القرآن الكريم مع التفسير

سورة آل عمران

آية
إجمالي الآيات: 200 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} المراد بهم اليهود، فقد كانت عادتهم وديدنهم قتل الأنبياء الذين يبعثهم الله إليهم، وأيضاً كان دينهم الكفر والتعنت والتمرد من عهد موسى عليه السلام إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وإلى آخر الدهر.
{وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} كانوا يقتلون (2)
الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 21}.
__________
(2) - سؤال: هل يحفظ أنهم قتلوا أحداً بعينه ممن أمرهم بالمعروف فلو ذكرتموه؟
الجواب: لا علم لي بتعيين أي مقتول من الآمرين بالمعروف.
سؤال: ما العلة في استعمال لفظة التبشير مع العذاب؟

الجواب: استعار التبشير في العذاب للتهكم والاستخفاف.
الآية 22
أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ
📝 التفسير:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} صحائف حسنات اليهود مطموسة لا يوجد فيها حسنة يعود عليهم نفعها في الدنيا أو في الآخرة بخلاف ما عليه بعض الكفار فقد يكون لهم حسنات تنفعهم في الدنيا لا في الآخرة كما جاء في الأثر: (إن القوم ليكونون كفاراً أو فجاراً فيتباذلون ويتواصلون فتنمو أموالهم وتزكو ثمارهم وتغزر أنهارهم)، وهذا من الثواب العاجل (1).
{وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ 22} يتلفت اليهود يوم القيامة يميناً وشمالاً لعلهم يجدون من يدفع عنهم شيئاً من عذاب الله أو يشفع لهم عند الله فلا يجدون شافعاً ولا دافعاً.
__________
(1) - سؤال: هل يمكن أن يكون قوله تعالى: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ 15} [هود]، دليلاً على ما تقولون؟
الجواب: نعم في ذلك دليل على ما ذكرنا.
الآية 23
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} المراد بهم اليهود {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ 23} كانوا إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليتحاكموا إلى كتاب الله (التوراة) يعرضون عنه (2)، وسبب إعراضهم هو تهاونهم بمعاصي الله واغترارهم بما ادعوه على الله زوراً وكذباً من أنه لا يعذبهم على معاصيهم في جهنم إلا أياماً معدودة،
___________
(2) - سؤال: هل عرف من سبب النزول دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم إلى التوراة أم مماذا؟
الجواب: ذكر في المصابيح عند تفسير هذه الآية ثلاث روايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا اليهود إلى حكم التوراة، وذكرها الرازي في تفسيره.
الآية 24
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ثم يخرجون من النار {وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ 24}.
الآية 25
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
📝 التفسير:
{فَكَيْفَ (1) إِذَا جَمَعْنَاهُمْ (2) لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ 25} يُعَظِّم الله تعالى يوم القيامة ويهول ما يجري فيه من الحساب والجزاء على كل نفس حساباً حقاً وجزاءً عادلاً هنالك يلقى اليهود ما لم يكونوا يحتسبونه من جزاء كل صغيرة وكبيرة مما أحصاه الله عليهم بعلمه من كل ما جرى على قلوبهم من الخبث والمكر والنوايا السيئة والكبر والحسد والعداوة و ... إلخ، وكل ما نطقت به ألسنتهم وكل ما عملته أيديهم، ورمزت به خائنة عيونهم، وكل خطوة نقلت أقدامهم فيما لا يرضاه ربهم.
__________
(1) - سؤال: ما محل «كيف» الإعرابي؟
الجواب: محلها الرفع خبر لمبتدإٍ محذوف مقدر بعدها أي: كيف حالهم.
(2) - سؤال: أين جواب إذا الشرطية {إِذَا جَمَعْنَاهُمْ}؟
الجواب: جوابها محذوف دل عليه: {فَكَيْفَ ... }، وقد جاء دليل الجواب على ذلك الأسلوب لتذهب النفس في تصورها لذلك العذاب المجهول كل مذهب، وتستحضر في تصورها أنواعاً عظيمة من العذاب، ومع ذلك فإنها تتخيل أنها لم تصل في تصورها إلى الصورة التي أبهمت في هذه الآية.
الآية 26
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} اعترضت اليهود على الله سبحانه وتعالى وقالت: لماذا جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العرب، ولماذا لم يأت منهم وهم معدن النبوة في زعمهم خاصة؟ فقال الله للنبي: قل يا محمد إن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، وليس لليهود ولا لغيرهم الاعتراض على الله فيما يفعله (3).
{وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} انتزعه من بني إسرائيل، {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ} ترفعه في الدنيا، وتجعل له عزة وقيمة ووجاهة في الدنيا عند الله وعند خلقه.
{وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} فإذا أراد الله أن يذل قوماً أذلهم وأهانهم وأخزاهم، مثل بني إسرائيل كانوا في عزة فأذلهم الله وأوهى سلطانهم وسلط عليهم جبابرة العراق برهة من الدهر، ثم سلط عليهم جبابرة النصارى، وقد سلط الله عليهم في الحرب العالمية الثانية (هتلر) قتلهم وأبادهم في أوروبا، فقد قتل نحواً من ستة ملايين يهودي، وقد قال تعالى: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء:8]: إذا عدتم إلى الفساد في الأرض عدنا عليكم فسلطنا عليكم من لا يرحمكم.
{بِيَدِكَ الْخَيْرُ} فهو بيدك تؤتيه من تشاء، {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 26} قادر على تحويل أمة أو شخص من حالة إلى حالة.
____________
(3) - سؤال: قد يستدل بعض العوام على أن من تملك في الدنيا ولو كان من الظالمين فقد أعطاه الله الملك، وكذا في العكس، فكيف توجّه الآية في الرد عليهم؟
الجواب: يفسر إيتاء الله الملك لمن يشاء على وجهين:

1 - ... يكون بأن يعطي الله من يشاء من عباده أسباب التسلط على الناس والقهر لهم، من التخلية والتمكين وكثرة المال والوجاهة والتدبير والجرأة و .. إلخ، وهذا العطاء من الله هو للابتلاء والاختبار للمسلَّط والمسلط عليه، فبهذا التفسير والتوجيه يصح أن يقال: إن الله تعالى أعطى الملك للظالم والكافر والفاسق، وقد قال الله تعالى في مثل ما ذكرنا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ... } [البقرة:258]، أي: أن النمرود طغى وكفر بالله ورسوله عليه السلام بسبب عظيم نعم الله عليه وتمكينه في الأرض.
2 - ... الحكم من الله تعالى بالولاية على الناس يأمر وينهى وعليهم السمع والطاعة، وذلك نحو ما ذكر الله تعالى لآل إبراهيم عليه السلام حيث قال سبحانه: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا 54} [النساء]، ومثل ما جاء في قوله تعالى: {يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... } [ص:26]، ونحو ما في قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ 5 وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ... } [القصص]، ومثل ما جاء في محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآل محمد: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج:41]، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:247]، في قصة طالوت، فعلى ذلك يكون إيتاء الله الملك في هذا الوجه حقيقة وفي الوجه الأول مجاز، ويجوز حمل الآية على الوجهين الحقيقي والمجازي، ويسمى ذلك عموم المجاز.
وبعد، فيمكن توضيح المقصود للعامي إن أمكن، فيقال: إن الله تعالى أعطى المتسلطين أسباب التسلط والملك للابتلاء والاختبار، كما أعطى قارون قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص:76]، فأعطى الله تعالى قارون أسباب التسلط على الناس من المال الكثير والقوة والتدبير، فتسلط على الناس وظلمهم، فاستنكر الله جبروت قارون وتسلطه على الناس وظلمه لهم، ووعظه صالحو قومه فلم يتعظ، وحذروه فلم يحذر، فخسف الله به وبداره الأرض، وقصته مذكورة في آخر سورة القصص، فعلى ذلك فما حصل من ملك وتسلط في الأرض فإنما حصل بسبب ما أعطاه الله للمتسلط من المال والقوة والتخلية.
سؤال: ما الوجه في انتقال الآية من الإخبار إلى الدعاء بقوله: {اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ... }؟
الجواب: جاءت هذه الآية بعد ذكر ما عليه أهل الكتاب من التكذيب والكفر وإعراضهم وجحودهم لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا مع ما لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تكذيب الأميين وهم المشركون، ورفضهم لدينه ورسالته، وجاءت بأسلوب الدعاء لأمور:
1 - ... لأن المقام مقام طلب النصر من الله والالتجاء إليه في أن يعز نبيه ودينه، وذلك من حيث أن أبواب الأمل بنصره وإعزاز دينه قد أغلقت في وجهه صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبق إلا باب في نصر الله وتأييده، وطلب ذلك من الله موجود في قوة الكلام.
2 - ... في الدعاء وطلب النصر والتأييد من مالك الملك ... إلى آخر ما ذكر من صفات العظمة والكمال؛ تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وطمأنينة، وزيادة الثقة بصدق وعد الله، وأن الله قادر على نصرهم.
3 - ... إظهار الفقر والحاجة إلى الله والتذلل بين يديه بالمسألة من أفضل العبادات ومن أحبها إلى الله تعالى.
الآية 27
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
📝 التفسير:
{تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} هذه من علامات قدرة الله تعالى، فيكون النهار طويلاً في أوقات، فلا تلبث إلا وقد دخل جزء من الليل في النهار فبعد أن كان خمس عشرة ساعة مثلاً يصير عشر ساعات، وهذه آية من آيات قدرته.
{وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} كذلك.
{وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} يخرج الدجاجة من البيضة ولم يكن بداخلها شيء.
{وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} يخرج الولد وهو ميت من الحي (1).
وقد يكون هذا مثلاً ضربه الله، فقد يكون هناك شخص خبيث وفاجر ويخرج منه ولد صالح، وهكذا العكس.
{وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 27} فهو الرازق سبحانه يعطي من يشاء من عباده عطاءً واسعاً.

__________
(1) - سؤال: ما المراد بإخراج الولد ميتاً من الحي؟

الجواب: المراد بيان نفوذ قدرة الله وأنها لا تقف عند حد، فهو القادر على أن يخلق الضد من ضده، فالآية هذه مثل قوله تعالى في سورة يس: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ 80} فخلق تعالى آدم عليه السلام من التراب الذي لا حياة فيه، ثم خلق ذراريه من النطف الميتة والعلقة والمضغة والعظام، وكل ذلك ميت لا حياة فيه، فخلق منه الأحياء، وهكذا يخرج الميت من الحي ويخلقه منه، كالبيضة من الطائر والنطفة من الإنسان، والسقط الميت من أمه الحية.
ويصح التفسير أيضاً بخروج المؤمن من الكافر والعكس، والصالح من الطالح و .. إلخ، والشجرة من البذرة والبذرة من الشجرة؛ إذ لا مانع من حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز عند علمائنا وعند الكثير من العلماء.
الآية 28
لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
📝 التفسير:
{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} نهى الله المؤمنين عن موالاة الكافرين؛ وذلك أنه كان في المدينة أناس كافرون، وكان بعض المؤمنين يناصحون الكافرين؛ فيطلعونهم على أسرار المؤمنين، ويوادونهم، ويحذرونهم إن علموا بمكروه عليهم، فنهى الله المؤمنين عن ذلك (1) {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} ومن يناصح الكافرين ويطلعهم على أسرار المؤمنين فقد انقطعت صلته بالله فهو مع الكافرين، وليس له من الإيمان ولا من الله حظ ولا نصيب.
{إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} (2) إلا أن تخالقوهم (3)
لدفع شرورهم من غير مناصحة بالقلب، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: (كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب)، وذلك أن يظهر لهم المودة بلسانه دون قلبه من غير أن يطلعهم على أسرار المؤمنين أو يعينهم على باطلهم.
{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} فاحذروا الله فهو عالم بنياتكم وبما في صدوركم.
{وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ 28} والمرجع الله وسيحاسبكم على أعمالكم فاحذروا أن تخالفوا ما أوصاكم به ربكم، أو أن تتجاوزوا حدوده.

__________
(1) - سؤال: هل إذا والى المؤمن الكافرين مع موالاته للمؤمنين فليس داخلاً في الوعيد؛ عملاً بظاهر مفهوم الآية؟
الجواب: كان بعض المؤمنين يوالون الكافرين ويناصحونهم من دون المؤمنين فنزلت الآية على حسب ذلك؛ لذلك فلا يؤخذ بالمفهوم.
(2) - سؤال: متى يجوز استخدام التقية معهم؟
الجواب: تجوز التقية إذا لم يجد المؤمن مهرباً يهرب إليه يأمن فيه على نفسه، وخاف على نفسه القتل أو الحبس أو الضرب والإهانة أو أخذ ماله.
(3) - سؤال: من أين نعرف أن التقية هي المخالقة؟

الجواب: أخذ ذلك من قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل:106]، فتدل هذه الآية على جواز إظهار الموافقة باللسان عند الضرورة.
الآية 29
قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} فهو عالم بما في صدوركم فاحذروه وعذابه، وامتنعوا من موالاة الكافرين ومناصحتهم (1).
{وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 29} فهذا تحذير من الله لينتبه الغافلون، وليحذروا أن يطلع الله على ما لا يرضاه من خفايا صدورهم أو أعمال جوارحهم.
__________
(1) - سؤال: هل يستفاد تعميم المؤاخذة على ما في الصدور، أم تقصر على ما في السياق؟
الجواب: نزلت هذه الآيات في الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، وفي هذه الآية حذرهم الله بأنه مطلع على ما أسروه في صدورهم من الكفر، وأنه سيجازيهم عليه، سواء أخفوه أم أظهروه، وتعم الآية أيضاً أعمال القلوب الخبيثة؛ لأنه لا يقصر اللفظ العام على السبب الخاص.
الآية 30
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
📝 التفسير:
{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} أخبر الله أنه عالم بما في ضمائركم وأنه سيجازيكم عليها في يوم، وذلك اليوم هو: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} يوم القيامة تتمنى كل نفس حين ترى أعمالها السيئة أن بينها وبين عملها أمداً بعيداً ومسافة بعيدة (2).
{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} كرر الله ذلك التحذير ليحذر الناس من موالاة الكافرين، وليعلموا أنه تحذير في غاية الجد؛ لأن الكفار أعداء الله، ومن شأن المؤمن أن يقاطع أعداء ربه ولا يميل إليهم بمودة أو معاونة، ومن مال معهم بمودته ومعاونته فقد صار من جملتهم وكان عدواً لله مثلهم.
{وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ 30} لا يؤاخذ الناس ويجازيهم بسرعة، وإنما يمهلهم لعلهم يتوبون، ويناديهم إلى التوبة ويحثهم عليها.
__________
(2) - سؤال: هل سيجد نفس العمل من الخير حاضراً أم ثوابه؟

الجواب: الذي تجده كل نفس يوم القيامة هو الجزاء على كل عمل عملته من خير أو شر.
الآية 31
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 31} قل يا محمد للمسلمين الذين يناصحون الكافرين ويميلون إليهم بالمودة والمعاونة إن كنتم تحبون الله كما تدعون فاتبعوني فيما جئتكم به من عند الله؛ لأني المبلغ عن الله، فالذي يحب الله سيتبع أوامر الله جميعها، ومعنى: {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} يغفر ذنوبكم ويثيبكم، ويظلكم في ظل رحمته (1).
__________
(1) - سؤال: هل يمكن أن يحمل: {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} على الحكم بالمحبة ليفيد العطف التغاير؟
الجواب: يمكن تفسير {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} بالحكم بما تقتضيه المحبة من زيادة التنوير والتوفيق والنصر والحياة الطيبة فيها، وذلك لما ذكرتم في السؤال من أن العطف يفيد التغاير.
الآية 32
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ 32} يعني فإن أعرضوا عن طاعة الله ورسوله فهم من أهل سخط الله وعذابه وليسوا بمؤمنين كما يدعون وإنما هم من جملة الكافرين الذين لا حظ لهم في ثواب الله ورحمته.
الآية 33
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ 33} يعني اختارهم لحمل دينه وتبليغه للناس، فهو يصطفي من الناس من أراد، وهو عالم بهم وعالم بمن هو أهل لأن يحمل الأمانة ولا يفرط فيها، ويبلغها الناس.
وآل إبراهيم: يعني إبراهيم والأنبياء من ذريته، وأنبياء بني إسرائيل هم من ذرية يعقوب عليه السلام ويعقوب من ذرية إبراهيمعليه السلام، وأما إسماعيل فلم يأت نبي من ذريته إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم من آل إبراهيم _.
الآية 34
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
📝 التفسير:
{ذُرِّيَّةً (1) بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 34 إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 35} كان المشروع في بني إسرائيل أنه إذا ولد الولد الذكر ينذرون به للخدمة في بيت المقدس إن شاءوا دون الإناث، وامرأة عمران نذرت بما في بطنها وتكون خدمته خالصة لبيت الله فتفاجأت عند ولادتها بمولود أنثى (2).
__________
(1) - سؤال: علام نصب قوله: «ذرية»؟ وما الذي نستفيد من هذا الإعراب؟
الجواب: نصب «ذريَّة» على أنَّه بدل من «آدم» وإما عطف عليه، ويجوز نصبها على الحال والعامل فيه «اصطفى». وفائدة قوله: «ذرية» على إعرابها بدلاً أو حالاً هي أن الآلَيْن وأدم ونوحاً ذرية واحد بعضها من بعض.
(2) - سؤال: هل نذرها بقولها: «محرراً» كان لظنها أو علمها أنه ذكر؟ أو معنى نذرها أنها أرادت أن تنذر؟
الجواب: الظاهر أنها نذرت قبل الوضع بما في بطنها لظنها وتوقعها أنه ذكر.
الآية 35
إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
📝 التفسير:
{ذُرِّيَّةً (1) بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 34 إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 35} كان المشروع في بني إسرائيل أنه إذا ولد الولد الذكر ينذرون به للخدمة في بيت المقدس إن شاءوا دون الإناث، وامرأة عمران نذرت بما في بطنها وتكون خدمته خالصة لبيت الله فتفاجأت عند ولادتها بمولود أنثى (2).
__________
(1) - سؤال: علام نصب قوله: «ذرية»؟ وما الذي نستفيد من هذا الإعراب؟
الجواب: نصب «ذريَّة» على أنَّه بدل من «آدم» وإما عطف عليه، ويجوز نصبها على الحال والعامل فيه «اصطفى». وفائدة قوله: «ذرية» على إعرابها بدلاً أو حالاً هي أن الآلَيْن وأدم ونوحاً ذرية واحد بعضها من بعض.
(2) - سؤال: هل نذرها بقولها: «محرراً» كان لظنها أو علمها أنه ذكر؟ أو معنى نذرها أنها أرادت أن تنذر؟
الجواب: الظاهر أنها نذرت قبل الوضع بما في بطنها لظنها وتوقعها أنه ذكر.
الآية 36
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} تأسفت وحزنت عندما كان المولود أنثى، واعتذرت إلى الله.
{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} الله عالم بما وضعت، يعني أن لهذا المولود الأنثى شأناً عظيماً عند الله، وإنما قالت ذلك (1) تأسفاً وتحزناً، {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ 36} ومريم أنجبت عيسى، فهؤلاء هم آل عمران الذين ذكرهم الله في قوله: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ 33} [آل عمران].
__________
(1) - أي: قولها السابق: {إني وضعتها أنثى}، وقولها الآتي: {وليس الذكر كالأنثى}.
الآية 37
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
📝 التفسير:
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} تقبل الله ذلك المولود الأنثى، وأحاطها بعنايته وحفظه، وأحفها بلطفه وتوفيقه.
{وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ} وجعل تعالى كفالتها إلى نبيه زكرياء يكفلها ويقوم عليها {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّاءُ الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 37} تعجب زكريا فكلما دخل على مريم وجد عندها طعاماً فسألها متعجباً: من أين لك هذا الطعام يا مريم؟ قالت: هو من عند الله، فعرف زكريا عليه السلام كرامة مريم على الله، وأن لها عنده شأناً عظيماً، فأكرم الله مريم ورفعها في حال كفالة زكرياء لها (2)؛ لتكون محط أنظار الناس؛ وليكون ذلك تمهيداً لما يراد لها من الكرامة العظيمة بولادة نبي الله عيسى عليه السلام من غير أب.
_______
(2) - سؤال: هل هناك وجه لكفالة زكرياء لها يمكن أن يؤخذ منه حكم شرعي، أم أنها القرعة؟
الجواب: صارت مريم في كفالة زكرياء عن طريق القرعة.
الآية 38
هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ
📝 التفسير:
{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُ} وهو نبي من أنبياء الله، وقد كان كبيراً في السن عندما رأى مريم وتلك الذرية الطاهرة تحركت شهوة الولد والإنجاب في نفسه، واشتدت رغبته في ذرية صالحة، فدعا الله سبحانه وتعالى أن يرزقه ولداً صالحاً، فقال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ 38} (1).
_________
(1) - سؤال: ما محل جملة: {رَبِّ هَبْ لِي ... } إلخ الإعرابي؟
الجواب: محلها النصب مقول قول محذوف.
الآية 39
فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ
📝 التفسير:
{فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ (2) أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ 39} استجاب الله تعالى دعاء نبيه زكريا عليه السلام وأرسل الملائكة الكرام إليه عليه السلام يبشرونه بولد اسمه يحيى له صفات عليا يتصف بها وهي:
1 - أنه سيؤمن بعيسى عليه السلام حين يبعثه الله نبياً ويتبعه، وهذا معنى قوله: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ}.
2 - أنه سيكون رفيع المنزلة في بني إسرائيل ذا قدر سام.
3 - حصور لا يتزوج النساء لانقطاعه إلى عبادة الله تعالى (3).
4 - وأنه سيكون نبياً، والنبوة هي أعلى منازل الكرامة وذروة الشرف ونهاية الرفعة.
5 - وسيكون واحداً من جملة الصالحين.
__________
(2) - سؤال: هل يدل قوله: «المحراب» على المحاريب في عرفنا فيكون دليلاً على شرعيتها أم ماذا؟
الجواب: ليس فيه دليل على شرعية ما ذكرتم؛ لأن المراد بالمحراب هنا هو مكان العبادة كالمساجد عندنا ويطلق المحراب على الغرفة، والمحراب في العرف العام عندنا اسم للمكان الذي يقوم فيه إمام الصلاة.
(3) - سؤال: ظاهر الآية أن التبتل عن النساء مندوب إليه لذا مدح، فما رأيكم في ذلك؟
الجواب: كان التبتل عن النكاح مشروعاً؛ لذلك مدح الله تعالى يحيى عليه، أما في شريعتنا فقد نسخ.
الآية 40
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ
📝 التفسير:
{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} قال زكريا عليه السلام حين بشرته الملائكة بالولد المبارك: كيف يولد لي ولد وقد بلغت منتهى الكبر والعجز وزوجتي قد طعنت في السن ويئست فلا يتأتى منها الولد، وكان استغراب زكريا عليه السلام هو في حصول الولد من أبوين هما على تلك الحال فكأنه طلب الكيفية هل سيحول الله الأبوين إلى حالة الفتوة والقوة أم أنه تعالى سيرزقهما الولد وهما على تلك الحال.
{قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ 40} (1) فهو على كل شيء قدير، فلا تستغرب يا زكريا على قدرة الله شيئاً.
_______
(1) - سؤال: ما محل «كذلك» الإعرابي؟
الجواب: محله النصب على أنه مفعول مطلق أو «كذلك الله» مبتدأ وخبر.