القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأنبياء

آية
إجمالي الآيات: 112 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ
📝 التفسير:
{أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ 21} (3) يستنكر الله سبحانه وتعالى على المشركين عندما صنعوا لهم آلهة من الأحجار وغيرها من الأرض ثم عبدوها من دونه، فهل هذه الآلهة التي اتخذوها تنشر الموتى وتحييها؟ فحتما سيكون جوابهم بالنفي، وليس لهم حجة على ذلك إلا قولهم وجدنا آباءنا كذلك يفعلون.
__________

(3) - سؤال: ما محل جملة: {هُمْ يُنْشِرُونَ 21} الإعرابي؟
الجواب: محلها النصب على أنها صفة لآلهة.
الآية 22
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
📝 التفسير:
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ (4)رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ 22} وأخبرهم أنه لو كان هناك آلهة غيره لفسد أمر السماوات والأرض ولاختل نظامهما، ولحصل التنازع والاختلاف بين هذه الآلهة، ولكن عندما لم نر شيئا من ذلك، ورأينا النظام والتناسق العجيب الدقيق وتوجههما إلى هدف واحد وصبهما في مصلحة واحدة علمنا أنه لا إله إلا إله واحد وهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وجعلهما تحت قدرته وقبضته وسيطرته وتدبيره، وقد تعالى وتقدس عن قولهم وافترائهم عليه.

__________

(4) - سؤال: ما إعراب: {إِلَّا اللَّهُ} و {فَسُبْحَانَ اللَّهِ}؟

الجواب: «إلا الله» إلا ولفظ الجلالة: صفة لآلهة وهي -أي «إلا» - بمعنى غير، إلا أنهم جعلوا الإعراب على ما بعدها أسوة بـ «إلا» الاستثنائية. «فسبحان الله» الفاء سببية عاطفة، وسبحان: مصدر منصوب بفعل محذوف وجوباً أي: أسبح أو نسبح سبحان الله.
الآية 23
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
📝 التفسير:
{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ 23} (1) ولا أحد يستطيع أن يعترض عليه في شيء من أفعاله، أو يُعَقِّبَ عليه فيها لعظمته وجلاله وكبريائه فلن يستطيع أحد أن يناله، وأما هو فله الحق أن يسألهم ويحاسبهم لأنهم عبيدٌ له وفي ملكه يتصرف فيهم كيفما شاء.
__________
(1) - سؤال: كيف يجيب العدلي على المجبري إذا استدل عليه بهذه الآية حين يُلزِمُه بالظلم حسب مذهب المجبرة؟
الجواب: يقول له: إن الله تعالى قد نزه نفسه عن الظلم: {لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ... } [النساء:40]، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ 46} [فصلت]، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} [يونس:44]، {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا 49} [الكهف]، والآيات في نفي الظلم عن الله تعالى كثيرة، فلزم لذلك أن ننفي الظلم عن الله وأن ننزهه عنه، ولا يحق لنا ولا ينبغي أن نعترض على الله حين نفى الظلم عن نفسه، ولا أن نعترض عليه في غير ذلك من أفعاله وأقواله. وبعد، فقد سمى الله تعالى نفسه بالحكيم العليم، والظلم عارٍ عن الحكمة، ومن شأن الحكيم العليم أن لا يفعل ما لا حكمة فيه وإلا فليس بحكيم.
الآية 24
أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ
📝 التفسير:
{أَمِ (2)اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً} بل قد اتخذ المشركون آلهة غيره وعبدوها من دونه.
{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يطلب منهم الدليل على صحة ادعائهم ربوبيتها، إما حسياً بأن يرونا آثار قدرته وخلقه أو أي صفة من صفات الإلهية، أو نقلياً من كتاب جاءوا به أو نبي أرسلوه، ولكنهم لن يجدوا أي دليل أو برهان على ذلك، ولم يجدوا جواباً إلا قولهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ 22} [الزخرف]، وأما صفات الإلهية لهم فهم يعترفون أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم ولا تملك من صفات الإله شيئاً.
{هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ 24} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر المشركين بأن هذا القرآن هو الذكر الذي جاءهم به، وأنه لم يأت بشيء يخالف الكتب (1)التي أتت قبله كالتوراة والإنجيل، فهو مصدق لها، وأن ذلك مما يدل على أنه من عند الله سبحانه وتعالى لو أنهم نظروا وتفكروا فيه لعلموا ذلك، ولكنهم معرضون عن الحق وعن معرفته وقبوله، وإعراضهم ذلك إنما هو لعنادهم وتمردهم لا لخفاء الحق فهو واضح وضوح الشمس.

__________

(2) - سؤال: هل هناك فرق بين «أم» هذه والتي في آية (21) المتقدمة؟

الجواب: «أم» في الموضعين هي المنقطعة وهي بمعنى «بل والهمزة»، وهناك فرق في المعنى، فـ «فأم» في الآية الأولى للإنكار وهي في هذه الآية للتقرير.

(1) - سؤال: إذا قيل: فكيف بما قد نسخ من كتب الأنبياء السابقة، فبماذا يكون الجواب؟

يقال في الجواب: هذه السورة مكية والسور المكيات معنية بما جاء به أنبياء الله ورسله جميعاً من توحيد الله وتنزيهه عن الشركاء والولد والصاحبة، وذكر آيات الله وآثار رحمته وتعداد نعمه، ووجوب شكره وحده واختصاصه بالعبادة والطاعة وترك ما سواه، والإيمان بكتبه ورسله وباليوم الآخر، ونحو ذلك وما يلحق بذلك، وكل ذلك جاءت به رسل الله جميعاً، وقد قال تعالى بعد هذه الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ 25}. والصلاة والزكاة والصيام دين الله يدان به في كل شريعة إلا أنها قد تختلف الشرائع في صفاتها وأعدادها وأوقاتها بعض الاختلاف.
الآية 25
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
📝 التفسير:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ (1) أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ 25} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه يرسل رسله، وأنه لا يرسلهم إلا عندما ينطمس الدين والهدى ويتغير ويتبدل ويحل مكانه الشرك وعبادة غير الله تعالى، فعند ذلك يرسل رسله لتنهاهم عن شركهم وضلالهم وتدعوهم إلى عبادة الله الذي لا إله إلا هو، وأن هذا حال كل نبي يرسله.
__________
(1) - سؤال: فيم كان الحصر في هذه الآية؟ وما محل: {نُوحِي إِلَيْهِ .... }؟
الجواب: يلحق هذا بقصر الموصوف على الصفة أي: قصر الله تعالى وحصر الرسل عليهم السلام على الاتصاف بالوحي إليهم بالتوحيد أي: لا بالوحي إليهم بالشرك أو دين غير دين التوحيد فيكون حصر قلب. ومحل: «نوحي إليه أنه ... » النصب صفة لرسول. «أنه لا إله إلا أنا ... » في تأويل مصدر مفعول به لنوحي أي: نوحي إليه التوحيد لله ونفي الشركاء معه.
الآية 26
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} وهؤلاء هم المشركون قالوا: إن الملائكة بنات الله، وكذلك اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله؛ فاستنكر الله سبحانه وتعالى عليهم مقالتهم هذه.
{سُبْحَانَهُ} وأنه قد تقدس وتعالى عن اتخاذ الولد؛ لأن التوالد من شأن المخلوقات، فلو صح له الولد لخرج عن كونه خالقاً ولصار من جنس المخلوقين.
{بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ 26} يجيب الله سبحانه وتعالى على المشركين بأن الملائكة من عباده المنزهين عن معصيته (2)،وقد أكرمهم وشرَّفهم بعبادته وطاعته في جميع ما أمرهم به، وليسوا بناته كما يقولون.

__________

(2) - سؤال: قد يقال: ولكنه يشكل علينا ما يقال بأنهم مكلفون وأن لهم شهوات فكيف؟

الجواب: لا تنافي بين عصمة الملائكة وبين تكليفهم، فأنبياء الله ورسله منزهون عن معصية الله وهم مكلفون، فملائكة الله تعالى مثلهم، بل هم أدخل في العصمة وأقرب منزلة إلى الله.
الآية 27
لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ 27} فلا يخالفونه في شيء مما أمرهم به، وإنما عملهم الطاعة لأوامر الله سبحانه وتعالى وتنفيذها من دون أي مناقشة أو تعقيب، فقد سخروا أنفسهم وذللوها لطاعة الله تعالى مجردة عن أي شيء غير ذلك، وذلك من شدة تعظيمهم لله سبحانه وتعالى وخضوعهم له غاية الخضوع.
ومن ذلك يؤخذ أنه يجب التأدب غاية الأدب عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك العلماء في كل زمان، والانتظارُ إلى أن يبدأ في الكلام، وأنه ينبغي التعظيم لهم والامتثال لأوامرهم، وعدم إبداء أي رأي أو اقتراح أو فتوى قبل أن يتكلموا، وإذا صدر منهم أمر أو نحوه فينبغي الامتثال من دون أي تعقيب عليهم {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات:1].
الآية 28
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ
📝 التفسير:
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} ثم أخبر أنه عالم بما بين أيديهم، وهو: ما يعملونه في الوقت الحاضر، وما خلفهم، وهو: ما سيعملونه في مستقبلهم وما عملوه في ماضيهم.
{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} (1) وأخبر أنهم لا يشفعون لأحد إلا لمن أذن الله سبحانه وتعالى لهم بالشفاعة له وهم أهل الرضوان (2).
{وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ 28} فهم خائفون من عظمة الله وجلاله وكبريائه.
__________
(1) - سؤال: كيف يستدل بهذه الآية على أن لا شفاعة للمجرمين؟
الجواب: يستدل بهذه الآية على نفي الشفاعة للمجرمين من حيث حصر الشفاعة وقصرها على من ارتضاه الله دون الفاسقين لأنهم ليسوا من أهل رضوان الله تعالى: {فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ 96} [التوبة].
(2) - سؤال: من هم أهل الرضوان؟
الجواب: هم أهل الإيمان والعمل الصالح الذين رضي الله عنهم لإخلاصهم وطاعتهم له واستقامتهم على تقواه.
الآية 29
وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ 29} وهذا على سبيل الفرض والتقدير (1) وإلا فإنه مُسْتَبْعَدٌ منهم ذلك وغير متوقع، وهو أنه لو ادعى أحد منهم الإلهية لعذبه الله سبحانه وتعالى مثل ما يعذب غيره من الظالمين.
يصف الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات ملائكته جواباً على المشركين عندما ادعوا أنهم بنات الله تعالى عما يقولون علواً كبيراً.
__________
(1) - سؤال: قد يقال: إن كان لهذا الفرض فائدة فما هي؟
الجواب: الفائدة هي تحذير أهل القرآن من عصيان الله تعالى والتساهل في اقتراف شيء منها والاغترار والأمل في عفو الله عن أهل السوابق الصالحة والطاعات الكثيرة إذا عصوا.
الآية 30
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ
📝 التفسير:
{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ 30} يستنكر الله سبحانه وتعالى على المشركين لماذا لا يتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويخبرهم أنهم لو تفكروا فيهما وفي خلقهما لعرفوا عظمة الله سبحانه وتعالى وجلاله ووحدانيته ولآمنوا به.
وقد فسرت هذه الآية بتفسيرين: أحدهما: ما ذكره أولئك العلماء السابقون: أن السماء كانت رتقاً لا يأتي منها المطر، ثم إن هذا الرتق انفتق بالمطر، وكذلك الأرض كانت رتقاً وحين نزل المطر عليها تشققت بالنبات وأخرجته.
والثاني: هو ما يذكره علماء العصر الحديث: أنه ثبت عند علماء الكون والفلك صحة النظرية التي تقول: إن السماوات والأرض كانت ملتصقة ببعضها البعض، وكانت كتلة واحدة، ثم إنها تفرقت وانقسمت وتبددت إلى هذه النجوم والكواكب التي نراها أمامنا والأرض من جملتها، وهذا التفسير حسن (2).
وقد حث الله سبحانه وتعالى المشركين أن ينظروا ويتفكروا في هذه الآية فمن الذي أنزل المطر وأخرج به أنواع الشجر والثمر، وأن يتفكروا في الماء الذي هو من أكبر النعم عليهم، والذي به قوام حياتهم كيف لو انقطع عليهم ولو مدة قصيرة كيف سيكون حالهم؟ وكيف سيستطيعون العيش من دونه؟ فمن الذي أوجده لهم وخلقه لأجلهم وللحفاظ على حياتهم، وأنه لولا هو لماتوا وهلكوا.

__________

(2) - سؤال: يقال: فما علاقة قوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} بالفتق على هذا التفسير؟

الجواب: يضاف التفسير الثاني إلى التفسير الأول وتفسر بهما جميعاً الآية، ويكون التفسير الثاني من عجائب القرآن وأسراره التي لا تزال تتكشف للعلماء إلى يوم القيامة من غير أن نهمل التفسير الأول أو أن نشطب عليه، وعلى هذا فيكون حبل العلاقة بين {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} بالفتق وثيقة متصلة.
الآية 31
وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
📝 التفسير:
{وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} (1) وكذلك حثهم أن ينظروا في الجبال التي خلقها الله سبحانه وتعالى لهم لتحفظ للأرض توازنها من الاختلال والتمايل فيستطيعوا أن يعيشوا ويستقروا على ظهرها.
{وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ 31} والفجاج هي الطرق (2) التي جعلها الله سبحانه وتعالى بين الجبال ليستطيعوا التنقل من خلالها في أنحاء الأرض، وكذلك جعلها الله سبحانه وتعالى علامات يحددون بها المناطق والجهات التي يريدونها.
فإذا عرفوا أنه سخر لهم الجبال لهذه المنافع التي تصب جميعها في مصلحتهم، فعسى أن يكون ذلك داعياً لهم إلى الرجوع إليه، والإقلاع عما هم فيه من الشرك والضلال، ويكون إتماماً للحجة عليهم فلا يكون لهم يوم القيامة أي عذر يعتذرون به.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ}؟ وما محل المصدر الإعرابي؟
الجواب: «أن» مصدرية ناصبة، «تميد» مضارع منصوب بأن، وفاعله ضمير يعود إلى الأرض. «بهم» جار ومجرور متعلق بتميد، ومحل المصدر الجر بالإضافة أي: كراهة أن تميد بهم، أو يكون محله النصب بنزع الخافض.
(2) - سؤال: يقال: إذا كانت الفجاج هي الطرق فما فائدة قوله: {سُبُلًا}؟ وما إعرابها؟
الجواب: الفجاج هي الطرق المتسعة بين الجبلين ففي الفجاج معنى الصفة الذي هو الاتساع، وليس ذلك المعنى الوصفي بموجود في «سبلاً» فوصفت السبل بالفجاج لتفيد معنى الاتساع، و «فجاجاً» وصف في الأصل لسبلاً قدم فصار حالاً.
الآية 32
وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ
📝 التفسير:
{وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ 32} السماء سقف محفوظ فلا تستطيع الشياطين أن تنفذها لتسترق السمع (1)، وتتجسس على الملائكة، وما يكون عندهم من الأخبار، ولكن المشركين معرضون عن هذه الآيات وعن التفكر والنظر فيها (2).
__________
(1) - سؤال: يقال في العلم الحديث: إن الحفظ في السماء عن اختراق الغازات أو النيازك فما رأيكم؟
الجواب: لو قال: «سقفاً حافظاً» لصح ما يقال عن اختراق الغازات أو النيازك أي: حافظاً لأهل الأرض من النيازك والغازات، قال تعالى: {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ 17} [الحجر].
(2) - سؤال: هل يصح أن تعم الآية كل من لم يتفكر في السماء وما فيها ولو كان غير مشرك؟
الجواب: تنطبق الآية على كل من أعرض عن النظر والتفكر فيما جعله الله تعالى من الآيات في السماء، إلا أن المشركين الذين نزل القرآن فيهم دخلوا في عمومها دخولاً أولياً.
الآية 33
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ 33} وأخبر سبحانه أن كل واحد من الشمس والقمر والأرض له طريق محدودة يسير فيها ومنازل معلومة لا تتغير أو تتبدل على مدى الزمان.
يستنكر الله تعالى على المشركين عندما يذهبون إلى عبادة تلك الأصنام ويتركون الذي خلق كل تلك الأشياء وسخرها لهم.
الآية 34
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ
📝 التفسير:
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ 34} ثم أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيموت مثل ما عليه بقيةُ البشرِ ومثل بقية الأنبياء السابقين، وكذلك المشركون كانوا يقولون بأنهم سينتظرون محمداً إلى أن يموت وسينتهي كل شيء، فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليخبرهم بأنهم أيضاً سيموتون فلا يظنوا أنهم سيخلدون بعد موتك.
الآية 35
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ
📝 التفسير:
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً (3)وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ 35} فكل ذي نفس منفوسة سيموت، ولن يبقى إلا الله سبحانه وتعالى، ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه في الدنيا يختبر عباده، ويمتحنهم بالشر من الأمراض والكوارث، والجدب والمرض، وبالخير من الرخاء والسعة في الأرزاق والبركة في الثمار والصحة والعافية، وأن ذلك ليتبين الخبيث من الطيب، والمصلح من المفسد، ومن سيصبر ومن سيجزع ومن سيشكر، ومن سيكفر، ثم يجازي كلاً منهم بعد ذلك ففريق في الجنة وفريق في السعير.

__________

(3) - سؤال: ما إعراب: {فِتْنَةً}؟

الجواب: تعرب فتنة مفعولاً من أجله أي: نبلوكم بالشر والخير لأجل الاختبار لكم.
الآية 36
وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ
📝 التفسير:
{وَإِذَا رَأَىكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن المشركين إذا سمعوه يقرأ عليهم القرآن أو يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده فإنهم لن يقبلوا منه وسيستهزئون به ويسخرون منه.
{أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} (1) وأنهم إذا رأوه فإنهم سينظرون إليه نظر استحقار واستهانة واستنقاص، ويستصغرونه إلى أدنى المراتب وأرذلها.
{وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ 36} ومع ذلك فهم يكفرون بالذي أنعم عليهم بجميع النعم الظاهرة والخفية، وينكرون الحقائق الظاهرة والمكشوفة، فكان من المفترض أن يكونوا هم محل السخرية والاستهزاء لكفرهم بمن نعمه ظاهرة ومكشوفة، لا يستطيعون أن ينكروها.
__________
(1) - سؤال: هل قوله: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} مقول لقول محذوف؟ وما محل هذا القول من الإعراب؟
الجواب: نعم هو مقول لقول محذوف تقديره: قائلين .... ، فمحله النصب مفعول لقائلين.
الآية 37
خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ
📝 التفسير:
{خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ 37} (2)كان المشركون يستعجلون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو الله سبحانه وتعالى ليعجل بنزول عذابه وسخطه الذي يتوعدهم به، فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبرهم بأن لا يستعجلوا نزوله بهم، وأنهم لا بد أن يروا نزوله بهم، فلماذا العجلة ما دامت هذه عاقبتهم.
وقوله: {مِنْ عَجَلٍ} جعل الإنسان كأنه مخلوق من العجلة مبالغة في استعجاله في أكثر أموره.

__________

(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ 37}؟

الجواب: الفاء: سببية عاطفة، و «لا» ناهية، «تستعجلون» فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والأصل: فلا تستعجلوني فحذفت الياء التي هي مفعول به للتخفيف.
الآية 38
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
📝 التفسير:
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 38} يسخرون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويرمونه بالكذب، فكانوا يقولون: إن كنت صادقاً يا محمد فأخبرنا بموعد نزول عذاب الله وسخطه بنا!!
الآية 39
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ
📝 التفسير:
فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم بهذا الجواب: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ 39} أجابهم بهذا الجواب لأنه لم يكن يريد أن يطلع أحداً من خلقه على موعد الساعة والقيامة، وليعلموا أن ذلك من الأشياء التي اختص بعلمها وحده.
وأخبرهم بأنهم سيعلمون ذلك عندما يرون حلوله بهم، وأنهم لو كانوا يعلمون ما هو الذي ينتظرهم من الأهوال والشدائد التي لا يستطيع أن يتحملها أو يتصور فضاعتها أحد منهم لما (1) سألوا النبي ذلك السؤال، ولما استعجلوا العذاب ذلك الاستعجال.
__________
(1) - سؤال: لعلكم تريدون أن جواب «لو» محذوف تقديره ما ذكرتم، فهل في حذفه سر فما هو؟
الجواب: جواب «لو» محذوف وهو مقدر بما ذكرنا، والسر في حذفه هو التهويل والتعظيم.
الآية 40
بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ
📝 التفسير:
{بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً (2) فَتَبْهَتُهُمْ} ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبرهم أنه لا يعلم موعدها ولكنها ستأتيهم بغتة وفجأة على غير انتظار منهم أو استعداد، فيصيبهم الذهول، وتخرس ألسنتهم من هول ما يرون.
{فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ 40} ولن يكون لهم عند ذلك أي مفر أو مخرج، ولن يقبل منهم بعد ذلك أي عمل أو توبة.

__________

(2) - سؤال: ما إعراب: {بَغْتَةً}؟
الجواب: تعرب «بغتة» مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: تبغتهم بغتة، وأجازوا أن يكون عامله تأتيهم أي تأتيهم إتيان بغتة فيكون لبيان نوع الإتيان.