القرآن الكريم مع التفسير

سورة غافر

آية
إجمالي الآيات: 85 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ
📝 التفسير:
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْمِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ 21} (1) بلى (2) فقد سار المشركون في الأرض، وقد رأوا وأبصروا آثار تلك الأمم المكذبة من قبلهم، وعلموا بقصصهم وأخبارهم، وكيف كانت عاقبة تكذيبهم، وهي أن دمرهم الله سبحانه وتعالى واستأصلهم، فلماذا لا يعتبرون بما جرى على من كان قبلهم؟ والذين كانوا أشد قوة من قريش، وأكثر مالاً منهم، فقد نحتوا البيوت في الجبال، وعمروا القصور المشيدة، وحفروا الأنهار، وبنوا الجسور، واستخرجوا الذهب والفضة، وتفننوا في البناء والزخرفة والنحت والتماثيل وتطوروا في الصناعات و .. إلخ، وقد عمروا الدنيا بالمباني والقصور الفاخرة، وعلى الرغم من كل ذلك ومن كثرتهم وقوتهم التي كانوا عليها فقد أهلكهم الله سبحانه وتعالى ودمرهم واستأصلهم.
أراد الله تعالى أن لا يتعاظم مشركو قريش أنفسهم، أو يأخذهم الكبر والفخر، فقد أهلك من هو أشد منهم، ولم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم أو يحموها من الله سبحانه وتعالى، ويفروا ويهربوا من قبضته.

__________
(1) - سؤال: هل لجملة {كَانُوا هُمْ أَشَدَّ} محل من الإعراب أم لا؟ وما إعراب «قوة» و «واق»؟
الجواب: لا محل للجملة من الإعراب؛ لأنها مستأنفة استئنافاً بيانياً أي في جواب سؤال مقدر. «قوة» تمييز نسبة، «واق» مبتدأ مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً، وخبره «لهم».
(2) - سؤال: هل يجاب الاستفهام التقريري بـ «بلى» أم كيف؟ وهل يصح أن يجاب هنا بنعم؟
الجواب: يجاب مثل هذا الاستفهام ببلى ولا يجاب بنعم، ويسمى استنكاري أو تقريري أي: تقرير ما بعد النفي.
الآية 22
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ (3) رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ 22} ثم ذكر الله سبحانه وتعالى السبب في إهلاك تلك الأمم المكذبة، وهو أنه كان يرسل إليهم الرسل وينزل عليهم الآيات والحجج الواضحة، ولكنهم كانوا يعرضون ويتمردون، وأنتم يا قريش فاحذروا عذاب الله تعالى أن ينزل بكم، فإن هو نزل بكم فاعلموا أن أخذه لكم سيكون عظيماً،
__________
(3) - سؤال: أين خبر قوله «ذلك»؟ واسم كان في قوله: {كَانَتْ تَأْتِيهِمْ}؟
الجواب: خبر «ذلك» قوله: «بأنهم كانت» فهو متعلق بمحذوف الخبر، واسم كانت ضمير مقدر تقديره: هي أي رسلهم، ورسلهم: فاعل تأتيهم وكأن هذا من باب التنازع.
الآية 23
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ 23 إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ 24} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد أرسل موسى إلى فرعون وهامان وقارون، وأيده بالآيات الواضحة والحجج المنيرة والمعجزات القوية الظاهرة التي تدل على صدق نبوته ورسالته، وذلك أنه لا بد لكل نبي من حجة واضحة يؤيده الله سبحانه وتعالى بها تكون شاهدة على صدقه -والسلطان المبين: هو الحجة العظيمة الدالة على صدقه (1) - ولكنهم أعرضوا عنه ورموه بالسحر، واتهموه بالكذب والافتراء.
__________
(1) - سؤال: فهل يكون عطفها على الآيات تفسيرياً أم كيف؟
الجواب: قد يكون من عطف الخاص على العام فقد أرسل الله موسى إلى فرعون بتسع آيات وكانت العصا واليد أعظم الآيات فيفسر السلطان المبين بهذه الآيات الواضحة العظيمة والآيات بسائرها.
الآية 24
إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ 23 إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ 24} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد أرسل موسى إلى فرعون وهامان وقارون، وأيده بالآيات الواضحة والحجج المنيرة والمعجزات القوية الظاهرة التي تدل على صدق نبوته ورسالته، وذلك أنه لا بد لكل نبي من حجة واضحة يؤيده الله سبحانه وتعالى بها تكون شاهدة على صدقه -والسلطان المبين: هو الحجة العظيمة الدالة على صدقه (1) - ولكنهم أعرضوا عنه ورموه بالسحر، واتهموه بالكذب والافتراء.
__________
(1) - سؤال: فهل يكون عطفها على الآيات تفسيرياً أم كيف؟
الجواب: قد يكون من عطف الخاص على العام فقد أرسل الله موسى إلى فرعون بتسع آيات وكانت العصا واليد أعظم الآيات فيفسر السلطان المبين بهذه الآيات الواضحة العظيمة والآيات بسائرها.
الآية 25
فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ 25} كان الكهنة قد أخبروا فرعون بأنه (2) سيولد لبني إسرائيل مولود يكون هلاكه وهلاك ملكه على يديه، فمن حينها كان من ولد له مولود ذكر من بني إسرائيل فإن فرعون يأخذه ويقتله، وأما النساء فكان يتركهن ويسخرهن في القيام بأعماله.
فلما أقبل موسى على فرعون داعياً له خاف على أهل مملكته أن يعلموا بأمره وأنه هو النبي الموعود الذي سيكون هلاك ملكه على يديه فيؤمنوا به، فأصدر أوامره بأن يستمروا في قتل أولاد بني إسرائيل ليلبس (3) على أهل مصر أن موسى ليس ذلك النبي الموعود، وليس إلا ساحراً وكذاباً، وأنه لميحن موعد قدوم ذلك النبي الذي أخبر به الكهنة، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن هذه كانت مكيدة من فرعون لئلا يؤمنوا به ويصدقوه. ومعنى «إلا في ضلال» أي: ضياع وبطلان.

__________
(2) - سؤال: يقال: ومن أين علم الكهنة هذا الأمر؟
الجواب: علموه من يوسف عليه السلام ومن علماء بني إسرائيل.
(3) - سؤال: بم يستنفع فرعون في تلبيسه هذا من قتله للأطفال؟
الجواب: سيترك أهل مصر اتباع موسى بسبب إيهام فرعون بذلك قال في آخر الآية: {وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ 25}.
الآية 26
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ (1) مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} ثم إن فرعون خاطب الملأ من قومه، وقد أخذه الكبر والتعالي، والوثوق الشديد بنفسه، وأخبرهم بأنه سيقتل موسى متحدياً لله تعالى أنه لا يستنقذه من تحت يده وقبضته.
{إِنِّي (2) أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ 26} أراد فرعون أن يتخلص منه خوفاً على أهل مملكته أن يؤمنوا به ويصدقوه ويدخلوا في دينه.

__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما إعراب «أقتل» تفصيلاً؟
الجواب: «أقتل» فعل مضارع مجزوم في جواب الأمر أي: إن تذروني أقتله.
(2) - سؤال: ما الوجه في كسر همزة «إن» هنا؟ وما محل المصدر: «أن يبدل»؟
الجواب: كسرت لأنها في جواب سؤال مقدر عن العلة. «أن يبدل» في محل نصب مفعول به لـ «أخاف».

الآية 27
وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ
📝 التفسير:
{وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ 27} وعندما سمع موسى تهديد فرعون استعاذ بالله تعالى واستجار به، وأخبرهم بأنه سيجيره ويحفظه من بطش فرعون وملئه.
الآية 28
وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
📝 التفسير:
{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ (3) أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ (4) يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} (5) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه كان فيحاشية فرعون رجل من أهله مؤمن، وكان يكتم إيمانه، وعندما سمع كلام فرعون وعزمه على قتل موسى صاح فيهم: كيف تقتلون هذا الرجل وقد جاءكم بما يثبت صدق دعواه، وكان المفروض أن تنظروا في صدق ما يدعي، فليس من الإنصاف أن تقتلوه، فإن كان كاذباً فيما يدعي فلن يضركم كذبه (1)، وإن كان صادقاً في دعواه فسيلحقكم ذلك الذي يتوعدكم به من غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه إن أنتم أصررتم على كفركم وتكذيبكم، فمن الأجدر بكم أن تحذروا الوقوع في ذلك الذي حذركم.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ 28} (2) ولو كان كاذباً فيما يدعي لما بلغه الله هذا المقام، ولما وصل إلى هذه المنزلة، ولبطلت حججه وبيناته التي أتاكم بها، ولظهر كذبه للناس قبل أن يصل إليكم، ولما ظهر هذا الظهور، وراجت بضاعته للعقول هذا الرواج.
{
__________
(3) - سؤال: ما محل جملة «يكتم إيمانه»؟ وما الفوائد التي نستفيدها من هذه العبارة؟ وهل هذا المؤمن هو المسمى بحزقيل؟
الجواب: «يكتم إيمانه» في محل رفع صفة لرجل، ويستفاد من هذه العبارة أنه يجوز أن يكتم المرء مذهبه إذا خاف على نفسه إن أظهره، نحو أن يضم يديه في الصلاة عند ذلك ولو كان مذهبه إرسالهما.
يذكر أهل التفسير أن اسم مؤمن آل فرعون هو حزقيل، والله أعلم.
(4) - سؤال: ما محل المصدر «أن يقول»؟
الجواب: محله الجر بلام التعليل مقدرة أو النصب بنزع الخافض.
(5) - سؤال: ما الوجه في إخباره أنه سيصيبهم بعض الذي وعدهم دون كل ما وعدهم به موسى عليه السلام؟
الجواب: كان قد وعدهم موسى عليه السلام بأنهم إن كذبوا ولم يؤمنوا عذبهم الله بمثل عذاب قوم نوح وقوم عاد وقوم ثمود و ... ؛ بدليل قول مؤمن آل فرعون، ولم يقله من تلقاء نفسه وإنما مما سمع من موسى عليه السلام {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ 30 مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ... } ومعلوم أنه لا يصيبهم كل ما أصاب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، فلا يصابون إلا ببعض ذلك إما بالغرق الذي أصاب قوم نوح وإما بما أصاب عاداً، وإما بما أصاب ثمود، وإما ... إلخ، وذلك بعض ما وعدهم لا كله، هذا ما ظهر لي، والله أعلم.

(1) - سؤال: يقال: ألم يضرهم لو كان كاذباً وذلك باعتقادهم للباطل وانخراطهم عن عقائدهم فكيف ساغ له أن يقول: إنه لن يضرهم كذبه؟ أم كيف مراده؟
الجواب: قد قال: مؤمن آل فرعون في آخر كلامه هذا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ 28} أي: أنه لا يتم للكذاب أمر ولا سيما من يدعي النبوة.
(2) - سؤال: هل هذه الجملة جواب لسؤال مقدر أم ماذا؟
الجواب: هي في جواب سؤال مقدر عن العلة.
الآية 29
يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ
📝 التفسير:
{يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} ثم وبخهم (3) على تكبرهم وتعاليهم في الأرض بما مكنهم الله سبحانهوتعالى فيه وآتاهم من الملك والقوة، وأخبرهم أن كل ما هم فيه إنما هو بيد الله تعالى، وأنه إن أراد بهم سوءاً أو أن ينزل عليهم مكروهاً فلن يستطيع أحد أن يحميهم من الله سبحانه وتعالى أو يمنعهم منه، وحذرهم أن يقعوا في ذلك الذي حذرهم منه موسى إن استمروا على كفرهم وتكذيبهم وتكبرهم.
{قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى (1) وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ 29} فاعترض فرعون هذا الرجل المؤمن وصاح بقومه أن لا يلتفتوا إلى كلامه ونصائحه، فلا رأي إلا ما رآه هو من قتل موسى والتخلص من شره، زاعماً أنه لن يدلهم إلا على ما فيه صلاحهم ورشادهم.

__________
(3) - سؤال: فضلاً من أين نستفيد هذا؟
الجواب: الذي دل على أن الكلام هذا توبيخ هو الاستفهام الدال على غفلتهم عما قد ينزل بهم، وغرورهم بما هم فيه من الملك والسلطان وسوابغ النعم {جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 25 وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ 26 وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ 27} [الدخان].

(1) - سؤال: ما الوجه في إبهامه لرأيه بقوله: «ما أرى»؟
الجواب: الوجه هو أنه قد علم بما سبق لهم من رأيه: {اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} [غافر:25]. {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى} [غافر:26].
الآية 30
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ
📝 التفسير:
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (2) 30 مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ 31} (3) ثم نصحهم هذا الرجل الذي يكتم إيمانه مرة أخرى بأن الأولى لهم أن لا يصروا على تكذيبهم وعنادهم فيصيبهم مثل ما أصاب الأمم المكذبة من قبلهم بسبب تكذيبهم وتمردهم على أنبيائهم، فقد عذبهم الله سبحانه وتعالى بسبب ذلك، وهو غير ظالم بتعذيبه لهم فليس إلا جزاءً لهم على ما كذبوا بأنبيائهوأعرضوا عن دعوتهم لهم إلى ما فيه صلاحهم، وتكبروا على الله سبحانه وتعالى، والدأب: هو العادة والطريقة.
__________
(2) - سؤال: فضلاً هل المراد بالأحزاب هنا قوم نوح وعاد وثمود أم لا؟ فما المراد بهم؟
الجواب: المراد بالأحزاب هنا هم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ودليل ذلك آية (ص) {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ 12 وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ 13}.
(3) - سؤال: ما إعراب {مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ 30 مِثْلَ دَأْبِ}؟ وما الوجه في تقديم المسند إليه في قوله: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ 31}؟
الجواب: «مثل يوم الأحزاب مثل» مثل الأولى مفعول به لأخاف، ومثل الثانية: بدل من مثل الأولى، وقدم المسند إليه ليفيد قصر الخبر «يريد ظلماً للعباد» على المبتدأ «الله». ومعنى الآية هذه مثل معنى قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ 76} [الزخرف]، أي أن الله تعالى لم يظلم الأمم المكذبة بالرسل حين عذبهم ولكن كانوا هم الذين ظلموا أنفسهم بفعلهم الأسباب الموجبة للعذاب.
الآية 31
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ
📝 التفسير:
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (2) 30 مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ 31} (3) ثم نصحهم هذا الرجل الذي يكتم إيمانه مرة أخرى بأن الأولى لهم أن لا يصروا على تكذيبهم وعنادهم فيصيبهم مثل ما أصاب الأمم المكذبة من قبلهم بسبب تكذيبهم وتمردهم على أنبيائهم، فقد عذبهم الله سبحانه وتعالى بسبب ذلك، وهو غير ظالم بتعذيبه لهم فليس إلا جزاءً لهم على ما كذبوا بأنبيائهوأعرضوا عن دعوتهم لهم إلى ما فيه صلاحهم، وتكبروا على الله سبحانه وتعالى، والدأب: هو العادة والطريقة.
__________
(2) - سؤال: فضلاً هل المراد بالأحزاب هنا قوم نوح وعاد وثمود أم لا؟ فما المراد بهم؟
الجواب: المراد بالأحزاب هنا هم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ودليل ذلك آية (ص) {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ 12 وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ 13}.
(3) - سؤال: ما إعراب {مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ 30 مِثْلَ دَأْبِ}؟ وما الوجه في تقديم المسند إليه في قوله: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ 31}؟
الجواب: «مثل يوم الأحزاب مثل» مثل الأولى مفعول به لأخاف، ومثل الثانية: بدل من مثل الأولى، وقدم المسند إليه ليفيد قصر الخبر «يريد ظلماً للعباد» على المبتدأ «الله». ومعنى الآية هذه مثل معنى قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ 76} [الزخرف]، أي أن الله تعالى لم يظلم الأمم المكذبة بالرسل حين عذبهم ولكن كانوا هم الذين ظلموا أنفسهم بفعلهم الأسباب الموجبة للعذاب.
الآية 32
وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ
📝 التفسير:
{وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ 32 يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} (1) ويوم التناد هو يوم هلاكهم وعذابهم (2)، وذلك أنهم إذا أيقنوا بالهلاك ونزول العذاب عليهم فإنهم سيتنادون فيما بينهم وسيستغيث بعضهم ببعض، ولكن حين لا ينفعهم ذلك ولا يستطيع أحد منهم أن يدفع عن أحد؛ وأخبرهم أنه إذا حل بهم العذاب ونزل بساحتهم فإنهم سيولون هاربين ولكن حين لا ينفعهم الهرب، فلا مفر لهم ولا مهرب حينئذ من الله.
{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ 33} ومن حكم الله سبحانه وتعالى بضلاله وهلاكه فلن يستطيع أحد أن يهديه من بعده أبداً.
__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما إعراب {يَوْمَ تُوَلُّونَ}؟ وما الوجه في فصل جملة: {مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} عما قبلها؟
الجواب: «يوم» بدل من «يوم التناد». {مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} جملة حالية في محل نصب من ضمير «تولون» لهذا فصلت.
(2) - سؤال: وهل يصح أيضاً أن يحمل يوم التناد على يوم القيامة لقوله: {يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ ... } إلخ [ق:41]، ولقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ... } إلخ [الأعراف:50]، أم لا؟
الجواب: الأولى حملها على نزول العذاب عليهم في الدنيا بقرينة: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ... }، فإن المجرمين لا يهربون إذا رأوا عذاب يوم القيامة، وتفسيره بيوم القيامة صحيح أيضاً لما ذكرتم.
الآية 33
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
📝 التفسير:
{وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ 32 يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} (1) ويوم التناد هو يوم هلاكهم وعذابهم (2)، وذلك أنهم إذا أيقنوا بالهلاك ونزول العذاب عليهم فإنهم سيتنادون فيما بينهم وسيستغيث بعضهم ببعض، ولكن حين لا ينفعهم ذلك ولا يستطيع أحد منهم أن يدفع عن أحد؛ وأخبرهم أنه إذا حل بهم العذاب ونزل بساحتهم فإنهم سيولون هاربين ولكن حين لا ينفعهم الهرب، فلا مفر لهم ولا مهرب حينئذ من الله.
{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ 33} ومن حكم الله سبحانه وتعالى بضلاله وهلاكه فلن يستطيع أحد أن يهديه من بعده أبداً.
__________
(1) - سؤال: من فضلكم ما إعراب {يَوْمَ تُوَلُّونَ}؟ وما الوجه في فصل جملة: {مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} عما قبلها؟
الجواب: «يوم» بدل من «يوم التناد». {مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} جملة حالية في محل نصب من ضمير «تولون» لهذا فصلت.
(2) - سؤال: وهل يصح أيضاً أن يحمل يوم التناد على يوم القيامة لقوله: {يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ ... } إلخ [ق:41]، ولقوله: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ... } إلخ [الأعراف:50]، أم لا؟
الجواب: الأولى حملها على نزول العذاب عليهم في الدنيا بقرينة: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ... }، فإن المجرمين لا يهربون إذا رأوا عذاب يوم القيامة، وتفسيره بيوم القيامة صحيح أيضاً لما ذكرتم.
الآية 34
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ} وهذا أيضاً من كلام الرجل المؤمن يعظ قومه من آل فرعون، وينصحهم بترك التعرض لموسىعليه السلام وعدم قتله، ويذكرهم نبي الله يوسف عليه السلام وكيف كان موقفهم منه حيث كذبوه وشككوا في نبوته.
{حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ (3) اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ 34} إلى أن توفاه الله سبحانه ثم اعتقدوا لشكهم أن الله لنيرسل إليهم بعده أي رسول وهذا هو دأب المكذبين أن يبثوا الريبة والتشكيك في آيات الله سبحانه وتعالى وأنبيائه.

__________
(3) - سؤال: ما المراد بالإضلال في هذه الآية؟
الجواب: الإضلال هو سلب الألطاف والتوفيق والتسديد.
الآية 35
الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ (1) يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} ثم وصف المسرفين بأنهم الذين إذا سمعوا آيات الله سبحانه وتعالى فإنهم يقابلونها بالتكذيب والتشكيك في أحقيتها وصدقها عن غير دليل أو حجة أو برهان على ما يدعون، وإنما تأخذهم الحمية والعصبية والكبر إلى القول بالباطل.
{كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ (2) وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ 35} وصنيعهم هذا ووقوفهم في وجه دعوة أنبيائهم ومنازعتهم في آيات الله سبحانه وتعالى من أكبر الكبائر، وأعظم المعاصي التي تستوجب غضب الله تعالى وسخطه، وأخبرهم أن هذا هو دأب المتكبرين على الله تعالى في كل زمان فقلوبهم قاسية كالحجارة فلا تأتيهم آية إلا وتراهم يعرضون عنها من دون نظر أو تفكر أو تروٍّ فيها، فقد عطلوا عقولهم عن كل ما يدعوهم أو يبعثهم على الإيمان بالله تعالى والنظر في آياته، فقلوبهم كالمطبوع (3) عليها التي يستحيل نفاذ أي شيء إليها.
__________
(1) - سؤال: قد يقال: ما الوجه في جمعه مع أن الموصوف مفرد: {مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ 34}؟
الجواب: جمع هنا حملاً على معنى «من» فإن معناها الجمع وأفرد «مسرف مرتاب» حملاً على لفظ «من» فلفظه مفرد، ويجوز في مثل هذا أن يراعى لفظه ومعناه.
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ} مفصلاً؟
الجواب: «كبر» فعل ماض جيء به للذم وفاعله ضمير مستتر. «مقتاً» تمييز بين به نوع الفاعل.
(3) - سؤال: من أي أنواع المجاز يكون هذا التعبير؟
الجواب: يكون من نوع الاستعارة، وقد قدمنا في آية البقرة - {خَتَمَ اللَّهُ ... } [البقرة:7]- ما يفيد في الجواب عن هذا السؤال.
الآية 36
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ 36 أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} (4) خاف فرعون من أهلمصر أن يصدقوا موسى ويدخلوا في دينه، فدبر هذه المكيدة فأخبرهم أنه سيبني برجاً مرتفعاً ليتمكن من الوصول إلى الله تعالى فيسأله عن حقيقة موسى وما جاء به؟ وينظر هل هو صادق فيما يدعي من النبوة، أم أنه إنما أراد أن يغوي الناس ويضلل عليهم بادعائه النبوة كاذباً؟ وأمرهم أن ينتظروا وسوف يأتيهم بالخبر الحق والنبأ اليقين. ومعنى «أسباب السماوات»: طرق السماوات.
{وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ 37} (1) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن هذا الرأي وهذه المكيدة راجت عند أهل مصر (2)، وقد استطاع أن يشكك عليهم حتى صدقوه، ولكن مكيدته هذه لن تنفعه عند الله سبحانه وتعالى، فلا بد أن يكشف أمره، ويفضحه بين الناس، وأن يوقع به السوء والمكروه الذي كان موسى يحذره من الوقوع فيه، والذي كان ينتظره ويخاف منه، وقد أهلكه الله سبحانه وتعالى على يديه. ومعنى «في تباب»: في ضياع وخسران.

__________
(4) - سؤال: فضلاً ما إعراب {أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ}؟ وما الوجه في نصب الفعل «فاطلع»؟ وهل يجوز رفعه هنا؟ وهل يعود الضمير في «لأظنه» إلى موسى أم إلى الباري تبارك وتعالى؟
الجواب: «أسباب السموات» بدل أو عطف بيان من «الأسباب». ونصب «فأطلع» لإجراء الترجي مجرى التمني في هذا الباب، ويجوز أن يكون منصوباً في جواب الأمر «ابن لي صرحاً». ويجوز أن يوجه نصبه بأنه معطوف على خبر «لعل» بتوهم دخول «أن» في خبرها، والعطف على التوهم كثير وإن كان غير مقيس. وضمير «لأظنه» يعود لموسى أي لأظنه كاذباً في دعوى وجود الله تعالى وأنه مرسل من عنده.
سؤال: هل لنا أن نأخذ من هذه الآية أن اعتقاد كون الله في السماء عقيدة فرعونية؟ ومن أي ناحية؟
الجواب: الظاهر أن فرعون كان كافراً بالله غير مؤمن بوجوده لذلك قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى 24} [النازعات]، وقال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ 23} [الشعراء]، وقوله: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ 38} [القصص]، أي: فلا رسالة ولا رب، إلا أن أمره ببناء الصرح لعله يطلع .. يدل على أنه يعتقد أنه إذا كان حقاً وجود الإله الذي يدعيه موسى فإنه يكون في السماء.

(1) - سؤال: فضلاً ما أصل كلمة «تباب» أو ما هو فعلها؟
الجواب: «تباب» مصدر «تَبَّ» إلا أنه غير قياسي.
(2) - سؤال: من أين نفهم هذا؟
الجواب: نفهم ذلك من قوله: {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ 37} فإنه يدل على أن ما فعله من البناء إنما هو مكيدة وتضليل لقومه.
الآية 37
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ
📝 التفسير:
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ 36 أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} (4) خاف فرعون من أهلمصر أن يصدقوا موسى ويدخلوا في دينه، فدبر هذه المكيدة فأخبرهم أنه سيبني برجاً مرتفعاً ليتمكن من الوصول إلى الله تعالى فيسأله عن حقيقة موسى وما جاء به؟ وينظر هل هو صادق فيما يدعي من النبوة، أم أنه إنما أراد أن يغوي الناس ويضلل عليهم بادعائه النبوة كاذباً؟ وأمرهم أن ينتظروا وسوف يأتيهم بالخبر الحق والنبأ اليقين. ومعنى «أسباب السماوات»: طرق السماوات.
{وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ 37} (1) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن هذا الرأي وهذه المكيدة راجت عند أهل مصر (2)، وقد استطاع أن يشكك عليهم حتى صدقوه، ولكن مكيدته هذه لن تنفعه عند الله سبحانه وتعالى، فلا بد أن يكشف أمره، ويفضحه بين الناس، وأن يوقع به السوء والمكروه الذي كان موسى يحذره من الوقوع فيه، والذي كان ينتظره ويخاف منه، وقد أهلكه الله سبحانه وتعالى على يديه. ومعنى «في تباب»: في ضياع وخسران.

__________
(4) - سؤال: فضلاً ما إعراب {أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ}؟ وما الوجه في نصب الفعل «فاطلع»؟ وهل يجوز رفعه هنا؟ وهل يعود الضمير في «لأظنه» إلى موسى أم إلى الباري تبارك وتعالى؟
الجواب: «أسباب السموات» بدل أو عطف بيان من «الأسباب». ونصب «فأطلع» لإجراء الترجي مجرى التمني في هذا الباب، ويجوز أن يكون منصوباً في جواب الأمر «ابن لي صرحاً». ويجوز أن يوجه نصبه بأنه معطوف على خبر «لعل» بتوهم دخول «أن» في خبرها، والعطف على التوهم كثير وإن كان غير مقيس. وضمير «لأظنه» يعود لموسى أي لأظنه كاذباً في دعوى وجود الله تعالى وأنه مرسل من عنده.
سؤال: هل لنا أن نأخذ من هذه الآية أن اعتقاد كون الله في السماء عقيدة فرعونية؟ ومن أي ناحية؟
الجواب: الظاهر أن فرعون كان كافراً بالله غير مؤمن بوجوده لذلك قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى 24} [النازعات]، وقال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ 23} [الشعراء]، وقوله: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ 38} [القصص]، أي: فلا رسالة ولا رب، إلا أن أمره ببناء الصرح لعله يطلع .. يدل على أنه يعتقد أنه إذا كان حقاً وجود الإله الذي يدعيه موسى فإنه يكون في السماء.

(1) - سؤال: فضلاً ما أصل كلمة «تباب» أو ما هو فعلها؟
الجواب: «تباب» مصدر «تَبَّ» إلا أنه غير قياسي.
(2) - سؤال: من أين نفهم هذا؟
الجواب: نفهم ذلك من قوله: {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ 37} فإنه يدل على أن ما فعله من البناء إنما هو مكيدة وتضليل لقومه.
الآية 38
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ
📝 التفسير:
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ 38} ولا زال مؤمن آل فرعون يكرر عليهم مواعظه ونصائحه بأن يتنازلوا عن قرار قتله، ويحثهم على النظر والتمعن في صحة أمره وما جاء به، وأن يتحققوا آياته التي أتاهم بها ويتفكروا بعقولهم فيها.
الآية 39
يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ
📝 التفسير:
{يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ 39} وأرشدهم إلى حال الدنيا وزوالها وحذرهم من أن يغتروا بزينتها، فما فيها من الشهوات واللذات فإنما هو عرض زائل سرعان ما يزول ويفنى، وقد شبهها بما يأخذه المسافر من المتاع في سفره الذي هو سريع النفاد والانتهاء، ونصحهم أن يعملوا لآخرتهم ودعاهم إلى أن يتوجهوا إليها، وأن يعدوا العدة لها؛ لأنها هي الدار التي ستدوم وتبقى دائماً وأبداً.

الآية 40
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ
📝 التفسير:
{مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ 40} (1) ولفت أنظارهم إلى ما ينتظرهم في الدار الآخرة من الجزاء على الأعمال.
__________
(1) - سؤال: الذي يظهر أن هذا المؤمن قد بلغ من المعرفة شيئاً عظيماً فمتى حصل عليها، والظاهر أن كلامه هذا في أوائل نبوة موسى عليه السلام؟ أم أنها من يوسف عليه السلام؟ أم كيف؟
الجواب: قد كان هذا المؤمن متعلقاً بموسى ومصاحباً له وذلك قبل خروج موسى إلى مدين بدليل إسراعه إلى تحذير موسى ونصيحته له بالخروج من مصر عند أن عزم الملأ على قتله، وقد كان موسى عليه السلام من أهل الإيمان بالله ومن أهل العناية الربانية والتوفيق والتسديد.
سؤال: ما الذي يستفيده المرشد من مواعظ مؤمن آل فرعون وإرشاده هذا، وما قبله وبعده؟
الجواب: الذي يستفيده المرشد:
1 - ... أن يتلطف المرشد لمن يرشدهم غاية التلطف واللين.
2 - ... أن يبين أنه ناصح لهم ومخلص في إرشاده لهم لا يريد إلا دلالتهم على الخير ودفع الشر عنهم والمهالك.
3 - ... أن يبين لهم الدليل ويوضحه لهم غاية التوضيح فيما يدعوهم إليه أو يحذرهم منه، أي: يبين لهم بالدليل مخاطر وعواقب ما يحذرهم منه.
4 - ... لا حرج على المرشد في الإقامة عند العصاة ما دام بصدد إرشادهم وتعليمهم.
5 - ... لا يفتر عن بيان الحق بالحكمة والموعظة الحسنة أي: بالدلائل العقلية والنقلية مع التلطف والرفق واللين والتواضع، وليجتنب القسوة والغلظة والتبرم فإن ذلك مما ينفر عنه.