القرآن الكريم مع التفسير

سورة يونس

آية
إجمالي الآيات: 109 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} يتكلم الله سبحانه وتعالى عن طبيعة المشركين (1)؛ فأخبرنا أنه إن أعطاهم الخير وأسبغ عليهم النعم بعد أن أصابهم بالشدائد والمصائب نسوا ذلك، وبمجرد أن يرفع الله سبحانه وتعالى عنهم ذلك يبدؤون بالتآمر على دينه، وعلى أنبيائه وآياته، ويتخذون شتى الوسائل لهدمه وإبادته، وأن هذا هو دأبهم دائماً، ولكن كيفما كان مكرهم فمكر الله سبحانه وتعالى فوق مكرهم وسيغلبهم.
{إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ 21} وهم الحفظة الكرام الكاتبون الموكلون بتسجيل (2)أعمال ابن آدم، وسيجازيهم الله سبحانه وتعالى على ما قد سجلته الحفظة من أعمالهم صغيرها وكبيرها، فهذا هو المراد بمكر الله سبحانه وتعالى الذي سيمكره بهم.

__________
(1) -سؤال: من أين نستفيد تخصيصها بالمشركين ولفظ الناس عام؟
الجواب: السياق في المشركين، مع أن آخر الآية يدل على ذلك وهو: {قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} فـ «قل» أمر من الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للناس (المشركين) الذين يُدَبِّرُون الحيل والمكايد لإبطال رسالة الله وآياته: أن قوة الله فوق قوتكم لا تخفى عليه أعمالكم يعلم سرائركم وضمائركم، ورسله تحصي أعمالكم، وسيبطل مكركم وكيدكم و .. إلخ.
(2) -سؤال: وهل التسجيل عندكم حقيقة؟ وما الحكمة في ذلك؟

الجواب: الظاهر في تسجيل الحفظة لأعمال بني آدم أنه حقيقة، والمصلحة والحكمة فيه تعود إلى المكلفين من الناس، بأن المكلف إذا علم أن عنده رقيباً يحفظ أعماله ويحصيها ويكتبها صغيرها وكبيرها حتى الكلمة والنظرة .. احتاط لنفسه وتحرز عن الوقوع في المأثم وإن صغر، ويكون ما سجله الحفظة وثيقة شاهدة على أعمال المكلف إذا أنكر. أما كيفية التوثيق والتسجيل فقد تكون بتسجيل الصوت والصورة، ويدل على ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 24} [النور]، {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 65} [يس]، والله أعلم.
الآية 22
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
📝 التفسير:
{هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} (1) يذكر الله سبحانه وتعالى كفار قريش بأنه الذي منّ عليهم بنعمة التنقل على ظهر البر والبحر، وسخر لهم الإبل والخيل والحمير وما أشبهها في البر، وكذلك نعمة السير بالأرجل، بما جعل فيكم من الصحة والعافية والتمكين، وفي البحر سخر لكم السفن تجري بكم فيه.
{حَتَّى إِذَا (2) كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا (3)بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} يسخر الله سبحانه وتعالى لعباده الريح الطيبة التي تسير بهبوبها السفن، فيرتاح لها ركاب السفن ويفرحون بها، ثم يأتي الله تعالى بريح شديدة تهيج بشدتها الأمواج، هنالك يظن المشركون لشدة ما يرون من الأهوال وأسباب الهلاك أنهم قد وقعوا في الهلكة.
{وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} ظنوا أنهم حينها قد أوشكوا على الهلاك والغرق فعند ذلك: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ففي هذه الحالة نسوا تلك الأصنام التي يعبدونها، ورجعوا إلى الله سبحانه وتعالى يستغيثون به وحده في إنقاذهم والكشف عنهم، وعرفوا أن معبوداتهم تلك لن تنفعهم شيئاً.
وهذه التي جعلتهم كذلك هي الفطرة التي جعلها الله سبحانه وتعالى في عقل كل عاقل، وجعلها حجة واضحة عليهم في معرفته.
{مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} يدعونه وحده دون تلك الآلهة، {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 22} لئن خلصتنا يا ربنا من هذه الكارثة والشدة لنكونن من الشاكرين والمخلصين في عبادتنا لك لا ندعو معك نداً ولا نعبد سواك.

__________
(1) -سؤال: قد تستدل المجبرة بهذه الآية على مذهبهم الشنيع فكيف الرد عليهم؟
الجواب: الله تعالى هو الذي يسير المسافرين في البحر بالسفن والماء والرياح، وفي البر بالخيل والبغال والحمير والجمال، فالسفن تسير بإرادة الله وقدرته ورحمته، والجمال والبغال والحمير تسير كذلك بإرادة الله وقدرته ورحمته، وهذه الآية كآية: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر ... } [الإسراء:70]، وقوله: {أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ 41 وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ 42} [يس]، وبهذا التفسير الواضح يرتفع الإشكال ويعرف الجواب.
(2) -سؤال: ما هو جواب «إذا» الشرطية من هذه الجمل؟
الجواب: جواب «إذا» هو: {جَاءَتْهَا رِيحٌ ... }.
(3) - سؤال: ما السر والنكتة في تغيير الضمائر من المخاطب إلى الغائب في «كنتم» و «بهم» و «فرحوا»؟

الجواب: انتقل من الخطاب إلى الغيبة لمقتهم وتقبيح ما هم عليه لغيرهم، وهذا بالإضافة إلى ما في الالتفات عموماً من تطرية ذهن السامع وتنشيطه وإيقاظه.
الآية 23
فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فلما أنجاهم وأنقذهم من الهلاك والغرق- رجعوا إلى ما كانوا عليه من عبادة الأصنام والشرك (1)، ونسوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله سبحانه وتعالى عليه وهم على ظهر البحر الهائج الذي تتلاطم بهم أمواجه الهادرة.
وهذه التي قصها الله سبحانه وتعالى كانت هي حالة قريش؛ لأنهم كانوا أهل سفر وأهل تجارة، وكانوا يتعرضون لمثل هذه المهالك، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يذكرهم بتلك النعم التي أنعم بها عليهم؛ لعلهم يرجعون.
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أخبرهم الله سبحانه وتعالى بأن طغيانهم في الأرض وعبادتهم للأصنام لن يضر إلا أنفسهم، ووباله لن يكون إلا عليهم، وأنهم لم يبغوا إلا على أنفسهم، وأما هو فلن يضروه شيئاً، ولن يضروا دينه، وسيظهر دينه ولو كره الكافرون، وعلى رغم أنوفهم.
وطغيانهم هذا ليس إلا ذنوباً اكتسبوها، وسيجازيهم عليها في الدنيا بالخزي والذل والهوان، وسيسلط عليهم من يعذبهم، وفي الآخرة عذاب النار وبئس المصير.
وبغيهم هذا إنما هو لأجل إشباع رغباتهم (2) وأهوائهم وشهواتهم، وليمتعوا أنفسهم باللهو والطرب والرقص عند الأصنام، ومخالطة النساء، وشرب الخمر، ولم يعبدوا الأصنام إلا لأجل ذلك.
{ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ} يخاطبهم الله سبحانه وتعالى بأن مرجعهم إليه وسيجازيهم على بغيهم هذا وفسادهم في الأرض.
{فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 23} يطلعهم الله سبحانه وتعالى على أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، ويجازيهم عليها.
__________
(1) -سؤال: هل يصح أن تعمم الآية على كل من نسي الله سبحانه وعصاه بعد أن لطف به وخارجه من المآزق؟
الجواب: الآية خاصة بالمخاطبين من المشركين في الظاهر، ولكن يلحق بهم من عمل مثل عملهم.

(2) -سؤال: يقال: الظاهر أن «متاع» مفعول مطلق حذف عامله، أي: تتمتعون متاع، فكيف؟
الجواب: هو مفعول مطلق كما ذكرتم حذف عامله، والجملة من الفعل المحذوف ومعمولاته مستأنفة في جواب سؤال مقدر ناشئ من قوله: {يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} و {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ ... } اعتراض بين ذلك، والله أعلم.
الآية 24
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ} يصور الله سبحانه وتعالى الحياة الدنيا وقصرها، وسرعة زوالها، وأنها ليست إلا متاعاً وغروراً، وسرعان ما تنتهي وتزول.
شبه الله سبحانه وتعالى حالها تلك بأنها مثل الماء الذي ينزله من السماء إلى الأرض فينبت به الشجر، ويكسوا به الأرض خضرة، ولكن سرعان ما تذهب هذه الخضرة، وتيبس هذه الأشجار، وتذبل وتتفتت؛ فتطيرها الرياح وكأن شيئاً لم يكن.
{حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 24} (1) قص الله سبحانه وتعالى هنا مثلين ذكر أولاً الحياة الدنيا وحالها، ثم أخبر ثانياً بأنه يمتع الكافرين (2)
في الدنيا فيتركهم يتمتعون بزخارفها وزينتها، ويمكنهم على ظهرها بالعمارة والتجارة والصناعة؛ فإذا ظنوا أنها قد انساقت لهم وصلحت من كل ما ينغص عليهم فيها- دمرها الله سبحانه وتعالى عليهم، وأخذهم جهرة في ليلهم أو في نهارهم، يخبر أن هذه هي سنته في الدنيا في كل زمان، وليس بعد الكمال إلا النقصان، قال الشاعر:
..................... ... توقع زوالا إذا قيل تم

فليتنبه كل عاقل لذلك، ولا يغتر أحد بزخرفها وزينتها.

__________
(1) -سؤال: لطفاً ما معنى «حتى» في الآية مفصلاً؟ وما إعراب: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ ... }؟ وما معناها؟
الجواب: معنى «حتى» الغاية، وهي متعلقة بقوله: {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} أي: أن اختلاط الماء بالنبات يكون سبباً لنموه وازدهاره وكثرته إلى أن تصير الأرض مزدهرة في أحسن زينة، و «كأن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وجملة {لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} في محل رفع خبرها. ومعنى: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} كأن لم يكن بها نبات، أو كأن لم يكن بها إنسان.
(2) -سؤال: هل هذه السنة خاصة بالكافرين؟ أم أنها عامة لهم ولغيرهم؟

الجواب: هي موجهة للكافرين وهم المقصودون بها، ومع ذلك فهي عامة صالحة لهم ولغيرهم.
الآية 25
وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
📝 التفسير:
{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي (1) مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 25} فالله سبحانه وتعالى لا يريد إلا سعادتكم وما فيه نجاتكم، وهو يناديكم إلى الجنة التي لا خوف ولا شدة ولا زوال لنعيمها الدائم؛ لأن الإنسان يميل بشهواته إلى الدنيا وملاذها ومتاعها مع أنها دار زوال، وسرعان ما ستنتهي كما قد شبهها الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة، والله سبحانه وتعالى يدعو إلى تلك الدار التي سلمت عن كل ما ينغصها ويذهب بهجتها، ويهدي إليها أولياءه.
__________
(1) - سؤال: هل يمكن أن نقول بأن حذف مفعول العامل الأول «يدعو» مع ذكر مفعول العامل الثاني «يهدي» فيه دليل على أن الهداية خاصة بفريق من عباده وهم المستجيبون له سبحانه أم لا يصح فما فائدة ذلك؟
الجواب: حذف مفعول «يدعو» للتعميم أي: يدعو كل أحد، وذكر مفعول العامل الثاني «يهدي» ليفيد أن الهداية التي بمعنى التوفيق والتنوير خاصة بالمستجيبين لله.
الآية 26
لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
📝 التفسير:
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (2)أخبر الله سبحانه وتعالى بجزاء من أطاعه وامتثل لأوامره بأفضل الثواب وأجزله وأحسنه.
فالذين أحسنوا العمل (3) وطاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته فسيعطيهم الله المثوبة الحسنى وسيزيدهم على ما يستحقونه من عنده بأضعاف مضاعفة، ومن عظيم فضله جعل للإنسان فرصاً وأوقاتاً يكون أجر العمل فيها مضاعفاً رحمة بهم كشهر رمضان وليالي القدر ويوم الجمعة وليلتها والعشر الأول من ذي الحجة وليلة النصف من شعبان و ... إلخ.

__________
(1) - سؤال: هل يمكن أن نقول بأن حذف مفعول العامل الأول «يدعو» مع ذكر مفعول العامل الثاني «يهدي» فيه دليل على أن الهداية خاصة بفريق من عباده وهم المستجيبون له سبحانه أم لا يصح فما فائدة ذلك؟
الجواب: حذف مفعول «يدعو» للتعميم أي: يدعو كل أحد، وذكر مفعول العامل الثاني «يهدي» ليفيد أن الهداية التي بمعنى التوفيق والتنوير خاصة بالمستجيبين لله.
(2) -سؤال: يستدل أهل السنة بروايات كثيرة أن الزيادة هي رؤية المؤمنين لربهم في الجنة فكيف الرد عليهم؟
الجواب: استدلالهم على رؤية الله فاسد:
1 - ... أن رؤية الله تعالى مستحيلة؛ لأنه تعالى ليس من جنس ما يرى، فليس جسماً ولا متصفاً بصفات الأجسام.

2 - ... ما استدلوا به من الروايات مروي عن طرق آحادية وهي -وإن صحت عندهم أسانيدها- لا تفيد العلم، ومسألة الرؤية مسألة علمية.
3 - ... أما الآية هذه {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} فالزيادة مبهمة لا تدل على الرؤية بأي وجه من وجوه الدلالة، فالاستدلال بها مردود.

(3) -سؤال: غالباً ما ينصرف الإحسان في ألفاظ الشرع إلى صنائع المعروف فما وجه حمله على إحسان العمل؟ وهل المراد بإحسانه إتقانه أم عدم فعل السيئات أم ماذا؟
الجواب: حملناه على إحسان العمل لمقابلته بقوله: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ} والمراد بإحسان العمل الإتيان به كما أمر الله.
الآية 27
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} (2) يخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن من عمل معصية فسيجازيه بمثلها {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} يوم القيامة، سيحشرهم ووجوههم مظلمة وعليهم الخزي والذلة.
{مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} (1) وليس لهم من يدفع عنهم العذاب يوم القيامة.
{كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 27} من شدة سوادها كأنها ألبست قطعة من سواد الليل.

__________

(2) -سؤال: هل قوله: {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} جملة في محل رفع خبر المبتدأ فأين الرابط فيها؟ أم لا فما إعرابها؟
الجواب: الجملة في محل رفع خبر، والرابط محذوف والتقدير: جزاء سيئة منهم، على حد: السمن منوان بدرهم، وهذا الإعراب أحد وجوه الإعرابات في هذه الآية.

(1) - سؤال: هل في الآية دليل على خلود أهل المعاصي في النار وعدم الشفاعة لهم؟
الجواب: الآية دليل على خلود أهل المعاصي في جهنم سواء أكانوا كافرين أم فاسقين، وسواء أكانت المعاصي كفراً أم فسقاً، فالاسم الموصول والسيئات كلمتان عامتان وقوله: {مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} قاطعة لطمع الطامعين في الخلاص من عذاب جهنم الخالد بشفاعة أو غيرها.
الآية 28
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ} (2) عندما يحشر الله سبحانه وتعالى المشركين يوم القيامة سوف يأمرهم بالوقوف في أماكنهم للمساءلة والحساب.
{فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} ثم يفرق الله سبحانه وتعالى بينهم وبين آلهتهم.
{وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ 28} أنكرت الآلهة التي عبدوها من دون الله أن هؤلاء كانوا يعبدونها كالمسيح والملائكة وغيرهم مما عُبِدَ من دون الله عز وجل.
__________

(2) -سؤال: يقال: ما فائدة إيقاف شركائهم معهم؟ وما إعراب: {مَكَانَكُمْ}؟
الجواب: الفائدة في ذلك هي: إظهار بطلان دينهم ظهوراً مكشوفاً لهم ولأهل الموقف، وإظهار أن الله تعالى يدخلهم النار بحق وأنهم يستحقون عذاب جهنم، وقوله: {مَكَانَكُمْ} مفعول به منصوب بفعل محذوف تقديره: الزموا مكانكم.
الآية 29
فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ
📝 التفسير:
{فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ 29} (3)
فلم نكن نفكر في عبادتكم لنا، ولم نأمركم بعبادتنا، وكفى بالله سبحانه وتعالى على ذلك شاهداً.

__________

(3) -سؤال: ما إعراب: {إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ 29}؟

الجواب: «إن» هي المخففة من الثقيلة أي: أنها للتأكيد مثل الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن، والجملة التي بعدها في محل رفع خبرها، واللام هي الفارقة.
الآية 30
هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
📝 التفسير:
{هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} في ذلك الموقف في أرض المحشر سوف ترى (1) كل نفس ما أسلفت من عمل في الدنيا، صغير أعمالها وكبيرها، ظاهرها وخفيها.
{وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ (2) الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ 30} رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى في يوم القيامة، وهو الذي سيحاسبهم على أعمالهم وسيجازيهم عليها، فهذا الذي سوف يكون مرجعهم إليه هو إلههم الحق دون تلك الآلهة التي كانوا يعبدونها فقد ضاعت عنهم يوم القيامة.
__________
(1) -سؤال: يقال: إذا كان {تَبْلُو} من الإبلاء أو البلوى فمعناها الاختبار والامتحان، فمن أين نعرف أنها بمعنى ترى؟ وضحوا ذلك فالحاجة إليه ماسة؟
الجواب: لما كان الابتلاء سبباً لحدوث العلم صح إطلاقه على العلم على طريق المجاز المرسل.
(2) -سؤال: ما إعراب: {مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ}؟
الجواب: «مولاهم» نعت للفظ الجلالة، وكذلك «الحق» فهو نعت للفظ الجلالة، أو يكون «مولاهم» بدلاً من لفظ الجلالة، و «الحق» نعت له.
الآية 31
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يسأل المشركين: من هو الذي ينزل عليكم بركات السماء من المطر، ويخرج لكم خيرات الأرض؟
{أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} (3) وأن يسألهم أيضا: من الذي خلق أسماعهم وأبصارهم؟ ومن هو مالكها؟
{وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} ومن هو الذي يخرج من النطفة إنساناً سوياً ويخرج من الدجاجة البيضة، ومن يدير
{فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} سوف يعترفون لك يا محمد بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده كل ذلك، ولن يجدوا بُدّاً من هذا الاعتراف، وحقاً اعترفوا بكل ذلك.
{فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ 31} فقل لهم يا محمد: فلماذا لا تتقونه وتطيعونه وتعبدونه، وتتركون هذه الأصنام والآلهة التي تعبدونها؟
أمر السماوات والأرض ويدبر شؤونهما؟
__________

(3) -سؤال: ما معنى «أم» في قوله: {أَمَّنْ}؟
الجواب: معناها معنى «بل» أي: بل من يملك.
الآية 32
فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
📝 التفسير:
{فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ} (1) فما دمتم معترفين أن الله تعالى هو وحده الذي ينزل الماء من السماء ويخرج به أرزاقكم، وأنه الذي جعل لكم السمع والأبصار وأنه الذي يحيي ويميت، وأنه الذي يدبر ملكوت السماوات والأرض فما بالكم لا تخصونه بالعبادة والطاعة فهو الذي يستحق الإلهية والربوبية- فينبغي أن تتوجهوا بعبادتكم إليه، وتنقادوا وتستسلموا له لو كانت لكم عقول.
{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ 32} (2) فكيف تصرفون عن عبادة الإله الحق الذي بيده خلقكم ورزقكم وحياتكم وموتكم، وتذهبون إلى تلك الأصنام التي لا تضر ولا تنفع؟ وما هو الذي صرفكم إليها؟
__________
(1) -سؤال: هل هذه أخبار أم صفات؟
الجواب: هي أخبار للمبتدأ متعددة.
(2) -سؤال: فضلاً لو أعربتم هذه الجملة؟
الجواب: «ماذا» اسم استفهام أي أن ما وذا للاستفهام بعد التركيب، وهو في محل رفع مبتدأ وخبره {بَعْدَ الْحَقِّ} وهو متعلق بمحذوف تقديره: كائن بعد الحق، ومعنى الاستفهام النفي، والضلال مستثنى من المبتدأ، وأعرب بدلاً منه أي من المبتدأ كأنه قال: لا شيء بعد الضلال إلا الحق.
الآية 33
كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 33} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن كلمته قد صدقت فيهم، وهي أنهم لن يؤمنوا أبداً فلا تطمع في إيمانهم يا محمد، ولا تتوقع منهم ذلك أبداً، ولا تتعب نفسك في ملاحقتهم، فقد سبق في علم الله سبحانه وتعالى أنهم لن يؤمنوا (1).
فقد بلّغتهم الحجة وهذا هو الذي عليك، ولست مكلفاً بإدخالهم في الهدى مكرهين.
__________
(1) -سؤال: إذاً فما الجواب على من يستدل بها على قضاء الفسق عليهم ما دام أنها قد صدقت فيهم كلمة الله؟ وما إعراب: {أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 33}؟
الجواب: {أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ 33} بدل من: {كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي: وقع ما علمه الله وهو أنهم لا يؤمنون، وعلم الله سابق غير سائق أي أنهم تمردوا عن الإيمان بالله ورسوله وبالقرآن الكريم. والسبب في فسقهم وكفرهم هو من عند أنفسهم لا من عند الله، وقد زيف الرازي وهو رأس متكلمي المجبرة والقدرية ورئيسهم الاستدلال بعلم الله على القضاء والقدر والجبر واستدل على ذلك بما يلزم من أن يكون الله جل وعلا غير مختار في أفعاله.
الآية 34
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} يعلِّم الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم كيف يحاجج المشركين ويجادلهم، فأمره أن يسألهم: هل في هذه الأصنام التي تعبدونها من قد ابتدأ خلق شيء من العدم؟ وهل فيها من يستطيع أن يعيد خلق هذا الشيء مرة أخرى؟ وهل فيها من يقدر على ذلك؟ فسيجيبونه حتماً بالنفي.
{قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} ولن يجدوا جواباً إلا أن يعترفوا لله سبحانه وتعالى بأنه الذي ابتدأ ذلك الخلق، وهو قادر على إعادته حتماً (2).
{فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ 34} فكيف تعترفون بذلك لله سبحانه وتعالى، ثم تصرفون عن عبادته إلى عبادة الأصنام؟ وما هو الذي صرفكم؟
__________

(2) -سؤال: قد يقال: كيف يعترف مثلاً الطبائعية والملحدون بأن من يبدأ الخلق ثم يعيده هو الله سبحانه لا غيره؟

الجواب: الخطاب هو موجه إلى المشركين المعترفين بالله مع شركهم وعبادتهم لغير الله، وهم معترفون مقرون بأن الله تعالى هو الذي ابتدأ الخلق، ولو أنهم نبذوا الكبر والحسد لاعترفوا.
الآية 35
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} ولن يجدوا بداً من أن يجيبوه بالنفي.
{قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ} فإذا أجابوك بالنفي يا محمد فأخبرهم بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي إلى الحق، ويبينه للناس ويدلهم إليه ويفصله لهم دون الشركاء الذين يعبدهم المشركون.
{أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى} اسألهم من الذي هو أحق بالاتباع: أذلك الذي يهدي للحق أم الذي لا يهتدي إليه إلا إذا هداه هادٍ إلى طريق الهدى والصواب؟ كالمسيح عندما كانوا يدعون له الربوبية، والحقيقة أنه لم يهتد بنفسه، وإنما احتاج إلى من يهديه (1).
{فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ 35} ما بالكم تميلون إلى ذلك الذي لا يهدي للحق؟
__________
(1) -سؤال: يقال: كيف استدل بها أصحابنا على اشتراط الأعلمية في الإمام الأعظم وعلى التسليم لأعلم الناس وأنه أولى من غيره بذلك، مع أنهم جميعاً محتاجون إلى هداية غيرهم؟
الجواب: رجحان اتباع العالم بطريق الهدى على غير العالم بها بل لزوم اتباعه قضية عقلية مقررة في العقول؛ لذلك قال في آخر الآية: {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ 35} فمن هنا وعلى مقتضى حكم العقل يكون الأعلم في زمانه بطريق الهدى أحق بالاتباع ممن هو دونه في الأعلمية، فلا يجوز العدول عن الأعلم إلى من هو دونه في ذلك، وهذا حكم عقلي مقرر في فطر العقول، ألا ترى أن كل عاقل يختار بفطرة عقله التداوي عند من يرى أنه أبصر الأطباء، ولا يعدل إلى غيره إلا لمانع.
الآية 36
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} فهم بعبادتهم هذه الآلهة لا يستندون إلى دليل قاطع على استحقاقها الإلهية والعبادة، وإنما يتبعون أوهاماً في قلوبهم، وظنهم هذا لا يكفي، ولا يغنيهم عن الحق شيئاً.
{إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ 36} فهو مطلع على نياتهم وعالم بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء.
الآية 37
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ
📝 التفسير:
{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ} (1) وما ينبغي أن يكون هذا القرآن قد جاء به شخص من عند نفسه، وذلك لبلاغته الفائقة قوى البشر، ودقته وتناسق معانيه، وسلامتُهُ من التناقض والاختلاف يدل على أنه فوق قدرة البشر ولن يستطيع أحد أن يأتي بمثله، إذاً فلم يبق إلا أنه كلام الله سبحانه وتعالى.
كان المشركون واليهود يتهمون محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كذاب، وأن القرآن الذي جاء به ليس إلا سحراً وكلاماً مفتراً، فرد الله سبحانه وتعالى عليهم بهذا الجواب.
{وَلَكِنْ تَصْدِيقَ (2) الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ (3)}ولكنه كتاب حق مصدق لما سبقه من الكتب السماوية وهي التوراة والإنجيل، وهذا هو تفسير «الذي بين يديه» وأن المراد به هو أقرب شيء نزل قبله من الكتب، ومفصلاً للأحكام والشرائع.
{لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ 37} (4) ولا يدخله الريب والشك، ولن يتطرق إليه أبداً.
ثم ذكر بعد ذلك أن هذا الكلام من كلام رب العالمين ليزيد من تأكيد عدم صحة دخول الريب فيه، فما دام من كلامه فكيف يصح أن يدخله الريب والشك ويتطرق إليه.

__________
(1) -سؤال: كيف جاز أن يخبر بالمعنى: {أَنْ يُفْتَرَى} عن الذات: {هَذَا الْقُرْآنُ}؟
الجواب: القرآن هو حديث -أي: كلام- بدليل: {نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} [الزمر:23]، والحديث معنى (مصدر) لذلك صح الإخبار بالمعنى عن المعنى.
(2) -سؤال: ما إعراب: {تَصْدِيقَ}؟
الجواب: يعرب خبراً لكان محذوفة مع اسمها أي: ولكن كان تصديق الذي بين يديه.
(3) - سؤال: يقال: كيف صح أن يضيف التفصيل إلى الكتاب، والكتاب هو التفصيل فلا يضاف التفصيل إلى نفسه؟

الجواب: المراد بتفصيل الكتاب: تفصيل الحق المكتوب الذي أنزله الله، بدليل قوله تعالى في آية: {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} [يوسف:111]، تفصيل الإيمان والإسلام وشرائع الحلال والحرام، وكل ما يحتاج إليه من الأحكام.

(4) -سؤال: من فضلكم ما إعراب قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ 37}؟
الجواب: {لَا رَيْبَ فِيهِ} في محل نصب حال، و {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ 37} جار ومجرور متعلق بمحذوف حال أيضاً أي: كائناً من رب العالمين، وصاحب الحال هو الكتاب.
الآية 38
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
📝 التفسير:
{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} (2) كان المشركون يقولون: إن القرآن ليس من كلام رب العالمين، وإنما هو كلام قد افتراه واختلقه محمد من تلقاء نفسه.
{قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 38} إذا كنتم تدعون أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد افتراه من عند نفسه فهاتوا سورة من مثل ما جاء به واستعينوا بمن أردتم من الجن والإنس.
تحداهم الله سبحانه وتعالى بذلك إن كانوا صادقين فيما يزعمون، مع أنهم أرباب الفصاحة والبلاغة والسباقون في ميادينها، وكانت البلاغة في ذلك العصر قد بلغت غايتها، وراجت رواجاً عظيماً في ذلك الوقت حتى صارت تجارة أسواقهم وميدان سباقهم، وصارت الشعراء تجتمع في الأسواق يتبارون فيها، تشهد بقوة بلاغتهم المعلقات السبع التي علقوها في أستار الكعبة، وهي سبع قصائد كانوا قد انتقوها لأشعر شعرائهم، ولكن عندما نزل القرآن وسمعوه استحقروها واستصغروها وأصابهم الخجل من أنفسهم فأزالوها عند ذلك.
وكان كبار قريش كأبي سفيان والوليد بن المغيرة وغيرهم يذهبون خفية لسماع القرآن لما فيه من الحلاوة واللذة والطرب لأنفسهم.
وعندما اجتمعوا ليتشاوروا في كيفية الطعن فيه قال الوليد بن المغيرة في شأنه: كيف يكون لنا مدخل في الطعن عليه؛ والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وأعلاه لمورق، وإنه يعلو ولا يعلا عليه، ووالله إن هذا الكلام ليس من كلام البشر، وإنه لكلام خالق القوى والقُدَر، ولكن أقرب ما نستطيع أن نقول فيه: إنه سحر يؤثر، أي: قويٌّ ونَفَّاذٌ، تقادمَ عهدُه (1).
وكان من سمعه آمن به، وبأنه من عند الله لمعرفتهم بالبلاغة والفصاحة، وتأثيره ذلك مما يدل على قوة إعجازه، ولولا أن قريشاً كانت تقف حائلة بين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين الناس، وتمنع من أتى إلى مكة حاجاً أو معتمراً، وتحذر الناس من الاستماع له، وتتخذ شتى الوسائل للحيلولة بينه وبينهم- لكثر المؤمنون ذلك الوقت.
فكانت قريش تحذر منه حتى أن من دخل مكة صار يتحاشى لقاء محمد أو رؤيته خوفاً على نفسه من سحره، وأما من لم ينتبه لنفسه إلا وقد سمعه فإنه يؤمن بمجرد أن يسمعه لفصاحته وبلاغته الخارقة لقوى البشر.

__________

(2) -سؤال: ما معنى «أم» في الآية؟
الجواب: «أم» بمعنى بل والهمزة، والتقدير: بل أيقولون افتراه.

(1) -سؤال: من أين نفهم أنهم قوي ونفَّاذ من قولهم: «سحر يؤثر»؟
الجواب: قولنا: إنه قوي ونفاذ مأخوذ من تنكير «سحر» في قولهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ 24} [المدثر]، فقد أرادوا أنه سحر عظيم في تأثيره ونفوذه.
الآية 39
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} (2)والسبب في عدم إيمانهم به هو تكذيبهم بما أنزل فيه من الأمور الغيبية كالقيامة والبعث والجزاء والحساب وتكذيبهم بالوعيد الذي توعدهم به الله سبحانه وتعالى على أعمالهم التي يعملونها، وكان ذلك مما زادهم استكباراً وعتواً وعناداً.
{كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وهم أمم الأنبياء الذين كانوا قبلهم.
{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ 39} انظروا أيها المشركون في عاقبة أولئك عندما كذبوا أنبياءهم كيف عذبهم الله سبحانه وتعالى؛ فاعتبروا بهم.

__________

(2) -سؤال: هل يصح أن يحمل: {بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} على القرآن وحده أم لا؟ ولماذا؟ وما معنى عدم إتيان التأويل؟

الجواب: قوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} هو مثل قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ 53} [المدثر]، في بيان السبب الداعي لهم إلى الكفر بآيات الله وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وبالقرآن، ولو أنهم كانوا مصدقين باليوم الآخر وما فيه من الثواب والعقاب لما كفروا بالقرآن وبدين الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم . ومعنى عدم إتيان التأويل: هو أنها لم تأت الأمور التي تحدث عنها القرآن وأخبر بوقوعها، أي: لم يأت ما تؤول إليه أخبار القرآن التي أخبر بوقوعها في المستقبل من الجزاء والحساب والثواب والعقاب و ... إلخ، ومن شأن العاقل إذا سمع من صادق معروف بالثقة والأمانة والعدالة تحذيراً من أمر مخوف على وشك الوقوع بالسامع وغيره أن يأخذ حذره عندما يسمع الخبر ويستعد لنزوله لا أن يكذبه مباشرة عند سماعه من غير نظر ولا تفكير.
الآية 40
وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
📝 التفسير:
{وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ 40} أخبر الله سبحانه وتعالى أن بعض قريش قد آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به، وبعضهم على العكس.
وقوله: «وربك أعلم بالمفسدين» فيه تهديد لهم بأنه مطلع على أعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيجازيهم عليها.