القرآن الكريم مع التفسير

سورة النور

آية
إجمالي الآيات: 64 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} نهى الله سبحانه وتعالى عباده أن يصدقوا وساوس (1) الشياطين، وعن تصديقِ كلام أولئك الذين يتكلمون باسم الشياطين كالمنافقين والفساق، وكذلك الاستجابة لدعوتهم، وترك دعوة الله ورسوله.
يحث الله سبحانه وتعالى عباده بذلك وأن يتأدبوا بآداب الله تعالى ويمشوا على ضوء نهجه وتعاليمه.
{وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} وأخبر أن الشيطان لا يدعو إلا إلى عمل الفواحش والمنكرات (2).
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 21} وأنه لولا ما تفضل الله به عليكم بإرسال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنعامه بشرعة الإسلام ما اهتدى أحد من خلقه إلى طريق الحق والرشاد، ولا تطهر أحد منهم من دنس المعاصي، ولما ميز أحد بين المحق والمبطل والحق والباطل.
وقوله: {يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} أي: يهدي من أراد الاهتداء (3)، وقد بعث الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليستنقذ عباده من أوحال الضلال، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (4) [الجمعة:2]، فلولا أن الله سبحانه وتعالى هدانا بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليزكينا ويهدينا لما استطعنا أن نزكي أنفسنا بتجنيبها ما يدنسها من شوائب الضلال والمعاصي.

__________
(1) - سؤال: ما السر والحكمة في تسمية وساوس الشيطان بالخطوات؟
الجواب: السر والحكمة هو ما في الخطوات من التصوير الحسي الذي تفيده كلمة خطوات المستعارة من الوساوس.
(2) - سؤال: كيف تتم الفائدة بالإخبار هنا بأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر؟
الجواب: {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ... } «من» اسم شرط جازم والجملة التي بعده جملة الشرط. {فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} جملة الجواب في محل جزم، ومن الشرطية: مبتدأ، وفي الخبر أقوال هل هو جملة الشرط أو جملة الجواب أو مجموع الجملتين، والذي أميل إليه أن الخبر هو مجموع الجملتين لتضمنه أقوال المختلفين.

(3) - سؤال: يقال: هل تريدون بهذا أن الله سبحانه يطهر من الذنوب والمعاصي مَنْ قَبِل التطهر والاهتداء بما هدانا الله به؟
الجواب: بل المراد مَنْ قَبِلَ الهدى واستجاب.
(4) - سؤال: ما مرادكم بالاستشهاد بهذه الآية الكريمة، فظاهرها أن الله سبحانه قد زكى جميع الخلق بإرسال النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
الجواب: أوردنا ذلك لبيان نعمة الله وفضله على المؤمنين.
الآية 22
وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا (3)أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} حلف بعض الأغنياء وهو أبو بكر على أن يقطع الصلات والعطايا عن مسطح وهو ابن خالة أبي بكر وكان من القذفة، فنهاهم الله تعالى عن الحلف وأمرهم بالعفو والصفح عن قَذَفَتِهَا، وكان بعض قذفتها من المهاجرين الفقراء، وبعضهم من أهل المدينة.
{أَلَا (1) تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 22} فتصدقوا عليهم وأعطوهم ولا تمنعوهم، فسيغفر الله لكم ويجعلها كفارة لذنوبكم، وأيضاً سيغفر الله لهم إن هم تابوا ورجعوا إلى الله سبحانه وتعالى.

__________

(3) - سؤال: فضلاً ما محل: {أَنْ يُؤْتُوا} الإعرابي؟

الجواب: محلها النصب بنزع الخافض، ولا النافية مقدرة، والتقدير: على أن لا يؤتوا.

(1) - سؤال: ماذا تفيد «ألا» هنا؟
الجواب: الهمزة للاستفهام الإنكاري أو لتقرير ما بعد النفي، ولا نافية.
الآية 23
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 23} ثم أخبر الله تعالى عن أولئك الذين يرمون النساء العفيفات الطاهرات اللاتي هن بعيدات كل البعد عن مثل تلك الفواحش بأنه سيخزيهم ويطردهم من رحمته في الدنيا والآخرة ويعذبهم عذاباً عظيماً في نار جهنم.
الآية 24
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{يَوْمَ (2) تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 24} وإذا (3) أنكروا يوم القيامة فستشهد عليهم ألسنتهم بما تكلموا به، وكذلك أيديهم وأرجلهم (4).
__________

(2) - سؤال: من فضلكم ما هو العامل في هذا الظرف؟
الجواب: متعلق باستقر أو مستقر المقدر في: {لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 23}.
(3) - سؤال: من أين نفهم هذا الشرط؟
الجواب: يفهم من حيث إن الشهادة لا تقام إلا عند الإنكار.
(4) - سؤال: ما فائدة شهادة الأرجل والأيدي بخوضهم في رمي المؤمنات مع شهادة الألسن التي خاضوا بها؟

الجواب: قد كان للأيدي والأرجل دور في نشر حديث الإفك، فقد كان أهل الإفك يسيرون من بيت إلى بيت ومن مكان إلى مكان، ويؤشرون بأيديهم للإقبال إليهم؛ ليخبروهم بالإفك؛ لذلك تشهد عليهم أرجلهم وأيديهم وألسنتهم بما كانوا يعملون.
الآية 25
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
📝 التفسير:
{يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} وأن الله تعالى يوم القيامة سوف يوفيهم جزاءهم بالحق فلا يزيد على ما يستحقون ولا ينقصهم شيئاً.
{وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ 25} وسوف يعلمون هنالك أن الله تعالى هو الإله الحق الذي تحق له العبادة والطاعة، وأن حكمه الحكم الحق العدل، وأن وعده حق وجزاءه حق، ومعنى «المبين» في حق الله: المظهر للحق وآيات الحق.
وهؤلاء الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا من المنافقين، وذلك أن شأن المؤمن أن لا يمس عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يلحقه بسوء، وهم وإن أظهروا التوبة من ذلك فتوبتهم تلك لم تكن من قرارة قلوبهم، ولو كانوا مؤمنين لما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بأنهم لن يعرفوا ويتيقنوا أنه حق مبين إلا يوم القيامة مما يدل على أنهم كانوا منافقين (1).
__________
(1) - سؤال: يقال: هل يصح أن يكون المراد بالآية التهديد لعموم من يقذف المحصنات، وعدم تخصيصها بقذفة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهذا لوجود القرائن بأن بعضاً من القذفة قد اغتر بما سمع فحدث به من غير انتباه، وتلك القرائن مثل:
1 - ... قوله: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ... } إلى قوله: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 14}.
2 - ... قوله: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}.
3 - ... أنه روي عن كبار الصحابة أنهم تشككوا فيما سمعوا من الكلام وإن كانوا تنزهوا أن يتفوهوا بشيء منه وحاشاهم، إلا أن بعضهم أشار على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسؤال الجارية، وبعضهم قال: النساء دونها كثير ونحو ذلك، فما رأيكم؟ أليس مثل هذا يخرجهم من المنافقين أم لا؟ فوضحوا ما رأيتموه جزاكم الله خيراً؟

الجواب: الآية نزلت في قذفة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويدخل في عمومها غيرهم إلى يوم القيامة، والمراد الحكم بنفاق الذين سعوا في نشر حديث الإفك وإشاعته، ولم يتحقق بذلك إلا عبدالله بن أبي كبير المنافقين وقلة معه، وقد حدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حد القذف، إلا كبير المنافقين عبدالله بن أبي لعنه الله فقد ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم حده استصلاحاً لقومه؛ فقد كان كبير قوم وشيخاً من مشائخ أهل المدينة، فخشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتغير عليه قومه -إن حده- أو أن يرتدوا أو تقل نصيحتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو للإسلام. أما المؤمنون والصحابة الكبار فقد اصطدموا بالخبر وتحيروا واستاءوا كثيراً، بل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم اصطدم كما اصطدموا، واستاء كما استاءوا، وتحير كما تحيروا، واغتم كما اغتموا؛ وما أشار من أشار على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أشاروا إلا ليفرجوا عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم غمه، وما هو فيه من الحيرة، لا لسوء ظنهم بزوجته، بل ليبعدوه صلى الله عليه وآله وسلم عما شاع من حديث الإفك الذي تولى كبره عظيم المنافقين عبدالله بن أبي لعنه الله، فهم يعلمون علم اليقين عداوة عبدالله بن أبي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وشدة حنقه عليه، وسعيه الحثيث في إبطال أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتنفير الناس عنه.
الآية 26
الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
📝 التفسير:
{الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} يعني الكلمات الخبيثات المفترض أن تكون للخبيثين فقط، فلا ينبغي أن يتكلم أحد بالكلمة الخبيثة إلا في عرض الرجل الخبيث أو المرأة الخبيثة.
{وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} والخبيثون عديمو الإيمان هم الذين يصدر عنهم الكلام الفاحش والخبيث.
{وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} الكلمات الطيبات (1) تقال في الطيبين رجالاً ونساءً.
{وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} وكذلك الطيبون هم أهل الكلمات الطيبات.
{أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} وهم الطيبون رجالاً ونساءً فهم بريئون مما يقوله المنافقون ويرمونهم به.
فمن هتك ستر نفسه وجاهر بالمعاصي فلا حرج على من تكلم فيه، وذكره بالسوء والمكروه، ولذا ورد في الحديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم))، فمن وقف مواقف التهم فلا يلومن إلا نفسه إن تكلم أحد في عرضه بشيء.
{لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ 26} وهم الطيبون سواء كانوا رجالاً أم نساءً.
__________
(1) - سؤال: وهل يصح أن تفسر هذه الآية بأن الخبيثات أهلٌ للزواج بالخبيثين والخبيثين أهل لأن يتزوجوا بالخبيثات وهكذا ... ؟ أم ترون ذلك ضعيفاً فما وجهه؟
الجواب: يصح تفسيرها بما ذكرتم، وقد فسروها كذلك كما ذكرتم، وفسروها أيضاً بما ذكرنا، وكلا التفسيرين صحيح.
الآية 27
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 27} ثم أخذ الله سبحانه وتعالى في تعليم عباده كيف يسدون منافذ الفتن ومداخلها، فنهى أولاً عن دخول الرجل بيت أحد حتى يستأذن على أهل ذلك البيت، ثم إن عرف بوجودهم فينبغي أن يسلم عليهم ليشعرهم بوجوده فلا يفاجئهم بالدخول، فإن أذنوا له بالدخول دخل وإلا فلا؛ ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن ذلك هو الأفضل والأحسن حتى لا يقع نظره على محاسن امرأة فيجد الشيطان بسبب ذلك على الرجل مدخلاً لإيقاعه في الفتنة، ولما في ذلك من الابتعاد عن مواضع التهم.
الآية 28
فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 27} ثم أخذ الله سبحانه وتعالى في تعليم عباده كيف يسدون منافذ الفتن ومداخلها، فنهى أولاً عن دخول الرجل بيت أحد حتى يستأذن على أهل ذلك البيت، ثم إن عرف بوجودهم فينبغي أن يسلم عليهم ليشعرهم بوجوده فلا يفاجئهم بالدخول، فإن أذنوا له بالدخول دخل وإلا فلا؛ ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن ذلك هو الأفضل والأحسن حتى لا يقع نظره على محاسن امرأة فيجد الشيطان بسبب ذلك على الرجل مدخلاً لإيقاعه في الفتنة، ولما في ذلك من الابتعاد عن مواضع التهم.
{فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} ثم أرشد الله تعالى عباده إلى ترك الدخول إن استأذن فلم يجبه (1) أحد، فينتظر إلى أن يحصل له الإذن بالدخول.
{وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ 28} وإن لم يؤذن لكم، أو قال لكم أصحاب المنزل: ارجعوا (2) - فلا تدخلوا وارجعوا وراءكم، فالرجوع أقرب إلى العفة وطهارة النفس، وقد شرع الله تعالى لنا هذه الآداب الرفيعة لعلمه تعالى بما يصلح عباده، وبما يفسدهم.
__________
(1) - سؤال: لعلكم تريدون -أيدكم الله- أن عدم الجواب دليل على عدم وجود أهل البيت، فهل هو كذلك؟
الجواب: يكون عدم الجواب دليلاً على عدم وجود أهل البيت، أو دليلاً على عدم الإذن بالدخول.
(2) - سؤال: هل يجوز لصاحب الدار أن لا يجيب تثاقلاً لذلك الداعي أم لا؟
الجواب: يجوز لصاحب الدار أن لا يجيب الداعي أو الطارق إذا كان لا يحب دخول الداعي والطارق ودليل ذلك: {فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} فإن ذلك يدل على أن لصاحب الدار أن يأذن أو لا يأذن والسكوت من أدلة عدم الإذن.
الآية 29
لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
📝 التفسير:
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ (1) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ 29} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قد رفع الحرج في لزوم الاستئذان في البيوت العامة كالفنادق، وما أشبهها فلا حرج في الدخول من غير استئذان، وقد أراد الله سبحانه وتعالى بالمتاع المنافع الموجودة فيها كاستئجار السكن وشراء الأكل من المطاعم والدكاكين ونحو ذلك.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه مطلع على ما أبداه عباده وعلى ما في ضمائرهم، وعالم بأهل النيات الحسنة والخبيثة، وسيجازي كلاً على حسب ما يستحق.
__________
(1) - سؤال: ما محل المصدر: {أَنْ تَدْخُلُوا} وجملة: {فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ}؟ وكذا محل الجار والمجرور أو متعلقه؟
الجواب: «أن تدخلوا» في محل جر أو نصب بنزع الخافض والتقدير: في أن تدخلوا أي في دخولكم، وجملة: «فيها متاع لكم» في محل نصب صفة ثانية لبيوتاً، ومحل الجار والمجرور الرفع خبر مقدم، ومتاع: مبتدأ مؤخر.
الآية 30
قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا (2) مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ثم شرع الله تعالى في تعليم عباده وإرشادهم إلى شيء آخر مما يسد منافذ الشيطان ومداخل الزنا وأبوابه، فأمرهم بغض أبصارهم عن النظر في محاسن النساء؛ لأن النظر هو أول مدخل للشيطان يدخل منه لإغراء الرجل بالمعصية ودعوته إلى فعلها.
{وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ 30} وأمرهم أيضاً أن يحفظوا فروجهم فلا يضعوها في الحرام (1).

__________

(2) - سؤال: ما الوجه في جزم {يَغُضُّوا}، مع أنه لا يستقيم الكلام لو جعلناه جواباً للطلب {قُلْ} لأنه يصير: إن تقل لهم يغضوا؟
الجواب: التقدير: قل للمؤمنين غضوا، وحذف لدلالة يغضوا عليه؛ فجزم يغضوا في جواب هذا الأمر المحذوف.

(1) - سؤال: هل حفظ العورة من كشفها من جملة حفظ الفروج؟ وما العلة في دخول «من» في الأبصار دون الفروج؟
الجواب: المراد بحفظ الفروج هنا وفي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ 29 إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ 30 فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ 31} [المعارج] هو: حفظها عن الحرام بدليل قوله: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أما كشفها للناس فمن القبائح الفطرية التي يستقبحها الناس. ودخلت «من» في الأبصار لأن المراد تحريم النظر إلى المحرمات وهي بعض من المنظور إليه وأكثره مما يجوز النظر إليه، أما الفروج فحفظها واجب على الإطلاق إلا على الزوجة أو ما ملكته اليمين من الإماء.
الآية 31
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
📝 التفسير:
{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} وكذلك المؤمنات الواجب عليهن غض أبصارهن عن النظر إلى الرجال، وكذا حفظ فروجهن إبقاءً على حشمتهن ودينهن.
{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (1)ولا يظهرن محاسنهن للرجال إلا ما ظهر وهو الوجه والكفان، فيجب عليها أن تستتر فلا تكشف زينتها حيث يراها الرجال، ثم استثنى الله سبحانه وتعالى من ذلك الشيء الذي لا بد لها من كشفه كالوجه والكفين للحاجة إلى كشفهما في مزاولة أعمالها من تجهيز الحطب والماء فلا يجب عليها تغطيتها، ولكن يجب على الرجال غض الأبصار، والواجب عليها مع ذلك أن لا تخرج أو تسير لغير حاجتها، وأن تتجنب مقابلة الرجال، وتغض بصرها عن النظر إليهم.
وقد أمرهن الله تعالى في آية أخرى بالاستتار في البيوت فقال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33]؛ لما في ذلك من الحفاظ على حشمتهن وعدم تعرضهن للفتنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأزواجه: ((هذه، ثم لزوم الْحُصُر))، وذلك عندما حج بهن أمرهن بعد تحجيجهن أن يلزمن حصير بيوتهن فلا يخرجن عنه.
{وَلْيَضْرِبْنَ (2) بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} وعلى المرأة أن تستر صدرها وثدييها وعنقها (3) بطرف خمار رأسها، ولا يجوز لها كشف ذلك.
{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} لا يجوز للمرأة أن تبدي شيئاً من زينتها كشعر الرأس والعنق ونحو ذلك لأحد إلا لهؤلاء الذين استثناهم الله سبحانه وتعالى في الآية، ومعنى «بعولتهن»: أزواجهن.
والمراد بنسائهن: المؤمنات منهن، مما يدل على أنه لا يجوز لها أن تبدي محاسنها عند غير المسلمات، ولا حرج على المسلمة في إظهار زينتها لأمتها، ولا يجوز لها أن تظهرها لعبدها (4).
و «التابعين غير أولي الإربة»: هم البلهاء الذين لا حاجة لهم إلى النساء ولا داعي في نفوسهم إليهن، وكذلك الأطفال؛ لأنهم لا يلتفتون إلى النظر إلى عورة المرأة وزينتها، ولا يفكرون في ذلك (5).
{وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} يرشد الله سبحانه وتعالى المرأة هنا إلى أنها إذا خرجت تمشي بين الناس فينبغي لها أن لا تضرب بقدميها بقوة على الأرض حتى يسمع الرجال صوت ما تلبسه من الذهب والفضة وما أشبههما (6)،ونحو ذلك العطور التي تنفح منها الروائح القوية والجذابة؛ لما في ذلك من لفت أنظار الرجال إليها، وبعث دواعي الشهوة عندهم.
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 31} أمر الله سبحانه وتعالى عباده بأن يتداركوا ما فرط منهم فيما مضى بالتوبة والرجوع إليه.


__________

(1) - سؤال: من فضلكم سيدي ومولاي حجة العصر لدينا هذه الإشكالات: هل الزينة حقيقة في أعضاء الجسد، أم فيما تتزين به المرأة؟ إن كان الأول فما الوجه في حملها في قوله تعالى: {لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} على الثاني بإجماع المفسرين تقريباً؟ وإن كان الثاني فما المرجح لحملها هنا على الأول؟ وما قرينة ذلك؟
وهل تقتضي هذه الأمارات والدلالات أو القرائن وجوب ستر الوجه وتغطيته أم لا؟ وهي:

1 - ... حمل الاستثناء في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} على ما بدا بدون شعور أو قصد من زينة الذهب والفضة، أو ما كان على ظاهر الثياب من ذلك؛ ليوافق مفهوم الآية التالية: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}.
2 - ... العلة في هذه التعاليم خشية الوقوع في الفتنة من الطرفين، كما نبه عليها في قوله: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}، وفي آية أخرى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53]، ولا شك أنها مع ظهور الوجه أعظم وأطم؛ إذ هو أدعى شيء إلى الافتتان.
3 - ... قوله سبحانه وتعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب:32]، ظاهر في أن التحريم لأجل طمع أهل الريبة، والعلة بعينها موجودة في كشف الوجه.
4 - ... عدم ظهور تخصيص آية الحجاب بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو مع بناته، كما ذهب إليه المولى الحجة علي بن محمد العجري ھ.
5 - ... ما اتفق عليه الأئمة والعلماء في اليمن الميمون من إلزام النساء بالحجاب وتغطية الوجه، قبل وبعد ظهور المخالف.
6 - ... ضعف ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يحل أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى الوجه والكفين))؛ إذ لم يروه أحد من أئمتنا ولا شيعتهم، ولعل فيه ضعفاً عند غيرهم.
7 - ... إذا كان إحرامها في وجهها فما الوجه في إلزامها بكشف شيء هي معتادة لكشفه؟
8 - ... إذا كان المراد بالثياب في قوله: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60]- الثياب التي فوق الخمار ونحو الثياب السوداء التي تلبسها النساء في بلادنا فيؤخذ منها لزوم هذه الثيابات للشواب وغير القواعد، ومن جملتها ما يغطى به الوجه والخمار مع أن في قوله: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} إطلاق الزينة على الذهب والفضة ونحوها. فتفضلوا بالإطلال على هذه النقاط مع الإغضاء عما فيها من ركاكة أو ضعف تركيب أو قصور نظر؟
الجواب: المقصود من تلك التعاليم الواردة في هذه السورة هو سد منافذ الشيطان وإغلاق أبواب الفتنة، وقد نبه الله تعالى المؤمنات بقوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} أنه يجب عليهن ترك كل ما يبعث دواعي الرجال ويثيرهم ويحرك غرائزهم إلى المرأة، سواء في مشيتها أو حركتها، أو التفاتتها، أو في ملابسها، أو في وقوفها في مكان، أو في إظهار يد أو ساق أو قدم أو شعر أو وجه، أو عطور.
والمراد بـ «زينتهن» هي زينتهن التي في أيديهن أو أرجلهن أو على أعناقهن أو في آذانهن أو على شعورهن أو في وجوههن، وليس المراد زينتهن التي في الكوة أو في الدرْج، فعلى هذا يكون المراد بزينتهن في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} هو: الزينة ومواضعها من بدن المرأة.
ولا شك أن الوجه وجماله أكبر دواعي الفتنة وأعظمها، وأنه لذلك أولى بالستر، ولم يهمل الشارع الحكيم ستر الوجه وصيانته؛ فأمر المؤمنين بغض أبصارهم في قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}، وفي الحديث: ((لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليس لك الثانية))، و ((النظرة سهم من سهام إبليس))، وقال تعالى لنساء النبي أمهات المؤمنين والمؤمنات: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ... } [الأحزاب:33]؛ فعلى المرأة المؤمنة أن تلزم بيتها ولا تخرج إلا لحاجة ماسة، فإذا خرجت فلتجتنب طرق الرجال ومجالسهم وأسواقهم، ومن حيث لا يراها أحد، وقد كانت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنات يخرجن لحاجتهن بعد المغرب إذا أظلم الليل قليلاً؛ ليستترن بظلمة الليل، حتى لا يراهن الرجال؛ لذلك نقول: إن ستر محاسن المرأة بما في ذلك وجهها هو واجب شرعي.
وقد ذكرنا في التفسير أنه لا يجب عليها ستر الوجه والكفين، وقلنا أيضاً: ولكن يجب على الرجال غض الأبصار، ولا تخرج إلا لحاجتها، وتتجنب مقابلة الرجال.
ونزيد على ذلك فنقول: إذا خشيت من أن الرجال لا يغضون أبصارهم أو لم يمكنها أن تتجنب مقابلة من لا يغض بصره فعليها أن تستر وجهها وكفيها.

(2) - سؤال: ما المراد بالضرب في قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ ... }؟
الجواب: المراد به أن تسدل المرأة من خمارها ما يغطي ويستر صدرها أي ما يبدو منه من فِقْرَة ثوبها.
(3) - سؤال: يقال: الذي قد يظهر بالسبر والتقسيم أن العلة في ستر العنق والصدر هي خشية الفتنة، فهل يلزم في الوجه مثل ذلك؟
الجواب: مع خشية الفتنة يجب ستر الوجه وغيره.

(4) - سؤال: ما الوجه في تخصيص الجواز بالأمة لا العبد؟
الجواب: خشية الفتنة في العبد.
(5) - سؤال: فضلاً ما معنى: {لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} بالنظر إلى أصل وضعها؟
الجواب: أي: لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا ما هي لصغرهم.
(6) - سؤال: قد يقال: بأن ظاهر النهي يتناول إظهار تلك الزينة فكيف؟ وهل ما يقال في سبب نزولها وهو المنع عن الخلخال التي كانت تلبسه النساء صحيح أم لا؟

الجواب: النهي هو متوجه إلى المرأة أن لا تظهر طنين حليتها ليسمعها الرجال، وليس في الآية ما يدل على المنع من لبس الخلخال أو غيره من الحلي التي تتزين به المرأة، وإذا نهيت المرأة عن إظهار صوت الخلخال فإن صوتها ووجهها أولى بإخفائه وستره.
الآية 32
وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى (1) مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} ثم شرع الله سبحانه وتعالى في إرشاد الناس إلى الباب الثالث مما يسد منافذ الزنا والفتنة ومداخل الشيطان، فأمر الله تعالى أولياء الأمور بأن يسارعوا في تزويج من بلغت سن الزواج فلا يمسكوهن فيصبحن عرضة للفتنة وفاحشة الزنا، وكذلك ما ملكتم من العبيد والإماء فينبغي أن تزوجوا كل من استطاع منهم القيام بالحقوق الزوجية؛ لأن إمساكهم يؤدي إلى انتشار فاحشة الزنا في صفوف المؤمنين، ونشر الفساد بينهم.
{إِنْ يَكُونُوا (2)فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 32} فزوجوا نساءكم ولو كان الزوج فقيراً فليس ذلك عيباً أو نقصاً، وسوف يغنيهم الله تعالى من فضله؛ وكذلك الرجل لا ينبغي له أن يترك الزواج خوفاً من الفقر والحاجة فليس الفقر مانعاً، وسوف يغنيه الله تعالى من فضله، فهذا وعد من الله سبحانه وتعالى بأنه سيغني من كان فقيراً مع زواجه، ولن ينقص ذلك من ملكه شيئاً، فلا ينبغي أن يكون الفقر مانعاً من الزواج لا للرجال ولا للنساء.

__________
(1) - سؤال: هل الأيامى مقصور على الإناث؟ أم لهن وللذكور مع التوضيح لذلك مع الضمير في {مِنْكُمْ}؟
الجواب: الأيامى يطلق على الذكر والأنثى اللذين لم يتزوجا، وقوله: {مِنْكُمْ} أي: حال كونهم منكم أيها المؤمنون، أي: يكونون مؤمنين أحراراً.
(2) - سؤال: إلامَ يعود الضمير هنا؟ وهل سبق له ذكر؟

الجواب: يعود إلى الأيامى الأحرار المؤمنين، وكان المفروض عوده إلى الجميع، لكن منع من عوده إلى {الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} ما علم أن العبد والأمة لا يملكون.
الآية 33
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ثم أمر الله سبحانه وتعالى الفقراء الذين لا يستطيعون الزواج أن يلزموا العفة والصبر حتى ييسر الله تعالى لهم، أراد الله سبحانه وتعالى منهم أن يتكلفوا العفة والصبر ويبالغوا في ذلك.
{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ (1) إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا (2)وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} ثم أمر الله تعالى الذين يملكون العبيد بأن لا يمنعوا من أراد من عبيدهم أن يشتري نفسه، ويسمى ذلك المكاتبة وهو أن يطلب العبد من سيده ويتفق معه أن يكاتبه على عتق نفسه على أن يسلم له مال الكتابة دفعات يتفقون على تحديدها، ولكن بشرط أن يعلم السيد بأنه من أهل الوفاء والقدرة على أداء مال الكتابة بحرفة يمتهنها أو نحو ذلك، وإلا فلا يلزمهم إجابتهم، وأيضاً ينبغي أن يعينوهم (3) على أداء مال الكتابة من الزكاة.
{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا (4) لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} كان المنافقون في المدينة الذين يملكون الإماء يكرهونهن على الزنا وتأجير أنفسهن ليجلبن لهم الفلوس، وإن لم يفعلن ذلك عذبوهن حتى تضطر الواحدة منهن إلى أن تذهب مكرهة للبحث عمن تؤجر نفسها منه.
{وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ 33} فمن تاب (5)بعد نزول هذه التعاليم فإن الله سبحانه وتعالى سوف يتوب عليه.
وقد نزلت هذه الآية في عبدا لله بن أُبَيّ كما قيل فقد كان يملك الكثير من الإماء، وكان يكرههن على الزنا ويضطرهن إليه، وكن يردن العفة، وكان من المفترض أن يكون هو الذي يريد لهن العفة لا هن.
__________
(1) - سؤال: قوله: {فَكَاتِبُوهُمْ} إن كان خبر المبتدأ {الَّذِينَ} فأين جواب الشرط؟ وإن كان جواباً فأين الخبر؟
الجواب: «الذين» منصوب على الاشتغال، وناصبه فعل يفسره «كاتبوهم» وهذا الإعراب أولى من جعله مبتدأ، والجملة الأمرية خبر، والفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط.
(2) - سؤال: هل الخيرية مقصورة على القدرة على الوفاء أم أنها عامة فيشترط في المكاتب الصلاح والإيمان؟

الجواب: الظاهر أن الخيرية شاملة أيضاً للإيمان والصلاح كما قال الهادي عليه السلام، والخير فهو الدين والتقوى والوفاء والإعفاء والاهتداء والورع ....

(3) - سؤال: من الذي تجب عليه الإعانة من هذه الزكاة؟
الجواب: الواجب هو على الإمام إن كان في الزمان إمام أو سائر المسلمين إن لم يكن إمام حيث إن الله تعالى قد جعل للمكاتبين حقاً في الزكاة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ ... } الآية [التوبة:60]، فقوله: {وَفِي الرِّقَابِ} المراد بهم المكاتبون.
(4) - سؤال: ما الوجه في عدم العمل بمفهوم الشرط هنا: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}؟
الجواب: الوجه في عدم العمل به هنا ما علم من الدين ضرورة تحريم الزنا على الأحرار والعبيد.
(5) - سؤال: من أين نستفيد شرط التوبة هنا؟ إن كان من غير هذه الآية فما الحكمة في إيراده بدون هذا القيد؟ أم أن الآية في الإماء المكرهات؟

الجواب: نستفيد شرط التوبة من غير هذا الموضع، مع أنه هنا قد لمح إلى التوبة بقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ 33} فقوله: {مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} يدل على أن المكره قد أقلع عن الإكراه، وإلا لما صح أن يقول: {مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} وهو مصر على الإكراه، والمراد بهذا هم أرباب الإماء وأسيادهم، لا الإماء المكرهات؛ لرفع القلم عنهن بالإكراه، وقد سماهن الله تعالى مكرهات، وهو العليم الحكيم.
الآية 34
وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا (1) مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} ثم أخبر الله تعالى بأنه أنزل هذه التعاليم والإرشادات على عباده رحمة بهم وفي مصلحتهم ومنفعة دينهم ودنياهم.
{وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ 34} وأن هذه الآيات والأمثال لن ينتفع بها ويقبلها إلا المتقون فقط، وأما غيرهم فإنهم سيعرضون عنها أشد الإعراض.
__________
(1) - سؤال: علام عطف قوله: {وَمَثَلًا ... }؟ وما المقصود بهذا المثل من الذين مضوا من قبلنا؟
الجواب: «ومثلاً» معطوف على «آيات»، والمراد بالمثل القصص العجيبة التي قصها الله تعالى لنا في القرآن لنعتبر بها ونتعظ، كقصص بني إسرائيل مع موسى، وقصص غيرهم مع أنبيائهم، أي: لئلا نتمرد كما تمردوا فيحل بنا مثل ما حل بهم من غضب الله في الدنيا والآخرة.
الآية 35
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه قد أنار (1)السماوات والأرض بالحق والهدى والآيات البينات، حتى صار الحق مكشوفاً جلياً لمن أراده وقصده، وذلك بإرسال محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما أنزله عليكم من القرآن، بعد أن كانت السماوات والأرض مغطاة بظلمات الجهل والشرك والكفر، فقشع تلك الظلمات بنور الإسلام.
{مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي (2) زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} كان العرب في لغتهم يعتمدون في وصف الأشياء على المجازات والأمثال والتشبيهات فخاطبهم الله سبحانه وتعالى في القرآن على عادتهم وتفننهم- فأخبر أن نوره ذلك كمصباح قد وضع في كُوَّةٍ، وذلك المصباح يضيء داخل زجاجة، وتلك الزجاجة في صفائها كالكوكب الدري الوهاج.
{يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} (3) وأن الوقود الذي يشعل ذلك المصباح مستخرج من شجرة الزيتون التي زيتها في غاية الصفاء حتى أنك تستطيع أن ترى الأشياء من خلاله بوضوح من شدة صفائه.
{لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} (4)ثم وصف الله سبحانه وتعالى هذه الزيتونة بأنها مغروسة في أصلح الأماكن التي تخرج أزكى الثمار وأشرفها كالتي في أعالي الجبال التي تستمد غذاءها الصافي من الشمس والريح النقية، فلا تستطيع الطفيليات أن تصل إليها بسبب أشعة الشمس تلك التي تدافعها، ولما فيها من الغذاء والفيتامينات التي تزيد من قوتها.
{يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} (5) أراد أنه من شدة صفاء زيت هذه الشجرة كأنه يضيء.
{نُورٌ عَلَى نُورٍ} (6) وأن هذه الأشياء التي هي المصباح والزجاجة وزيت الزيتون (7) عندما اجتمعت زاد نورها وتضاعف؛ وهذا تشبيه وتمثيل لنور الله سبحانه وتعالى الذي هو الهدى بأنه قد بلغ من الصفاء والوضوح لعباده مبلغاً عظيماً، وقد أصبح جلياً واضحاً يستضيء به كل من أراده وطلبه.
{يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه يهتدي بنوره (8) هذا أولئك الذين يخافونه ويمتثلون لأوامره، ويقفون عند نواهيه.
{وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ (9) وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 35} يصور الله سبحانه وتعالى ذلك للناس ويضرب لهم الأمثال والأوصاف؛ ليزيد من إفهامهم، وليرغبهم في طاعته لما علم من المصلحة لهم في ذلك.

__________

(1) - سؤال: فضلاً ما الداعي إلى حمل النور على المجاز «منورهما»؟ وما رأيكم في الرواية عن أمير المؤمنين وغيره من الصحابة أن معناه: هادي أهل السماوات والأرض؟

الجواب: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} كما روي عن أمير المؤمنين وغيره من الصحابة هادي أهل السموات والأرض فقد هداهم تعالى أي: أهل الأرض بالنور المبين «القرآن»، وهو بمعنى: «منورهما»، ولا سبيل إلى حمله على الحقيقة، وتفسير أمير المؤمنين وغيره لا يدل على أنه ليس بمجاز، وإنما فسروا الكلام بالمعنى المقصود، ولم يريدوا أن كلمة «نور» بمعنى هادي.

(2) - سؤال: فضلاً ما محل جملة: {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ}؟
الجواب: جملة: «المصباح في زجاجة» تحتمل وجهين: أن تكون صفة في محل رفع، أو أن تكون جملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب.
(3) - سؤال: ما محل جملة: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ}؟
الجواب: جملة: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ} صفة ثانية لكوكب.
(4) - سؤال: يقال: وما الذي سيحصل لو كانت شرقية أو غربية؟

الجواب: الأشجار الشرقية هي المغروسة على الوجه الشرقي للجبل، والغربية هي المغروسة على الوجه الغربي، والمراد في الآية بقوله: {لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} أنها مغروسة في قمة الجبل تشرق الشمس وتغرب عليها، وما كان كذلك من الأثمار فإنه يكون أزكى من الذي في وجه الجبل الشرقي أو الغربي.

(5) - سؤال: فضلاً ما محل جملة «يكاد»؟ ومحل جملة «يضيء»؟ وما تعرب «الواو» في قوله: {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}؟
الجواب: «يكاد ... » في محل جر صفة ثالثة لشجرة، وتعرب الواو في قوله: {وَلَوْ لَمْ ... } للحال، والجملة بعدها في محل نصب على الحال، ومحل جملة «تضيء .. » في محل نصب خبر «يكاد ... ».
(6) - سؤال: فضلاً ما الوجه في فصل الجملة {نُورٌ عَلَى نُورٍ} عما قبلها؟
الجواب: فصلت الجملة لأنها بمنزلة عطف البيان بالنسبة لما قبلها، فبين الجملتين كمال الاتصال.
(7) - سؤال: وهل المراد بتعدد المصباح والزجاجة وزيت الزيتون في هذا المثل تعدد مصادر الهدى ومنابعه؟ فما هي هذه المصادر الثلاثة؟ أم لها مراد آخر فما هو؟
الجواب: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه من تشبيه المفرد بمفرد موصوف بصفات عدة، فشبه تعالى نوره بنور المصباح الذي تظاهر في زيادة توهجه وتُضاعف نوره المشكاةُ والزجاجةُ والمصباحُ وصفاءُ الزيت، وإنما حملناه على ذلك للسلامة من تكلف كل جزء مشبه وكل جزء مشبه به.

(8) - سؤال: يقال: فما الوجه في إسناد الهداية إلى الله سبحانه؟ وما قرينة تأويلها؟
الجواب: الهداية هنا بمعنى التوفيق، أما الهداية التي بمعنى الدلالة فإنها عامة لا يختص بها مكلف دون مكلف، وهذا هو الدليل على ما ذكرنا.
(9) - سؤال: ما معنى اللام الداخلة على الناس في قوله: {لِلنَّاسِ}؟
الجواب: معناها التعليل أي: لأجل الناس، أي: ليعتبروا.
الآية 36
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ
📝 التفسير:
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} وأن ذلك المصباح في (3) تلك الزجاجة يضيء في بيت من بيوت الله سبحانه وتعالى لتعظيمها بذكره وعبادته.
أراد الله سبحانه وتعالى أن تلك المشكاة التي يضيء فيها المصباح في بيت (4)من بيوته فإن ذلك يزيد من بهائها وجمالها ويكون ذلك أوقع في النفس مما لو كانت في غيره.
وأراد بقوله: {أَنْ تُرْفَعَ}: يعني تنزه من الأقذار والنجاسات واللعبِ فيها والاستهانةِ بحرمتها.
{يُسَبِّحُ (1) لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ 36 رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} وأن هذه المساجد معمورة بذكر الله تعالى في جميع الأوقات، والغدو هو الصباح، والآصال هو آخر النهار، وأن هؤلاء الرجال قد أخلصوا نفوسهم لله تعالى، وقد تجردوا من جميع ملذات الدنيا وشهواتها ومطالبها (2)، فلا يَدَعُون دنياهم تلهيهم عن أداء ما افترض الله عليهم.
__________

(3) - سؤال: المفهوم من كلامكم أن الجار والمجرور: {فِي بُيُوتٍ} متعلق بمحذوف صفة لـ «مصباح» فهل الأولى أن نجعلهما متعلقين بـ «يسبح» لقربه أم لا؟
الجواب: قد جوزوا أن يكون «في بيوت» صفة لمشكاة أو لمصباح أو لزجاجة، وقالوا: يجوز أن يتعلق بمحذوف أي «سبحوه في بيوت» أو أن يتعلق بـ «يسبح»، والذي دعانا إلى حمله على الأول هو ما ذكرناه في أصل التفسير أن ذلك أوقع في النفوس وأعظم في التشبيه حين تكون تلك المشكاة التي فيها المصباح في بيت من بيوت الله سبحانه.
(4) - سؤال: ما محل جملة: {أَذِنَ اللَّهُ}؟ والمصدر: {أَنْ تُرْفَعَ}؟

الجواب: محل جملة: {أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} الجر صفة لبيوت، ومحل «أن ترفع» الجر أي في رفعها، أو النصب بنزع الخافض.

(1) - سؤال: ما محل جملة يسبح إذا لم نجعلها عاملاً في الجار والمجرور السابقين؟
الجواب: تكون صفة ثانية لـ «بيوت».
(2) - سؤال: هل المراد أنهم لا يتجرون؟ أم المقصود عدم الالتهاء بها رغم وجودها؟ وما فائدة عطف البيع على التجارة؟ وما المراد بذكر الله هنا؟
الجواب: المراد أن التجارة والبيع لا يلهيهم عن ذكر الله و .... ، مع وجودها وتمكنهم منها. وفائدة عطف البيع على التجارة للتنبيه على ما هو الأهم من قسمي التجارة من حيث إن الربح يتحقق في البيع دون الشراء. والمراد بذكر الله هنا على ما يظهر لي -والله أعلم- هو تعظيم الله، مخافته ومهابته، فهم وإن اشتغلوا بالتجارة والبيع إلا أن ذكر الله وتعظيمه ومهابته حاضرة في قلوبهم.
الآية 37
رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ
📝 التفسير:
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} وأن هذه المساجد معمورة بذكر الله تعالى في جميع الأوقات، والغدو هو الصباح، والآصال هو آخر النهار، وأن هؤلاء الرجال قد أخلصوا نفوسهم لله تعالى، وقد تجردوا من جميع ملذات الدنيا وشهواتها ومطالبها (2)، فلا يَدَعُون دنياهم تلهيهم عن أداء ما افترض الله عليهم.
{يَخَافُونَ يَوْمًا (3) تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ 37} (4)وصفة هؤلاء الرجال أنهم خائفون من الله تعالى وخائفون من عذابه وسخطه، مما يجعلهم يبادرون إلى طاعته وامتثال أوامره.
__________

(2) - سؤال: هل المراد أنهم لا يتجرون؟ أم المقصود عدم الالتهاء بها رغم وجودها؟ وما فائدة عطف البيع على التجارة؟ وما المراد بذكر الله هنا؟
الجواب: المراد أن التجارة والبيع لا يلهيهم عن ذكر الله و .... ، مع وجودها وتمكنهم منها. وفائدة عطف البيع على التجارة للتنبيه على ما هو الأهم من قسمي التجارة من حيث إن الربح يتحقق في البيع دون الشراء. والمراد بذكر الله هنا على ما يظهر لي -والله أعلم- هو تعظيم الله، مخافته ومهابته، فهم وإن اشتغلوا بالتجارة والبيع إلا أن ذكر الله وتعظيمه ومهابته حاضرة في قلوبهم.
(3) - سؤال: هل يصح أن نجعل جملة {يَخَافُونَ يَوْمًا ... } حالية أم لا؟
الجواب: يصح في هذه الجملة أن تكون صفة، وأن تكون حالية؛ لوجود المسوغ لجعلها حالية وهو وصف النكرة.
(4) - سؤال: ما المراد بتقلب القلوب والأبصار؟

الجواب: المراد تتغير القلوب والأبصار من الهول وتضطرب فلا تستقر القلوب والأبصار على حال بل تتغير من حال إلى حال على حسب ما يحصل من الأهوال والحوادث المخيفة العظيمة.
الآية 38
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
📝 التفسير:
{لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا (1) وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 38} (2) وأنهم يفعلون ذلك طمعاً فيما وعدهم الله سبحانه وتعالى من الثواب الذي يتفضل به عليهم زيادة على ما يستحقون (3).
يذكر الله سبحانه وتعالى هنا حال المؤمنين وصفتهم،
__________
(1) - سؤال: فضلاً هل في قوله: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} محذوف مضاف تقديره: جزاء أحسن ما عملوا؟ أم كيف؟
الجواب: هناك مضاف محذوف تقديره ما ذكرتم؛ إذ لا يستقيم الكلام إلا به.
(2) - سؤال: ما المراد بالرزق في قوله: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 38}؟
الجواب: الواو في قوله: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 38} اعتراضية والجملة معترضة، ومن شأن مثل هذا الاعتراض أن يكون مؤكداً لما سبقه؛ لذلك يكون المعنى في هذه الجملة هو تأكيد المعنى في قوله: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} أي: أن الله تعالى يعطي من يشاء في الدنيا والآخرة من فضله بغير حساب، أي: العطاء الواسع الكثير.
(3) - سؤال: يقال: ظاهر كلامكم أن الثواب على الطاعة مستحق للعبد، فهل هذا يعارض كون الطاعات في مقابل الشكر على النعم؟ أم كيف؟
الجواب: الطاعات هي شكر لله، وفي مقابلة الشكر على نعمه، إلا أن الله تعالى مع ذلك تفضل على الشاكرين بأن جعل الثواب مستحقاً لهم على أعمالهم وشكرهم، وكم في القرآن من مثل قوله: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 17} [السجدة]، {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} [النور:38]، فعلى ذلك لا تناقض.
الآية 39
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
📝 التفسير:
ثم شرع في ذكر حال الذين كفروا فقال:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ (1) كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} فمثل أعمال البر التي يعملها الكفار في الدنيا في عدم الانتفاع بها كمثل السراب في الأرض المنبسطة وحالهم كحال العاطش الذي يتراءى له الماء على مسافة منه فإذا وصل إليه انكشف له عدم ذلك وأنه ليس إلا خيالاً كاذباً، فهم يعملون أعمال البر وهم يظنون أنها مقبولة، وأنهم سينالون جزاءها، غير أنه سيكون خلاف ما يتوقعون فعندما يحين موعد الحساب والجزاء سيكتشفون أنهم لم يحصلوا على شيء من ثواب تلك الأعمال لأنهم أحبطوها بأعمال الكفر التي يعملونها.
وأعمال البر التي كان يعملها المشركون فهي أنهم كانوا يتسابقون ويتنافسون في أعمال الخير من إكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم، وحماية الجار، وغير ذلك من الصفات الحميدة التي كانوا يتصفون بها؛ فأخبرهم الله سبحانه وتعالى أن حال أعمالهم هذه كحال ذلك السراب.
هذا، وأما إذا أسلم الكافر بعد ذلك فإن ما قدمه من أعمال البر حال كفره سوف ينفعه، وسوف ينال ثوابه، وذلك لما روي أن حكيم بن حزام سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أعمال بر كان يعملها في جاهليته وكان يتحنث بها في خلال شركه، فأجابه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((بأنك أسلمت على ما أسلفت من خير)) (2)، أو بما في معناه، أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من أسلم فله ما أسلف من أعمال البر وأنه يكتب له ثوابها، ويؤخذ من هذا أن من تاب رجعت له الأعمال (3)التي أحبطتها المعاصي.
{وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ (4) فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ 39} وسوف يحاسبهم الله تعالى على أعمال الكفر والمعاصي، وسيجازيهم عليها جزاءً كاملاً.

__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {أَعْمَالُهُمْ}؟
الجواب: يعرب مبتدأً، وكسراب: خبره، والمبتدأ والخبر في محل رفع خبر «الذين كفروا».
(2) - هذا الحديث مذكور في الروض النضير، وفي فتح القدير، وهو في كثير من كتب الحديث منها: المعجم الكبير للطبراني، مسند أحمد، صحيح مسلم.
(3) - سؤال: من فضلكم لو تكرمتم بإفادتنا بشيء من الأدلة على هذه المسألة؟

الجواب: هذه المسألة هي مسألة: هل تعود حسنات التائب أم لا، التي في قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا 70} [الفرقان]، وقد اختلفوا في معنى قوله: {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}، والذي أستقربه من أقوال المختلفين في هذا هو قول من قال إنها تعود حسنات التائب المحبَطَة بالكبائر إذا تاب، ليس لرواية حكيم بن حزام، بل لما يأتي:
1 - ... عموم مثل قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7} [الزلزلة]، وقوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [آل عمران:30].
2 - ... معنى الإحباط هو أن العمل الصالح لا يقبل من الكافر ومرتكب الكبيرة؛ لقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ... } الآية [التوبة:54]، فإذا تاب الكافر ومرتكب الكبيرة زال المانع من القبول.
3 - ... التوبة تَجُبّ ما قبلها والإسلام يَجُبّ ما قبله، أي: أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتائب من الكفر كمن لم يكفر في حكم الله، وحينئذ تبقى الحسنة حسنة وتكون مقبولة.

(4) - سؤال: لم يظهر لنا تحليل هذا المجاز أو الاستعارة: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} فكيف هو؟ وإلام يرجع الضمير في قوله: «عنده»؟
الجواب: ذلك من مجاز الحذف أي: وجد وعيد الله عنده أو عقاب الله. «عنده» أي: عند ذلك الذي حسبه نافعاً فلم يجده شيئاً.
الآية 40
أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ
📝 التفسير:
{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} (2) ثم شبه الله تعالى أعمال المشركين تشبيهاً آخر، فشبه أعمال الخير والبر التي كانوا يعملونها في جاهليتهم وشركهم بحال (3) من هو في ليلة مظلمة في عمق بحر، وفوقه موج، وفوق ذلك الموج موجٌ آخر، من فوق ذلك الموج سحابٌ قد غطى الدنيا بظلمته.
{ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} (4)وأن أعمالهم ظلمات بعضها فوق بعض فكما لا يستطيع المرء أن ينتفع في هذه الظلمات بشيء فكذلك المشركون حال شركهم وضلالهم لا ينتفعون بشيء من الأعمال، لما هم فيه من ظلمات الشرك والجهل والتكذيب والفسوق والعصيان.
{إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ (5) يَرَاهَا} من شدة الظلام المطبق المتراكم.
{وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ 40} فلم تنفعهم أعمالهم هذه؛ لأنهم لم يهتدوا بهدى الله تعالى، ولم يستضيئوا بنوره، واختاروا ظلمات الجهل على نور الإسلام (6).

__________

(2) - سؤال: ما محل الجملتين: {مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} {مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ}؟
الجواب: «من فوقه موج» في محل رفع صفة لموج في قوله: {يَغْشَاهُ مَوْجٌ}. و «من فوقه سحاب» في محل رفع أيضاً صفة لموج في قوله: {مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ}.
(3) - سؤال: هل المشبه به الظلمات نفسها، أو من هو فيها؟
الجواب: المشبه به الظلمات ومن هو فيها، والمشبه الكافر وأعماله القبيحة؛ لأن التقدير: أو كذي ظلمات، بدليل: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}.
(4) - سؤال: ما إعراب: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}؟

الجواب: قوله: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} لا محل لها من الإعراب كالتفسير لما قبلها أو كالتأكيد، و «ظلمات» خبر لمبتدأ محذوف أي: هذه ظلمات. «بعضها فوق بعض» جملة من مبتدأ وخبر في محل رفع صفة لظلمات.

(5) - سؤال: هل لهذه الجملة محل؟ فما هو إن كان؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب شرط غير جازم.
(6) - سؤال: هل من تمام التشبيه أنهم لم يتنوروا بتلك الأعمال، أو لم تكن سبباً في اهتدائهم وحصولهم على النور، أم لا؟
الجواب: نعم، هو من تمام التشبيه، فالمشبه الكافر المعرض عن النور الذي أنزله الله.