القرآن الكريم مع التفسير

سورة النمل

آية
إجمالي الآيات: 93 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
📝 التفسير:
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} لأنها كانت من الجنود التي حشرها سليمان عليه السلام.
{فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ (1) أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ 20 لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ 21} وكان الهدهد من جملة جنوده فطلبه فلم يجده بينهم، فأقسم أنه إن لم يأت بحجة وعذر يبرر غيابه ليعذبنه جزاءً على ذلك، مما يدل على إحاطته بجنوده فرداً فرداً، وتفقده لأحوال رعيته، وفيه إشارة على أنه ينبغي أن يكون القائد ملماً بجنوده، عالماً بأحوالهم وتحركاتهم.
__________
(1) - سؤال: هل المراد فرد من الهدهد أم النوع والجنس بكامله؟
الجواب: المراد فرد واحد، ولعل هذا الفرد كان كبير هذا النوع من الطير، فسياق قصة الهدهد تدل على أنه واحد لا جميع الهداهد.
سؤال: ما محل جملة: {لَا أَرَى الْهُدْهُدَ}؟
الجواب: لا محل لها من الإعراب لأنها مستأنفة لبيان علة تحير سليمان واستفهامه.
الآية 22
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ
📝 التفسير:
{فَمَكَثَ (2)غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ 22} فما لبث أن عاد الهدهد مقبلاً بأخبار مملكة سبأ وملكتهم، وكان سليمان عليه السلام قد قرب من صنعاء (1)، وقد جاءته أخبار سبأ وهو هنالك.

__________
(2) - سؤال: من الفاعل للمكث؟ وما إعراب: {غَيْرَ بَعِيدٍ}؟

الجواب: الفاعل ضمير الهدهد أو ضمير سليمان. «غير بعيد» مفعول مطلق أي: مكثاً قليلاً.

(1) - سؤال: من أين نستفيد هذا؟
الجواب: نستفيد من غياب الهدهد مدة قليلة عن معسكر سليمان وإطلاعه على مملكة سبأ، ولو كان سليمان في أرض الشام لغاب الهدهد عدة أيام لبعد المسافة بين الشام وسبأ. وبعد، فما كان للهدهد أن يغيب عن معسكر سليمان والمفروض أن يكون عمله هو التحليق حول المعسكر لاستطلاع ما حوله، فعند استطلاعه رأى ما رأى في سبأ فَسَفَّ إليه ليتحقق ما ثَمَّ ويعود بخبره إلى سليمان.
الآية 23
إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ 23} (2) وهذا هو النبأ الذي جاء به الهدهد مخبراً لسليمان بما تهيأ لها من أسباب الملك العظيم، وما آتاها الله سبحانه وتعالى من القوة والنفوذ والسلطان، وكان اسمها بلقيس.
_________________
(2) - سؤال: هل يفيدنا قوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} لزوم التخصيص بالعقل إذ المعلوم أنها لم تؤت من كل شيء في الدنيا؟
الجواب: نعم يقتضي ذلك لزوم التخصيص بالعقل فيما كان كذلك أي: فيما يحيل العقل عمومه.
الآية 24
وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ
📝 التفسير:
{وَجَدْتُهَا (3) وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ 24} (4)وكانوا قد اتخذوا الشمس إلهاً يعبدونه من دون الله، ظناً منهم أنهم في خير العمل، وأنهم على سواء الطريق بسبب تزيين الشيطان لهم ذلك.

__________
(3) - سؤال: ما السر في فصل هذه الجملة عن التي قبلها؟
الجواب: فصلت لأنها كالبدل من الجملة التي قبلها.
(4) - سؤال: ما الذي يستفاد من الآية في هدم مذهب المجبرة؟

الجواب: يستفاد منها في هدم مذهب المجبرة نصها أن الشيطان هو الذي صدَّهم عن الحق وزيَّن لهم عبادة الشمس من دون الله، وهذا دليل قاطع على هدم مذهب الجبر وبطلانه.
الآية 25
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
📝 التفسير:
{أَلَّا يَسْجُدُوا (1) لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ (2) فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} وأنهم لا يسجدون لله تعالى الذي بيده القدرة على إخراج النبات المخبوء في الأرض، وكذلك إخراج ما قد خُبِئَ في السماء من المطر والخير والشر والوحي والعذاب وما أشبه ذلك.
{وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ 25} وكذلك الذي علمه محيط بكل شيء ما خفي وما علن وما ظهر وما بطن.
__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما إعراب: {أَلَّا يَسْجُدُوا} مفصلاً؟
الجواب: «ألا يسجدوا» في تأويل مصدر وفي إعرابه أوجه:
1 - ... أن يكون معمولاً لـ «يهتدون» على زيادة «لا» أي فهم لا يهتدون إلى السجود لله.
2 - ... أن يكون بدلاً من «أعمالهم» أي: فزين لهم الشيطان أن لا يسجدوا لله أي: عدم السجود لله فيكون في محل نصب.
3 - ... ويجوز أن يكون بدلاً من «السبيل» على زيادة «لا».
4 - ... أن يتعلق بقوله: «فصدهم ألا يسجدوا» أي: لئلا يسجدوا فيكون المصدر مجروراً بلام مقدرة ..
ولعل أحسن الوجوه الثاني والرابع لسلامتهما من الحكم بزيادة «لا» إذ الأصل عدم زيادتها.
(2) - سؤال: هل قوله: {الْخَبْءَ} بمعنى المخبوء من باب: فَعْل بمعنى مفعول أي مما حل المصدر فيه محل اسم المفعول؟
الجواب: «الخبء» مصدر حل محل اسم المفعول وحلوله محله كثير في القرآن وغيره.
الآية 26
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
📝 التفسير:
{اللَّهُ (3) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 26} فلماذا لا يعبدون الله الذي هو ربهم ورب الشمس ورب السماوات والأرض وما بينهما.
__________
(3) - سؤال: ما الوجه في الابتداء بلفظ الجلالة {اللَّهُ} وكان من حقها الكسر على البدلية من «لله» في: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ}؟
الجواب: الوجه أنه قُصِد الاستئناف إلى الثناء على عرش الله وعظمته بعد ذكر عرش بلقيس وتنويهه به.
الآية 27
قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ 27} فرد عليه سليمان عليه السلام بأنه سيتحقق، وسينظر في صحة هذا الخبر الذي جاء به (1).
__________
(1) - سؤال: ما العلة في عدم تصديق سليمان له مع أن ذهابه قد يكون بتدبير الله سبحانه له أم كيف كان ذهابه؟
الجواب: قد يكون عدم تصديق سليمان عليه السلام للهدهد لواحد من أمرين أو لكليهما:
1 - ... أن الهدهد جاءه بخبر عظيم، وما كان كذلك من الأخبار العظيمة فإنه يستدعي التثبت.
2 - ... أن سليمان عليه السلام لم يكن يعلم تلك المملكة وما هي فيه من السلطان والقوة وما هي عليه من الدين فاستغرب خبر الهدهد فلو كان خبره صحيحاً لعلمه من قبل فقد كان عالماً بممالك الأرض الكبيرة.
والهدهد وإن كان مسخراً لسليمان بتسخير الله له وهدايته له فقد يخيل إليه الأمر وينخدع بصره فيخبر عما تخيله، وقد يكون ما تخيله حقيقة وحقاً، وقد يكون خيالاً ووهماً كما هو الحال في الإنسان العاقل، فلا غرابة في أن يحصل للهدهد خيال كاذب. أما أن نقول: إن الهدهد قد يكذب فبعيد غاية البعد؛ لأنه مسخر لخدمة سليمان بتسخير الله له وتدبيره وهدايته إلى خدمته.
الآية 28
اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ
📝 التفسير:
{اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ 28} (2) وبعد أن تلقي لهم بالكتاب اتخذ مكاناً قريباً منهم حتى تسمع ما سيكون من ردة فعلهم، وماذا سيقولون، ثم ارجع إلي بخبرهم.
__________
(2) - سؤال: ما إعراب: {فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ 28}؟ وهل يتعدى الفعل «رجع» بنفسه كما في الآية؟ أوضحوا ذلك؟
الجواب: «انظر» فعل أمر بمعنى: تفكر وتأمل، والفاعل ضمير مستتر، «ماذا» اسم استفهام في محل نصب مفعول به ليرجعون، والجملة معلقة عن العمل بالاستفهام، وهي في محل نصب. ويرجعون مضمن معنى «يردون» فيتعدى بنفسه لذلك.
الآية 29
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ
📝 التفسير:
{قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ 29 إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} جمعت الملكة بعدما قرأت الكتاب أشراف قومها وأهل المشورة والرأي منهم وأخبرتهم بما جاءها من كتاب سليمان عليه السلام، وأنها لم تر في كتابه هذا إلا ما فيه نفعهم (1) وصلاحهم وصلاح مملكتهم؛ كأنها أرادت لقومها أن يسلموا ويدخلوا في دين سليمان عليه السلام، مما يدل على رجاحة عقلها وحسن تدبيرها.
__________
(1) - سؤال: من أين نستفيد هذا؟ هل من وصفها للكتاب بأنه كريم أم من ماذا؟
الجواب: استفيد ذلك من وصفها للكتاب بأنه كريم أي: فيه مصالح ومنافع وخير بالإضافة إلى قولها: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ} فإنه يدل على تعظيمها للكتاب ولكرم الكتاب وعظمة شأنه.
الآية 30
إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
📝 التفسير:
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 30 أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ 31} (2) هذا هو نص الكتاب الذي أرسله سليمان عليه السلام، وهو تحذيرهم من التكبر والتعالي على نبي الله سليمان عليه السلام، وأن يقبلوا إليه مسلمين.
_____________
(2) - سؤال: ما إعراب: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ}؟ وكيف ساغ لنبي الله سليمان عليه السلام البدء في كتابه بالنهي والتحذير قبل المؤانسة في الخطاب ونحو ذلك؟
الجواب: «أن» هي المفسرة والمفسر هو «كتاب» ولا محل لجملة النهي من الإعراب لأنها مفسِّرة.
وسليمان عليه السلام ملك عظيم ذو قوة وسلطان وهيبة ملأت الدنيا وذلك يقتضي أن تكون أوامره جازمة صارمة بغير مداراة ولا مؤانسة ومن غير أن يتحيل لقبولها باللين والرفق حفاظاً على هيبة الملك ومكانته.
الآية 31
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
📝 التفسير:
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 30 أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ 31} (2) هذا هو نص الكتاب الذي أرسله سليمان عليه السلام، وهو تحذيرهم من التكبر والتعالي على نبي الله سليمان عليه السلام، وأن يقبلوا إليه مسلمين.
_____________
(2) - سؤال: ما إعراب: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ}؟ وكيف ساغ لنبي الله سليمان عليه السلام البدء في كتابه بالنهي والتحذير قبل المؤانسة في الخطاب ونحو ذلك؟
الجواب: «أن» هي المفسرة والمفسر هو «كتاب» ولا محل لجملة النهي من الإعراب لأنها مفسِّرة.
وسليمان عليه السلام ملك عظيم ذو قوة وسلطان وهيبة ملأت الدنيا وذلك يقتضي أن تكون أوامره جازمة صارمة بغير مداراة ولا مؤانسة ومن غير أن يتحيل لقبولها باللين والرفق حفاظاً على هيبة الملك ومكانته.
الآية 32
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ
📝 التفسير:
{قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} وطلبت من أشراف قومها أن يشيروا عليها بماذا ترد على هذا الكتاب.
{مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ 32} وأخبرتهم أنها لن تقطع في أي أمر، أو تَبُتَّ في قضية إلا في محضرهم ومشورتهم.
الآية 33
قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ
📝 التفسير:
{قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} فأشاروا عليها بعدم طاعة سليمان أو الدخول تحت رايته، وقد وثقوا بما هم فيه من القوة والعدة والعدد، وأشاروا عليها بمواجهة سليمان وحربه.
{وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ 33} وأخبروها أن ما أشاروا به هو رأيهم، وإن أرادت غير ذلك فهم تحت أمرها، فهي ملكتهم وهم طوع أمرها.
الآية 34
قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
📝 التفسير:
{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ (1) إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} وأشارت عليهم بأن الحرب ليست هي الحل؛ لأن عواقبها ستكون وخيمة، وأخبرتهم أن الدائرة إن كانت عليهم فسيعيث سليمان ومن معه الفساد في البلاد وسيذلون أعزاءهم وذلك هو قوله تعالى: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ 34} وأن هذه عادة الملوك إذا دخلوا بلاداً منتصرين؛ فقد أرادت بذلك أن تجنب قومها المهالك والمصائب والذلة، وأخبرتهم أنها ستدفع شر سليمان بأسلوب آخر غير الحرب والقتال، مما يدل على سياستها وحسن تدبيرها وبُعْد نظرتها لعواقب الأمور.

__________
(1) - سؤال: هل تريد بالملوك سليمان عليه السلام فهذا ينقض ما تقدم في قولها: {كِتَابٌ كَرِيمٌ 29}؟
الجواب: تريد بذلك الملوك في الجملة وسليمان أحدهم، ولا ينقض ذلك قولها المتقدم: {كَرِيمٌ} فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أكرم الأنبياء والرسل صلوات الله عليه وآله وعليهم دعا أهل خيبر إلى الإسلام أو .... ، فلما لم يستجيبوا إلى ما دعاهم إليه من الحق وسلّوا سيوفهم في وجهه قاتلهم واستباح أرضهم وأموالهم و ... وعلى هذا فملكة سبأ تقصد في مشورتها لقومها إلى ترك مواجهة سليمان بالحرب والقتال لأن عاقبتها سيئة عليهم.
الآية 35
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
📝 التفسير:
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ 35} (2)وأخبرت قومها بأنها ستجرب سليمان وتختبره من خلال هدية سترسلها إليه؛ لتنظر كيف ستكون ردة فعله، وبعد ذلك ستتخذ القرار تجاهه.
__________
(2) - سؤال: قد يقال: ما السر في تعدية «ناظرة» بالباء، والظاهر تعديتها باللام أو بإلى لأنها من الانتظار؟

الجواب: الباء متعلقة بيرجع لا بناظرة لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.
الآية 36
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ (1) أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ 36} فلما وصل رسولها إلى سليمان بالهدية تعجب من فعل هذه الملكة وكأنها تريد أن تستدرجه بفعلها ذلك، وأمر الرسول أن يخبرها بأن ما آتاه الله من المال والملك أكثر مما آتاها، بالرغم من أن دولة سبأ كانت غنية جداً بما تملكه من مناجم الذهب، وأمره أن يخبرها بأنه من النوع الذي لا يسكته المال.
__________
(1) - سؤال: ما فائدة إضرابه بـ «بل» في قوله: {بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ 36}؟ وماذا أراد بفرحهم بالهدية؟
الجواب: أرادت بلقيس وقومها أن يرضوا سليمان بالمال ويفرحوه ليترك غزوهم والتضييق عليهم فالهدية تذهب وغر الصدور وتمحو العداوات، فلما وصلت الهدية إلى سليمان قال: لست ممن يفرح بالهدية ويسترّ بها، فرسل الله وأنبياؤه لا يثنيهم عن نشر دين الله ومحاربة الكفر والباطل مال ولا هدية، بل أنتم الذين تفرحون بالمال وترضيكم الهدايا والعطايا، لا أنبياء الله ورسله عليهم السلام، والمأثور عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال حين عرضت عليه قريش المال والملك عليهم والنكاح لمن يحب فيهم على أن يترك الدين الذي جاءهم به: ((والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)).
الآية 37
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ
📝 التفسير:
{ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ 37} (2)وأمر رسولها أن يرجع إلى قومه فيخبرهم بأنهم إن لم يستسلموا ويدخلوا في طاعته فسيقبل عليهم بجيش لا يستطيع أحد أن يرده أو يقف شيء في وجهه.

__________
(2) - سؤال: ما إعراب: {أَذِلَّةً}؟ وهل قوله: {وَهُمْ صَاغِرُونَ 37}؟ تكرير لقوله: {أَذِلَّةً} فما فائدته؟

الجواب: في الكشاف: الذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا في أسر واستعباد ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة (رعية) بعد أن كانوا ملوكاً. اهـ وبهذا يظهر جواب الاستشكال.
الآية 38
قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي (1) مُسْلِمِينَ 38} وكان قد عرف بما قد أطلعه الله تعالى عليه من العلم أنهم سوف يقبلون إليه مسلمين، فأراد أن يأتي بعرشها قبل أن تصل إليه، والسر في ذلك أنه يريد أن يختبر ذكاءها وفطنتها (2).
__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي}؟ وما محل المصدر: {أَنْ يَأْتُونِي}؟
الجواب: «أيكم» مبتدأ، وجملة «يأتيني» خبر، و «أن يأتوني» في محل جر.
(2) - سؤال: هل أراد أن يختبر ذكاءها بتنكير العرش أم بمعرفة المعجزة في إتيانه بالعرش أم ماذا؟
الجواب: أراد عليه السلام أن يختبر ذكاءها وفطنتها فمن المحتمل كثيراً أنه قد بلغه خبر ذكائها وفطنتها وحسن تدبيرها للملك وحسن سياستها لرعيتها وربما استغرب ذلك لما طبعت عليه النساء من النقص في هذا المجال فأراد أن يختبر ذلك مع ما في ذلك من رؤيتها للبرهان الدال على نبوته ومكانته من الله وأنه سلطان حق.
الآية 39
قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
📝 التفسير:
{قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ 39} كان سليمان يقف للناس في حوائجهم من أول ساعات النهار إلى وقت الظهيرة، وعندما سأل هذا السؤال أجاب هذا العفريت (3) بأنه لن يأتي وقتُ قيامه من مقامه إلا والعرش بين يديه.
__________
(3) - سؤال: ما السر في تسميته «عفريت»؟
الجواب: في الكشاف: العفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر أقرانه -أي: بالتراب-. والعفريت من الشياطين الخبيث المارد.
الآية 40
قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
📝 التفسير:
{قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} وهو جبريل عليه السلام (1) أخبره بأنه سيأتيه بعرشها خلال طرفة عين، فلا يفتح عينيه ويغمضها إلا وهو بين يديه.
{فَلَمَّا رَأَىهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} عندما رأى العرش بين يديه حمد الله تعالى على هذه النعمة العظيمة، وتحقق أن الله سبحانه وتعالى لم يعطه هذه النعمة إلا ليختبره هل سيشكر أم سيكفر.
{وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ 40} وأن من شكر الله تعالى فإنما ينفع نفسه، وثوابَ شكره عائد عليه، وأما من كفر بنعمة الله تعالى عليه فإن الله ليس محتاجاً له وضررَ ذلك عائد عليه.

__________
(1) - سؤال: ما صحة ما يقال بأن الذي عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا الخير حتى روي عن الإمام الأعظم زيد بن علي '؟ وأيضاً تكرر في دعاء الإمام القاسم بن إبراهيم وغيره: «بما دعاك به صاحب سليمان عليه السلام» فما هو الاسم الذي دعا به صاحب سليمان ولعلهم يقصدون به الذي عنده علم من الكتاب؟
الجواب: {عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} صفة، وأكمل من يتصف بها من البشر هم الأنبياء والرسل عليهم السلام، ولا ينبغي أن يكون أتباعهم وأصحابهم وأخصاؤهم أكمل منهم في تلك الصفة.
فإذا كان المراد بها واحداً من البشر في عهد سليمان عليه السلام فهو سليمان، ولم يكن آصف نبياً، ويبعد أن يكون مع آصف اسم يدعو به؛ لأنه لم يكن نبياً يوحى إليه ولا يمكنه معرفة الاسم إلا إذا كان نبياً أو بواسطة نبي الله سليمان عليه السلام ولو كان سليمان عالماً بالاسم لدعا الله بذلك الاسم ولما احتاج إلى أن يدعو أعيان مملكته: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} فمن هنا قلنا: إن الذي عنده علم من الكتاب هو جبريل عليه السلام الذي اصطفاه الله تعالى لحمل الوحي إلى رسله وأنبيائه عليهم السلام فهو الذي يأتيهم بعلم الكتاب. وفي المصابيح نقلاً عن البرهان: أن الذي عنده علم من الكتاب هو جبريل عليه السلام وقيل: ملك أيد الله به سليمان عليه السلام، وقيل غير ذلك. اهـ فلم يذكر في المصابيح غير جبريل أو ملك.