السلام لقي من قومه الذين أرسله الله إليهم مثل ما لقي.
وقد وفر الله تعالى للملك نمروذ أسباب الملك فتجبر وتكبر، وادعى الإلهية، فحاججه إبراهيم عليه السلام بالحجج القاهرة الدالة على عظمة الله وقدرته وعلمه وحكمته، وأبطل بحجته إلهية ما سواه، ولكن الملك استكبر وتعاظم ولم يستطع رد حجج إبراهيم القاهرة.
{إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} (2) وذلك أنه كان عنده سجينان قتل واحداً منهما والآخر أطلق سراحه، فقال الملك: انظر يا إبراهيم فقد أمت واحداً وأحييت واحداً.
{قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} ولم يستطع جواباً {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 258}.
__________
(1) - سؤال: ما موضع قوله: {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} من الإعراب؟
الجواب: موضع ذلك الجر بلام التعليل، أي: أن الملك الذي أعطاه الله كان سبباً في تكبره وكفره.
(2) - سؤال: هل «إذ» ظرف للفعل «ترى» في قوله: «ألم تر»؟ أم ما موقعها؟
الجواب: موقعها النصب بدلاً من محل «إلى الذي»، ومحله النصب مفعول به.
الآية 259
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} (1) ألم تر إلى الذي مر على قرية: وهي مدينة من مدن بني إسرائيل التي خربها بخت نصر، كان قد غزاها بخت نصر من العراق وقتل أهلها، وسبى نساءهم وأطفالهم، وأخذهم إلى العراق فمكثوا فيها سبعين سنة، وخرب بيوتهم، فقال هذا النبي (2) -مستبعداً رجوعها على هيئتها الأولى-: كيف يحيي الله هذه القرية بعد هذا الذي حصل؟ قال ذلك مستغرباً، كأن الله قد أوحى إليه أنه سيعيدها.
{وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} نظر إليها وقد تخاوت سقوفها وتهدمت. {قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ} فقبض الله روح ذلك النبي بعدما نظر إلى القرية التي تهدمت وتهاوت سقوفها وأجلي عنها أهلها إلى العراق، وبعد مائة سنة أحياه الله وسأله: كم لبثت في رقدتك هذه؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم، قال الله: بل لبثت مائة سنة، وهذا طعامك وشرابك حسب عادته لم تغيره السنون، وهذا هو معنى قوله: {لَمْ يَتَسَنَّهْ}.
{وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} وكان لم يبق منه إلا العظم، {وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 259} جعل الله تعالى له في حماره آية بينة وقد كان حماره قد مات منذ مائة عام ولم يبق سوى عظامه البالية، فأمره الله تعالى أن ينظر إلى عظام حماره البالية كيف يعيد إليها الله قوتها وجِدَّتها ويربط بعضها ببعض ويشد بعضها إلى بعض حتى يعود كل عظم إلى مكانه ثم يكسوها لحماً فإذا هو حمار ناهق قد أعاد الله إليه الحياة، فاستيقن حينئذ بعدما رأى هذه الآيات، ورجع إلى القرية تلك فرآها قد رجعت على ما كانت عليه بعد هذه المدة، وجعل الله تعالى في هذه القصة آية دالة للناس على أن الله قادر على إحياء الموتى يوم القيامة.
__________
(1) - سؤال: علام العطف في هذه الآية؟ وما محل الكاف في قوله: «كالذي»؟
الجواب: «أو كالذي» معطوف على {الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} عطفاً على المعنى، الذي يسميه أهل النحو: العطف على التوهم، ومن أمثلته: «فلسنا بالجبال ولا الحديدا»، فتوهم الشاعر خلو المعطوف عليه من الباء، فكان العطف في الآية بناءً على أنه قال في المعطوف عليه: كالذي حاج إبراهيم.
(2) - سؤال: من أين أخذ أن الذي مرَّ على القرية نبي من أنبياء الله؟
الجواب: أخذ ذلك من تكليم الله له.
الآية 260
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} لم يكن إبراهيم _ شاكاً في قدرة الله على إحياء الموتى، وإنما أراد إبراهيم عليه السلام أن يرى بعينه عجيب قدرة الله في إحياء الموتى ليزداد يقيناً إلى يقينه، وذلك أنه إذا اجتمعت رؤية العين مع تصديق القلب تمكن العلم في القلب وصار علماً ضرورياً فاستجاب الله تعالى لنبيه إبراهيم عليه السلام هذا الطلب.
{قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} قال الله: فخذ يا إبراهيم أربعة من الطير واجمعهن إلى طرفك وتأملهن ثم اذبحهن وقطع لحمهن قطعاً قطعاً، وهذا معنى قوله: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ}.
{ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} بعد تقطيعها، {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} ترجع إليك بعد ذلك أحياء كما كانت من قبل، {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 260} واعلم يا إبراهيم أن الله قوي غالب لا يعجزه شيء، وحكيم لا يصدر عنه من الأفعال إلا ما تدعو إليه الحكمة.