القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأحزاب

آية
إجمالي الآيات: 73 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
📝 التفسير:
{لَقَدْ كَانَ (4)لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا 21} (1) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه قد جعل للمؤمنين في النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأسوة الحسنة التي ينبغي أن يتأسوا به في الثبات على القتال وعدم الفرار، وأن يقتدوا به في جميع أعماله، فلن يكتمل إيمانهم إلا بذلك، ولن يتأسى به إلا من كان يخاف الله تعالى ويخاف عقابه وسخطه، ويكثر من ذكره طمعاً فيما عنده من الثواب والجزاء.

__________
(4) - سؤال: هل «كان» في هذه الآية ناقصة أم تامة مع بيان ذلك؟

الجواب: الظاهر أنها ناقصة لدخولها على المبتدأ والخبر «لكم، أسوة»، ولا محوج إلى القول بأنها تامة، ولا يعدل إلى القول بتمامها إلا إذا لم يستقم إعرابها ناقصة.

(1) - سؤال: يقال: من أين نفهم بوضوح وجوب التأسي علينا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الآية الشريفة؟
الجواب: فهم ذلك من حيث أنه جعل التأسي ملازماً للإيمان بالله واليوم الآخر؛ إذ المعنى: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فله في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة، أي: أن التأسي صفة ثابتة للمؤمنين، فمن لم يتصف بها فليس من المؤمنين.
الآية 22
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا
📝 التفسير:
{وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا 22} (2)يخبرنا الله سبحانه وتعالى كيف كان موقف أولئك المؤمنين الثابتين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما حاصرت جيوش المشركين المدينة بأنهم كانوا ثابتين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يداخلهم أي شك أو ريبة فيما كان وعدهم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النصر والظفر، ولا زالوا مستبشرين بنصر الله سبحانه وتعالى وأنه لا بد أن ينزل، وسلموا لأمر الله تعالى وأيقنوا أن ما هم فيه من البلاء ليس إلا تمحيصاً واختباراً من الله تعالى لإيمانهم؛ وذلك لأنهم كانوا على بصيرة من دينهم، وتحقق بأن مثل تلك البلاوي لا بد أن تقع، وأن الفرج لا يكون إلا بعد شدة ومحنة، وعرفوا أن النصر لن يتم لهم إلا إذا صبروا وثبتوا على دينهم.

__________
(2) - سؤال: هل قالوا: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} وقد رأوا شيئاً من النصر؟ أم وثوقاً منهم بأنه سيحصل؟

الجواب: قالوا ذلك ولم يروا شيئاً من النصر، وإنما قالوه وثوقاً بما وعد الله تعالى من النصر، أي: هذا ما وعدنا الله من الابتلاء والتمحيص، وصدق الله ورسوله فيما وعدنا به من الفتوح والنصر والتمكن في الأرض.
الآية 23
مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا
📝 التفسير:
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} (1) وذلك يوم الأحزاب «الخندق» أظهر الله سبحانه وتعالى فيه أمر أولئك الذين يراءون في دينهم، وأخبر أنه لا زال هناك مؤمنون صادقون في إيمانهم لم ينقضوا عهودهم ومواثيقهم، ولم تزلزلهم تلك الفتن.
{فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ (2)وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا 23} وأن من أولئك الرجال من قد استشهد في سبيل الله، ومنهم من لا يزال ينتظر الشهادة في سبيل الله وإعلاء كلمته، فلم تثن تلك الفتن عزائمهم أو يظهر منهم الضعف والوهن، ولا زالوا متمسكين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وثابتين معه.

__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ}؟ وما فائدة تنكير «رجال»؟ وهل يتعدى الفعل «صدق» بنفسه كما في الآية؟ أم بحرف جر كما في «صدق في كذا»؟
الجواب: «من المؤمنين رجال» الجار والمجرور خبر مقدم، ورجال: مبتدأ مؤخر، وتنكير «رجال» للتعظيم. و «صدق» هنا يتعدى بنفسه ومعناه يختلف عن قولك: صدق في كلامه.
بيان ذلك: أن يعدك رجل بتسديد ما عليه من الدين في يوم كذا، فإذا أوفى حسب وعده تقول: صدقني وعده، فتعديه إلى مفعولين، فإن لم يف بوعده قلت: كذبني وعده. تقول ذلك ولو لم يصدر منه قول، وعلى هذا فالمفعول الأول في الآية محذوف أي: صدقوا لله ما عاهدوه عليه، ولك أن تقدر «في» في المفعول به الثاني وأن لا تقدرها.
(2) - سؤال: يقال: مم أخذت هذه الكلمة «نحبه»؟ وما أصلها؟

الجواب: النحب: المدة والوقت، ومنه: «قضى فلان نحبه» أي: مات. اهـ (صحاح). ويظهر أن هذه الكلمة أصل برأسها، وليست مأخوذة من شيء.
الآية 24
لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا
📝 التفسير:
{لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا 24} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه اختبرهم وامتحنهم بتلك المحن والشدائد في ذلك اليوم ليظهر كل واحد منهم على حقيقته (1)، وليتميز الصادقون في إيمانهم من المتزلزلين فيه، وليجازي كل واحد من المؤمنين والمنافقين، إلا أن يتوبوا، وأما المصرون على نفاقهم فسيعذبهم (2).
__________
(1) - سؤال: على هذا فقوله: «ليجزي» علة لماذا؟ وهل لهذا الأسلوب قاعدة مطردة فما هي؟
الجواب: «ليجزي» هو علة لما تقدم من ذكر ما حصل في غزوة الأحزاب من الشدائد الشديدة التي زلزلت قلوب المسلمين، التي تكشفت بها حقائقهم؛ فأظهر المنافق نفاقه، وتبين بها المؤمنون الصادقون، أي: أن ما حصل كان فتنة واختباراً للمسلمين: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ 2} [العنكبوت]، وهذا هو ما ذكرناه في التفسير.
سؤال: فضلاً ما الفعل الذي من الله تعالى في هذا البلاء إذا كانت الشدة والزلزلة بسبب تحالف المشركين عليهم؟
الجواب: الفعل الذي هو من الله في ذلك هو التخلية والتمكين: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد:4].
(2) - سؤال: يقال: من أين نستفيد هذا؛ فظاهر الآية التخيير بين تعذيبهم والعفو عنهم؟

الجواب: استفيد ذلك من قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا 145 إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا 146} [النساء].
الآية 25
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا
📝 التفسير:
{وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} (1) فقد هزم الله سبحانه وتعالى المشركين يوم الأحزاب، ورجعوا خائبين مكسورين لم يشفوا غيظهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وخاب ما كانوا قد أجمعوا عليه من استئصال الإسلام والمسلمين، وهزمهم الله سبحانه وتعالى من دون قتل أو قتال.
{وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا 25} فقد ردهم بقوته وإرادته، وهزم تلك الآلاف المؤلفة بريح أرسلها عليهم كسرت شوكتهم، وردتهم على أعقابهم.
__________
(1) - سؤال: ما معنى الباء في قوله: {بِغَيْظِهِمْ}؟ وما محل جملة: {لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا}؟
الجواب: معنى الباء المصاحبة، وهي ومجرورها في محل نصب حال، ومحل «لم ينالوا خيراً» النصب على الحالية.
الآية 26
وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا
📝 التفسير:
{وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا (2)تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا 26} كان هناك عدة قبائل من اليهود في المدينة وحولها قد تعاقدت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعاهدت معه على الصلح وعدم مقاتلته بأي وجه، وعندما أقبل المشركون وحاصروا المدينة عزموا على نقض تلك العهود ظناً منهم أنه قد حان موعد استئصال الإسلام والمسلمين، وأنه لن يبقى للإسلام أي ذكر بعد ذلك، فأعلنوا نقضهم لما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعندما هزم الله سبحانه وتعالى المشركين نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمره بأن لا يبيت هو وأصحابه إلا في بني قريظة، فصاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه قائلاً: ((من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة))، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه ذلك اليوم، وحاصر بني قريظة حتى ألجأهم على النزول على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد حليفاً لهم، وكان قد أصابه سهم من المشركين في الخندق فنصب له النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيمة، فحكم سعد بن معاذ فيهم بأن يقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجالهم ويسبي ذراريهم ويسترق نساءهم، وقد ذبح المسلمون ذلك اليوم ستمائة رجل من اليهود، واسترقوا جميع نسائهم وذراريهم، وأخذوا جميع أموالهم، وأما باقي اليهود فقد حكم عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخرجوا من ديارهم وأموالهم، ولم يسمح (1) لهم من الأمتعة إلا بحمل بعير لكل واحد منهم، وقد كانوا أهل ثراء وأموال طائلة، وقد عاد على المسلمين من بعدهم المال الكثير. ومعنى «الذين ظاهروهم»: الذين عاونوا الأحزاب من بني قريظة، و «صياصيهم»: حصونهم ومعاقلهم.

__________
(2) - سؤال: ما محل جملة: «فريقاً تقتلون»؟

الجواب: محلها النصب على الحال من ضمير «قلوبهم».

(1) - سؤال: من هي هذه القبائل التي حكم عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الحكم؟
الجواب: هم الذين كتب الله عليهم الجلاء بنو النضير.
الآية 27
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا
📝 التفسير:
{وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} وقد جعل الله تعالى أموال اليهود غنائم للمسلمين يتقاسمونها فيما بينهم، نعمة من الله سبحانه وتعالى امتن بها على المسلمين، فانقلبت أحوالهم من الفقر إلى الغنى، وأما اليهود فكان ذلك عقاباً لهم جزاءً على نقضهم للعهد الذي عاهدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
{وَأَرْضًا (1) لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا 27} وأخبرهم الله سبحانه وتعالى أنه لا زال هناك أرض قد كتبها لهم، وأنهم لن يدخلوها إلا عندما يحين موعد ذلك، وهي أرض فارس والروم استولى عليها المسلمون بعد فترة من نزول هذه الآية التي تعدهم بذلك (2).
__________
(1) - سؤال: علام عطف قوله: «وأرضاً»؟
الجواب: معطوف على «أرضهم» أي: وأورثكم أرضاً.
(2) - سؤال: وهل يصح أن تحمل هذه الأرض التي وعدوا بها على أرض خيبر ونحوها، ويكون معنى {لَمْ تَطَئُوهَا}: لم تدخلوها بعدُ؛ لأنهم لم يفتحوا خيبر إلا في السنة السابعة؟ أم لا، مع التعليل أيدكم الله بتأييده؟
الجواب: الذي يصح هو أن الأرض الموعود بها هي أرض لم يطأوها بأقدامهم من قبل، وذلك:
- ... لأن حمل «تطئوها» على المعنى الحقيقي أولى من المجازي.
- ... وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعد المسلمين أو يذكر لهم مدائن كسرى وقصور الشام، وقد تحقق ذلك للمسلمين.
- ... قوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا 27} في آخر الآية يدل على أن المسلمين كانوا يستبعدون فتح تلك الأرض؛ لما يرون من ضعفهم وقوة شوكة سلطان تلك الأرض، فهذه قرائن قد ترجح ما ذكرنا، والله أعلم.
الآية 28
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا 28 وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا 29} كان زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثرن المطالبة له صلى الله عليه وآله وسلم بتحصيل أسباب الزينة والترف (1)
مع ما هو فيه صلى الله عليه وآله وسلم من تبليغ رسالة ربه، وما يلقى في سبيلها من الأمور العظام والأهوال الجسام، وزوجاته بذلك يتسببن في زيادة قلقه والتشويش عليه، فأراد الله تعالى أن يخفف على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مشاكل أزواجه التي تؤذيه وتشوش عليه وتحزنه فأمره الله تعالى أن يحسم تلك المشاكل ويقطع دابرها بتخيير جميع نسائه بين أمرين: إما أن يخترن الحياة الدنيا وزينتها، فمن اختارت منهن الحياة الدنيا وزينتها فلتأخذ طلاقها (2) من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما يلزم لها من المتاع (3).
وإما أن يخترن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والدار الآخرة؛ فإن اخترن ذلك فليصبرن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليطعنه ويتركن مطالبته، وليحتسبن الأجر من الله إن أحسنَّ العمل والطاعة.

__________
(1) - سؤال: يقال: هل يطلق على إرادة تلك الأشياء بأن صاحبها يريد الحياة الدنيا فكيف بنا؟ أم أنها خاصة بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهل يصح أنهن إنما طالبنه زيادة أشياء في النفقة ونحو ذلك؟

الجواب: حب الدنيا وزينتها هو طبيعة بشرية لا يمكن التخلص منها ولا يلام المرء عليها. ويظهر -والله أعلم- أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كن يسألنه ويطلبن منه ما ليس في وسعه، وكن يتذمرن مما هن فيه من شظف العيش عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتضايق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك فنزلت الآية. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينفق عليهن مما آتاه الله ولا يبخل عليهن، ولو كان عنده ما أرادته أزواجه لأعطاهن من غير أن يلحقهن ذم في ذلك الطلب؛ فالواجب على الزوج أن ينفق إذا كان ذا سعة من سعته، فإن كان غنياً فلينفق على أزواجه نفقات الأغنياء، وكل زوج على قدر غناه: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا 7} [الطلاق]، لا حرج على المؤمن أن يتمتع بالحلال وطيبات الرزق: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون:51].

(2) - سؤال: ظاهر كلام الفقهاء أن من اختارت الحياة الدنيا فذلك طلاقها من غير إحداث طلاق؛ فما رأيكم في ذلك بالنسبة للآية؟
الجواب: ليس في ظاهر الآية ما يدل على ما ذكروا، بل الظاهر أنه لا بد من طلاق إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها: {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا 28} [الأحزاب]، فجواب الشرط في هذه الآية ظاهر في أنه لا بد من أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يسرحهن، والتسريح هو الطلاق {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]، والتسريح يكون بحل عقدة النكاح التي جمعت بين الزوجين والطريق التي شرعت لحلها هو الطلاق.
(3) - سؤال: هل المراد بـ «أمتعكن» متعة الطلاق؟ فكيف مع دخولهن وقد سمى لهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مهراً عدا الواهبة نفسها؟ أم المراد نفقة العدة؟
الجواب: المراد النفقة التي أوجبها الله تعالى للمعتدة المدخولة، وهي غير المتعة التي أوجبها الله تعالى للمطلقة غير المدخولة، وهي أن يعطيها الزوج ما يسرها ويطيب خاطرها، وأقل ذلك كسوة مثلها.
الآية 29
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا 28 وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا 29} كان زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثرن المطالبة له صلى الله عليه وآله وسلم بتحصيل أسباب الزينة والترف (1)
مع ما هو فيه صلى الله عليه وآله وسلم من تبليغ رسالة ربه، وما يلقى في سبيلها من الأمور العظام والأهوال الجسام، وزوجاته بذلك يتسببن في زيادة قلقه والتشويش عليه، فأراد الله تعالى أن يخفف على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مشاكل أزواجه التي تؤذيه وتشوش عليه وتحزنه فأمره الله تعالى أن يحسم تلك المشاكل ويقطع دابرها بتخيير جميع نسائه بين أمرين: إما أن يخترن الحياة الدنيا وزينتها، فمن اختارت منهن الحياة الدنيا وزينتها فلتأخذ طلاقها (2) من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما يلزم لها من المتاع (3).
وإما أن يخترن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم والدار الآخرة؛ فإن اخترن ذلك فليصبرن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليطعنه ويتركن مطالبته، وليحتسبن الأجر من الله إن أحسنَّ العمل والطاعة.

__________
(1) - سؤال: يقال: هل يطلق على إرادة تلك الأشياء بأن صاحبها يريد الحياة الدنيا فكيف بنا؟ أم أنها خاصة بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهل يصح أنهن إنما طالبنه زيادة أشياء في النفقة ونحو ذلك؟

الجواب: حب الدنيا وزينتها هو طبيعة بشرية لا يمكن التخلص منها ولا يلام المرء عليها. ويظهر -والله أعلم- أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كن يسألنه ويطلبن منه ما ليس في وسعه، وكن يتذمرن مما هن فيه من شظف العيش عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتضايق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك فنزلت الآية. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينفق عليهن مما آتاه الله ولا يبخل عليهن، ولو كان عنده ما أرادته أزواجه لأعطاهن من غير أن يلحقهن ذم في ذلك الطلب؛ فالواجب على الزوج أن ينفق إذا كان ذا سعة من سعته، فإن كان غنياً فلينفق على أزواجه نفقات الأغنياء، وكل زوج على قدر غناه: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا 7} [الطلاق]، لا حرج على المؤمن أن يتمتع بالحلال وطيبات الرزق: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون:51].

(2) - سؤال: ظاهر كلام الفقهاء أن من اختارت الحياة الدنيا فذلك طلاقها من غير إحداث طلاق؛ فما رأيكم في ذلك بالنسبة للآية؟
الجواب: ليس في ظاهر الآية ما يدل على ما ذكروا، بل الظاهر أنه لا بد من طلاق إذا اخترن الحياة الدنيا وزينتها: {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا 28} [الأحزاب]، فجواب الشرط في هذه الآية ظاهر في أنه لا بد من أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يسرحهن، والتسريح هو الطلاق {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]، والتسريح يكون بحل عقدة النكاح التي جمعت بين الزوجين والطريق التي شرعت لحلها هو الطلاق.
(3) - سؤال: هل المراد بـ «أمتعكن» متعة الطلاق؟ فكيف مع دخولهن وقد سمى لهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مهراً عدا الواهبة نفسها؟ أم المراد نفقة العدة؟
الجواب: المراد النفقة التي أوجبها الله تعالى للمعتدة المدخولة، وهي غير المتعة التي أوجبها الله تعالى للمطلقة غير المدخولة، وهي أن يعطيها الزوج ما يسرها ويطيب خاطرها، وأقل ذلك كسوة مثلها.
الآية 30
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
📝 التفسير:
{يَانِسَاءَ (1) النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا 30} يخاطب الله سبحانه وتعالى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويرشدهن إلى ما يتحتم عليهن فعله، وذلك لأنهن لسن كغيرهن من النساء، فحذرهن الله سبحانه وتعالى أن تلطخ إحداهن عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعمل أي فاحشة سواءً كانت صغيرة (2) أم كبيرة، وأمرهن أن يحتشمن أشد الحشمة، وهددهن بأن من فعلت ذلك منهن فسيضاعف لها العذاب ضعفين؛ لأن مسؤوليتهن ليست كمسؤولية بقية النساء فهي أعظم وأشد؛ لاتصالهن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فليحافظن على كرامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشد المحافظة، وليحرصن على صون بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو مهبط الوحي من أن يعرضن أنفسهن لأي كلمة سوء تلحق به (3).
__________
(1) - سؤال: ما السر في تغيير الخطاب إلى «نساء النبي»، وفي لفظ الآية قبلها «أزواجك»؟ وما رأيكم في قول بعض علمائنا: إن المراد بنساء النبي هنا فاطمة الزهراء أخذاً من آية المباهلة: {وَنِسَاءَنَا} [آل عمران:61]؟
الجواب: الآية الأولى خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ} وما بعدها خطاب لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس في ذلك مخالفة للظاهر. والمراد هنا بنساء النبي: أزواجه؛ بقرينة السياق، وذلك أولى من تفسيرها بفاطمة لقوله في آل عمران {وَنِسَاءَنَا}، فأزواجه هن هنا نساؤه، والإضافة يكفي فيها أدنى مناسبة.
(2) - سؤال: يقال: ظاهر الآية أن الفاحشة المبينة المعصية التي ظهر قبحها وتزايد فهي الكبيرة، فكيف؟
الجواب: نعم، ظاهر الآية هو كما ذكرتم، وأردنا بالصغيرة الصغيرة المشينة التي من شأنها أن تخدش في كرامة زوجهن صلى الله عليه وآله وسلم، أو تشين عرضه، لا الصغائر المعفو عنها.
(3) - سؤال: هل مأخذ بعض أئمتنا من هذه الآية في قوله: إن العاصي من أهل البيت يضاعف له العذاب ضعفين؟

الجواب: نعم، في هذه الآية مأخذ لذلك القول؛ لأن العلة هي عظم النعمة بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي موجودة في أهل البيت.
الآية 31
وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا
📝 التفسير:
{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا 31} (1) أي: ومن يتواضع منكن ويتذلل لطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم مع استقامتها على القيام بما أوجب الله تعالى عليها من الأعمال الصالحة وعلى ترك ما نهاها الله عنه فسيؤتيها الله أجرها على ذلك كاملاً ثم يعطيها مثله زيادة من الله وكرامة أكرم بها من أطاعه وأطاع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من أزواج نبيه صلى الله عليه وآله وسلم مع ما أعد لها من الرزق الكريم في جنات النعيم.
__________
(1) - سؤال: ما هي الأحكام الشرعية التي تؤخذ من قوله: {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ... } إلخ الآية؟
الجواب: يؤخذ من الآية:
1 - ... أن مضاعفة الأجر مرتين خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
2 - ... أنه لا يقبل العمل الصالح من العاصي ولا يثاب عليه؛ لأن القنوت هو ملازمة الطاعة، والعاصي غير ملازم للطاعة.
الآية 32
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا
📝 التفسير:
{يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} (2) ونهاهن الله سبحانه وتعالى عن أن يصدر منهن الكلام الذي لا يصدر إلا من عديمات الحياء وقليلات العفة والمروءة، الذي يؤدي إلى طمع أهل الفسق والريبة فيهن. والخضوع بالقول: تليينه وترقيقه للرجال.
{وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32} وأمرهن أن لا يتكلمن إلا بما ينبي عن العفة والطهارة والنزاهة.
__________
(2) - سؤال: يقال: إذا كانت العلة في تحريم الخضوع بالقول هي طمع أهل الريبة فهل يقاس على ذلك تحريم كشف الوجه؛ لوجود هذه العلة فيه بالأولى والأحرى، أم كيف؟
الجواب: يحرم كشف الوجه عند حصول هذه العلة حيث لا تغض الأبصار، وقد قال أهل المذهب: إنه يجب التستر على المرأة عن من لا يعف.
الآية 33
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
📝 التفسير:
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} (1) وأمرهن بصيانة أنفسهن في بيوتهن حفاظاً على كرامتهن ومروءتهن، وإذا اضطررن إلى الخروج فلا يلبسن ثياب الزينة أو ما يلفت أنظار الناس إليهن، والجاهلية الأولى هي: التي قبل الإسلام، والأخرى: ما يظهر من فسقة المسلمين من التهتك والتعري ومن غيرهم من جاهلية الأمم التي عمرت الأرض بعد الإسلامصلى الله عليه وآله وسلم، هذا ما ظهر والله أعلم.
{وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} وأمرهن بالمحافظة على أداء الصلوات، وعلى إخراج زكاة أموالهن، والالتزام بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله.
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33} وكل تلك التعاليم التي أملاها الله سبحانه وتعالى على نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه يريد أن يطهر بيت (2)النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا تلحقه أي كلمة تنافي العفة وتسقط المروءة.
وذلك أن المرأة إذا فعلت شيئاً من ذلك فإن عارها يلحق جميع أهلها وقبيلتها، وأي شيء يصدر من زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن عار ذلك سيلحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع أهل بيته، والله تعالى يريد أن يطهر (3) بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كل ما يخل بالكرامة. ومعنى «الرجس»: هو قذر المعاصي.

__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما هي حقيقة التبرج لغة وشرعاً، مع بيان المأخذ؟
الجواب: قالوا: إن أصل «برج» هو: سعة العين وظهورها، ومن ذلك «البروج» لظهورها، ويظهر أن معنى التبرج في اللغة والشرع واحد؛ فالمراد هنا بالتبرج إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال.
(2) - سؤال: يقال فعلى هذا زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم داخلات في مفهوم أهل البيت عليهم السلام؟ وكيف يتم لنا توجيه حصرها في الخمسة أهل الكساء مع دلالة السياق على دخولهن؟

الجواب: نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير داخلات فيما ذكرنا من التفسير؛ لأن المقصود بما وجه الله إليهن من الأوامر والنواهي هو للمحافظة على صيانة بيت الرسالة وحَمَلَة الوحي وأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أن يلحقهم ما يخدش في بياض كرامتهم، أو ينكت في أعراضهم، فإذا صدر من زوجة الرجل ما لا ينبغي من التبرج ونحوه انعكس سوء فعلها على زوجها وأولاده، فتسقط منزلتهم عند الناس وتقل كرامتهم، ويكونون عرضة للذم و .. إلخ، وعلى هذا فالنساء غير داخلات. وقد صحت الرواية من صحاح أهل السنة أن المراد بالآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ ... } الخمسة أهل الكساء: النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وإذا كان السياق يوهم دخولهن فقد أخرجهن صحيح السنة من رواية مسلم وغيره، فمن أراد الاستيضاح فليرجع إلى تفسير ابن كثير لهذه الآية.

(3) - سؤال: من أين دلت الآية هذه على أن إجماع أهل البيت عليهم السلام حجة يجب العمل بها؟
الجواب: دلت هذه الآية أن الله تعالى قد أذهب عنهم الرجس أي: رجس المعاصي وقذرها؛ لذلك يكون ما أجمعوا عليه حقاً، ولا يجوز ولا يصح أن يكون باطلاً؛ لأن الباطل رجس، والله تعالى قد أكد في هذه الآية أنه قد أذهبه عنهم.
الآية 34
وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
📝 التفسير:
{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} (2) أمر الله أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذكر ما يتلى في بيوتهن من القرآن وما يسمعن من الحكمة على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهن إذا ذكرن ذلك ذكرن ما فرضه الله تعالى عليهن من الفرائض وما أمرهن به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأوامر وشرعه لهن من الشرائع.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا 34} تلك المواعظ والإرشادات التي خص الله سبحانه وتعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت لما قد علم من الحكمة والمصلحة التي اقتضت أن يخص أزواج نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بما خصهن به من الأحكام وفرضه عليهن من التكاليف (3).
__________
(2) - سؤال: هل يؤخذ من الآية أن الحكمة هي السنة النبوية؟
الجواب: يؤخذ منها ذلك؛ لأنه لا يخرج من فم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا القرآن أو أقواله، وأقواله سنة وشريعة متبعة.
(3) - سؤال: يقال: قد يفهم أن تحريم الخضوع بالقول والتبرج والأمر بالقرار في البيوت وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهل هو كذلك؟ أم عام لهن ولغيرهن من نساء المسلمين، مع التعليل؟

الجواب: ذلك عام لهن ولغيرهن، وإنما خصصن بالخطاب لشرفهن بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}، وقد أمر الله تعالى المؤمنات في سورة النور بمعنى ما في هذه الآيات، أما الصلاة والزكاة فعمومها معلوم للرجال والنساء جميعاً.
الآية 35
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
📝 التفسير:
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} فالمسلمون: هم الذين استسلموا لله سبحانه وتعالى وانقادوا له.
والمؤمنون: هم المصدقون بالله سبحانه وتعالى ووعده ووعيده وبما جاءت به أنبياؤه ورسله (1).
والقانتون: هم المطيعون لله تعالى والمستجيبون لأوامره.
والصادقون: أراد الله سبحانه وتعالى بهم المخلصين في إيمانهم وأعمالهم (2).
والصابرون: أراد الله تعالى بهم من يصبر على طاعته وترك معاصيه وما يغضبه.
والخاشعون: هم المتواضعون لله تعالى ولأوامره.
والمتصدقون: هم الذين يخرجون زكاة أموالهم.
والصائمون: هم المؤدون ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليهم في شهر رمضان من الصيام على الوجه الذي أمرهم الله تعالى.
والحافظون فروجهم: هم أهل العفة والنزاهة الذين لا يضعون فروجهم إلا فيما أحل الله سبحانه وتعالى لهم (1).
والذاكرون الله: هم الذين لا ينسون الله تعالى؛ لأنه لا يعصي الله سبحانه وتعالى إلا الذين نسوه، وأما من كان ذكره على قلبه فإنه لن يقدم على معصيته وفعل ما يغضبه؛ لأنه كلما أوشك على اقتراف معصية تذكر الله سبحانه وتعالى وأمسك عن تلك المعصية، وليس من شرط الذكر أن يكون باللسان؛ لأن المرء ما دام ذاكراً لله تعالى بقلبه مؤدياً لجميع ما أوجب الله عليه بحيث يمنعه ذلك عن فعل المعصية فهذا هو الذاكر لله سبحانه وتعالى في الحقيقة، والدليل على ذلك أن من يذكر الله تعالى بلسانه لا يسمى ذاكراً له ما دام يفعل المعاصي.
{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا 35} هذا وعد من الله سبحانه وتعالى لأهل هذه الصفات بأنه قد أعد لهم الثواب العظيم ومغفرة ذنوبهم.

__________
(1) - سؤال: يقال: إذا كانت بهذه المعاني فما هو الوجه في عطف المؤمنين على المسلمين؟
الجواب: الوجه في العطف هو تغاير معنى المسلم والمؤمن في الآية، فالمسلمون هم المنقادون المستسلمون، والمؤمنون هم الذين وقر التصديق بالله و ... في قلبوهم وثبت فيها، وقد قال الله تعالى في سورة الحجرات: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:14]، فدلت هذه الآية أن الإسلام غير الإيمان وعلى ذلك فسرنا: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ و .... }.
(2) - سؤال: من فضلكم هل يمكن أن نجعل الصادقين بمعنى غير الكاذبين في الأقوال؟
الجواب: لم نفسر ذلك بما ذكرتم؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ 15} [الحجرات].

(1) - سؤال: ما الحكمة في التنصيص على المسلمات والمؤمنات والقانتات .. إلخ رغم دخولها في المسلمين والمؤمنين والقانتين .. إلخ؛ تغليباً لخطاب المذكرين؟
الجواب: يذكر المفسرون عند هذه الآية ما روي عن أم سلمة قالت: يا رسول الله ما للرجال يذكرون في القرآن ولا تذكر النساء؟ فنزلت الآية.
الآية 36
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا
📝 التفسير:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ (2)لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} فإذا حكم الله تعالى بحكم أو حتم وألزم بشيء فليس لأحد الاختيار أو أن يعترض على ذلك، أو يفرض رأيه على الله سبحانه وتعالى أو على رسوله، وإنما يجب الامتثال والطاعة من دون أي سؤال (1)، والأمر الذي قد قضاه الله سبحانه وتعالى في هذه الآية هو أن يتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بامرأة زيد بن حارثة الذي كانوا ينادونه بزيد بن محمد، وكان الله سبحانه وتعالى قد ألقى في قلب زيد كرهها حتى عزم على تطليقها؛ لحكمة أرادها الله تعالى في ذلك الأمر، وهي ما أراد من محو فكرة التبني هذه، وأن يقطع هذه العادة عن الناس، فإذا كان ذلك الفعل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه سيكون له من التأثير أكثر مما لو كان من غيره؛ وأما المشركون فقد قالوا في ذلك الأقاويل، واستغلوا ذلك الموقف لذم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهتك عرضه وتنفير الناس عنه فقالوا: إن محمداً تزوج بزوجة ابنه.
{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا 36} ومن لم يمتثل لما حكم الله ورسوله، واعترض على أوامر الله تعالى ورسوله فقد خرج عن طريق الهدى إلى طريق الضلال والردى.

__________
(2) - سؤال: ما محل المصدر هذا من الإعراب؟ وكيف يكون تقديره بما يناسب أول الكلام؟ وبماذا تعلق قوله: «من أمرهم»؟

الجواب: محله الرفع اسم كان. «من أمرهم» متعلق بمحذوف حال من الخيرة، أي: ما كان لمؤمن ولا مؤمنة الخيار في أن يفعل أو لا يفعل إذا أمر الله ورسوله بأمر.

(1) - سؤال: هل السؤال عن الحكمة أو الغرض في بعض الأوامر من قبيل الاعتراض هذا أم لا؟
الجواب: ليس السؤال عن الحكمة إذا خفيت من الاعتراض على الله، فقد سألت الملائكة رب العالمين حين أراد خلق آدم لما خفيت عليهم الحكمة في خلقه.
الآية 37
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
📝 التفسير:
{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} يذكِّرُ الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عندما هم زيد بن حارثة بتطليق امرأته، ثم إنه صلى الله عليه وآله وسلم سعى إلى الصلح بينهما، مع أنه كان قد عرف (2)أمر الله سبحانه وتعالى، وأنه قد حكم عليه بأن يتزوجها؛ ليقطع عادة الجاهلية وفكرة التبني واتخاذ الأبناء؛ فأخبر سبحانه بما حاول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخفيه وهو كراهته الزواج بها اتقاءً لقالة الناس وقال: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} (1)فأخبر بما كان يخشاه صلى الله عليه وآله وسلم من ردة فعل الناس كيف ستكون إذا تزوج زوجة زيد، وما سيفتحه من القيل والقال في ذلك على نفسه، فقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يدخل في هذا الأمر، ولكن مشيئة الله تعالى فرضت عليه ذلك فرضاً، وقد تحتم عليه الامتثال مهما كان ومهما قيل فيه، فإرادة الله سبحانه وتعالى فوق كل إرادة، وأمره فوق كل أمر.
{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا 37} (3) حكم الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك الحكم ليرفع عن المؤمنين ما كانوا يتحرجون من الوقوع فيه، وليس لأحد أن يعترض عليه أو أن يطعن فيه. ومعنى «قضى منها وطراً»: نال منها حاجته زمناً مّا.


__________
(2) - سؤال: قد يقال: من أين كان قد عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الله له بتزوجها؟

الجواب: عرفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتعريف الله له بذلك، والدليل أنه كان قد عرف: قوله في هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ}.

(1) - سؤال: ما محل {أَنْ تَخْشَاهُ} من الإعراب؟ وهل ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهذا الأمر الإلهي لأجل هذه الخشية يعد صغيرة، أم كيف؟
الجواب: محل «أن تخشاه» الجر بباء مقدرة، أو النصب بنزع الخافض. ولا تعد خشية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قالة الناس فيه ذنباً؛ لأن ذلك طبيعة، وإنما تعد معصية إذا ترتب عليها فعل أو ترك، وقد امتثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمر الله، وفعل ما أمر به، ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تردد في أن يفعل أو لا يفعل أو تلوم وتراخى، وإنما ذكر أنه خشي وخاف.
سؤال: إذا استدل أحد بقوله: {وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} على وجوب النهي عن المنكر ولو مع خشية الضرر، فكيف يجاب عليه؟ وما هي الخشية المذمومة التي لا يترك لأجلها النهي عن المنكر؟

الجواب: إنكار المنكر يكون باليد واللسان، ثم بالقلب عند عدم الاستطاعة على تغييره باليد أو اللسان، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وقد عذر الله المسلمين في مكة عن تغيير المنكر لضعفهم وقوة أهل المنكر، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمر على آل ياسر ويقول لهم: ((اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)) أو كما قال، وقد سكت أمير المؤمنين عليه السلام هو وأهل بيته بعد موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرفعوا رؤوسهم لما حدث من مخالفات. والخشية المذمومة التي لا يترك لأجلها النهي عن المنكر: هي نحو أن يترك النهي عن الغناء مثلاً لئلا يقال عنه: إنه متشدد، أو إنه رجعي، أو غير منفتح، أو ليس وسطي.

(3) - سؤال: ما الوجه في قوله: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا 37} مع أن فعل هذا الأمر متوقف على اختيار المأمور، فقد يفعل وقد لا يفعل؟ وكذا الآية التي بعدها: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا 38}؟
الجواب: إتمام الحجة على المكلفين بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين وتفصيل الشرائع والأحكام مما قضت به حكمة الحكيم، فكان لا بد من حصوله عن طريق رسل الله الذين يبلغون رسالات الله الذين اختارهم الله بعلمه لتبليغ رسالاته، وقد علم تعالى أنهم أهل لتبليغها لا يفرطون بل إنهم معصومون عن معصية الله، ولكونهم كذلك فما قضاه الله عليهم من تنفيذ أمر نفذوه بتوفيقه وحفظه، {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا 27 لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ... } [الجن]، لذلك فما كلفوا بتبليغه وتشريعه وبيان حكم الله فيه أمر محتوم وقدر مقدور؛ لأنهم رسل الله وخلفاؤه في الأرض، وهم الذين يتكلمون عنه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته.
الآية 38
مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا
📝 التفسير:
{مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ (1) فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا 38} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قد رفع الحرج عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في زواجه بطليقة ربيبه زيد بن حارثة، ولو قال الناس في ذلك الأقاويل، فهذه سنة الله تعالى ولا حرج ما دام الله سبحانه وتعالى هو الذي فرض ذلك ولو كان ذلك مستنكراً عند الناس.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن هذا الحكم وهو تزوج امرأة زيد بن حارثة بعد أن يطلقها زيد فرض واجب عليه، ولا بد أن يمتثل ذلك الأمر.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {مِنْ حَرَجٍ}، و {سُنَّةَ اللَّهِ}؟
الجواب: «من» حرف جر زائد، و «حرج» اسم كان مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً، و «سنة الله» مصدر منصوب بفعل محذوف مثل: «صبغة الله».
الآية 39
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا
📝 التفسير:
{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ (2) اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} يرشد الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لأن يتحلى بصفات الأنبياء، ولا يخشى في الله أحداً مهما كان.
{وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا 39} (3) ومهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغضب الله سبحانه وتعالى ولم يفعل ما يوجب سخطه؛ فلا يخش أحداً في طاعة الله تعالى وفعل ما يرضيه، ولو كان ذلك لا يرضي الناس، فالله تعالى هو الذي سيحاسبه على ذلك.
__________
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ} مفصلاً؟
الجواب: يجوز في «الذين» أن يكون مجروراً بدلاً من «الذين خلوا من قبل .. »، ويجوز أن يكون منصوباً بتقدير: أعني أو أمدح، وأن يكون مرفوعاً على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: هم الذين.
(3) - سؤال: ما إعراب: {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا 39}؟
الجواب: «كفى» فعل ماض، «بالله» الباء حرف جر صلة، ولفظ الجلالة فاعل كفى مرفوع محلاً مجرور لفظاً. «حسيباً» تمييز.
الآية 40
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
📝 التفسير:
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ (1) رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا 40} يخاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين ويخبرهم بأن محمداً ليس أباً لزيد بن حارثة الذي كانوا يدعونه: زيد بن محمد، ولكنه رسول من عند الله جعله الله تبارك وتعالى خاتماً لأنبيائه بما قضاه ودبره في سابق علمه وعظيم حكمته؛ يريد الله سبحانه وتعالى أن يترك الناس هذه العادة التي رسخت في أذهان المؤمنين، وأن يقتنعوا بأن ذلك لا يصح.
__________
(1) - سؤال: ما علاقة الاستدراك لنبوته عن نفي أبوته للمتبنين؟
الجواب: وجه ذلك: أنه تعالى نفى واحداً من اثنين ثبتا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هما كونه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكونه أباً لزيد بن حارثة، فلما نفى عنه الأبوة التي كانت صفة ثابتة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اعتقادهم لثبوت الرسالة استدرك بـ «لكن» ما عسى أن يتوهم متوهم نفي الرسالة عنه.
سؤال: ما إعراب: «رسول الله»؟
الجواب: «رسول الله» خبر لكان محذوفة، أي: ولكن كان رسول الله وخاتم النبيين.
سؤال: قد يستدل بعض القاصرين بهذه الآية على أن الحسنين وأبناءهما ليسوا أبناءً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنهما ' من جملة الرجال المعنيين بقوله: {مِنْ رِجَالِكُمْ} فكيف يجاب عليه؟
الجواب: الخطاب في هذه الآية موجه لعامة المسلمين دون أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدليل قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ 61} [آل عمران]، وبالإجماع والاتفاق أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا للمباهلة علياً وفاطمة والحسن والحسين، ولم يدع غيرهم؛ لذلك فبنوة الحسن والحسين ثابتة بنص القرآن.