القرآن الكريم مع التفسير

سورة الزمر

آية
إجمالي الآيات: 75 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ (3) فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} يحث الله سبحانه وتعالى عباده هنا أن ينظروا في آياته وآثار رحمته ونعمه عليهم، فأمرهم أن ينظروا كيف ينزل لهم المطر من السماء، ثم يجتمع في بطن الأرض بقدرته، ثم بعد ذلك يخرجه مرة أخرى من الأرض على شكل ينابيع تتفجر، ثم تسيل على وجه الأرض فينبت به أنواع الزرع والثمر، أفلا يدل كل ذلك على أنه لا بد أن يكون ذلك بقدرة قادر حكيم ومدبر عليم.
{ثُمَّ يَهِيجُ (1) فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا} (2) ثم بعد أن ينمو الزرع ويكتمل نموه فإنك تراه يأخذ في النقص واليباس حتى تتفتت أجزاؤه وتطيره الرياح وكأن شيئاً لم يكن.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ 21} يحثهم الله سبحانه وتعالى على النظر في آياته تلك لما فيها من البعث لهم على معرفة قدرته وسعة علمه وتدبيره، وليعرفوا أيضاً أن من قدر على ذلك فهو قادر على إحيائهم بعد الموت، وبعثهم بعد أن صاروا عظاماً وتراباً؛ غير أنه لن يعتبر بآياته إلا أهل العقول الراجحة.

__________
(3) - سؤال: هل قوله: «ينابيع» مفعول ثان لـ «سلكه» فلم نفهم ذلك؟ أم أنه منصوب على نزع الخافض تقديره: في ينابيع؟ أم ماذا؟
الجواب: قد أعربوا «ينابيع» على أوجه وأقرب ما ذكروا فيها: أن سلكه مضمن معنى جعله، فيكون ينابيع مفعولاً به ثانياً، ولا مانع من جعله ظرفاً على تقدير ينابيع جمعاً لمنبع اسم مكان.
سؤال: هل يشمل قوله «ينابيع» المياه الجوفية التي تستخرج الآن بالآلات الضخمة فذلك يفيدنا أن يكون نتيجة الأمطار؟ أم يقتصر ذلك على عيون الغيول؟
الجواب: ظاهر قوله تعالى في سورة المؤمنون: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ... } [المؤمنون:18]، أن المياه الجوفية كانت نتيجة لمياه الأمطار، وقد سألت الكثير من أصحاب الآبار في صعدة عن زيادة الآبار عند حصول الأمطار والسيول المتتابعة فقالوا: إنها تزيد، وآبار صعدة غير سطحية، وقال تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ 22} [الذاريات]، والمراد برزقكم المطر، والآيات التي تتحدث عن إنزال الرزق من السماء كثيرة.

(1) - سؤال: ما السر في نسبة الهيجان إلى الزرع بالرغم من أن كل الأفعال في الآية منسوبة إلى الباري تعالى؟
الجواب: هيجان النبات أي: ذبوله واصفراره هو ناتج عن ترك إمداده بأسباب النمو، وأسباب حياته فإذا قطع الله عنه ذلك ضعف ومات وفسد، فالله تعالى هو الذي أماتها بفعله لأسباب فسادها، ومن الأدب مع الله أن لا تنسب الأفعال التي قد يوهم ظاهرها ما لا ينبغي، ألا ترى إلى ما حكاه الله تعالى من قول إبراهيم: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ 79 وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ 80} [الشعراء]، فلم ينسب المرض إلى الله لأنه في الظاهر شر وإن كان في الحقيقة والواقع خيراً ومصلحة عظيمة للمريض.
(2) - سؤال: قد يفسر أغلب العلماء الهيجان بالاصفرار وهو خلاف ما يظهر من العرف أنه اكتمال النمو فما رأيكم في ذلك؟ وهل هو من باب الحقيقة أو المجاز؟
الجواب: يهيج هو حقيقة فيما يذكرونه من الاصفرار ثم التفتت، أي: أن النبات بعد اكتمال نموه يهيج إلى الضعف واليباس، كأنه ينشط ويتحرك ويخرج من حالته التي هو عليها إلى حالة أخرى هي الضعف والاصفرار ثم التفتت والذهاب.
الآية 22
أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
📝 التفسير:
{أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يستوي عنده ذلك الذي قد امتلأ قلبه بنور الإسلام (1) وانشرح صدره بالدين والهدى بسبب استجابته لدعوة الله سبحانه وتعالى ودعوة رسله هو ومن لا يزال يتخبط في ظلمات الجهل والشرك والضلال.
{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ (2) قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 22} سيجزي الله أهل الضلال والشرك الذين لم تنفع فيهم آيات الله سبحانه وتعالى ولم تؤثر فيهم مواعظه بما يستحقون من العذاب العادل في نار جهنم.
__________
(1) - سؤال: لعل مرادكم أن شرح الله لصدر هذا بمعنى توفيقه وتسديده من باب: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد:17]؟ فهل من قرينة على أن هذا هو المراد هنا؟
الجواب: القرينة هي أن الهدى الذي بمعنى الدلالة يشترك فيه المؤمن والكافر فقد هداهم الله جميعاً وشرح الصدر، والتنوير: هو بزيادة الهدى والتوفيق والتسديد، وهذا خاص بالمؤمن بدليل: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ 17}.
(2) - سؤال: ما إعراب: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ}؟
الجواب: «ويل» مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة في المعنى، «للقاسية» متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، «قلوبهم» فاعل القاسية.
سؤال: لِمَ عدّى «القاسية» بـ «من» في قوله: {مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} مع أن الظاهر تعديته بـ «عن»؟
الجواب: عدي بـ «من» لتضمين القاسية معنى المعرضة، وهذا أولى من جعلها بمعنى «عن» أو للتعليل.
الآية 23
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
📝 التفسير:
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} (3)أحسن الحديث هو القرآن فقد أنزله الله سبحانه وتعالى على نمط واحد في البداعة والحسن، وقد تشابهت آياته في ذلك.
{مَثَانِيَ} وقد اشتمل على الثناء والمدح لله سبحانه وتعالى، وتكررت فيه آيات الله وحججه وأحكامه ومواعظه وقصصه وعبره (1).
{تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (2) الذين يخشون الله سبحانه وتعالى تصيبهم القشعريرة الشديدة خوفاً من الله تعالى ومن لقائه إذا سمعوا ذكر الله وآياته فتراهم يسارعون إلى المبادرة في طاعة الله سبحانه وتعالى، وفعل ما يرضيه حين يسمعون آيات القرآن الحكيم.
ومعنى «ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله»: هو أنهم يندفعون إلى فعل ما أمروا به من الصلاة وسائر العبادات، في خشوع وخضوع وامتثال وإذعان.
{ذَلِكَ (4) هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن القرآن بأنه قد أنزله ليهتدي به أولئك الذين علم أنهم من أهل الهدى (5) والاستجابة.
{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ 23} (6) وأما أولئك المستكبرون الذين غطى الشرك والجهل قلوبهم فلن تنفع فيهم آياته وبيناته.

__________
(3) - سؤال: ما إعراب «كتاباً»؟ وهل ما بعده أحوال منه أم صفات له؟ أم أحوال من «أحسن الحديث»؟

الجواب: «كتاباً» بدل من «أحسن الحديث»، وما بعده صفات له أي للكتاب، ويجوز أن يعرب «كتاباً» حالاً من أحسن الحديث، فيكون ما بعده أحوالاً من «أحسن الحديث».

(1) - سؤال: هل تريدون أن قوله: «مثاني» يحتمل أن يكون من الثناء ومن التثنية؟ فما وجه ذلك؟
الجواب: المراد أنه من التثنية لا من الثناء، وإنما ذكرنا الثناء لأنه يثنى في القرآن، أي: أن الثناء على الله تعالى بذكره مرة بعد مرة في القرآن.
(2) - سؤال: هل البكاء عند قراءة القرآن ممدوح، ولو من الإنسان المقصر بموجب هذه الآية؟
الجواب: البكاء عند قراءة القرآن ممدوح ومطلوب بدليل قوله تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ 59 وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ 60 وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ 61} [الحجر]، إلا أن البكاء والقشعريرة لا تكون إلا من الذين يخشون ربهم وهم المؤمنون بالله ورسوله وبكتابه وباليوم الآخر.
سؤال: يقال: لم خصص ذكر الله بإلانة القلوب والجلود مع أن ما يحصل عنده القشعريرة والاضطراب هو أيضاً ذكر الله سبحانه؟
الجواب: تحصل للمؤمن الخشية والخوف عند سماعه للقرآن وإلى ما فيه من ذكر عظمة الله وسعة علمه وإحاطة قدرته وشدة وعيده، إلا أن المؤمن لا ييأس من رحمة الله فيذهب بفكره إلى باب الأمل المفتوح فيطمئن خوفه وينبسط جلده إلى رحمة الله ومغفرته ووعده الكبير للتائبين والمستغفرين والمؤمنين.

(4) - سؤال: ما السر في استخدام إشارة البعيد؟
الجواب: السر تعظيم الهدى الذي عليه المؤمنون الذين يخشون ربهم.
(5) - سؤال: فضلاً ما هو الوجه أو الدليل في حمل «من يشاء» على هؤلاء؟
الجواب: الدليل هو قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ ... } [البقرة]، وقوله: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [المائدة:16].
(6) - سؤال: قد يقال بأن إظهار لفظ الجلالة «الله» هنا ومقتضى الحال إضمارها، وكذلك دخول «من» على «هاد» قرينةٌ أو أمارة على أن الإضلال من الله، فبماذا يجاب على ذلك؟
الجواب: الإضلال هنا هو بمعنى الحكم والتسمية أي: أن الله حكم عليهم بأنهم ضالون وسماهم ضلالاً وهذا من الله، أو يفسر الإضلال بسلب التوفيق والتنوير والتسديد عن الضالين، وهذا أيضاً من الله تعالى.
الآية 24
أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ
📝 التفسير:
{أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يستوي أولئك الذين غلت أيديهم إلى أعناقهم يوم القيامة حتى لم يبق لهم ما يتقون به عذاب الله إلا وجوههم، وأولئك الذين استقبلتهم ملائكة (4)الله تعالى بالتسليم وقد فُتِّحت لهم أبواب الجنة، وصاروا في ضيافة الله سبحانه وتعالى؛ فلماذا لا يتدبر هؤلاء المشركون فيحذروا أن يكونوا من أهل عذاب الله تعالى وسخطه.
{وَقِيلَ (1) لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ 24} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه سيقول يوم القيامة لأولئك الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب ما يغضبه ويوجب سخطه: ذوقوا جزاء أعمالكم التي كنتم تعملونها في الدنيا، وجزاء تمردكم واستهزائكم وتكذيبكم بما جاءتكم به أنبياؤكم ورسلكم.
{كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن شأن أمته كشأن من سبقها من الأمم، وأن كل الأنبياء من قبله قد لاقوا مثل ما لاقى من قومه من التكذيب والاستهزاء، فلا يكبر ذلك في نفسه فليس الأول من الرسل.

__________
(4) - سؤال: من فضلكم ما قرينة هذا المضمر؟

الجواب: القرينة هي ما علم من آيات قرآنية كثيرة بأن المؤمنين تبشرهم الملائكة عند الموت وتتلقاهم يوم القيامة بالتبشير والتأمين و .. إلخ.

(1) - سؤال: ما السر في بنائه للمجهول؟
الجواب: السر هو أنه لا غرض في ذكر القائل، والغرض هو في ذكر القول.
الآية 25
كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
📝 التفسير:
{كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن شأن أمته كشأن من سبقها من الأمم، وأن كل الأنبياء من قبله قد لاقوا مثل ما لاقى من قومه من التكذيب والاستهزاء، فلا يكبر ذلك في نفسه فليس الأول من الرسل.
{فَأَتَاهُمُ (2) الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ 25} وقد عذبهم الله سبحانه وتعالى جزاءً على تكذيبهم وتمردهم، ولم يشعروا إلا بحلوله ونزوله عليهم فجأة عن غير استعداد منهم لنزوله.
__________
(2) - سؤال: هل هناك علة في جعل الفعل ثلاثياً هنا؟
الجواب: «أتى» الثلاثي بمعنى: جاء، و «آتى» الرباعي بمعنى: أعطى، وهنا أريد جاءهم العذاب.
الآية 26
فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (3)وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ} ثم إن الله سبحانه وتعالى أخزى هؤلاء المكذبين وعذبهم في الدنيا، وكذلك سيعذبهم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة وسيكون ذلك أشد وأخزى لهم.
{لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ 26} ولو أنهم كانوا يعلمون بهذا العذاب الذي سيحل بهم لحذروا (1) الوقوع فيه، ولسعوا جهدهم في دفع نزوله بهم بعمل ما يرضي الله تعالى ورسوله.

__________
(3) - سؤال: هل الخزي هذا هو غير العذاب المذكور في الآية السابقة حتى عطفه عليه؟ أم لا فما وجه المغايرة بينهما؟

الجواب: في الآية الأولى أخبر تعالى أن العذاب فاجأهم وصدمهم وهم في غفلة لا يتوقعونه، فتنخلع لمفاجأته قلوبهم وتطير عقولهم وتنهار قواهم وتدور عيونهم و .. إلخ، وهذا نوع من العذاب غير العذاب الذي تذوقه جلودهم وتحس حرارته أعضاؤهم وتخزى به نفوسهم. وبهذا تظهر المغايرة.

(1) - سؤال: ظاهر كلامكم أن جواب «لو» هنا محذوف، وهل يصح أن نقدره من الجملة قبله: «ولعذاب الآخرة أكبر» أو نجعله إياها أم لا؟
الجواب: لا يصح تقديره كما ذكرتم وإنما يقدر مفعول «يعلمون» مِمَّا قبله أي: لو كانوا يعلمون أن عذاب الآخرة أكبر، أما الجواب فهو يقدر كما ذكرنا، فإن من علم مخوفاً حذره.
الآية 27
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ 27} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قد ضرب للمشركين أنواع الأمثال، وصرف لهم الآيات فيما أنزل عليهم من القرآن، لعل ذلك يؤثر فيهم فيدخلوا في الدين والهدى، ولكنهم لم يقبلوا، وأصروا على كفرهم وتكذيبهم وتمردهم.
الآية 28
قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
📝 التفسير:
{قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ (2) لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ 28} ثم بين الله سبحانه وتعالى هذه الآيات التي صرفها لهم فوصفها بأنها قرآن أنزله على لسانهم وبلغتهم موضحاً لهم فيه آياته وبيناته وحججه، حتى لم يبق لهم أي عذر في التشكيك فيه أو التكذيب به؛ وكل ما أنزله عليهم من الآيات فإنما أنزله رحمة بهم.
________
(2) - سؤال: ما إعراب «قرآناً»؟ وهل قوله: «عربياً» و «غير ذي عوج» وصفان له أم ماذا؟
الجواب: قرآناً: حال، وعربياً: صفة، وغير ذي عوج: صفة أيضاً.
سؤال: ما هو العوج الذي نفاه الله عن القرآن في هذه الآية؟
الجواب: لا مدخل للشك فيه ولا للعيب ولا للباطل ولا للخلاف.
الآية 29
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا (3)فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ 29} (1) ثم إن الله سبحانه وتعالى ضرب للمشركين هذا المثل الذي يبين فيه حالهم وحال المؤمنين، فشبه حالهم في عبادتهم للأصنام بحال عبد اشترك فيه مجموعة أشخاص مختلفين فيما بينهم، فكل واحد منهم له رأي غير رأي الآخر، فكيف يستطيع هذا العبد أن يطيعهم ويرضيهم جميعاً وكل واحد منهم يطلب منه ضد ما يطلب الآخر.
وشبه حال المؤمنين في عبادة الله سبحانه وتعالى وحده بعبد مملوك لمالك واحد فإنه يستطيع أن يخدمه ويطيعه ويرضيه.
فأمرهم أن ينظروا في الفرق بين هذين الصنفين، وأيهما أحسن حالاً من الآخر؟ وسيعرفون الفرق الواضح بينهما، ولكنهم تعاموا عن الحق وأعرضوا عنه أشد الإعراض.

__________
(3) - سؤال: ما إعراب: «مثلاً رجلاً»؟ وكذا قوله: «مثلاً» الآخر؟

الجواب: «مثلاً» مفعول به. «رجلاً» بدل منه، ويصح أن يكونا مفعولين لضرب لتضمينه معنى جعل. «مثلاً» الآخِر: تمييز نسبة.
سؤال: هل الفائدة من تشبيه حالة المشركين توضيح أن كونهم مربوبين للأصنام ولله على حد زعمهم لا يتم ولا يصح كما لا تتم الطاعة من هذا العبد لملَّاكه المختلفين؛ أم ماذا؟
الجواب: المراد هو ما ذكرتم من عدم استواء دين الشرك ودين التوحيد.

(1) - سؤال: ما هو هذا العلم الذي نفاه الله عن أكثرهم في هذه الآية؟
الجواب: لا يعلمون أن المستحق للعبادة هو الله وحده فأشركوا به غيره؛ لشدة جهلهم.
الآية 30
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ 30 ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ 31} بعد أن أدّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أُمِرَ بتبليغه للمشركين أخبره الله تعالى أنه مهما فعل فيهم فلن يقبلوا منه أو يستجيبوا له، وأمره أن يخبرهم بأن مرجعهم جميعاً سيكون إلى الله تعالى، وسيقفون بين يديه يوم القيامة ليحكم بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبينهم.
الآية 31
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
📝 التفسير:
{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ 30 ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ 31} بعد أن أدّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أُمِرَ بتبليغه للمشركين أخبره الله تعالى أنه مهما فعل فيهم فلن يقبلوا منه أو يستجيبوا له، وأمره أن يخبرهم بأن مرجعهم جميعاً سيكون إلى الله تعالى، وسيقفون بين يديه يوم القيامة ليحكم بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبينهم.
الآية 32
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{فَمَنْ (2) أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ 32} ذكر الله تعالى أن المشركين نسبوا (3)إلى الله سبحانه وتعالى ما لا يليق به من الأمر بالشرك والمعاصي، ثم لما أنزل عليهم القرآن كذبوا به، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنهم قد بلغوا الغاية في الظلم والكفر ومعصية الله تعالى، وأنه قد أعد لهم مكاناً في جهنم خالدين فيها أبداً (1).

__________
(2) - سؤال: ما معنى هذه الفاء هنا؟ وما فائدتها؟ وهل يؤخذ من ذلك بيان معنى الاختصام في الآية السابقة؟ وما هو؟
الجواب: الفاء سببية عاطفة، وفائدتها بيان فلج المشركين المكذبين عند الخصومة وبيان نتيجة الخصومة.
(3) - سؤال: من أين نأخذ هذا ونفهمه؟

الجواب: أخذ ذلك من قوله: {كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف:28].

(1) - سؤال: فهل يكون الاستفهام «أليس» هنا للتقرير؟
الجواب: الاستفهام لتقرير ما بعد النفي.
الآية 33
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
📝 التفسير:
{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ 33 لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ 34} فالذي جاء بالصدق هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمصدقون به هم المؤمنون (2)، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم، ووصفهم بأنهم أهل التقوى وأهل ثواب الله تعالى.
وكان أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو ابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام، فهو أول المصدقين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
___________
(2) - سؤال: ظاهر عود ضمير صدّق (الفاعل) إلى فاعل «جاء» فما الوجه في جعله عائداً إلى غيره؟
الجواب: الوجه مجيء الخبر جمعاً.
الآية 34
لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ
📝 التفسير:
{وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ 33 لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ 34} فالذي جاء بالصدق هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمصدقون به هم المؤمنون (2)، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم، ووصفهم بأنهم أهل التقوى وأهل ثواب الله تعالى.
وكان أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو ابن عمه علي بن أبي طالب عليه السلام، فهو أول المصدقين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
___________
(2) - سؤال: ظاهر عود ضمير صدّق (الفاعل) إلى فاعل «جاء» فما الوجه في جعله عائداً إلى غيره؟
الجواب: الوجه مجيء الخبر جمعاً.
الآية 35
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ
📝 التفسير:
{لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} (3)ووعدهم الله بأنه سيكفر عنهم سيئاتهم التي عملوها جزاءً على حرصهم الشديد على تقوى الله تعالى والإيمان بما نزل من عنده، وذلك أن الإنسان مهما بلغ في تقوى الله تعالى فهو محل الخطأ والنسيان، ولا بد أن تقع منه الزلات والأخطاء (1).
{وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ (2) الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ 35} ووعدهم بأنه سيثيبهم على أعمالهم بأحسن الثواب وأجزله.

__________
(3) - سؤال: إذا قيل بأن ظاهر الآية: {أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} يقتضي أن يكون الذنب المكفر أسوأ من الخطأ والنسيان إذا سلمنا أن ما يحصل عن طريقهما من جملة المعاصي والسيئات وظاهر الأدلة يأبى ذلك، فكيف نجيب على ذلك؟

الجواب: قد يكون «أسوأ» بمعنى «سيئ» كقوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم:27]، أي: هين عليه. وقد يكون على ظاهره للتفضيل، وفيه التنبيه على تكفير الأدنى بالأولى، وقد يكون المراد بالأسوأ في نظر المحسنين فإنهم يرون أنفسهم مذنبين يستعظمون الصغير ويرون التفريط في بعض النوافل ذنباً.

(1) - سؤال: ظاهر كلامكم -أيدكم الله بتأييده- أن اللام في قوله: «ليكفر» لام العاقبة، فهل هو كذلك أم لا؟
الجواب: اللام للتعليل أي: أن المحسنين عملوا لينالوا ما وعدهم به الله من تكفير السيئات والثواب العظيم.
(2) - سؤال: هل الباء في قوله: «بأحسن» على بابها أم كيف؟
الجواب: قد تكون الباء هنا للاستعانة مجازاً مثل: كتبت بالقلم، فكأن أحسن الجزاء مكيال أو ميزان فجاءت الباء على هذه الآلة المجازية ليوفيهم بها.
الآية 36
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
📝 التفسير:
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} (3) تولى الله تعالى حفظ نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فهو في حصن حصين وحرز منيع منكم أيها المشركون، وسيكفيه (4)ربه ما تريدون من قتله.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن المشركين يخوفونه صلى الله عليه وآله وسلم بآلهتهم وأصنامهم ويحذرونه بأنها سوف تضره وتلحق به الأذى الشديد وتهلكه وتفعل به الأفاعيل إن هو لم يترك ذمها.
{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ 36} فأخبر الله سبحانه وتعالى بأن هؤلاء الذين يخوفونك يا محمد بآلهتهم هم أهل الضلال الذين قد حكم عليهم به، وسلب عنهم الألطاف، ولن يستطيع أحد أن يهديهم ما داموا قد رفضوا الاهتداء بهدى الله تعالى الذي أنزله عليهم.

__________
(3) - سؤال: ما إعراب «بكاف عبده»؟ وعلام عطفت الجملة الفعلية: «يخوفونك»؟ وهل هو مناسب عطفها؟ أم أن الواو ليست عاطفة فما معناها؟
الجواب: الباء في «بكاف» حرف جر زائد، «كاف» مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر ليس وفاعله مستتر فيه «عبده» مفعول به والهاء مضاف إليه. «ويخوفونك» الواو للحال والجملة في محل نصب حال من «عبده»، ويمكن أن تكون الواو استئنافية والجملة بعدها مستأنفة، وأن تكون جملة الاستفهام التقريري أو الإنكاري في المعنى خبرية لا إنشائية، فيصح أن تعطف الخبرية عليها إذا وجد مصحح العطف.
(4) - سؤال: هل كفاية الله لعبده هنا خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أم عامة في جميع المؤمنين؟ وما وجه ذلك؟

الجواب: الآية خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد جاء في مواضع أخرى أن الله تعالى مولى المؤمنين وناصرهم والمدافع عنهم، وأنه معهم، وقال سبحانه: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3]، أي: كافيه، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا 2} [الطلاق].
الآية 37
وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ
📝 التفسير:
{وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ} وأما من قبل الهدى، وتمسك بأسباب الهدى التي أعطاه الله تعالى فلن يستطيع أحد أن يدخله في الضلال بعدها أبداً.
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ 37} (1) إن الله سبحانه وتعالى هو العزيز الغالب والممتنع، والقاهر لكل شيء بقدرته، وهو قادر على أخذهم وتعذيبهم والانتقام منهم، غير أن حكمته اقتضت أن يمهلهم، ويؤخر تعذيبهم إلى أجل مسمى كتبه لهم.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب «ذي انتقام»؟ وما الوجه في جره؟
الجواب: «ذي انتقام» صفة مجرورة لـ «عزيز»، وجرت لأنها تابعة لمجرور.
الآية 38
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ
📝 التفسير:
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} ذكر الله تعالى أن المشركين مقرون ومعترفون بالله تعالى، وأنه وحده المتفرد بخلق السماوات والأرض وما فيهما، فلماذا لا يعبدون الله سبحانه وتعالى ما داموا مقرين ومعترفين بأنه الذي خلقهم، وخلق كل شيء؟
{قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ (2)اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل المشركين أيضاً: ماذا ستفعل آلهتهم التي يعبدونها إن أراد الله سبحانه وتعالى أن ينزل الضر والبلوى بأحد؟
وهل ستستطيع هذه الآلهة أن تكشف هذا الضر والبلوى؟
وكذلك يسألهم: هل ستستطيع أن تمسك نزول رحمته إن أراد أن ينزلها بأحد من خلقه؟
فحتماً لن يجدوا جواباً مقنعاً إلا أن يعترفوا أنها لا تستطيع فعل شيء من ذلك.
{قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ 38} (1) ثم أمره الله سبحانه وتعالى بعد أن يعترفوا له أن يخبرهم بأنه سيعبد الله وحده لا يشرك معه غيره لأنه الذي يستحق العبادة وهو الذي بيده الضرر والنفع وعليه وحده يتوكل المتوكلون.

__________
(2) - سؤال: هل هناك علة متعقلة في تعبير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بضمير نفسه في قوله: «أرادني»؟ أم لا؟

الجواب: جاءت هذه الآية رداً على تخويفهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من آلهتهم في قوله تعالى: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}، فمجيئه بضمير نفسه هو مقتضى الظاهر.

(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب «حسبي الله» مفصلاً؟ وما وجه فصل الجملة التي بعدها عنها؟
الجواب: «حسبي» خبر مقدم، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر، وفصلت الجملة التي بعدها لأنها مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان العلة.
الآية 39
قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ 39 (2)مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ 40} بعد أن بلَّغهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجج الله سبحانه وتعالى وبيناته، وصرَّف لهم الآيات، وحصل منهم ما حصل من التمرد والاستهزاء- أمره الله تعالى أن يتحدى المشركين بأن يعملوا منتهى طاقتهم في إبطال أمره إن استطاعوا، وأن يجهدوا جهدهم في هدم الدين وأهله، وأن يحاولوا بكل ما أوتوا من القوة في ذلك، وأن يخبرهم أيضاً بأنه سيعمل كل ما يستطيع لإفساد شركهم وضلالهم وباطلهم وهدم آلهتهم ودينهم.
وذلك أن المشركين كانوا متوقعين لهلاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانطماس دعوته وشريعته وهلاك جميع أتباعه جزاءً على مخالفته لدين آبائه وأجداده الذي يزعمون أنه دين إبراهيم وإسماعيل، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يتحداهم ذلك التحدي، ويعلمهم أنهم مهما حاولوا فلن يستطيعوا أن يطمسوا الإسلام، وأن يخبرهم أنهم في الأخير سوف يعلمون حين يحل بهم عذاب الله من هو الذي على الضلال والباطل؟ ومن هو الذي استحق عذاب الله تعالى وسخطه؟

__________
(2) - سؤال: هل العلم هنا بمعنى المعرفة فلا يحتاج إلا مفعولاً واحداً فقط؟ أم كيف؟
الجواب: العلم بمعنى المعرفة فلا يحتاج إلا إلى مفعول به واحد.
سؤال: هل يصح أن تحمل هذه الآية على التهديد فقط من باب: «كل يعمل على شاكلته .. إلخ» أم لا؟

الجواب: الأمر للتهديد بدليل آخر الآية: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ 39}.
الآية 40
مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ
📝 التفسير:
{قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ 39 (2)مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ 40} بعد أن بلَّغهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم حجج الله سبحانه وتعالى وبيناته، وصرَّف لهم الآيات، وحصل منهم ما حصل من التمرد والاستهزاء- أمره الله تعالى أن يتحدى المشركين بأن يعملوا منتهى طاقتهم في إبطال أمره إن استطاعوا، وأن يجهدوا جهدهم في هدم الدين وأهله، وأن يحاولوا بكل ما أوتوا من القوة في ذلك، وأن يخبرهم أيضاً بأنه سيعمل كل ما يستطيع لإفساد شركهم وضلالهم وباطلهم وهدم آلهتهم ودينهم.
وذلك أن المشركين كانوا متوقعين لهلاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانطماس دعوته وشريعته وهلاك جميع أتباعه جزاءً على مخالفته لدين آبائه وأجداده الذي يزعمون أنه دين إبراهيم وإسماعيل، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يتحداهم ذلك التحدي، ويعلمهم أنهم مهما حاولوا فلن يستطيعوا أن يطمسوا الإسلام، وأن يخبرهم أنهم في الأخير سوف يعلمون حين يحل بهم عذاب الله من هو الذي على الضلال والباطل؟ ومن هو الذي استحق عذاب الله تعالى وسخطه؟

__________
(2) - سؤال: هل العلم هنا بمعنى المعرفة فلا يحتاج إلا مفعولاً واحداً فقط؟ أم كيف؟
الجواب: العلم بمعنى المعرفة فلا يحتاج إلا إلى مفعول به واحد.
سؤال: هل يصح أن تحمل هذه الآية على التهديد فقط من باب: «كل يعمل على شاكلته .. إلخ» أم لا؟

الجواب: الأمر للتهديد بدليل آخر الآية: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ 39}.