القرآن الكريم مع التفسير

سورة الشورى

آية
إجمالي الآيات: 53 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} يستنكر الله سبحانه وتعالى إصرار المشركين على شركهم؛ فهل أوحت إليهم آلهتهم شيئاً من الدين الذي يدعونه، أو فرضت عليهم شيئاً من التشريعات التي يعملون بها؟ أم أنهم شرعوا دينهم ذلك وجاءوا به من عند أنفسهم؟
{وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه لولا ما اقتضته الحكمة من تأخير الحكم والفصل بينهم إلى يوم القيامة لحكم بينهم ولعذبهم في الدنيا.
{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 21} وإنه تعالى قد أعد للظالمين المتجاوزين لحدوده العذاب الأليم في نار جهنم جزاءً على كفرهم وتكذيبهم.
الآية 22
تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
📝 التفسير:
{تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ (1) وَاقِعٌ بِهِمْ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن حالهم حين يبعثهم إليه يوم القيامة عندما يرون ذنوبهم قد أحاطت بهم وطوقت أعناقهم، وقد تيقنوا عندها أنهم واقعون في عواقب ذنوبهم.
{وَالَّذِينَ (2) آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ 22} وأما المؤمنون فإن الفرح والسرور والأمن والطمأنينة تصاحبهم من حين بعثهم إلى أن تفد بهم الملائكة إلى روضات الجنات التي أعدها الله لهم، لهم فيها ما يشاءون من أنواع الملذات وأسباب النعيم.
__________
(1) - سؤال: فضلاً هل هذه الجملة حالية أم ماذا؟
الجواب: الظاهر أنها حالية.
(2) - سؤال: فهل هذا مبتدأ خبره ما بعده أم أنه معطوف على الظالمين؟ وما محل جملة: «لهم ما يشاءون»؟
الجواب: «الذين» مبتدأ، و «في روضات ... » الخبر، «لهم ما يشاءون» في محل رفع خبر ثان.
الآية 23
ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ (1) اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} يبشر الله عباده المؤمنين بما أعده لهم في جنات النعيم من الفضل العظيم.
{قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر المشركين بأنه لم يطلب منهم أن يدفعوا له أي ثمن أو أجرة على تبليغهم آيات الله تعالى وأحكامه حتى يتمردوا عليه هذا التمرد، وحتى تمنعهم هذه الأجرة عن قبول الدين والهدى الذي جاءهم به، وأنه لم يطلب منهم أن يكافئوه على ذلك إلا أن يحسنوا إلى قرابته وأهله فقط (2).
{وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} (3) وأن يخبرهم أن الله سبحانه وتعالى قد تفضل عليهم بأن ضاعف لهم الأجر والثواب إن عملوا الأعمال الصالحة، وكل ذلك ترغيب لهم ورحمة بهم. ومعنى «يقترف»: يكتسب.
{إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ 23} والله تعالى غفور لمن عمل المعاصي ثم رجع إليه وندم منها فإنه يقبله ويمحوا عنه سيئاته، ويعطي الكثير، ويضاعف الأجر على الأعمال الصالحة، و «شكور» أي: يشكر على فعل الحسنات بالثواب الكبير.
{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} كان المشركون يقولون إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم افترى على الله سبحانه وتعالى الكذب والزور والبهتان بما يدعيه من النبوة،ومن القرآن الذي يدعي أنه نزل عليه من عند الله تعالى.

__________
(1) - سؤال: ما إعراب: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ ... }؟
الجواب: «ذلك الذي يبشر .. » جملة من مبتدأ وخبر لا محل لها من الإعراب بدل من جملة: {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ 22} ويصح أن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً.
(2) - سؤال: كيف يرد المرشد على من يقول له إن معنى الآية: أن تودوني في قربي منكم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان له اتصال بأغلب القبل من رحامة وخؤولة وصهارة ونحو ذلك؟
الجواب: قد صح في تفسير المراد بالقربى حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علنيا مودتهم؟ فقال: ((علي وفاطمة وابناهما))، ففي البخاري من رواية طاووس عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال ابن عباس ... إلخ. اهـ من تخريج أحاديث الكشاف، وكذا في مسند أحمد بن حنبل، و .. وغيرهما.
(3) - سؤال: ما رأيكم فيما روي في: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} أنها حب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟
الجواب: حب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومودتهم هي المراد بهذه الآية ولو لم يرد أثر فالآية بتمامها نزلت في مودة قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك فيصح الاستدلال بها على من فعل حسنة من الحسنات صلاة أو صياماً أو صدقة أو ... إلخ؛ لإطلاق الحسنة في الآية.
الآية 24
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
📝 التفسير:
{فَإِنْ (1) يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} (2) يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ويخبره بأنه إن كان كما يزعم المشركون بأنه قد افترى على الله الكذب فإنه قادر على أن يمنع نبيه عن ذلك، وقادر على إزالته من قلبك.
{وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ 24} سنة الله سبحانه وتعالى في الدنيا أن يمحو الباطل ويزيله (3)، ويظهر الحق وأهله، وكلماته: هي قدرته وإرادته (4).
__________
(1) - سؤال: فهل هذه الفاء هي الفصيحة؟
الجواب: يصح أن تكون هي الفصيحة والتقدير: إن يعلم الله خذلانك فإن يشأ يختم على قلبك.
(2) - سؤال: هل الختم في هذه الآية على حقيقته أو لا؟
الجواب: الختم مجازي وليس بحقيقي، وقد قدمنا الكلام فيه.
(3) - سؤال: يقال: ظاهر هذا أن هذا الفعل «يمح» غير معطوف على ما قبله فما وجه حذف الواو منه؟ وإن كان معطوفاً فما وجه ضم «يحق» والوجه الوجيه فتحه مع الجزم؟
الجواب: «ويمح» ليس معطوفاً على المجزوم بل هو مرفوع وسقطت الواو لفظاً لالتقاء الساكنين، وكان القياس إثباتها خطاً لا لفظاً ولكن خط المصحف سنة متبعة.
(4) - سؤال: ما الوجه في تسميتها كلمات؟
الجواب: الوجه هو ما جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 82} [يس]، ومن هنا سمي المسيح عيسى بن مريم كلمة الله.
الآية 25
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ (5) عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ 25} فهو الذي يستحق أن تتوجهوا إليه بعبادتكم وتظهروا توسلكم له لا إلى تلك الأحجار التي لا تنفع ولا تضر ولا تغني شيئاً، فبيده تعالى وتحت قدرته أن يقبل التوبة عن عباده وأن يعفو عن السيئات، وهو تعالى الذي أحاط بكل شيء علماً يحصي عليكم أعمالكم.
_________
(5) - سؤال: فضلاً هل «عن» في قوله: «عن عباده» على بابها أم أنها بمعنى «من»؟
الجواب: هي على بابها فإن فعل القبول «يقبل» يتعدى إلى المفعول الثاني بمن وبعن، فإذا تعدى بـ «عن» فمعناه عزلته عنه وأبنته عنه، هذا معنى ما في الكشاف.
الآية 26
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
📝 التفسير:
{وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا (6) وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} وهو الذي يستجيب للمؤمنين ويتقبل منهم أعمالهم ويثيبهم عليها، ويضاعف لهم الأجر أضعافاً مضاعفة.
{وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ 26} أما الكافرون فلا نصيب لهم ولا حظ في شيء من رحمة الله تعالى ولهم عذاب شديد بكفرهم وتكذيبهم وتمردهم عن قبول رسالات الله.
__________
(6) - سؤال: ما إعراب {الَّذِينَ آمَنُوا} فالأكثر يتوهم أنه فاعل؟
الجواب: «الذين آمنوا» منصوب وكان الأصل: ويستجيب للذين آمنوا، فحذفت اللام كما حذفت في قوله: {وَإِذَا كَالُوهُمْ ... } [المطففين:3].
الآية 27
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ
📝 التفسير:
{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ 27} ولو أنه تعالى بسط رزقه على الناس جميعاً (1) لتجاوزوا حدود الله سبحانه وتعالى، ولأظهروا الفساد في الأرض، غير أن حكمته اقتضت أن ينزل عليهم من الرزق على حسب ما تدعو إليه حاجتهم ومصلحتهم، فهو عالم بعباده وبحاجتهم، وعالم بما يصلحهم وما يفسدهم، وقد أعطى كلاً على قدر ما علم من حالته وصلاح أمره.
__________
(1) - سؤال: من أين نفهم أن المراد في الآية الناس جميعاً؟
الجواب: فهم ذلك من قوله: «لعباده» فالجمع المضاف من ألفاظ العموم.
الآية 28
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا (2) وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ 28} فعندما يصيب الناس اليأس والقنوط من نزول المطر فإن الله سبحانه وتعالى ينزل عليهم المطر، ويقسمه بينهم رحمة منه لهم، ونعمة منه أنعم بها عليهم، يستحق أن يحمده عباده ويؤدوا حق شكره عليها. ومعنى الولي هنا: الذي يتولى عبيده بإحسانه.
________
(2) - سؤال: هل «ما» في قوله: {مَا قَنَطُوا} مصدرية؟
الجواب: هي مصدرية أي: من بعد قنوطهم.
الآية 29
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ 29} (3) يخبر الله سبحانه وتعالى هنا عباده أن من آياته الدالة عليه وعلى ربوبيته وعظيم قدرته ما يشاهدونه من الإبداع في خلق السماوات والأرض على ذلك النظام البديع المتوازن، وما يشاهدونه من أنواع الدواب المبثوثة على وجه الأرض وفي جو السماء فلو نظروا في ذلك بعقولهم لعلموا أن الله قادر على إحياء الناس وجمعهم في يوم القيامة للحساب والجزاء.

__________
(3) - سؤال: فضلاً ما السر في تذكير الضمير في «جمعهم» وهو عائد على «دابة» كما هو الظاهر؟ وما إعراب «من دابة» وقوله: {إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ 29}؟
الجواب: أتى بضمير المذكر العاقل لتغليبه على غيره لماله من الميزة والفضل على سائر الدواب. «من دابة» متعلق بمحذوف حال لبيان إبهام «ما» وبيان جنسه. «إذا يشاء» جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، وحذف جواب الشرط لوجود ما يدل عليه وهو المبتدأ والخبر.
الآية 30
وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ
📝 التفسير:
{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو (1) عَنْ كَثِيرٍ 30} (2) ما نزل بكم أيها الناس من بلاء وشدة ومصيبة فإنما هو بسبب ذنوبكم وسيئاتكم، مع أن الله تعالى لا يجازيكم إلا على بعضها، وإلا فكم من الذنوب سترها عليكم ولم يؤاخذكم بها، وهذا من عظيم رحمته تعالى بعباده ولطفه بهم، بل إن في مؤاخذتهم ببعض ذنوبهم رحمة من الله ومصلحة عائدة إليهم فإنهم إذا رأوا ما هم فيه من الشدة فلعلهم ينتبهون ويرجعون إليه، ويقلعون عما هم فيه من المعاصي.
__________
(1) - سؤال: ما معنى «من» في قوله: {مِنْ مُصِيبَةٍ}؟ وما هي «ما» في قوله: {فَبِمَا كَسَبَتْ}؟ وعلام عطف الفعل «يعفو»؟
الجواب: «من» في قوله: {مِنْ مُصِيبَةٍ} لبيان الجنس المبهم في «ما أصاب»، و «ما» في قوله: «فبما كسبت» مصدرية، و «يعفو عن كثير» الواو اعتراضية والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب.
(2) - سؤال: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} [البقرة:155]؟
الجواب: هذه الآية: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ} خاصة للمشركين بدليل الآية التي بعدها: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 31} وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ} خاصة للمؤمنين فلا تعارض بين الآيتين.
الآية 31
وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
📝 التفسير:
{وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ 31} إذا رأيتم الله سبحانه وتعالى يتأنى بكم ويمهلكم أيها العصاة فاعلموا أنكم لن تفوتوا الله تعالى أو تهربوا من قبضته، فمتى أراد أن يأخذكم فلا مفر لكم ولا مهرب من قبضته وقدرته عليكم.
الآية 32
وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ
📝 التفسير:
{وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ 32 إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} ومن آياته العجيبة الدالة على عظيم قدرته السفن التي ترونها تجري في البحر بقدرته وأمره، فهو وحده الذي يسخر البحر لحملها ويرسل الريح لتسوقها وتجري بها، وذلك أيضاً من عظيم نعمه على عباده، فلو أراد أن يمسك الرياح لما استطاعت (1) تلك السفن أن تتحرك أو تسير ولظلت راكدة وساكنة في مكانها لا يستطيع أحد أن ينتفع بها أي منفعة. ومعنى «كالأعلام»: كالجبال.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ 33} (2) ففيما أخبر الله سبحانه وتعالى وقصه آيات عظيمة لمن أراد أن ينظر ويتفكر فيها ويشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه العظيمة تلك، وأما المشركون فهم يرون آيات الله تعالى بين أيديهم ويعرفونها، ثم يعرضون عنها استكباراً وتمرداً على الله سبحانه وتعالى وكفراً بنعمه عليهم.
__________
(1) - سؤال: يقال: قد تسير هذه السفن بواسطة البترول والمحركات في زمننا هذا فكيف؟ أم أنها لا زالت محتاجة إلى الرياح ولو مع وجود البترول؟
الجواب: لا يحترق البترول الذي تسير السفن باحتراقه إلا مع وجود الهواء الذي يتنفسه الإنسان والحيوان، فلو يشاء الله أن يقبض الهواء لظلت السفن رواكد على ظهر الماء.
(2) - سؤال: ما علاقة الصبر بهذه الآية العظيمة حين قال سبحانه: {لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ 33}؟
الجواب: وجه ذكر الصبر هنا هو من حيث أنه لا يدرك هذه الآية العظيمة إلا من صرف قواه العقلية وحبسها على النظر وطول التفكر في آلاء الله ونعمه وردد النظر وكرر التفكر وشغل نفسه بذلك.
الآية 33
إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
📝 التفسير:
{وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ 32 إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} ومن آياته العجيبة الدالة على عظيم قدرته السفن التي ترونها تجري في البحر بقدرته وأمره، فهو وحده الذي يسخر البحر لحملها ويرسل الريح لتسوقها وتجري بها، وذلك أيضاً من عظيم نعمه على عباده، فلو أراد أن يمسك الرياح لما استطاعت (1) تلك السفن أن تتحرك أو تسير ولظلت راكدة وساكنة في مكانها لا يستطيع أحد أن ينتفع بها أي منفعة. ومعنى «كالأعلام»: كالجبال.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ 33} (2) ففيما أخبر الله سبحانه وتعالى وقصه آيات عظيمة لمن أراد أن ينظر ويتفكر فيها ويشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه العظيمة تلك، وأما المشركون فهم يرون آيات الله تعالى بين أيديهم ويعرفونها، ثم يعرضون عنها استكباراً وتمرداً على الله سبحانه وتعالى وكفراً بنعمه عليهم.
__________
(1) - سؤال: يقال: قد تسير هذه السفن بواسطة البترول والمحركات في زمننا هذا فكيف؟ أم أنها لا زالت محتاجة إلى الرياح ولو مع وجود البترول؟
الجواب: لا يحترق البترول الذي تسير السفن باحتراقه إلا مع وجود الهواء الذي يتنفسه الإنسان والحيوان، فلو يشاء الله أن يقبض الهواء لظلت السفن رواكد على ظهر الماء.
(2) - سؤال: ما علاقة الصبر بهذه الآية العظيمة حين قال سبحانه: {لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ 33}؟
الجواب: وجه ذكر الصبر هنا هو من حيث أنه لا يدرك هذه الآية العظيمة إلا من صرف قواه العقلية وحبسها على النظر وطول التفكر في آلاء الله ونعمه وردد النظر وكرر التفكر وشغل نفسه بذلك.
الآية 34
أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ
📝 التفسير:
{أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ (3) عَنْ كَثِيرٍ 34} وأخبر أنه لو شاء أن يسلط البحر على تلك السفن فيغرقها بما حملت بسبب ما اكتسبوا واقترفوا من المعاصي لأغرقها، ولكن تركهم وتأنى بهم رحمة منه تعالى لهم.
__________
(3) - سؤال: فضلاً ما السر في حذف الواو من الفعل «يعف»؟ إن كان العطف على جواب الشرط فما وجه نصب الفعل «يعلم» بعده في قراءة حفص؟ وما وجه رفعه في قراءة نافع؟
الجواب: حذفت الواو للجزم عطفاً على جواب الشرط، ونصب «ويعلم» بالعطف على علة مقدرة والتقدير: «إن يشأ ... لينتقم»، هكذا أعربها صاحب الكشاف. وقراءة الرفع في «يعلم» هي على الاستئناف.
الآية 35
وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ
📝 التفسير:
{وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ 35} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا بد أن يعلم الذين يجادلون في آيات الله ويكذبون بها ويشككون فيها صدق ما كذبوا به، ويروا جزاء كفرهم، وما أعد الله سبحانه وتعالى لهم بسبب جدالهم بالباطل من العذاب، وذلك في يوم القيامة.
الآية 36
فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
📝 التفسير:
{فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ 36} يخبر الله سبحانه وتعالى عباده أن ما أعطاهم من النعيم في الدنيا وأسبغ عليهم من الأرزاق ليس إلا متاعاً زائلاً كمتاع المسافر سرعان ما ينتهي ويزول.
أراد الله سبحانه وتعالى بذلك أن يرشد عباده أن لا يغتروا بزينة الحياة الدنيا وشهواتها ولذاتها، وأن يعمروا أعمارهم ويقطعوها في طاعة الله سبحانه وتعالى وفعل ما يرضيه، واكتساب ما عنده من النعيم والثواب الذي لا ينفد ولا يزول، وأن يؤثروا النعيم الدائم الذي لا يزول على ذلك الذي ينتهي ويزول بسرعة.
وقد اختص الله سبحانه وتعالى بالنعيم الدائم عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأما المشركون والعصاة فلا حظ لهم ولا نصيب في شيء من ثواب الله تعالى والدار الآخرة.
الآية 37
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ (4)} من صفة المؤمنين أيضاً أنهم يتجنبون الوقوع في كبائر المعاصي، وأما الصغائر فلا يستطيع أن يتحرز منها إلا من عصم الله تعالى؛ لأن الإنسان بطبيعته ضعيف لا بد أن تقع منه زلة أو فلتة أو نظرة (1) أو كذبة أو نحو ذلك، فينبغي للمؤمن أن يكثر من الاستغفار والرجوع إلى الله تعالى.
{وَإِذَا مَا (2) غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ 37} ومن صفتهم أيضاً أنهم -إن أغضبهم أحد أو وجه إليهم أي إساءة- فإنهم يتسامحون معه، ويغفرون له (3).

__________
(4) - سؤال: ما فائدة عطف الفواحش على «كبائر الإثم» رغم أنها هي أو من جملتها؟
الجواب: المراد بالفواحش نوع من المعاصي كانت العرب وقريش تستعظم قبحها وتستنكره كنكاح زوجة الأب وكالزنا و .. و .. إلخ، وهناك معاص لا تستعظمها ولا تستفحشها وهي عند الله عظيمة؛ فكبائر الإثم هي المعاصي التي ما كانوا يستعظمونها ولا يستنكرونها، والفواحش هي ما كانوا يستعظمونها ويستفحشونها، وبهذا يظهر وجه عطف الفواحش على كبائر الإثم.

(1) - سؤال: من أين نأخذ أن الصغائر قسيمة للكبائر؟ وهل نفهم من هذا أن الصغائر قد تتعين، وأنها غير الخطأ والنسيان؟ وهل في هذا موافقة لقول الله سبحانه: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ... } [النساء:31]؟
الجواب: يؤخذ ذلك من مفهوم قوله: {كَبَائِرَ الْإِثْمِ} فإن مفهومه يدل على أن في الإثم صغائر أي أن الإثم قسمان: صغائر وكبائر، وهذه الصغائر هي غير الخطأ والنسيان بدليل أن الخطأ والنسيان يأتي في الكبائر، والكبائر كبائر ولو وقعت على جهة الخطأ أو النسيان إلا أنه معفو عنها مع الخطأ والنسيان.
وهذه الآية في المعنى كقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}.
(2) - سؤال: فضلاً ما هو المعطوف في هذه الجملة؟ وما إعراب: {إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ 37}؟
الجواب: «وإذا ما غضبوا هم يغفرون» فجملة «هم يغفرون» معطوفة على جملة الصلة في قوله: «والذين يجتنبون» أي: على «يجتنبون» فلا محل لها من الإعراب، وقوله: «إذا ما غضبوا» قيد لقوله: «هم يغفرون».
(3) - سؤال: كيف نجمع بين هذه الآية ومديحهم بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ 39} [الشورى]، فكأن ظاهرهما التعارض؟
الجواب: المقصود بـ «هم ينتصرون» الانتصار من العدو المصر على البغي عليهم والفتك بهم، ومن هنا كان أمير المؤمنين عليه السلام يستحث أصحابه على الانتقام من عدوهم الذي غزاهم، وكان عليه السلام يذمهم إذا لم ينتصروا من عدوهم، فعلى هذا يكون العفو في غير ما ذكرنا كالعفو عن التائب و ... إلخ.
الآية 38
وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ} ومن صفتهم أيضاً الانقياد لله سبحانه وتعالى والتواضع له، والامتثال لجميع أوامره، والانتهاء عن جميع ما نهاهم عنه.
{وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} ويحافظون على أداء ما افترض الله سبحانه وتعالى عليهم من الصلوات وغيرها من المفروضات.
{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} وإذا حدث لهم أمر أو نزلت بهم مهمة تعود إلى مصالحهم العامة (4)، أو تخص دينهم- فإنهم يجتمعون ويتشاورون فيما بينهم.
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ 38} (1) ويخرجون زكاة أموالهم التي افترضها الله سبحانه وتعالى عليهم.

__________
(4) - سؤال: يقال: فأمر الولاية العامة على المسلمين من ذلك فكيف؟ وفي مذهبنا أنه لا اعتبار للعقد ولا للشورى؟
الجواب: قد يكثر المرشحون للولاية العامة ففي مثل هذه الحالة يلزم ذوي الرأي والمشورة أن ينظروا ويتشاوروا في من هو الأولى والأصلح بمنصب الولاية فإذا اجتمع رأيهم على واحد وجب عليهم نصره ومؤازرته وليس المراد أنها تثبت الولاية بالشورى والعقد، وإنما المراد أن ينظروا الأولى من المرشحين فينصروه.

(1) - سؤال: فضلاً ما الوجه في اختلاف هذه الجمل المتعاطفة من ماضوية إلى مضارعية إلى اسمية؟
الجواب: اختلفت هذه الجمل المتعاطفة لأجل اختلاف المعاني المرادة فجاء بالماضي في قوله: {لِلَّذِينَ آمَنُوا ... }؛ لوقوع الإيمان منهم والتصديق في الماضي، وجاء بالمضارع في قوله: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ 36}؛ لأن التوكل يتجدد منهم في المستقبل مرة بعد أخرى، وتوكلاً بعد توكل، وهكذا يتجدد منهم التوكل والاعتماد عليه في أمور دينهم ودنياهم، و ... إلخ.
الآية 39
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ (2) إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ 39} ومن صفتهم أيضاً أنهم لا يصبرون على ضيم يراد بهم، أو يستسلمون لعدوهم، بل ينتصرون لأنفسهم ويدفعون عنها الظلم والهوان، فهذه هي صفات المؤمنين الذين أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم أنه قد أعد لهم الثواب الجزيل في الآخرة.
___________
(2) - سؤال: هل جملة الصلة هنا اسمية أم فعلية فهل هي ماضوية أم مضارعية؟
الجواب: الصلة هنا جملة اسمية «هم ينتصرون» والشرط قيد فيها.

الآية 40
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ (3) عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (4) وإذا (5) اقتصوا من أحد فلا يظلمون أو يجورون وإنما يردون السيئة بمثلها، ثم ندبهم الله تعالى إلى العفو فهو أصلح وأفضل لهم عند الله تعالى، وسيعوضهم الله تعالى من عنده، وسيثيبهم جزاءً على عفوهم وتنازلهم عن حقهم، وإن أرادوا الاقتصاص فلهم ذلك.
{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ 40} الذين يتجاوزون الحد في الاقتصاص فمن يرد السيئة بأكبر منها فهو ظالم (1) عند الله سبحانه وتعالى ويستحق عقابه وسخطه.

__________
(3) - سؤال: ما هي الفاء في قوله: {فمن عفا}؟
الجواب: الفاء تفريعية.
(4) - سؤال: قد يقال: ما الحكمة في تعليق الأجر على الله وهو مفهوم للجميع أن أي أجر على أي عمل هو على الله؟
الجواب: الحكمة -والله أعلم- هي البعث على العفو فإن المجني عليه إذا علم أنه إذا عفا كان له على عفوه أجر من الله الذي له الملك في الدنيا والاخرة وبيده الخير كله وهو على كل شيء قدير كان أدعى إلى عفوه وسماحته.
(5) - سؤال: من أين نفهم التقييد بهذا الشرط هنا وكذا بقولكم: وإن أرادوا الاقتصاص فلهم ذلك؟
الجواب: فهم ذلك بمعونة الآيات الأخرى نحو قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... } [النحل:126]، وبآية القصاص: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ ... } الآية [البقرة:178]، {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... } الآية [المائدة:45]، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ... } [البقرة:194].

(1) - سؤال: من أين استوحينا هذا؟ وكيف يعمل المؤمن إذا ابتلي باعتداء عليه فهو في حال المدافعة لا ينظر إلى مثلية ما يرد به الاعتداء عليه فقد يتجاوز إلى ما هو فوق ذلك فكيف المخرج؟ وهكذا الإمام الأعظم إذا اعتدى عليه البغاة أو على أحد من أصحابه فقد يعاقب جماعات منهم أو جميعهم فهل له ذلك مع العلم أن المثلية دون ذلك؟
الجواب: استوحينا ذلك من حيث أن تجاوز الحد في الاقتصاص ظلم والله لا يحب الظالمين، ويجوز في حال الدفاع عن النفس الرد بأكثر، بل ولو بالقتل إذا ظن المدافع عن نفسه أنه لا يرتدع المعتدي إلا بالقتل، فمن اعتدى بالضرب مثلاً على المسلم فله أن يرد الضربة الواحدة بضربتين أو ثلاث وهذا في حال المدافعة لأنه لا يرد المعتدي في حال عدوانه إلا إذا قوبل بأشد من فعله.
وبالنسبة للوالي العادل إذا حصل عليه عدوان أو على بعض رعاياه فإن كان العدوان ما زال مستمراً فله أن يرد عدوانهم بما يراه رادعاً لهم عن العدوان، وإن كان قد انتهى العدوان ووقف فيقبض المعتدين ويحبسهم ويؤدبهم بما يراه زاجراً لهم، وله اجتهاده في مثل هذا، وهذا بعد أن ينتصف للمعتدى عليهم بما حصل فيهم وفي أموالهم من الجنايات والنقص والفساد.