القرآن الكريم مع التفسير

سورة القصص

آية
إجمالي الآيات: 88 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 21} (2) خرج موسى من أرض مصر في خوف وحذر شديدين، متوقعاً للمكروه، داعياً لله تعالى أن لا يمكنهم من رؤيته والظفر به.

__________
(2) - سؤال: ما وجه فصل جملة: {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي ... } عن التي قبلها؟ وهل لها محل من الإعراب؟
الجواب: جملة: {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 21} جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب لوقوعها في جواب سؤال مقدر ناشئ عن الجملة التي قبلها، أي: فماذا قال، أو فماذا حصل؟
الآية 22
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ
📝 التفسير:
{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ (3)مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ 22} وحين توجه إلى ناحية شرق مصر ماشياً من غير هدى أو معرفة بالطريق الصحيح، ودعا الله أن يهديه إلى طريق نجاته، وفعلاً فقد هداه الله سبحانه وتعالى إلى الطريق الصحيح، فسار إلى أن وصل مدين، والتي تقع في الجانب الشرقي من خليج العقبة. ومعنى «سواء السبيل»: وسط الطريق، دعا الله بذلك لخوفه من الضلال عن الطريق.
___________
(3) - سؤال: ما إعراب: {تِلْقَاءَ مَدْيَنَ}؟

الجواب: يعرب مفعولاً فيه (ظرف مكان) متعلقاً بتوجه، ويستعمل «تلقاء» أيضاً مصدراً.
الآية 23
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ
📝 التفسير:
{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ (1) امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} عندما وصل إلى البئر التي ترد عليها قبائل مدين ليستقوا منها ويسقوا أنعامهم ودوابهم، صادف وصولُهُ وقتَ ورودهم على الماء وازدحامهم عليه، وقد رأى من بين أولئك القوم امرأتين قد انحازتا في ناحية عنهم، ومنعتا أغنامهما عن ورود الماء. ومعنى «أمة من الناس»: جماعة كثيرة منهم.
{قَالَ مَا خَطْبُكُمَا} فسألهما عن حالهما، ولماذا لا تستقيان مع بقية القوم؟
{قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ (2) وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (3)
__________
(1) - سؤال: ما معنى {دُونِهِمُ}؟ وهل هو حقيقة أم لا؟
الجواب: إذا فسرنا «دونهم» بالمكان الأقرب إلى الجماعة فهو حقيقة، وإن فسرناها -أي «من دونهم» - بـ «من غيرهم» فهي مجاز؛ لأن الدون هو أقرب مكان إلى الشيء، فإذا قلت: هو دون البيت أي: في أقرب مكان إلى البيت، هذا هو المعنى الحقيقي للدون.
(2) - سؤال: ما الفرق بين رعاء ورعاة؟
الجواب: كلاهما جمع راع، فلا فرق بينهما.
(3) - سؤال: هل يؤخذ من الآية عدم جواز الاختلاط للنساء بالرجال ومزاحمتهن لهم ولو مع الحاجة؟ وهل في ذكرهما لشيخوخة أبيهما تبيين العذر في خروجهما؟ إن كان فهل يؤخذ منه أن المرأة لا تزاول عمل الرجال خارج البيت مع وجود من يقوم بأمرها؟

الجواب: يؤخذ من الآية أن العفة تقتضي وتحتم على الشابة تجنب مزاحمة الرجال ولو مع الحاجة، وأنه مأخوذ على الشابة أن لا تخرج من بيتها لتعمل مع الرجال مع وجود من يقوم مقامها، وإذا خرجت فتتجنب الاختلاط بالرجال ومزاحمتهم.
الآية 24
فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
📝 التفسير:
فَسَقَى لَهُمَا} فأجابتاه بأنهما مضطرتان إلى الوقوف والانتظار حتى يفرغ القوم، فهما ضعيفتان ولا رجل لهما يعينهما على ذلك إلا أبوهما وقد طعن في السن، ولا نريد مزاحمة الرجال، فسقى غنمهما. ومعنى «يصدر»: ينصرف أولئك الرعاة عن البئر بمواشيهم.
{ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ 24} (1) بعد أن سقى لهما توجه إلى ظل شجرة ليرتاح من تعب السفر وعنائه، وقد أخذ منه الجوع كل مأخذ، فلجأ إلى التضرع إلى الله تعالى بأن يسهل له ما يسد به جوعته، ولم يكن ذاق زاداً قط من ساعة خروجه من أرض مصر، وقد روي أن بطنه قد صار أخضر اللون من كثرة ما أكل من ورق الشجر الذي لم يكن يجد في طريق سفره غيره، ومعنى دعائه ذلك أنه فقير لأي خير ينزله الله تعالى إليه يسد به جوعته.
__________
(1) - سؤال: يا حبذا لو أعربتم هذه الآية: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ 24}؟ وما وجه تعبيره بالماضي في قوله: {أَنْزَلْتَ}؟
الجواب: «رب» منادى مضاف لياء المتكلم. «إني» هي «إن» واسمها , و «فقير» خبرها، و «لما أنزلت إلي» جار ومجرور متعلق بفقير، و «ما» اسم موصول بمعنى الذي ومحله الجر باللام، «أنزلت إلي» صلة الموصول والعائد محذوف تقديره: أنزلته، و «من خير» جار ومجرور بيان لما أبهم في الموصول وهو في محل نصب على الحال. ووجه التعبير بالماضي: هو ثقته بتحقق الإجابة، وشوقه إلى تحققها، وشدة حاجته إلى ما طلب؛ لذلك كأن الإجابة قد وقعت وتحققت.
الآية 25
فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ (2)قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} (1) وقد أجاب الله تعالى دعاءه فأقبلت إليه إحدى البنتين اللتين سقى لهما بدعوة من أبيها إليه.
{فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 25} فأقبل موسى على والد تينك البنتين، فحكى له قصته، وما هو السبب الذي جاء به، فطمأنه بأنه قد وصل مأمنه من آل فرعون؛ وصار في بلاد خارجة عن سيطرة فرعون، فلا سلطان له على أهلها.

__________
(2) - سؤال: بماذا تعلق: {عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}؟ وهل «ما» في قوله: {مَا سَقَيْتَ} مصدرية أو موصولة؟

الجواب: تعلق «على استحياء» بمحذوف حال من فاعل «تمشي»، و «ما» في قوله: «ما سقيت» مصدرية.

(1) - سؤال: ما هي الأحكام الفقهية التي نستفيدها من هذه الآية؟
الجواب: يؤخذ منها:
1 - ... أن على المرأة إذا دعتها الحاجة إلى أن تكلم الرجل الأجنبي أن تخفض صوتها، ولا تزيد في كلامها على قدر الحاجة، ولا تنبسط معه في حديث.
2 - ... وأن عليها أن تكون مجانبة للرجل الأجنبي عند تكليمه.
3 - ... وعليها أن تستر جميع بدنها وتخفي جميع حركاتها عند سيرها وعند وقوفها، وكل هذه الأحكام لأن من شأن صاحب الحياء أن يكون كذلك.
4 - ... وأن مكافأة المحسن حق لا ينبغي التقصير فيه.
5 - ... وأنه يجوز إرسال الشابة عند الحاجة إلى الرجل الأجنبي، مع التزام الحشمة والحياء.
6 - ... وأنه يجوز للرجل أن يكلم المرأة وتكلمه، مع التزام الحشمة والمحافظة على العفة.
الآية 26
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
📝 التفسير:
{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ (2)الْأَمِينُ 26} فطلبت إحدى هاتين البنتين من أبيها أن يستأجره على رعي الغنم والقيام عليها مكانهما، وأخبرته بعظم أمانته وشدة قوته، وأنه لن يجد رجلاً أفضل منه، وقد عرفت هذه المرأة قوته من خلال مزاحمته لأولئك القوم لسقي الغنم، وأما أمانته فقد عرفتها عندما أتت إليه بدعوة أبيها فلم تره (1) يرفع بصره إليها طول الطريق (3).

__________
(2) - سؤال: ما الحكمة في تعريفها له باللام دون الإشارة أو ما هو أقوى منه في التعريف؟

الجواب: عرفته بقولها: {الْقَوِيُّ الْأَمِينُ 26} بدلاً عن اسم الإشارة أو ما هو أقوى منه في التعريف لما في قولها: {الْقَوِيُّ الْأَمِينُ 26} من الدليل والعلة والاختصار، فإنه بمثابة أن تقول: إن خير من استأجرت هذا الرجل لأنه قوي أمين.

(1) - سؤال: ما صحة ما يروى في قوته من رفعه للصخرة على البئر؟ وما يروى في عفته أنها كانت تمشي أمامه فتلصق الرياح ثيابها ببدنها فكره ذلك وأمرها أن تتأخر وراءه وتشير إلى الطريق إشارة أو نحو ذلك؟
الجواب: ظاهر سياق القصة هنا أن الذي منع المرأتين من السقي هو زحمة الرجال على الماء، وأن عادتهما أن ينتظرا جانباً حتى يسقي الناس مواشيهم ويذهبوا، فإذا لم يبق أحد على الماء سقتا أغنامهما. هذا ظاهر القصة؛ لذلك يبعد أنه كان على الماء صخرة عظيمة؛ إذ لو كان عليه صخرة عظيمة لما أمكنهما السقي بعد ذهاب الناس عن البئر، أما قوة موسى فقد جاء بها القرآن: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص:15]، {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ 26}. وأما ما يروى من عفته فيما ذكرتم فأنبياء الله ورسله عليهم السلام في أبلغ ما يكون عليه البشر من العفة قبل النبوة وبعدها، وسواء صحت الرواية أم لم تصح فموسى عليه السلام كذلك وأبلغ من ذلك، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته.
(3) - سؤال: هل يسمى اجتماعهما في الطريق وقرب أحدهما من الآخر خلوة؟ ولماذا؟
الجواب: ليس سيرهما معاً في طريق واحدة خلوة؛ إذ الخلوة المنهي عنها الاجتماع في مكان يطمئن فيه الرجل أن يأتي أهله، والطريق ليس كذلك.
الآية 27
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي (3)ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} فعرض عليه شعيب أن يزوجه إحدى هاتين البنتين بشرط أن يرعى الغنم مدة ثماني سنوات مهراً لها، وأنه إن أراد أن يتطوع بسنتين من عنده ويوفيها عشراً فهذا من معروفه وإحسانه (1).
{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ 27} وأخبره أن هذه المدة ليست مما يشق عليه أو يثقل كاهله (2)، وأن بوسعه أن يوفيه بها، ووعده بأنه لن يلحق به من ناحيته أي ضرر أو مكروه خلال مدة خدمته هذه، وأنه سيوفيه بما قد أعطاه من الوعود.
__________
(3) - سؤال: ما أصل هذا الفعل؟ ولِمَ لم يقل: تؤجرني نفسك؟

الجواب: أصل «تأجرني»: أَجَرَ تقول: أجرته إذا كنت له أجيراً، ونحوه: أَبَوته كنت له أباً، والمفعول الثاني محذوف أي: نفسك، وثماني حجج: ظرف لتأجرني. ولم يقل: «تؤجرني نفسك» لأن الفعل كما ذكرنا مأخوذ من الثلاثي «أَجَرَ».

(1) - سؤال: هل تدل الآية على أن المنفعة تصلح أن تكون مهراً؟ وهل يؤخذ منها أن التخيير لا يفسد العقود حيث قال: {إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ}؟
الجواب: تدل الآية على أن المنفعة تصلح أن تكون مهراً وقد أجاز ذلك أهل المذهب ولم يمنعوه، ففي الأزهار ما لفظه: «وإنما يمهر مال أو منفعة في حكمة» أي: منفعة تقابل بالمال ... إلخ. والمذكور في الآية من قوله: {إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} قد كان حال المفاوضة والاستطلاع والاستفهام عن رغبة موسى عليه السلام فيما عرض عليه، أما العقد بإحداهما فطوي ذكره.
(2) - سؤال: يقال: الإثقال حاصل بهذه المدة، فما هو الذي نفاه شعيب؟
الجواب: قد يقال: إن المراد بقوله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} أي: في الرعي بل أتسامح معك وأتساهل وأتجاوز، بدليل قوله بعد ذلك: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ 27}، ولعل هذا أولى مما ذكرنا في التفسير.
الآية 28
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
📝 التفسير:
{قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ (3)قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ 28} فقبل موسى هذا الشرط، ووعده بأنه سيقضي أي الأجلين أراد، فإذا انقضت هذه المدة فقد صار (1) بريئاً من كل شيء يتعلق به، وأشهدا الله تعالى على ذلك الذي وقع بينهما؛ لأنه لم يكن عندهما أي شهود (2) عند إبرام هذا العقد، ومعنى «بيني وبينك» أي: ذلك الذي شارطتني عليه ثابت بيني وبينك.
__________
(3) - سؤال: ما إعراب: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ}؟

الجواب: «أي» اسم شرط جازم مفعول به لقضيت، و «ما» صلة، والأجلين مضاف إليه.

(1) - سؤال: هل يستفاد من الآية جواز مؤاخذة الأجير ولو بالفعل إن لم يف بالمدة؟
الجواب: نعم، يؤخذ منها ذلك، إلا أن الذي يجوز هو المضايقة بالطلب وملازمته ورفعه إلى الحاكم وحبس حقوقه إذا كان له حقوق عند المطالب حتى يفي بما عليه، أما غير ذلك من العدوان فلا يجوز إلا بأمر الحاكم العادل.
(2) - سؤال: هل يؤخذ من الآية جواز إبرام العقد من دون شهود عند الحاجة؟ أم أنه معارض بما ورد في شرعنا من وجوب الإشهاد؟ وهذا يضاف إلى السؤال السابق كأمثلة عليه؟
الجواب: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن الأمر بالإشهاد عند البيع هو للإرشاد وليس للوجوب، فيصح البيع من غير شهود، وكذلك التداين يصح من غير شهود، وذلك لقوله تعالى في آخر آيات الدين: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ... } الآية [البقرة:283].
الآية 29
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بَأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ} انتهت مدة الإجارة، وقد روي أنه سُئِلَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن أيّ الأجلين قضى موسى؟ فأجاب بأنه قد قضى أوفاهما وهي العشر السنوات.
فخرج موسى بأهله (3)وما أصبح يملكه من الأغنام بحثاً عن مأوى ومكان يسكنه هو وأهله.
{آنَسَ (1) مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} وخلال مسيره ومروره بجنب جبل الطور رأى ناراً على مسافة قريبة منهم.
{قَالَ (2) لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ 29} كان البرد شديداً والظلام قد أطبق عليهم وقد ضلوا عن طريقهم، فعندما رأى موسى النار أمر أهله أن ينتظروا حتى يذهب إلى أهل تلك النار فيسألهم عن الطريق ويأتي أهله بما يستدفئون به.

__________
(3) - سؤال: هل تزوج عليه السلام الذي جاءته بخبر أبيها أم الأخرى؟ وهل ظهرت علة في عدم سكناه عند شعيب؟

الجواب: لم يرد القرآن إلا بأنه تزوج بواحدة من البنتين، ولم يعين أيهما، والله أعلم. ولم تظهر علة لخروجه عليه السلام من عند شعيب بعد قضاء المدة، إلا أن من طبائع الرجل الميل إلى الاستقلال بنفسه إذا أغناه الله وتمكن من الاستقلال، فقد كان شعيب من الصالحين مع موسى عليه السلام كما يظهر من هذه القصة.

(1) - سؤال: هل حرف الجر «من» على أصل معناها أم أنها حلت محل حرف آخر؟
الجواب: الظاهر أنها على معناها الأصلي الذي هو الابتداء أي: أن الأنس ابتدأ من جانب الطور.
(2) - سؤال: ما العلة في فصل هذه الجملة عن سابقتها؟
الجواب: فصلت لوقوعها مستأنفة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا فعل أو فماذا قال بعد أن آنس من جانب الطور ناراً.
الآية 30
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ 30} كانت هذه النار قد وضعها الله سبحانه وتعالى لموسى، وعندما سار إليها سمع صوتاً يناديه من شجرة (3) كانت بقرب النار، وكان الذي يناديه هو الله تعالى، وقد خلق ذلك الصوت في الشجرة تلك.
__________
(3) - سؤال: إذاً فهل قوله: {مِنَ الشَّجَرَةِ} بدل من قوله: {مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ}؟
الجواب: نعم هو بدل.
الآية 31
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَأَىهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ 31} (4)وأمره بأن يلقي العصا التي يحملها في يده، فلما ألقاها انقلبت ثعباناً عظيماً، فخاف مما رأى، وولى هارباً غير ناظر وراءه من شدة سرعته وخوفه، فناداه الله تعالى وطمأنه بأن ذلك ليس إلا آية من آياته.
__________
(4) - سؤال: يقال: كيف يسوغ بمقتضى البلاغة أن يرد المعمول: {يَامُوسَى} من دون العامل كقال أو نادى أو نحو ذلك؟

الجواب: حذف العامل للقرينة، والمأخوذ على البليغ مراعاة مواضع الحذف والذكر، فإذا كان المقام مقام إيجاز وقامت القرينة فيلزم البليغ الحذف.
الآية 32
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ
📝 التفسير:
{اسْلُكْ (1) يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} (2) ثم ناداه ثانية وأمره بأن يدخل يده في جيبه ثم يخرجها فإذا هي بيضاء تبهر الأبصار آية من آياته. ومعنى «جيبك»: فتحة القميص التي فوق الصدر.
{وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} (3) وأخبره أنه إذا حصل له خوف من أي شيء فما عليه إلا أن يضع يده في صدره وسيزول ذلك الخوف عنه بأمر الله تعالى.
{فَذَانِكَ (4)بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} وأخبره أن هاتين آيتان من آيات الله تعالى قد جعلهما له دلالة على نبوته، وأمره أن يذهب بهما إلى فرعون وملئه، ويريهم إياهما ليعرفوا صدق نبوته ورسالته.
{إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ 32} وأخبره بأنه أرسله إلى فرعون وملئه؛ لأنهم قد طغوا وتمردوا على الله تعالى وتجاوزوا حدوده.

__________
(1) - سؤال: لِمَ لم يعطف هذا الفعل على {أَلْقِ عَصَاكَ} مع اتفاقهما في الطلب؟
الجواب: لم يعطف لأن العطف ربما أوهم أن المعطوف والمعطوف عليه آية واحدة.
(2) - سؤال: ما إعراب: {بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ}؟
الجواب: «بيضاء» حال منصوب من فاعل تخرج. «من غير سوء» جار ومجرور متعلق ببيضاء، جيء به للاحتراس من أن يتوهم أن البياض بياض برص أو يشبه بياض البرص.
(3) - سؤال: بماذا تعلق قوله {مِنَ الرَّهْبِ} وكيف يكون معناه؟ وهل لـ «الرهَب» على فتح الهاء كما في بعض القراءات معنى آخر؟ وهل الخوف المفهوم من الرهب عام، أم أنه خاص بخوفه من الحية؟
الجواب: «من الرهب» متعلق باضمم أي: من أجل الرهب الذي يعتريك. والظاهر أن الرهب بإسكان الهاء هو بمعنى الرهب بفتح الهاء. والظاهر في قوله: «من الرهب» الإطلاق والعموم فيدخل الخوف من الحية دخولاً أولياً.
(4) - سؤال: يقال: الإشارة إلى العصا واليد فلِمَ لم تذكر الثالثة وهي ضم الجناح أم لها تعلق بما سبق؟

الجواب: ضم الجناح هي آية خاصة لموسى، أما العصا واليد فهما برهانان إلى فرعون وملئه.
الآية 33
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ
📝 التفسير:
{قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ 33} (1) اعتذر موسى عليه السلام إلى الله تعالى بهذا العذر، وهو أنهم سيقتلونه قبل أن يبلغهم.
__________
(1) - سؤال: هل تدل الآية على جواز مجادلة الأنبياء ومن بعدهم بعد أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه؟ وهل يؤخذ منها العذر في مجادلة الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر الأنفال وما حكاه الله في أوائل سورة الحجرات ونحوها، أم لا؟
الجواب: لا يؤخذ منها شيء مما ذكرتم، لا جواز مجادلة الأنبياء بعد أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه، ولا العذر للصحابة في مجادلتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر الأنفال، ولا فيما حكاه الله عنهم في سورة الحجرات ونحوها، وذلك لأن موسى عليه السلام إنما أخبر الله تعالى بأنه يخاف أن يقتله آل فرعون قبل أن يبلغ رسالته؛ لذلك طمأنه الله بأن آل فرعون لا يصلون إليه ولا إلى أخيه بمكروه.
الآية 34
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ
📝 التفسير:
{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ 34} (2) وطلب من الله سبحانه وتعالى أن يبعث معه أخاه هارون في تبليغ فرعون لكونه أفصح منه.
والردء: هو السند والمعاون. ومعنى يصدقني: أي يتكلم باسمي، ويفصح لهم عن حجتي، وذلك أن موسى كان إذا اشتد غضبه من شيء فإنه يصيبه انحباس في الكلام.
__________
(2) - سؤال: ما إعراب: {لِسَانًا} و {رِدْءًا} و {يُكَذِّبُونِ}؟ وما الوجه في عدم جزم الفعل: {يُصَدِّقُنِي} في قراءة حفص، مع ظهور كونه جواباً للطلب؟
الجواب: «لساناً» تمييز نسبة. «ردءاً» بمعنى: معيناً فهو حال من ضمير المفعول في أرسله. ولم يجزم «يصدقني» في قراءة حفص لأنه بناء على أن جملة «يصدقني» صفة لردءاً لا جواب للطلب.
الآية 35
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ
📝 التفسير:
{قَالَ سَنَشُدُّ (1) عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا} (2) لبى الله سبحانه وتعالى لموسى طلبه هذا، وأخبره بأنه قد أيدهما بالحجة القاهرة، وجعل لهما تسلطاً عليهم بحيث لا يستطيعون أن يلحقوا بهما أي سوء أو مكروه.
{أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ 35} (3) وأخبرهما بأن الغلبة سوف تكون لهما على فرعون وقومه، وأنهم سوف يقهرونهم بالآيات التي أعطاها موسى عليه السلام.
__________
(1) - سؤال: ما نوع المجازية في قوله: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ}؟
الجواب: يحتمل ذلك وجهين:
1 - ... مجاز مرسل في «عضدك» حيث عبر بالجزء واراد الكل أي: سنقويك.
2 - ... أن يكون «سنشد عضدك» كناية عن تقويته بأخيه، والكناية هي من أقسام الحقيقة.
(2) - سؤال: بماذا تعلق قوله: {بِآيَاتِنَا}؟ وكيف يكون معناها بناءً على ذلك التعلق؟
الجواب: يجوز أن يتعلق بـ «يصلون» أو بـ «سلطاناً» أي: نسلطكما بآياتنا، أو بـ «اذهبا» محذوفاً كقوله: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ}.
(3) - سؤال: ما إعراب: {أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ 35}؟ وما الوجه في فصلها عما قبلها؟
الجواب: «أنتما» مبتدأ، و «من اتبعكما» اسم موصول في محل رفع بالعطف على المبتدأ والجملة صلة الموصول، و «الغالبون» خبر المبتدأ. وفصلت الجملة عما قبلها لأنها منها بمنزلة عطف البيان.
الآية 36
فَلَمَّا جَاءَهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ 36} عندما أتاهم موسى بالآيات وأراهم إياها، أيقنوا عندها أنها من عند الله تعالى، غير أنهم استكبروا عن اتباعه ورموه بالسحر والافتراء، وتهربوا من اتباعه باختلاق الافتراءات، وزعموا أنهم لم يسمعوا بمثل ما جاءهم به من قبل، وأن ما جاء به شيء غريب لم يأت به أحد قبله فكيف يتبعونه.
الآية 37
وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ (1) بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ 37} فأجابهم موسى عليه السلام بأن الله تعالى عالم بأن ما جاءهم به هو الهدى، وأنه من عنده، وليس من السحر في شيء، وهو عالم أيضاً لمن ستكون العاقبة الحسنة، وهل ستكون لفرعون أم لموسى وهارون؟ وأخبرهم أن عاقبة الظالم سيئة في الدنيا بالهلاك والدمار، وفي الآخرة بالعذاب والنكال.
__________
(1) - سؤال: ما السر في تعبير موسى بقوله: {أَعْلَمُ بِمَنْ} ولم يقل: عالم؟
الجواب: قد قيل: إن أعلم بمعنى عالم، والأولى إبقاءه على ظاهره أي: اسم تفضيل أي: أعلم منكم.
الآية 38
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (2) فتوجه فرعون إلى قومه يخبرهم بأنه لا يعلم إلهاً لهم غيره.
{فَأَوْقِدْ (3) لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ 38} (4)وأمر هامان أن يبني له بناءً شاهقاً (1) يصل إلى السماء، وقد أراد بذلك أن يوهم شعب مصر بأنه قد صعد على هذا البناء لينظر في حقيقة ما جاء به موسى، وهل هناك إله كما يزعم؟ فيعود إليهم بعد ذلك بخبره، فيخبرهم بأنه لم ير شيئاً مما يدعي موسى، وأنه ليس إلا كذباً وافتراءً على الله.
وذلك أنه خاف على شعبه أن يتبعوا موسى، ويدخلوا في دينه، فيفسدوا عليه ملكه وعرشه؛ فاحتال عليهم بهذه الحيلة والخديعة ليدخل على قلوبهم الوهم والشك في حقيقة موسى وما جاء به، وأما في الحقيقة فقد عرف في نفسه صدق ما جاء به موسى، وأنه لن يستطيع الصعود إلى السماء.

__________
(2) - سؤال: ما إعراب: {مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}؟
الجواب: «من» حرف جر زائد، و «إله» مجرور لفظاً منصوب محلاً مفعول به لـ «علمت».
(3) - سؤال: هل أراد بالوقود على الطين البناء بالياجور أو الآجر؟
الجواب: نعم، أراد ذلك.
(4) - سؤال: هل يؤخذ من هذه الآية أن اعتقاد كون الله في السماء عقيدة فرعون أم لا؟ ولماذا؟

الجواب: يؤخذ أن عقيدة فرعون كذلك إن كان له إله كأنه توهم إن كان له إله فهو جسم في السماء يمكن الصعود إليه.

(1) - سؤال: ما العلة في تسمية البناء الشاهق بالصرح؟
الجواب: في مختار الصحاح: الصرح القصر وكل بناء عال وجمعه صروح. وسمي صرحاً لأجل ما فيه من الظهور في كبره وطوله، فمادة صرح تفيد ذلك، كقولهم: صرح فلان بما في نفسه أي: أظهره، والتصريح ضد التعريض.
الآية 39
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ
📝 التفسير:
{وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ (2) الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ 39} استكبروا عن قبول الحق ورفضوا دعوة موسى عليه السلام؛ وذلك أن المتكبر هو الذي لا يقبل الحق بعد معرفته له.
_______
(2) - سؤال: ما معنى الباء في قوله: {بِغَيْرِ الْحَقِّ}؟
الجواب: معناها التلبس والمصاحبة وهو متعلق بمحذوف حال من فاعل استكبر، أي: متلبسين بغير الحق.
الآية 40
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} ثم إن الله سبحانه وتعالى أهلك فرعون وجنوده في البحر بسبب كفرهم وتكذيبهم، ومعنى «فنبذناهم» ألقيناهم وأغرقناهم.
{فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ 40} انظر يا محمد كيف كانت عاقبة هؤلاء القوم عندما كذبوا وتمردوا على نبيهم.
وجه الخطاب إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمقصود به غيره؛ لينظروا في قصة فرعون وقومه وما جرى عليهم؛ ليعتبروا بهم، ويحذروا أن يقعوا في مثل ما وقع فيه أولئك القوم.