القرآن الكريم مع التفسير

سورة النحل

آية
إجمالي الآيات: 128 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
📝 التفسير:
{أَمْوَاتٌ (3)غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ 21} وأن الأصنام التي يعبدونها من دونه ليست إلا مواتاً (1) وجمادات لا تعلم شيئاً عن البعث والحساب والجزاء؛ فكيف يعبدونها وهذا حالها؟

__________

(3) -سؤال: ما إعراب {أَمْوَاتٌ}؟

الجواب: «أموات» خبر لمبتدأ محذوف أي: هم أموات.

(1) - سؤال: هل يصح أن نحمل {أَمْوَاتٌ} على المشركين دون الأصنام؟
الجواب: يصح أن يفسر «أموات» بالأصنام وبالمشركين إلا أن السياق هو في الأرباب التي تعبد من دون الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
الآية 22
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
📝 التفسير:
{إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ثم أخبرهم أن تلك التي يعبدونها ليست شيئاً فلا إله إلا إله واحد وهو الله رب العالمين.
{فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ 22} ولكن أولئك الذين لا يصدقون بالبعث والجزاء ينكرون الله رب العالمين استكباراً منهم عن الاعتراف بالحق، ومع معرفتهم بالله تعالى فهم متمسكون بدين آبائهم، ومصرون على عبادة أصنامهم.
الآية 23
لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
📝 التفسير:
{لَا جَرَمَ (2) أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ 23} يؤكد الله سبحانه وتعالى أنه مطلع على أعمالهم سرها وعلانيتها وسيجازيهم عليها، وأخبر أنه لا يثيب المستكبرين عن عبادته، ولا يدخلهم في رحمته؛ لأنه لا ينال رحمته إلا المتواضعون لعظمته، والمنقادون لأوامره بالسمع والطاعة والامتثال.
__________

(2) - سؤال: ما معنى: {لَا جَرَمَ}؟ وما أصل استعمالها؟ وما إعرابها مع ما بعدها؟
الجواب: معنى {لَا جَرَمَ} حق أو ثبت أو حقاً، وأصل استعمالها أنها مركبة من كلمتين هما «لا» النافية للجنس و «جرم»: اسم مبني على الفتح، فاستعملت بعد التركيب لمعنى حق أو ثبت أو حقاً، و {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ} مؤول بمصدر فاعل «لا جرم». هذا قول سيبويه والخليل، وهناك أقوال أخرى لأئمة النحو.
الآية 24
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ (1) الْأَوَّلِينَ 24} أخبر الله سبحانه وتعالى أن المشركين إذا سألهم سائل: ماذا أنزل ربكم على محمد؟ فإنهم سيجيبون بأنه لم يأت إلا بخرافات من قصص الأولين وحكاياتهم.
__________
(1) -سؤال: ما الوجه في الرفع مع أن المناسب للسؤال هو النصب على المفعولية؟
الجواب: في «ماذا» وجهان من الإعراب:
- أحدهما: أن تكون كلها في محل نصب مفعول به.
- الثاني: أن تكون مبتدأ وخبراً، وعلى هذا الوجه فالمناسب الرفع في الجواب: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ 24}، فمن هنا يجوز في الجواب الرفع والنصب.
الآية 25
لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ
📝 التفسير:
{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ 25} (2) ثم أخبر بأن هؤلاء المشركين سوف يتحملون وزر ذنوبهم التي اقترفوها، بالإضافة إلى مثل ذنوب الذين أضلوهم وأغووهم، لتسببهم في إضلالهم وإغوائهم من غير نقص من ذنوب الأتباع.
وذلك أن كبار المشركين وزعماءهم هم الذين كانوا يتصدون للدعوة، ويقفون في وجهها، وأما بقية القوم فكانوا تبعاً لما قالوا.
__________

(2) -سؤال: فضلاً ما إعراب: {أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ 25}؟ وما معناها؟
الجواب: «ألا» للاستفتاح والتنبيه، و «ساء» فعل ذم، و «ما» نكرة تامة في محل نصب على التمييز، وفاعل ساء محذوف أي: الوزر، أو اسم موصول في محل رفع فاعل. و «يزرون» صفة على الأول في محل نصب، وصلة على الثاني فلا محل لها من الإعراب.
الآية 26
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
📝 التفسير:
{قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين أن المكذبين من الأمم السابقة قد فعلت مع أنبيائها مثل ما فعلت قريش معه من مكرهم بالدين وتكذيبهم واستهزائهم.
{فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ 26} جزاءً على تكذيبهم ذلك واستهزائهم عذبهم الله سبحانه وتعالى بأن خَرَّبَ بيوتهم فوقهم، وقد قيل إنه النمرود ومن معه من وزرائه وأشراف مملكته هم الذين تهدم عليهم بنيانهم، وقد يكون المراد بذلك أن الله سبحانه وتعالى قد أخذهم بعذابه من المكان الذي يأمنون فيه، ويحسون بالأمان في جانبه، ولم يشعروا إلا بنزوله عليهم من حيث لا يتوقعون.
الآية 27
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ} ومع تعذيبهم في الدنيا فلا زال ينتظرهم عذاب يوم القيامة وهو أشد وأطم.
{وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ} أخبر الله سبحانه وتعالى أيضاً بأنه في يوم القيامة سيخاطبهم وسيسألهم: أين هؤلاء الشركاء الذين كنتم تعبدونهم وتعادونني بسببهم؟ وذلك لأنهم بعبادتها كانوا يعادون الله سبحانه وتعالى، يقول الله لهم ذلك يوم القيامة ليزيدهم حسرة وندماً إلى حسرتهم وندمهم.
{قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ 27} (1)وأنه سيجيب على سؤاله هذا أهل العلم من أنبيائه وغيرهم بأن الخزي هذا اليوم والعذاب على الكافرين.
__________
(1) -سؤال: قد يقال بأنه يؤخذ من الحصر في الآية أن الخزي مختص بالكافرين وأنه لا خزي على الفساق فكيف يجاب على ذلك؟
الجواب: يمكن الجواب بعدة أجوبة:
1 - ... أن دلالة هذه الآية على ما ذكرتم من دلالة المفهوم، وقد دلت الدلالة القرآنية الصريحة بعذاب غير الكفار وتخليدهم في نار جهنم كالقاتل والزاني والعائد في الربا و .. إلخ، ومن شروط العمل بدلالة المفهوم أن لا تعارضها دلالة المنطوق.
2 - ... أن فساق هذه الأمة في الحقيقة والواقع هم من جنس الكافرين بدليل الحديث المشهور: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا ... إلخ)).

3 - ... أن يكون المعنى في هذه الآية أن الخزي الكامل المتناهي خاص بالكافرين، أما فساق هذه الأمة فإن خزيهم دون خزي الكافرين.
الآية 28
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ثم وصف الكافرين بأنهم هم الذين يموتون وهم مصرون على معاصيهم غير تائبين منها.
{فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} (1) وهم هؤلاء الكفار سيستسلمون يوم القيامة وقت رؤيتهم لمصيرهم، وسينقادون حينئذ لله سبحانه وتعالى، ويظهرون إيمانهم، وينكرون أنهم كانوا يعملون المعاصي في الدنيا، وذلك بعد أن كانوا في الدنيا يصرحون بعداوتهم لله ورسوله، ويظهرون حربهم للإسلام وأهله ويتحدون الله سبحانه وتعالى ورسوله بعنادهم وتمردهم، ثم يجيبهم الله سبحانه وتعالى بقوله: {بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 28} من المعاصي والشرك لم يخفَ عليه من أعمالكم شيء.
__________
(1) -سؤال: ما محل جملة: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} الإعرابي؟ ...
الجواب: محلها النصب مقول قول محذوف أي: قائلين ما كنا ...
الآية 29
فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ
📝 التفسير:
{فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ 29} جزاءً على أعمالكم فهي مثواكم ومستقركم خالدين فيها أبداً، والمتكبر هو الذي يرفض أوامر الله سبحانه وتعالى، ولا ينقاد لما أمره أو نهاه عنه، ولو كان يمشي في الدنيا على وجهه من شدة التواضع، فما دام غير مستجيب لله تعالى ويجعل أوامر ربه تحت قدميه فهو متكبر.
الآية 30
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا} (2) وأما المتقون فإذا سألهم السائل: ماذا أنزل الله تعالى؟ فإنهم سيجيبون بأنه قد أنزل الخير والهدى.
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن الذين أطاعوه وعملوا الأعمال الصالحة سيكون ثوابهم الجنة، وقد يكون المراد بالحسنة هو ما يعطيهم في الدنيا من الخير، وقد يكون هذا من كلام المتقين جواباً لمن سألهم: ماذا أنزل ربكم؟
{وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ 30 جَنَّاتُ عَدْنٍ}
__________

(2) -سؤال: هل لتنكير {خَيْرًا} فائدة؟ فما هي؟
الجواب: فائدته التعظيم، وقد يدل على ذلك قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 58} [يونس].
الآية 31
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
جَنَّاتُ عَدْنٍ} ومع ثواب الدنيا سينالون ثواب الآخرة في النعيم الدائم في الجنة، والعدن: المراد بها النعيم الذي لا ينقطع.
{يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} وأخبر عن هذه الجنة بأنها بساتين تجري فيها الأنهار، وأخبرهم أيضا أن لهم فيها كل ما يشاؤونه ويتمنونه من أصناف النعيم.
{كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ 31 الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ}
الآية 32
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ} فهي للذين يتقون الله سبحانه وتعالى، ويتقون معاصيه وسخطه وغضبه- جزاءً على تقواهم وصبرهم على طاعته وطلب رضوانه، ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن صفة هؤلاء المتقين بأنهم الذين تتوفاهم الملائكة ويموتون وهم على طاعته، ومنقادون لأوامره ونواهيه.
{يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 32} وأن الملائكة تسلم على هؤلاء، وتبشرهم بدخول الجنة من ساعة موتهم، وتطمئنهم وتؤمنهم من الخوف والحزن، وكذلك في ساعة حشرهم.
وقد قيل: إن أسعد لحظات تمر على المؤمن في حياته على الدنيا هي ساعة موته، عندما تبشره الملائكة بالفوز بالنعيم الدائم في جنات النعيم، فيكون في فرح وسرور من تلك اللحظة، ولا يمسه حزن بعدها أبداً، حتى أنه من فرحه ذلك ينسى حزنه على فراق أهله وأحبته، ولو أنه كان يستطيع الكلام لأخبرهم بما يراه ويشاهده (1).
__________
(1) -سؤال: يقال: هل يعارض هذا ما روي من التشديد على الأخيار في سكرات الموت وآلامه ووجعه؟ أم أنه يجمع بين الأمرين فكيف يجمع بينهما؟

الجواب: لا منافاة بين الأمرين فالبشرى التي يتلقاها المؤمن بشرى عظيمة هي الفوز برضوان الله ومغفرته وثوابه وجنة عرضها السماوات والأرض و .. إلخ، ومع ذلك فإن المحتضر المتلقي للبشرى موقن بأعواض مضاعفة على ما يجد من الألم فلا تتنغص عليه سعادته وفرحته وطمأنينته، ألا ترى أن المريض الذي يرجو الشفاء من مرضه المؤلم بكية نار أو بمجارحة أو بشرب الدواء المر الكريه أو بشرطة الحجام أو بضرب الإبر فإنه لا يبالي بما يلحقه من الألم لما يرجوه من العافية.
الآية 33
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
📝 التفسير:
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} ثم أخبر الله عن حال أولئك المكذبين، وأنه قد انقطع الرجاء في إيمانهم، واستحقوا العذاب، ولم يبق إلا أن تأتيهم الملائكة بعذابه.
{أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} وهو عذابه.
{كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن حال قريش كحال المكذبين السابقين، وسيلحقهم من العذاب مثل ما لحق أولئك جزاءً على تكذيبهم لأنبيائهم.
{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 33} فهم الذين جنوا على أنفسهم بتكذيبهم وتمردهم، وتسببوا في هلاكها.
الآية 34
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
📝 التفسير:
{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} وأن ما لحقهم من العذاب فهو جزاء على ما عملوا من الأعمال السيئة.
{وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ 34} أحاط بهم جزاء ذلك العمل وهو استهزاؤهم بعذابه، وتكذيبهم به.
الآية 35
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
📝 التفسير:
{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ 35} عندما احتج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المشركين، وعلى بطلان آلهتهم التي يعبدونها، وأنه لا يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى وحده، فحينئذ احتج المشركون وزعموا أنهم على حق، واستدلوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أراد لهم عبادة الأصنام، وأنه لو شاء أن يمنعهم لمنعهم فهو قادر على ذلك، وما دام لم يمنعهم وهو قادر على ذلك فهو دليل على أنه قد شاء لهم عبادة الأصنام، فهم لذلك على الحق في زعمهم، وكذلك ما حرَّموه من تلقاء أنفسهم فقد زعموا أن الله سبحانه وتعالى لو شاء أن يمنعهم عن التحريم لمنعهم، ولكن لما لم يكن ذلك فهو دليل على أنه قد أراد ذلك وشاءه.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن المشركين ممن كانوا قبلهم قد احتجوا بنفس احتجاجهم، وأنهم على نفس طريقتهم، وأنه قد أرسل لهم رسله ليبلغوهم أمور دينهم، ويخبروهم ببطلان آلهتهم ودينهم، وأن هذا هو الواجب عليهم تجاه أممهم؛ فليس عليهم أن يدخلوهم في الهدى والدين كرهاً، ويلجئوهم إليه؛ فما على الرسول إلا البلاغ، وقد شنع الله عليهم حين احتجوا بمشيئة الله وتعللوا بها، وذمهم على ذلك.
الآية 36
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا} ثم أخبر سبحانه وتعالى بأنه قد تابع فيهم حججه، وقد بعث في كل أمة رسولاً لينذرهم ويحذرهم، ويدعوهم إلى عبادة الله، واجتناب عبادة الطاغوت.
{أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} فكل نبي أرسله الله تعالى فإنه يأمر أمته بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يجتنبوا عبادة الطاغوت، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأنه إذا علم بحال الأنبياء قبله مع أممهم هانت عليه مصيبته.
والمراد بالطاغوت: هو كل ما عبد من دون الله قال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا} [الزمر:17].
{فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} وأخبره بأنه قد اهتدى منهم القليل (1)، وأما البقية فقد استحقوا العذاب والهلاك لعنادهم وكفرهم وتمردهم.
{فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ 36} (2) أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأمر المشركين بأن يسيروا في الأرض لينظروا ماذا حل بتلك الأمم المكذبة؛ لأن آثارهم كانت باقية، ولأنهم كانوا أهل سفر وتجارة، وكانت آثار المكذبين في طريق أسفارهم يرونها ويشاهدونها، كأصحاب لوط والأيكة وديار ثمود، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يذكرهم لينظروا ويتدبروا ويتفكروا فيما حل بهم.

__________
(1) -سؤال: يقال: ما وجه نسبة الهداية إلى الباري؟ وكيف نجيب على من قال: في هذه الآية ما يدل على أن الضلالة من قِبَل الله؟
الجواب: الوجه في نسبة الهداية إلى الله هو أنه تعالى جعل للمستجيبين لدعوة رسله ألطافاً وتوفيقاً وتنويراً، وأما الضلالة فنسبتها إلى الله تعالى من حيث إنه تعالى منع المعرضين عن دعوة رسله ¢ من ألطافه وتوفيقه وتنويره فتوغلوا لذلك في الضلال وتاهوا فيه.

(2) -سؤال: يا حبذا لو أُعْرِبَتْ هذه الآية: {فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ 36}؟
الجواب: «فانظروا» فعل أمر وفاعله، والفعل هذا معلق عن العمل لأن المراد بالنظر نظر الاعتبار لا نظر العين. «كيف» اسم استفهام منصوب المحل خبر لكان مقدم والمراد بالاستفهام التهويل والتعظيم، و «عاقبة المكذبين» اسم كان وهو مضاف إلى ما بعده.
الآية 37
إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ
📝 التفسير:
{إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} (2)كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً أشد الحرص على إيمان قومه، ودخولهم في الهدى، وقد كاد أن يهلك نفسه من الأسى والحزن على عدم استجابتهم- رحمة بهم، وشفقة عليهم من العذاب الذي ينتظرهم، فأخبره الله سبحانه وتعالى أنه مهما حرص على هداهم فلن يهتدوا أبداً؛ لأنهم قد استحقوا الضلال والهلاك، وليسوا من أهل الهدى، لأنه لا يهتدي إلا من كان من أهل الهدى، واختار طريق الهدى، وما دام ذلك الشخص قد اختار طريق الضلال فلا يصح (1) أن يهديه الله سبحانه وتعالى؛ لأن ذلك سيكون خلاف ما تقتضيه الحكمة والمصلحة؛ لأن حكمته اقتضت أن يوكل كل امرئ إلى اختياره ومشيئته فمن اختار الضلالة حرمه الله الألطاف والتوفيق.
{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ 37} وما داموا قد استحقوا الضلال والهلاك فلن يجدوا من ينصرهم أو يدفع عنهم عذاب الله وسخطه.

__________

(2) -سؤال: قراءة قالون عن نافع: {فإن الله لا يُهْدَى من يضل} بضم الياء وفتح الدال من «يهدى» فكيف يكون معناها؟ وأي القراءتين أقرب موافقة للدليل العقلي؟

الجواب: المعنى على قراءة قالون: إن كنت حريصاً يا محمد على هدى قريش وترجو من الله أن يفعل ذلك وترغب إلى الله فيه فإن الله تعالى عليم حكيم وأفعاله كلها مبنية على العلم والحكمة فلا يحتاج إلى من يعلمه ويهديه إلى فعل ما تدعو إليه الحكمة ويقضي به العدل والرحمة، فلا ترجُوَنّ أيها الإنسان أو يا محمد من الله تعالى أن يفعل من أجلكم خلاف ما قضاه الله وحكم به فهو العليم الحكيم. وقراءة حفص في معناها كقراءة نافع، فمعناها: إن تحرص على هداهم وترجو من الله أن يفعل ذلك فإن الله تعالى عليم حكيم لا يهدي من حكم وقضى بضلاله ولا يفعل خلاف ما تقضي به الحكمة.
الآية 38
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ (2) لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} وهؤلاء هم المشركون كانوا ينكرون أشد الإنكار البعث بعد الموت، ويحلفون على ذلك أغلظ الأيمان.
{بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ (3)حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ 38} أجاب الله سبحانه وتعالى عليهم بأنه سيبعثهم، وأكد على بعثهم بعد الموت، وأوجب ذلك على نفسه، ولكن على الرغم من كل ذلك فأكثر الناس لا زالوا ينكرونه تكبراً على الله سبحانه وتعالى، وعلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم .

__________

(2) - سؤال: ما إعراب: {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ}؟
الجواب: «جهد أيمانهم» مفعول مطلق ناصبه: «وأقسموا».
(3) - سؤال: ما إعراب: {بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا}؟

الجواب: «بلى» حرف جواب. «وعداً» مفعول مطلق مؤكد لما دل عليه بلى، أي: بلى يبعثهم، ويبعثهم هو وعد من الله، و «حقاً» أيضاً هو مصدر مؤكد لما دل عليه بلى، و «عليه» صفة لوعداً.
الآية 39
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ
📝 التفسير:
{لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} (1) والغرض من البعث بعد الموت أن يتبين المحق من المبطل؛ لأن كلاً من أهل الحق والباطل يدعي أنه الذي على الحق والهدى، وكل فرقة وملة من الملل من اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم تدعي أنها التي على الحق والهدى، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه سيبعثهم بعد الموت ليظهر المحق من المبطل، وما داموا في الدنيا فلن تعترف أي فرقة للأخرى بأنها على الحق.
{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ 39} وكذلك ليعلم أولئك الذين كانوا يدعون أنهم على الحق من الكفار والمشركين وغيرهم أنهم كانوا كاذبين في دعواهم.
__________
(1) -سؤال: يقال: هل يبيّن الحق من الباطل حتى في المسائل المختلف فيها بين الفِرَق؟
الجواب: المراد -كما يظهر لي- أنه يبين ويفصل في المسائل التي كانت منشأً للعداوة والتضليل والتفسيق والتكفير دون المسائل التي لم تكن سبباً للشقاق والعداوات والتفسيق والتكفير.
الآية 40
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 40} يبين الله سبحانه وتعالى أنه لن يعسر عليه شيء أو يعجزه أو يتعبه، وأنه إذا أراد شيئاً فإنه كائن من دون تكلف أو آلة يحتاج إليها؛ فلا تستبعدوا أيها المشركون البعث والحساب.