القرآن الكريم مع التفسير

سورة السجدة

آية
إجمالي الآيات: 30 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
📝 التفسير:
{وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 21} أقسم الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا بد أن يعذب قريشاً بعض العذاب في الدنيا لعل ذلك أن ينفع فيهم فيرجعوا إلى هداهم وصوابهم ورشدهم؛ وفعلاً فقد عذبهم الله تعالى بالجدب والفقر نحواً من سبع سنين ولكنهم لم يرجعوا (1).
__________
(1) - سؤال: في أمالي المرشد بالله روايات ظاهرها الصحة عن الباقر وزين العابدين في غالب ظني أن العذاب الأدنى عذاب القبر، فما رأيكم في ذلك؟ وكيف نوجه: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 21} على هذا التفسير؟
الجواب: روى ذلك المرشد بالله عن شيخه الجوزداني عن .. إلخ، ولم يذكره في مختصر الطبقات لا بتوثيق ولا تضعيف، فالرواية ليست كما ينبغي من الصحة، فيرجح ظاهر الآية على ما روي في ذلك.
الآية 22
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ
📝 التفسير:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ 22} (2)فلا أحد أظلم من قومك يا محمد فقد ذكرتهم بالقرآن وبآيات الله سبحانه وتعالى، ولكنهم أعرضوا وتمردوا، وسوف ننتقم منهم جزاءً على تكذيبهم وإعراضهم.

__________
(2) - سؤال: هل يصح للمرشد الاستدلال بهذه الآية على من أعرض ولم يستجب للمواعظ والتذكير؟ ومن أي ناحية؟
الجواب: يمكن تفسير الإعراض بوجهين من التفسير لكل وجه حكم يخصه:
1 - ... قد لا يرضى المسلم المحافظ على صلاته و .. أن يحضر مجالس الوعظ والإرشاد، فلا ينبغي أن يدخل مثل هذا في عموم الآية.
2 - ... والمعرض المراد في هذه الآية هو الذي يسمع الموعظة ويعرف أنها حق ثم لا يعمل بها ويعرض عنها.

وهناك ثالث يسمى معرضاً، وهو الذي لا يبالي بدينه ولا يسأل، ولا يحضر مجالس العلم والإرشاد، يدعونه للحضور فلا يحضر مع قربها منه، فهذا يسمى معرضاً، ويلحق بالقسم الثاني.
الآية 23
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ 23} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد أنزل التوراة على موسى من قبله، وقد لاقى (1)من قومه مثل ما لاقاه محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قريش من التكذيب والاستهزاء والأذى، وقد مكث على تلك الشدائد زماناً طويلاً حتى أنزل الله تعالى عليه الفرج والنصر، فقد مكث يدعو فرعون وقومه نحواً من أربعين سنة كما قيل، ثم إن الله تعالى أهلك فرعون ونصر موسى، واستنقذ بني إسرائيل من قبضته وسيطرته.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قد أنزل التوراة على موسى ليهتدي بنو إسرائيل بما فيها من الأحكام والتشريعات.
__________
(1) - سؤال: إذا قيل: لعلكم تقصدون: فلا تكن يا محمد في شك من لقاء الأذى، فمفعول المصدر محذوف وهو الأذى؛ فإن قيل: الحذف خلاف الظاهر فما جوابه؟ وما هي المحامل الأخرى في «لقائه»؟ وما مرجحات ما اخترتموه أيدكم الله بتأييده؟

الجواب: المراد من لقاء الأذى الذي لقيه موسى أي: مثله، والهاء في «لقائه» هي ضمير يعود إلى الأذى المدلول عليه بقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ}، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عالماً بما لقي موسى عليه السلام في تبليغ رسالة ربه من فرعون وملئه أولاً، ثم من قومه ثانياً. وقد فسروا {مِنْ لِقَائِهِ} بلقاء موسى عليه السلام إما في السماء ليلة المعراج أو في يوم القيامة. والذي رجح ما قلنا: أنه يظهر من سياق السورة أنها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن ضاق ذرعاً من إصرار قومه على الإعراض عن دعوته، والتكذيب بما جاءهم به، وطول الأذى والتضييق عليه وعلى أصحابه المستضعفين؛ فأنزل الله تعالى عليه ما أعده للفاسقين في نار جهنم، وما أعده للمؤمنين في جنات المأوى؛ ليخفف عنهم ما يجدون من الضيق والبلوى، ثم ذكر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه آتى موسى الكتاب ليسليه بذكره، فإن البلوى إذا عمت هانت، أي: فإن كنت قد أوذيت يا محمد في تبليغ رسالة ربك فقد أوذي موسى من قبل في تبليغ رسالة ربه، فستلقى مثل ما لقي موسى؛ فجدد عزيمتك واصبر، ولا تضق بتكذيب قومك. والتفسير الذي ذكرناه مذكور في البرهان، وفي تفسير الرازي، وهو في المصابيح.
الآية 24
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ
📝 التفسير:
{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (1) لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ 24} وجعل تعالى من بني إسرائيل أئمة يقتدي بهم الناس ويسيرون على طريقتهم ونهجهم، وكل ذلك بسبب (2) صبرهم على دينهم؛ وأنت يا محمد فاصبر على ما تلاقيه من قومك كما صبر أولئك الصالحون.
__________
(1) - سؤال: ما معنى الباء في قوله: «بأمرنا»؟ وما المراد بالأمر هذا؟
الجواب: معناها التلبس والمصاحبة أي: متلبسين بأمرنا، فالجار والمجرور في محل نصب على الحال من فاعل «يهدون». والمراد بالأمر: تكليفهم بذلك أو معرفتهم بشريعة الله، والله أعلم.
(2) - سؤال: من أين نفهم هذه السببية؟
الجواب: فهم السبب من «لما» الشرطية، وجملة «جعلنا» هي دليل الجواب.
الآية 25
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 25} يحكي الله سبحانه وتعالى في هذه الآية عن بني إسرائيل بأنهم قد اختلفوا بعد موسى على فرق ومذاهب شتى، وقد غيروا وبدلوا وحرفوا التوراة، وسيحكم بينهم (3) يوم القيامة، وسيميز المحق من المبطل منهم فيجازي كلاً بما يستحقه.
__________
(3) - سؤال: إلام يعود الضمير في قوله: «بينهم»؟
الجواب: يعود الضمير إلى بني إسرائيل في قوله: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ 23} والسياق فيهم.
الآية 26
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ
📝 التفسير:
{أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ 26} يستنكر الله سبحانه (1) وتعالى هنا على قريش لماذا لا يعتبرون بتلك القرون والأمم التي أهلكها بسبب تكذيبهم وتمردهم على أنبيائهم، وكفرهم بما جاءوهم به من عند الله، ولماذا يصرون على كفرهم وتكذيبهم مع أنهم قد رأوا وعلموا كيف كانت عاقبة أولئك المكذبين من تلك الأمم السابقة عندما كانوا يمرون على مساكنهم وقراهم في طريق أسفارهم وتنقلاتهم، كقرى قوم لوط وقوم صالح وقوم هود وغيرهم. ومعنى «أو لم يهد»: ألم يتبين.
__________
(1) - سؤال: هل يصح أن نجعل الاستفهام تقريراً هنا؟ وأين فاعل «يهد»؟ وما محل جملة «يمشون» في هذه الآية؟
الجواب: الاستفهام هذا تقرير لما بعد النفي، ويصح أن نقول: إنكار للنفي. وجملة «يمشون» مستأنفة لبيان وجه هدايتهم. وفاعل «يهد» إما مصدره أي: الهدى، أو مقدر أي: كثرة المهلكين.
الآية 27
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ
📝 التفسير:
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ 27} وكذلك يستنكر الله تعالى عليهم لماذا لا يتفكرون في هذه الآية التي يرونها أمام أعينهم؟ وينظرون كيف نسوق السحاب إلى تلك الأرض اليابسة الجرداء التي لا أثر للحياة عليها، ثم ننزل عليها المطر فإذا بها تنبض بالحياة من جديد، وتخرج خيراتها من الزروع والثمار وأصناف النبات الذي يأكلون منه ويعيشون عليه هم وأنعامهم، أفلا يبصرون ذلك، ويعلمون أن الله قادر على إحيائهم بعد مماتهم؟
الآية 28
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
📝 التفسير:
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 28} كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما يشعر بالضيق الشديد من أذية قومه واستهزائهم يقول لهم: إن الله سبحانه وتعالى سوف يحكم بيني وبينكم، وسيأتي بالفتح والفرج فيعذبكم وينتصف لي منكم عما قريب؛ فكان المشركون يسألونه عن ذلك الفتح والفرج متى سيكون؟ ومتى سيحين موعد هذا الفتح الذي تتوعدنا به (1)؟
__________
(1) - سؤال: يقال: هل مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفتح الذي يتوعدهم به يوم القيامة كما قد يظهر من الآية التي بعد هذه؟ أم في الدنيا؟ فكيف نتأول هذه الآية: {لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ}؟ وهل يصح حمله على فتح مكة فيلزم أيضاً نفس الإشكال؟
الجواب: المراد بالفتح هو إهلاكهم في الدنيا، أما قوله: {لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ} أي: لا ينفعهم الإيمان إذا آمنوا حين نزول العذاب بهم، ولا يقبل منهم حينئذ الإيمان؛ لأن العذاب قد نزل بهم، والموت قد حال بينهم وبين الإيمان بدليل: {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ 29} أي: فلا ينفع الإيمان من نزلَ به العذابُ وَقَطْعُ الأجلِ وإزهاقُ الروح. أما من لم ينزل به من الكافرين الهلاك واخترام الأجل فليس بداخل فيما ذكر.
الآية 29
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ} فأمره الله سبحانه وتعالى أن يجيب عليهم بهذا الجواب، وهو أنه متى حل موعد ذلك اليوم فقد انقطع الأمل ولن ينفعكم الندم، ولم يبق إلا ما قدمتموه من الأعمال.
{وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ 29} وأنهم لن يمهلوا لحظة واحدة كما هو حالهم الآن في الإمهال والتأني بهم.
الآية 30
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ
📝 التفسير:
{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ 30} اتركهم يا محمد في غيهم وضلالهم واستهزائهم ولا تُجَارِهِمْ، ولا ترد عليهم، وانتظر لهلاكهم كما هم منتظرون لهلاكك.
ثم إن الله سبحانه وتعالى أهلك كبار قريش يوم بدر، وكانوا سبعين رجلاً، وهم الذين كانوا يصدون عن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقفون في وجهه، ويمنعون الناس عن الذهاب إليه والسماع لما يتلوه عليهم من رسالة ربه (1).
__________
(1) - سؤال: يقال: هل استكمل يوم بدر جميع الصادين؛ أم كيف؟
الجواب: أهلك الله بعذابه يوم بدر أكابر المجرمين ورؤوس الكفر قال تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ 95} [الحجر]، ولم يبق من رؤوسهم سوى أبي سفيان فإنه كان في العير ولم يكن في نفير قريش يوم بدر، ولعل بقاءه فتنة ومتاع إلى حين.
سؤال: ما مناسبة كون هذه الآية خاتمة لهذه السورة المباركة؟
الجواب: في هذه الآية إشارة إلى نهاية السورة، فإن أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالإعراض عن قومه والانتظار للفرج بعد أن بلغهم رسالة ربه وتلا عليهم آياته هو آخر ما كلف به ونهايته وتمام رسالته إليهم، وذلك يؤذن بنهاية السورة.