القرآن الكريم مع التفسير

سورة الحج

آية
إجمالي الآيات: 78 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
📝 التفسير:
انظر آية 19
الآية 22
كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ
📝 التفسير:
{كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا (1) عَذَابَ الْحَرِيقِ 22} فهم يعذبون فيها دائماً وأبداً، ولا أمل لهم في الخروج أو الهرب منها.
__________
(1) - سؤال: هل قوله: {ذُوقُوا} معطوف على {أُعِيدُوا} فلِمَ لم تغير صيغته؟ أم أن له إعراباً آخر فما هو؟
الجواب: التقدير: وقيل لهم ذوقوا فتكون الجملة معطوفة على جملة أعيدوا.
الآية 23
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ 23} (2) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن مصير الذين خرجوا من جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فبشرهم بأنه سيثيبهم جزاءً على بذلهم لأنفسهم لنصر دين الله وإعلاء كلمة الله جنات تجري من تحتها الأنهار ينعمون فيها بأصناف النعيم، فحليتهم فيها الذهب، ولباسهم فيها الحرير.
__________

(2) - سؤال: من فضلكم ما محل جملة: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا ... }؟ وما معنى «من» في قوله: {مِنْ أَسَاوِرَ}؟ وما إعراب: {لُؤْلُؤًا}؟ وعلام عطفت جملة: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ 23}؟
الجواب: «يحلون فيها» محلها النصب صفة لجنات، ومعنى «من» التبعيض، أي في «من أساور»، و «لؤلؤاً» معطوف على محل من أساور، و «لباسهم فيها حرير» معطوفة على جملة: «يحلون فيها .. ».
الآية 24
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ
📝 التفسير:
{وَهُدُوا (3) إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} وأنه قد هداهم ووفقهم إلى القول الحق من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتصديقهم بالقرآن وبالبعث واليوم الآخر.
{وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ 24} وهداهم الله إلى الدين الحق والطريق المستقيم.
__________

(3) - سؤال: علام عطف قوله: {وَهُدُوا}؟
الجواب: ذلك معطوف على: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا ... } والمصحح للعطف أن قوله: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ ... } هو من جملة الثواب.
الآية 25
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ (1) عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ثم رجع إلى ذكر المشركين الذين يصدون عن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الإيمان به.
{وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ} وكذلك يصدون الناس عن الحج والعمرة إلى بيته الحرام وكأنه حق لهم وحدهم يمنعون عنه من شاءوا.
وقد يكون المراد به الحرم المحرم فقد جعله الله سبحانه وتعالى وقفاً (2) لجميع الناس، لا يحق لأحد أن يتملك من أرضه شيئاً، فكيف يكون حال من صد عن ما قد وقفه الله سبحانه وتعالى وأراده لجميع الناس؟ وكيف سيكون جزاؤه عند الله سبحانه وتعالى؟
{سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} (3)فالناس جميعاً سواء فيه، أهله وساكنوه والذين هم خارجه، لا فضل لأحد على أحد، وقد أمر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة عامله على مكة بإلزام أهل مكة في أيام الحج أن يفتحوا أبواب بيوتهم ويتوسعوا للوافدين إليهم؛ لأنه ليس لهم فيها إلا حقُّ السكنى فقط بقيَّةَ العامِ، فلا يحل لأحد أن يمنع أحداً منها، أو يتحجر فيها شيئاً.
{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ (4) بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ 25} (5)فقد جعله الله سبحانه وتعالى حرماً آمناً وتهدد من ظلم أو تعدى فيه أو تجبر إما بالمنع عنه، أو بإخافة أحد فيه، أو أذية أحد، أو بأي وجه من أوجه الظلم.

__________
(1) - سؤال: كيف ساغ عطف المضارع {يَصُدُّونَ} على الماضي {كَفَرُوا}؟
الجواب: يصح عطف المضارع على الماضي وإنما عدل من الماضي إلى المضارع؛ لأن الصد يتجدد منهم صداً بعد صد ويوماً بعد يوم.
(2) - سؤال: هل أخذت الوقفية من هذه الآية أم أن لها أدلة أخرى فما هي؟
الجواب: أخذت الوقفية وأحكامها من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن حديث وقفية أمير المؤمنين عليه السلام، ولا خلاف في شرعية الوقف وقد وقف أئمتنا عليهم السلام وغيرهم.
والحرم المحرم الذي جعله الله تعالى للناس جميعاً هو نوع من الوقف له حرمة خاصة لا تكون لغيره، {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران:97]، لا يحل صيده ولا يهيج، ولا تحل لقطته، و ... إلخ.
(3) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ}؟ وما إعرابها على قراءة الرفع في {سَوَاءٌ}؟

الجواب: إذا كانت «جعلنا» متعدية لمفعولين فسواءً المفعول الثاني، وإن كانت متعدية لمفعول واحد فسواء حال من مفعول «جعلناه» والعاكف والباد فاعل سواءً، وإذا رفع «سواء» فهو خبر مقدم، و «العاكف والباد»: مبتدأ مؤخر، و الجملة في محل نصب المفعول الثاني لجعلنا.

(4) - سؤال: ما معنى الباء في قوله: {بِإِلْحَادٍ}؟ ولم سمى الله التعدي إلحاداً؟
الجواب: الباء للالتباس والمصاحبة وهي متعلقة بمحذوف حال من فاعل «يرد»، و «بظلم» حال ثانية فالحالان مترادفان من فاعل «يرد» وسمي التعدي إلحاداً لأن التعدي ميل وعدول عن العدل والحق، ويسمى ذلك إلحاداً في اللغة أي أن الإلحاد هنا لغوي ولا يراد به المعنى الشرعي.
(5) - سؤال: هل هذا الوعيد على ظاهره فيمن أراد التعدي أو نحوه إرادة ولو لم يصدر منه أي فعل، فكيف بما ورد أن من هَمَّ بالسيئة ولم يعملها لم يكتبها الله عليه؟ أم أنه فيمن فعل، فما وجهه؟

الجواب: المراد -والله أعلم-: ومن يفعل المعصية وعبر بالإرادة عن الفعل للتنبيه على عظم المعصية في الحرم المحرم، وهذا مثل ما جاء في قوله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة:235]. هذا، وإرادة فعل المعصية والعزم عليها معصية إلا أنها معصية صغيرة بالنسبة لفعل المعصية، وإذا عقد الرجل العزم على فعل المعصية ولم يتراجع عن عقد العزم والنية فهو عند الله عاصٍ ما دامت نيته معقودة على فعل المعصية إلا أنها تكون معصية صغيرة بالنسبة لفعل المعصية، وإذا كان ذلك في الحرم المحرم فإن المعصية الصغيرة «عقد العزم» تتضاعف، وعلى هذا فيمكن إبقاء الآية على ظاهرها، ويدخل العازم في الوعيد الأليم على قدر معصيته إما في الدنيا وإما في الآخرة إن لم يتب إلى الله، وتكون معصية الهم والعزم في الحرم مخصوصة من عموم العفو عمن هم بمعصية ولم يعملها.
الآية 26
وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
📝 التفسير:
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} (1) إن الله سبحانه وتعالى هو الذي دل إبراهيم على مكان البيت، وأمره أن يطوف عليه، وذلك أنه أمره أن يهاجر إليه من بلاد الشام فدخل مكة ولم يكن أحد قد سكن فيها، وعندما أخبره بمكان البيت أمره أن يعبد حوله الله سبحانه وتعالى وحده، وأن يحج إليه ويطوف به.
{وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ 26} وأمره بأن ينزه بيته هذا من الأقذار والنجاسات، ومن الشرك والضلال والباطل، ومن كل ما يمنع من الصلاة فيه.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب «إذ» هنا؟ وهل يصح أن يحمل: {بَوَّأْنَا} على: هيَّأنا ووطَّأنا أم لا، فما السبب؟ وما فائدة اللام -على كلامكم- التي دخلت على «إبراهيم»؟ وما معنى «أن» وإعرابها مع «لا تشرك»؟ أحسن الله مكافأتكم؟
الجواب: «إذ» مفعول به لـ «اذكر» محذوفاً، وبوأنا: بمعنى هيأنا ووطأنا كما ذكرتم، واللام للتعليل أي: مهدنا ووطأنا لأجل إبراهيم، و «أن» مفسرة لأن بوأنا بمعنى تعبدنا، أو مصدرية أي: لئلا تشرك بي، على ضعف في الإعراب الثاني هذا.
الآية 27
وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
📝 التفسير:
{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} ثم أمره أن يعلن في الناس وينادي في كل القبائل بأداء فريضة الحج.
{يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ (2) مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ 27} وأخبره أنهم سيقبلون إليه عند مناداتهم راجلين وراكبين، وسيستجيبون لندائه من كل بلاد.
__________

(2) - سؤال: ما محل جملة: {يَأْتِينَ}؟
الجواب: محلها الجر صفة لـ «كل ضامر».
الآية 28
لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ
📝 التفسير:
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} شرع الله سبحانه وتعالى فريضة الحج لأجل ما يحصل للناس فيه من المنافع؛ لأنهم إذا أقبلوا إليه فسيجلبون لأنفسهم منافع الدين والدنيا، ففي الدين بأن يرتبطوا بإبراهيم وبدينه فيعلمهم شرائع دينهم وأحكامه، وما يكون من التعارف والتآلف بينهم عندما يجتمعون عنده في ذلك المكان (1).
وأما منافع الدنيا فما سيكون في اجتماعهم من تبادل التجارات والسلع والبضائع التي يجلبها أهل كل بلاد، وما يكون من البيع والشراء والأرباح.
{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} وأيضاً فقد شرع الله سبحانه وتعالى فريضة الحج لأجل أن يذكروا الله تعالى في هذه الأيام، والأيام المعلومات هي أيام منى (2)التي هي يوم العيد وثانيه وثالثه ورابعه، وليثنوا عليه ويرفعوا ذكره.
{عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} ويشكروا الله سبحانه وتعالى على ما أحل لهم من الأنعام ومن الطيبات.
{فَكُلُوا مِنْهَا} (3) أباح الله سبحانه وتعالى للحجاج أن يأكلوا من الهدايا التي يهدونها إلى البيت، والتي ينحرونها لله تعالى.
{وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ 28} وأمرهم أيضاً بأن يتصدقوا من هداياهم على الفقراء.

__________
(1) - سؤال: هل منفعة الحج وما يكون فيه من اكتساب الأجر والثواب من جملة المنافع الدينية؟
الجواب: نعم ما ذكرتم من المنافع الدينية.
(2) - سؤال: يقال: كيف بالرواية الصحيحة في المجموع الشريف عن علي عليه السلام بأن الأيام المعلومات أيام العشر، وكذا عن غيره من الصحابة والتابعين؟ أم أنها التبست على جهة السهو بالأيام المعدودات أي: أيام التشريق؟
الجواب: الأيام المعلومات المذكورة في هذه الآية هي أيام التشريق لوجود القرينة المصاحبة لها وذلك قوله تعالى: {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا ... } وإذا ذكرت الأيام المعلومات في غير هذا الموضع فهي أيام العشر لما ذكرتم من الرواية الصحيحة عن أمير المؤمنين عليه السلام وغيره من الصحابة والتابعين.

ويمكن الجمع بين ما يدل عليه ظاهر القرينة وبين ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام بأن يقال: اليوم العاشر يوم مشترك فهو آخر يوم من العشر وأول يوم من المعدودات، وفيه تذبح الذبائح في منى، وعلى هذا التوجيه يكون المراد بالمعلومات العشر كاملة التي آخرها يوم النحر، ولعل هذا التوجيه أولى لما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام.

(3) - سؤال: ما معنى الفاء في الآية؟ وهل الأمر بالأكل لأمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم لا زال الخطاب عن أمة إبراهيم عليه السلام؟
الجواب: الفاء سببية عاطفة وتسمى في هذا الموضع ونحوه الفصيحة، والأمر بالأكل هو لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأكل منها هو دين إبراهيم وإسماعيل '.
الآية 29
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
📝 التفسير:
{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ 29} أراد به الحلق والتقصير ونتف الإبط، والتفث المراد به الأوساخ (2)، أمرهم الله سبحانه وتعالى بإزالتها، وذلك يوم العيد بعد الفراغ من الرجم، ثم النحر بعد الحلق أو التقصير، ثم بعد ذلك طواف الزيارة، وأظن أن الواو في قوله: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} ليست للترتيب، وأن الذبح وقته قبل الحلق أو التقصير، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة:196]، وكذا رواية المجموع الشريف عن علي عليه السلام: (أول المناسك يوم النحر رمي الجمرة ثم الذبح ثم الحلق ثم طواف الزيارة).
__________

(2) - سؤال: يقال: هل للتفث معنى آخر فما هو؟
الجواب: معنى التفث هو ما ذكرناه في التفسير، وفي المصابيح من رواية الإمام الحسين بن القاسم العياني عن الهادي عليه السلام أن التفث هو طواف الزيارة.
الآية 30
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ (3)وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} وهي شعائر الله التي أمر بتعظيمها من البيت الحرام والطواف به، ومراعاة حرمة الحرم المحرم، وتعظيم أيام منى بذكر الله سبحانه وتعالى فيها والثناء عليه، وكذلك يوم عرفة، فمن عظمها فإن الله تعالى سيجزل له الثواب والعطاء في الدنيا والآخرة.
{وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ} وهي الثمانية الأصناف التي أحلها الله سبحانه وتعالى، «من البقر اثنين»، و «من الضأن اثنين»، و «من المعز اثنين»، و «من الإبل اثنين».
{إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} مما حرمه الله سبحانه وتعالى في القرآن كالميتة والدم ولحم الخنزير والنطيحة وما أكل السبع وما أهل لغير الله به.
{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} اجتنبوا الأوثان فليست إلا رجساً ونجاسة فلا تذبحوا لها أو تعبدوها، أو تتقربوا لها بالذبائح وغيرها.
{وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ 30} اجتنبوا الكلام الباطل، وذلك كقولهم: إن الصنم إله، وإن الميتة حلال ونحو ذلك؛ لأن المشركين كانوا يحللون لحم الميتة، وأما ما ذبحه الإنسان فهو حرام عندهم، كذباً وافتراءً على الله سبحانه وتعالى.

__________

(3) - سؤال: إلامَ أشير بـ {ذَلِكَ} في الآية؟ وما إعرابها تفصيلاً؟

الجواب: «ذلك» مبتدأ أشير به إلى ما تقدم، وخبره محذوف أي: ذلك الأمر والشأن، وتستعمل الإشارة هذه في مثل هذا المكان للانتقال من كلام إلى كلام مع الربط بينهما.
الآية 31
حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
📝 التفسير:
{حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ (1) مُشْرِكِينَ بِهِ} أي مائلين إلى الله سبحانه وتعالى وإلى عبادته تاركين لعبادة ما سواه.
{وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ 31} من يتخذ إلهاً غير الله سبحانه وتعالى فمثله كمثل الذي يسقط من السماء فتتلقاه الطير في الهواء وتنهش لحمه، أو كمثل الذي قذفت به الرياح في أحد الشعوب أو الأودية؛ أراد الله سبحانه وتعالى أن من عبد غير الله فهو في ضياع وهلاك، ولن يجني من عبادة الأصنام إلا الخسارة والندم.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ}؟
الجواب: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ} حالان مترادفان.
الآية 32
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ (1) وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ 32} من يعظم معالم دينه التي هي معالم الحج كالوقوف بعرفة، والمفترض أن يكون المرء في حال تأدية أي منسك من مناسك الحج ومن أعظمها الوقوف بعرفة في غاية الخضوع والتذلل والانقياد لله ولما أمره به، ثم الدفع منها على هذه الصفة بعد الغروب قاصداً لثواب الله سبحانه وتعالى وابتغاء مرضاته، فإن ذلك علامة التقوى والإيمان، وكذلك الهدايا فهي من شعائر الله كالإبل المهداة إلى البيت، وهي التي قد جعل فيها علامة للفقراء بأنها مهداة لهم، وسُمِّيت شعائرَ لأنه وُضِعَ عليها شعارٌ بالسكين في الجانب الأيمن من سنامها كعلامة لهم، فيفرحون بها إذا رأوها وهكذا سائر مناسك الحج.
وشعائر الله كلمة عامة، والمراد بها: معالم دينه، ومنها الذي ذكرناه من الإبل الْمُعْلَمَةِ بالقلادة والإشعار.
__________
(1) - سؤال: إلامَ الإشارة بـ «ذلك»؟ وهل هو مبتدأ فأين خبره؟ أم خبر فما مبتدأه؟
الجواب: «ذلك» مبتدأ، وخبره محذوف أي: ذلك الأمر والشأن.
الآية 33
لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
📝 التفسير:
{لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} هذه الهدايا إلى البيت الحرام أخبر الله سبحانه وتعالى عنها بأن لنا أن نستنفع بها بالشد والتحميل فوقها والحلب والصوف وغير ذلك، وقد أباح لنا ذلك إلى أن (2) يوضع عليها الشعار والعلامة بأنها لله تعالى وهدية إلى البيت، وبعد ذلك لا يحل فيها أي شيء من الاستنفاع؛ تعظيماً لما عظمه الله، وإشعارها يكون في الميقات عند الإحرام.
{ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ 33} ثم بعد إشعارها تساق معظَّمة إلى البيت الحرام فلا تُرْكب ولا تُحْلب، ولا يُسْتنفع بها أي منفعة، ومحل (1) نحرها في منى أيام النحر ليأكل منها الناس.

__________

(2) - سؤال: من أين استفيد أن هذا أجل الانتفاع بها؟
الجواب: استفيد من السياق فبعد ذكره للأجل قال: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ 33} فدل ذلك أن بين الأجل المسمى ومحلها مهلة طويلة، وليس هناك مهلة سوى مهلة ما بين الإشعار ومحلها.

(1) - سؤال: هل قوله: {مَحِلُّهَا} اسم مكان أي مكان إحلالها؟
الجواب: محلها هو مكان إحلالها في الحرم المحرم.
الآية 34
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
📝 التفسير:
{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قد جعل لكل أمة من الأمم كاليهود والنصارى وغيرهم متعبداً يتقربون إلى الله تعالى به ويذبحون نسائكهم (2) لمولاهم فيه، وأن حالهم كحالنا عندما جعل لنا البيت الحرام متعبداً نتقرب إليه فيه بالقرب المقربة إليه من الذبح وكل ما يقربنا إليه، وأخبر أيضاً أن جميع أهل الملل المختلفة إلههم واحد فيجب عليهم أن يستسلموا وينقادوا له.
{وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ 34} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبشر المخبتين بالثواب والنعيم الدائم
__________

(2) - سؤال: ما نوع هذا الاسم {مَنْسَكًا}؟ وهل أردتم أنه يصدق على الذبائح المتقرب بها إلى الله وعلى المكان الذي يتقرب فيه أم كيف؟
الجواب: «مَنْسَكاً» مصدر بمعنى النسك، ومن قرأ «مَنْسِكاً» بكسر السين فهو اسم موضع ومكان، فقراءة الفتح يكون المراد أن الله تعالى جعل لهم عبادة يتعبدون الله بها فتصدق على الذبائح وعلى جميع مناسك الحج إذ كل منسك من مناسكه عبادة يتعبد الله تعالى بها.
الآية 35
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
📝 التفسير:
ثم عرف المخبتين مَنْ هُمْ؟ فقال:
{الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} (3)فإذا ذكَّرَهم أحدٌ بالله خافوا منه وتركوا معصيته، أو ذكرهم أحد بالله وهم في غفلة ونسيان عن طاعة خافوا ورجعوا إليه بالعمل.
{وَالصَّابِرِينَ (1) عَلَى مَا أَصَابَهُمْ} وكذلك إذا أصابتهم مصيبة من بلاء أو مرض أو شدة صبروا على بلواهم تلك، وحمدوا الله تعالى على ما ابتلاهم به، ورضوا عن الله ولم يسخطوا ما قضاه الله.
{وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ} وهم المحافظون على إقامة الصلوات الدائمون على تأديتها بشروطها وفروضها.
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ 35} (2) يخرجون زكاة أموالهم إلى الفقراء، فهذه هي حقيقة المخبتين الذين أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بتبشيرهم.

__________

(3) - سؤال: قد يعتقد أنه إذا لم يوجل القلب بمجرد ذكر الله أيَّ ذكر كان فإن صاحبه لا يكون من المخبتين؛ فما توجيهكم في هذا؟

الجواب: ليس المقصود بوجل القلب ما قد يعتقد كما ذكرتم في هذه الآية وفي قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... } [الأنفال:2]، وإنما المقصود أن المؤمن والمخبت إذا استزله الشيطان فأوقعه في معصية أو غفل عن فعل واجب ثم ذكر الله أو ذكروه بالله خاف ووجل قلبه وبادر إلى الإقلاع والندم عن المعصية وسارع إلى فعل الطاعة، فهذه هي صفات المؤمنين والمخبتين، وقد وصفهم الله في مكان آخر فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ... } الآية [آل عمران:135]، وفي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ 201} [الأعراف].

(1) - سؤال: علام عطف قوله: «الصابرين»؟
الجواب: عطف على المخبتين.
(2) - سؤال: يقال: هل يصح حمل هذا على الإنفاق الواجب والتطوع؟
الجواب: لا مانع من حملها على الإنفاق الواجب والتطوع إلا أنه يكون من المخبتين ولو لم يزد على الإنفاق الواجب.
الآية 36
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} وهي الإبل جعلها الله سبحانه وتعالى من الشعائر المهداة للبيت، والتي ينبغي أن تعظموا الله سبحانه وتعالى بها وتتقربوا بها إليه.
{لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} لكم فيها منافع قبل أن تجعلوها من شعائر الله وبعد أن تجعلوها شعائر.
{فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} (3) عندَ تقديمِها للنحرِ وقد صفت أيديها وأرجلها أي: فاذكروا اسم الله عند نحرها.
{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} إذا سقطت بعد نحرها فقد أباح الله سبحانه وتعالى لكم أن تأكلوا من لحمها، وتطعموا منها من سأل من الفقراء، ومن لم يسأل منهم.
{كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 36} فقد سخرها الله سبحانه وتعالى لنا على كبرها وعظم أجسامها نعمة منه علينا ينبغي أن نشكره عليها.

__________

(3) - سؤال: فضلاً ما إعراب {صَوَافَّ}؟
الجواب: «صواف» حال.
الآية 37
لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ
📝 التفسير:
{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} فهذه الدماء واللحوم التي تتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى لا يصل إليه منها شيء، وإنما يصل إليه قربتكم وطاعتكم وامتثالكم لما أمركم به، وعملكم بأحكام دينه، فهو غني عن لحومها، وغير محتاج إليها، ومنافعها لكم.
{كَذَلِكَ (1) سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} قد سخرها الله وذللها لكم لتتقربوا بقرابينكم إليه، ولتشكروه على هدايته إياكم إلى الحق وإلى دينه القويم وصراطه المستقيم، واستنقاذكم من ظلمات الجهل والضلال وعبادة الأصنام والتقرب إليها.
{وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ 37} وهم الذين يعملون الأعمال الصالحة ويجتنبون معصية الله.
__________
(1) - سؤال: ما السر في تكرير كلمة: {كَذَلِكَ}؟
الجواب: كررها ليرتب عليها قوله: {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ}.
الآية 38
إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ 38} فهو الذي يدفع عنهم أذى المشركين ومكايدهم وحيلهم، وأما الذين عصوا ربهم واتبعوا أهواءهم وشهواتهم، ولم يوفوا بعهودهم التي أخذها الله سبحانه وتعالى عليهم، وكفروا بنعمه عليهم- فهو برئ منهم، وقد وكلهم إلى أنفسهم.
الآية 39
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
📝 التفسير:
{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا (2) وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ 39} (3)أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين في أول الإسلام أن يكفوا أيديهم عن قتال المشركين، وأن يتحملوا أذاهم، وأن يصبروا عليهم، ويقابلوا السيئة بالحسنة، أمرهم بذلك إلى حين يأذن لهم؛ لأنهم كانوا في قلة وضعف شديد، فإذا قاتلوهم في هذه الحال فإنهم سيستأصلونهم وسيقضون بذلك على الإسلام، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة كثر المسلمون وكثر عددهم، وصار لهم كيان ودولة، وأصبحوا في عز وقوة فعندها أذن الله سبحانه وتعالى لهم بالقتال، ودفع أذى المشركين وظلمهم، ووعدهم بالنصر والظفر عليهم.

__________

(2) - سؤال: ما السر في التعبير بقوله: {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} ولم يقل بالقتال؟
الجواب: المراد أذن للذين يقاتلون بقتال عدوهم بسبب أنهم ظلموا.
(3) - سؤال: علام عطفت هذه الجملة: {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ 39} أم أنها غير معطوفة؟

الجواب: الواو استئنافية والجملة مستأنفة للوعد لهم بالنصر على سبيل الكناية والرمز.
الآية 40
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} (1) هؤلاء هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين هاجروا معه من مكة هرباً من قتل المشركين لهم وتعذيبهم، ولم يكن ذنبهم إلا أنهم آمنوا بالله سبحانه وتعالى وصدقوا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم واتبعوه ورفعوا كلمة الله، ورفضوا عبادة الأصنام، فهؤلاء هم الذين وعدهم الله سبحانه وتعالى بالنصر وأذن لهم في القتال.
هذا، ولم يشرع الله سبحانه وتعالى الجهاد إلا لإزالة العقبات التي تقف في وجه الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وتعليم الناس معالم دينهم، وأما ما دامت الطريق مفتوحة أمام نشرها فلا يجوز أن نفتح باب الجهاد، نحو أن يكون لنا نظام سياسي أو لنتدخل في السياسة، ولا يريد الله منا ذلك ولا يسوغ الجهاد في الإسلام إلا لإظهار حجج الله على خلقه وتبليغهم معالم دينهم.
والجهاد ليس إلا آلة ووسيلة لنشر الدعوة، وما دام إرشاد الناس وتعليمهم ممكناً بغير قتل وقتال فلا يجوز؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب القتل والفساد في الأرض حتى قتل المشركين فهو لا يريده، إلا بعد الإعذار والإنذار، وبعد وقوفهم في طريق الحق وصدهم عن سبيل الله.
هذا، وقد ذم الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل عندما كتموا العلم ولم يبلغوه الناس قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ 187} [آل عمران].
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ (2) لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ (3) وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لولا أنه سبحانه وتعالى يدفع شر الناس بتسليط الأشرار بعضهم على بعض لحصل فساد كبير في الأرض، ولتهدمت دور العبادة من معابد الرهبان وكنائس النصارى واليهود ومساجد المسلمين، ولما قامت للدين قائمة على وجه الأرض.
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ 40} وعد من الله سبحانه وتعالى بأن من انتصر (4) لدينه ودافع عنه فإنه سينصره ويدافع عنه.

__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا}؟ وما محل المصدر: {أَنْ يَقُولُوا}؟ وهل الاستثناء متصل أم منقطع؟ وماذا يسمى هذا الأسلوب في البلاغة والبديع؟
الجواب: «الذين أخرجوا» بدل من: «الذين يقاتلون» أو يكون محله الرفع على «هم الذين أخرجوا» أو النصب على: «أعني الذين أخرجوا» والاستثناء منقطع، و «أن» وما دخلت عليه في تأويل مصدر منصوب، ويسمى هذا الاستثناء تأكيد المدح بما يشبه الذم.

(2) - سؤال: ما إعراب: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}؟
الجواب: «لولا» حرف امتناع لوجود، «دفع» مبتدأ مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه، «الناس» مفعول به لدفع، «بعضهم» بدل من الناس، «ببعض» متعلق بدفع، وخبر المبتدأ محذوف وجوباً.
(3) - سؤال: يقال: ما الفرق بين الصوامع والبيع؟ وما المقصود بالصلوات؟
الجواب: «الصوامع» جمع صومعة وهي مكان مرتفع يسكنه الراهب للعبادة وهي خاصة بالنصارى ثم أطلقت على ديرهم الذي يتعبدون فيه ولو لم يكن مرتفعات.
والبِيَع جمع بِيْعَة بكسر الباء: اسم للمعبد الذي يتعبد فيه اليهود أو النصارى.
«والصلوات» المراد بها الكنائس وهي خاصة باليهود سميت صلوات؛ لأنها مكان للصلوات.

(4) - سؤال: كيف تكون نصرة الله سبحانه والانتصار لدينه؟
الجواب: نصرة الله تعالى هي في التمسك بدينه في جميع الأحوال والصبر على ذلك ثم إن مكنهم الله تعالى أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وأرشدوا الناس ودعوهم إلى الدين الحق وعلموهم دين الإسلام وأحكامه.