القرآن الكريم مع التفسير

سورة الأحقاف

آية
إجمالي الآيات: 35 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
📝 التفسير:
{وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ (1) مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا (2) إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 21} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقص على قومه خبر عاد وشأنهم عندما بعث الله سبحانه وتعالى نبيه هوداً عليه السلام إليهم، وكان من نفس قبيلتهم.
والأحقاف هي أرض الكثبان الرملية؛ وكانوا قد بلغوا الغاية في الظلم وتجاوز حدود الله سبحانه وتعالى وعبادة الأصنام من دون الله تعالى، فأرسله الله سبحانه وتعالى إليهم ليحذرهم وينذرهم ويبلغهم رسالة ربهم، وليدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، ويخبرهم أن ما يدعوهم إليه هو ما دعت إليه الأنبياء السابقة من قبله، ويخبرهم أنهم إن استمروا فيما هم فيه من الظلم والطغيان فإن غضب الله وسخطه سيحل بهم.
__________
(1) - سؤال: يقال: كيف يتناسب قوله: «وقد خلت النذر» مع قوله: «ومن خلفه» إذا كان المراد بها: ومن بعده؟
الجواب: الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره الله تعالى أن يذكر لقومه أخا عاد -أي: هوداً- حال كون أخا عاد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه، فقوله: «وقد خلت ... » حال من «أخا عاد» والعامل فيها «اذكر» وليست حالاً من فاعل «أنذر» فلا إشكال حينئذ، وإنما الإشكال والسؤال لو جعلنا الجملة الحالية حالاً من فاعل «أنذر».
(2) - سؤال: فضلاً ما هو العامل في «إذ» الظرفية هنا؟ وما إعراب «ألا تعبدوا»؟
الجواب: «إذ» بدل من «أخا عاد» فهي في محل نصب. «أن» مفسرة لتقدم معنى القول دون حروفه، و «لا» ناهية، «تعبدوا» مضارع مجزوم وعلامة الجزم حذف النون، والواو فاعل.
الآية 22
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
📝 التفسير:
{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ 22} فأعرضوا عنه وتمردوا عليه، واستكبروا عن اتباعه وسخروا مما يدعوهم إليه، واستنكروا عليه كيف يمنعهم (3) عن عبادة آلهتهم التي يدينون لها هم وآباؤهم من قبلهم، واعتبروا دعوته لهم جريمة عظيمة مستنكرة، وكذبوا به وتمردوا عليه؛ ثم سألوه أنه إن كان صادقاً فيما يدعي ويزعم فليعجل بإنزال العذاب الذي يتهددهم به.

__________
(3) - سؤال: قد يقال: إذا كان معنى «لتأفكنا»: لتمنعنا، فمم اشتقت؟
الجواب: هي من الإفك، يقال: أفكه أي صرفه. اهـ من تفسير الرازي. والمعنى الذي ذكرناه هو قريب من هذا، ويؤدي مؤداه.

وآباؤهم من قبلهم، واعتبروا دعوته لهم جريمة عظيمة مستنكرة، وكذبوا به وتمردوا عليه؛ ثم سألوه أنه إن كان صادقاً فيما يدعي ويزعم فليعجل بإنزال العذاب الذي يتهددهم به.
{قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ} فأجاب عليهم بأن ذلك العذاب الذي قد توعدهم به ليس بيده، وأخبرهم أن أمر ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فمتى أراد فسينزله بهم.
{وَأُبَلِّغُكُمْ (1) مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ 23} وأنه ليس مكلفاً إلا بتبليغهم رسالة ربهم إليهم وتحذيرهم وإنذارهم من عذاب الله تعالى وسخطه أن يحل بهم إن هم رفضوا وعاندوا وتمردوا. ومعنى «ولكني أراكم قوماً تجهلون»: لا تعلمون أن الرسل إنما بعثوا مبشرين ومنذرين لا يملكون إنزال العذاب ولا أن يقترحوا على الله.
الآية 23
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ
📝 التفسير:
{قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ} فأجاب عليهم بأن ذلك العذاب الذي قد توعدهم به ليس بيده، وأخبرهم أن أمر ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فمتى أراد فسينزله بهم.
{وَأُبَلِّغُكُمْ (1) مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ 23} وأنه ليس مكلفاً إلا بتبليغهم رسالة ربهم إليهم وتحذيرهم وإنذارهم من عذاب الله تعالى وسخطه أن يحل بهم إن هم رفضوا وعاندوا وتمردوا. ومعنى «ولكني أراكم قوماً تجهلون»: لا تعلمون أن الرسل إنما بعثوا مبشرين ومنذرين لا يملكون إنزال العذاب ولا أن يقترحوا على الله.
_____________
(1) - سؤال: علام عطفت هذه الجملة؟ وهل في عطفها على ذلك مناسبة؟
الجواب: عندما قالوا لهود عليه السلام: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ 22} اقتضى الحال أن يجيبهم بأمرين اثنين:
1 - ... أن الله وحده يختص بعلم الوقت الذي حذرهم من نزول العذاب العظيم عليهم إن لم يؤمنوا ويرجعوا عن كفرهم وتمردهم.
2 - ... أن مهمته المكلف بها من عند الله أن يبلغهم ما أرسله الله تعالى به إليهم؛ فحصلت المناسبة بين المتعاطفين من حيث أن هوداً مكلف بقول هذين الأمرين، وهذا على قول المعربين والمفسرين بعطف الجملة الثانية على الأولى، ويمكن أن تكون الواو للحال ولعل ذلك أحسن للسلامة من تكلف الجامع بين الجملتين والمصحح للعطف.
الآية 24
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ 24 تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} (2) ثم إن الله سبحانه وتعالى أنزل عليهم عذابه وسخطه،فأرسل عليهم الريح العقيم، وعندما رأوها مقبلة (1) عليهم ظنوا أنها مبشرة بقدوم المطر إليهم؛ فأجاب الله سبحانه وتعالى عليهم بأن الأمر ليس كما يظنون وإنما هو عذاب الله تعالى قادم إليهم في تلك الريح، فما حل الصباح عليهم إلا وقد أبادتهم جميعاً، ودمرت مساكنهم وأموالهم.
{كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ 25} ثم أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر قومه بأنه سوف ينزل بهم مثل ما أنزل على أولئك القوم من العذاب إن هم استمروا وتمادوا في ظلمهم وطغيانهم.

__________
(2) - سؤال: ما الذي يفيده إبدال «ريح» من الاسم الموصول من نكتة بلاغية؟ وما الوجه في استخدام أداة المذكر المنفرد فيما يعود على المساكن في قوله: {لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ}؟
الجواب: النكتة هي تعظيم العذاب والتهويل عليهم به أولاً بإيهام الاسم الموصول، وثانياً بإبدال ريح في صورة نكرة مجهولة غير معروف كنهها، وفي ذلك من مضاعفة التهويل والتعظيم ما لا يخفى، ثم المبالغة بتجريد عذاب آخر عظيم غير الريح قادم عليهم فيها، ثم عقب ذلك بشدة تدميرها على كل ما مرت عليه ... إلخ. وذُكِّر «لا يرى» لأن التأنيث مجازي، ولوجود الفاصل وهو «إلا» ولأن الفاعل في الأصل مذكر أي: لا يرى الرائي إلا مساكنهم.

(1) - سؤال: هل جاءت هذه الريح في صورة السحب أو مع السحب؟ فظاهر العارض أنه يطلق على السحب؟
الجواب: جاءت الريح في صورة السحب، ولعل ذلك كان لكثرة ما تحمله من الغبار لقوتها؛ فإن الغبار الكثير المتراكم إذا رؤي من بعيد وقد سد الأفق لكثرته يظنه الرائي سحاباً ولا يتبين له أنه ليس بسحاب إلا إذا قرب منه.
الآية 25
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
📝 التفسير:
{فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ 24 تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} (2) ثم إن الله سبحانه وتعالى أنزل عليهم عذابه وسخطه،فأرسل عليهم الريح العقيم، وعندما رأوها مقبلة (1) عليهم ظنوا أنها مبشرة بقدوم المطر إليهم؛ فأجاب الله سبحانه وتعالى عليهم بأن الأمر ليس كما يظنون وإنما هو عذاب الله تعالى قادم إليهم في تلك الريح، فما حل الصباح عليهم إلا وقد أبادتهم جميعاً، ودمرت مساكنهم وأموالهم.
{كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ 25} ثم أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر قومه بأنه سوف ينزل بهم مثل ما أنزل على أولئك القوم من العذاب إن هم استمروا وتمادوا في ظلمهم وطغيانهم.

__________
(2) - سؤال: ما الذي يفيده إبدال «ريح» من الاسم الموصول من نكتة بلاغية؟ وما الوجه في استخدام أداة المذكر المنفرد فيما يعود على المساكن في قوله: {لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ}؟
الجواب: النكتة هي تعظيم العذاب والتهويل عليهم به أولاً بإيهام الاسم الموصول، وثانياً بإبدال ريح في صورة نكرة مجهولة غير معروف كنهها، وفي ذلك من مضاعفة التهويل والتعظيم ما لا يخفى، ثم المبالغة بتجريد عذاب آخر عظيم غير الريح قادم عليهم فيها، ثم عقب ذلك بشدة تدميرها على كل ما مرت عليه ... إلخ. وذُكِّر «لا يرى» لأن التأنيث مجازي، ولوجود الفاصل وهو «إلا» ولأن الفاعل في الأصل مذكر أي: لا يرى الرائي إلا مساكنهم.

(1) - سؤال: هل جاءت هذه الريح في صورة السحب أو مع السحب؟ فظاهر العارض أنه يطلق على السحب؟
الجواب: جاءت الريح في صورة السحب، ولعل ذلك كان لكثرة ما تحمله من الغبار لقوتها؛ فإن الغبار الكثير المتراكم إذا رؤي من بعيد وقد سد الأفق لكثرته يظنه الرائي سحاباً ولا يتبين له أنه ليس بسحاب إلا إذا قرب منه.
الآية 26
وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا (2) وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى قريشاً بأنه قد مكن عاداً في الدنيا مثل ما مكن قريشاً، وآتاهم القوة والسعة في الأموال والأولاد، وأنعم عليهم بالأسماع والأبصار والعقول الراجحة ولكنهم لم ينتفعوا بها، وتعاموا عن الحق والهدى لما جاءهم، فأخذهم عذاب الله (3).
{إِذْ (1) كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ 26} (4) وما حل بهم من عذاب الله هو بسبب كفرهم وتكذيبهم بآيات الله سبحانه وتعالى وأنبيائه ورسله، وقد كانوا يستهزئون بنبيهم هود عليه السلام حين ينذرهم عذاب الله.

__________
(2) - سؤال: فضلاً هل في تخصيص السمع بالإفراد دون الأبصار والأفئدة حكمة تعرف، فما هي؟
الجواب: قد قال الزمخشري في توجيه ذلك: ووحد السمع كما وحد البطن في قوله: كلوا في بعض بطنكم تعفوا، يفعلون ذلك إذا أمن اللبس فإذا لم يؤمن اللبس كقولك: فرسهم وثوبهم، وأنت تريد الجمع رفضوه، ولك أن تقول: السمع مصدر في أصله والمصادر لا تجمع فلُمِحَ الأصل يدل عليه: {وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ} [فصلت:5]، وأن تقدر مضافاً محذوفاً أي: وعلى حواس سمعهم ... إلخ. اهـ (من الكشاف بلفظه).
(3) - سؤال: يبدو أنكم بنيتم على أن «إن» زائدة في قوله: {فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ ... } فهل لـ «إن» الزائدة ضابط تنحصر به؟ وهل يصح حملها على النفي؟ وهل هذا الموضع من المواضع التي تأتي فيه «إن» النافية؟
الجواب: نعم قد بنينا على ذلك، وقد ذكر ابن هشام في المغني أنها تزاد بعد «ما» النافية كثيراً إذا دخلت على جملة فعلية، وبعد «ما» الموصولة الاسمية والمصدرية، وبعد «ألا» الاستفتاحية، وقبل مدة الإنكار، وذكر الشواهد على ذلك.
وقد جوز المفسرون والمعربون في «إن» هذه ثلاثة أوجه: أحدها ما ذكرناه وهو: أن تكون صلة (زائدة)، والثاني: أن تكون نافية، وهذان الوجهان ذكرهما الزمخشري وأفاد أن الوجه القوي أن تكون نافية، وزاد غيره أن تكون «إن» شرطية أي: في الذي إن مكناكم فيه طغيتم، وعلى هذا فهذا الموضع من المواضع التي تأتي فيه «إن» النافية.

(1) - سؤال: فضلاً ما معنى «إذ» هذه؟ وما عملها؟
الجواب: «إذ» ظرف لما مضى من الزمان وناصبها قوله: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ ... } وهذا الظرف جارٍ مجرى التعليل، وفي الكشاف: فإن قلت: لم جرى مجرى التعليل؟ قلت: لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك: ضربته لإساءته، وضربته إذا أساء، إلا أن «إذ، وحيث» عليتان دون سائر الظروف في ذلك. اهـ
(4) - سؤال: هل المراد بـ «الذي كانوا به يستهزئون» العذاب أم هود عليه السلام؟
الجواب: المراد العذاب.

الآية 27
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى} (3) ثم خاطب الله سبحانه وتعالى قريشاً ليعتبروا ويتعظوا، فأخبرهم بأنه قد أهلك أهل تلك القرى التي حولهم، يمرون عليها في طريق أسفارهم وتجاراتهم، ويسمعون عن أخبار أهلها وما حل بهم بسبب تكذيبهم وتمردهم على أنبيائهم واستهزائهم بهم، مثل قوم عاد وثمود وقوم لوط وشعيب.
{وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 27} صرف الله لهم الآيات ونوعها لعلهم يرجعون عن غيهم وضلالهم، ولكنهم لم يتراجعوا عن كفرهم وضلالهم.
__________
(3) - سؤال: ما الوجه في الإخبار عن هذه القرى بأنها حولهم رغم أن بينهم وبين قرى عاد فوق ألف كيلومتر، وهكذا؟
الجواب: الوجه أنهم كانوا يسافرون إليها في كل عام تقريباً (رحلة الشتاء والصيف) لذلك كانت في حكم القريب.
الآية 28
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
📝 التفسير:
{فَلَوْلَا (4) نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ (1) وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ 28} أهلك الله تعالى أهل تلك القرى المكذبة فلم تنصرهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، أو تدفع عنهم شيئاً مما أنزله بهم من العذاب، وضلت عنهم وضاعت في وقت شدتهم لأنها لا تقدر على النفع والضر.

__________
(4) - سؤال: فضلاً ما معنى «لولا» هنا؟ وما إعراب «قرباناً آلهة»؟
الجواب: «لولا» هذه معناها التحضيض وبدخولها على الماضي تصير للتنديم. «آلهة» هي المفعول الثاني لـ «اتخذوا» والمفعول الأول محذوف وهو عائد الموصول. «قرباناً» حال من آلهة وصح لتقدمه عليه.

(1) - سؤال: إلام الإشارة بقوله: «وذلك إفكهم»؟
الجواب: الإشارة إلى الضلال وعدم نفع الآلهة لهم وهو أثر إفكهم ونتيجته.
الآية 29
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ
📝 التفسير:
{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ 29 قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى (2) مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِيَهْدِي إِلَى الْحَقِّ (3) وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ 30} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد صرف نفراً من صالحي (1) الجن إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسماع له وهو يتلو آيات القرآن، فأنصتوا لتلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أتم صلى الله عليه وآله وسلم التلاوة ذهبوا إلى قومهم من الجن يبلغونهم ما سمعوا من آيات الله سبحانه وتعالى ويعظونهم ويحذرونهم وينذرونهم، وينصحونهم باتباع آياته وما فيه من الهدى والنور الذي يدلهم على طريق الحق والهدى. ومعنى «صرفنا إليك»: وجهنا إليك.

__________
(2) - سؤال: ما الوجه في قولهم: {أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} وكأنهم لم يعتبروا عيسى ولا إنجيله؟ وهل نفهم من هذا أنهم عايشوا موسى وأدركوا زمنه، فيصح ما يقال بأنهم يتعمرون مئات السنين؟
الجواب: إنجيل عيسى عليه السلام ضاع في القرن الأول ضياعاً كلياً ولم يبق إلا روايات رواها تلاميذ عيسى عليه السلام مع أن كل رواية تخالف الرواية الأخرى وتسمى تلك الروايات بالأناجيل فيقولون: إنجيل فلان، وإنجيل فلان، و .. إلخ. هذا مع أن التوراة لم تنسخ في دين عيسى عليه السلام وتسمى عندهم العهد القديم؛ لذلك فلا يقال: إن الجن المذكورين لم يعتبروا عيسى ولم يعتدوا بنبوته.
ولا يدل قول الجن هذا على أنهم أدركوا موسى عليه السلام وآمنوا به بل يحتمل أنهم أدركوا موسى وأخذوا عنه وأنهم أخذوا علم التوراة عن آبائهم وصالحيهم.
سؤال: هل يؤخذ من القصة أن إرشاد الجن ودعوتهم لا تكون إلا ببعضهم البعض لا بالإنس؟ وهل يتأتى في الواقع أن يحصل إرشادهم عبر الإنس أم لا، وضحوا ذلك؟
الجواب: الذي يؤخذ من الآية أن إرشاد الجن يحصل بواسطة الإنس فقد استرشد الجن أصحاب هذه القصة بما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن، كما يؤخذ منها أنهم كالإنس في إرشاد بعضهم بعضاً ودعوة بعضهم لبعض، ويؤخذ منها أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حجة عليهم ودعوته عامة لهم: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ ... } الآية.
(3) - سؤال: ما هو العامل في «إذ» الظرفية في قوله: «وإذ صرفنا»؟ وما محل جملة «يستمعون» وجملة «يهدي إلى الحق»؟
الجواب: «إذ» مفعول به لـ «اذكر» محذوفاً وليست ظرفاً هنا، و «يستمعون» في محل نصب حالية من «نفراً» فهي في محل نصب أو صفة لـ «نفراً». «يهدي إلى الحق» في محل نصب صفة لـ «كتاباً» أو حال منه.

(1) - سؤال: من أين أخذنا أنهم صالحون قبل هذه القصة؟ وكيف حصل أمرهم بالتوجه إلى النبيصلى الله عليه وآله وسلم؟
الجواب: أخذ أنهم صالحون من قولهم: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا ... } الآية، فإنه يؤخذ من ذلك أنهم كانوا مصدقين بالتوراة ومن أهل العلم بها؛ لذلك قالوا في القرآن: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ... } فإنهم لن يقولوا هذا القول إلا وهم من أهل العلم بما أنزل الله فيها. وتم صرفهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخلق الله تعالى في نفوسهم دواعي إلى التوجه إلى مكة إما للطواف بالبيت الحرام أو لغير ذلك، والله على كل شيء قدير.
الآية 30
قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ
📝 التفسير:
{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ 29 قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى (2) مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِيَهْدِي إِلَى الْحَقِّ (3) وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ 30} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد صرف نفراً من صالحي (1) الجن إلى حضور مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسماع له وهو يتلو آيات القرآن، فأنصتوا لتلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أتم صلى الله عليه وآله وسلم التلاوة ذهبوا إلى قومهم من الجن يبلغونهم ما سمعوا من آيات الله سبحانه وتعالى ويعظونهم ويحذرونهم وينذرونهم، وينصحونهم باتباع آياته وما فيه من الهدى والنور الذي يدلهم على طريق الحق والهدى. ومعنى «صرفنا إليك»: وجهنا إليك.

__________
(2) - سؤال: ما الوجه في قولهم: {أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} وكأنهم لم يعتبروا عيسى ولا إنجيله؟ وهل نفهم من هذا أنهم عايشوا موسى وأدركوا زمنه، فيصح ما يقال بأنهم يتعمرون مئات السنين؟
الجواب: إنجيل عيسى عليه السلام ضاع في القرن الأول ضياعاً كلياً ولم يبق إلا روايات رواها تلاميذ عيسى عليه السلام مع أن كل رواية تخالف الرواية الأخرى وتسمى تلك الروايات بالأناجيل فيقولون: إنجيل فلان، وإنجيل فلان، و .. إلخ. هذا مع أن التوراة لم تنسخ في دين عيسى عليه السلام وتسمى عندهم العهد القديم؛ لذلك فلا يقال: إن الجن المذكورين لم يعتبروا عيسى ولم يعتدوا بنبوته.
ولا يدل قول الجن هذا على أنهم أدركوا موسى عليه السلام وآمنوا به بل يحتمل أنهم أدركوا موسى وأخذوا عنه وأنهم أخذوا علم التوراة عن آبائهم وصالحيهم.
سؤال: هل يؤخذ من القصة أن إرشاد الجن ودعوتهم لا تكون إلا ببعضهم البعض لا بالإنس؟ وهل يتأتى في الواقع أن يحصل إرشادهم عبر الإنس أم لا، وضحوا ذلك؟
الجواب: الذي يؤخذ من الآية أن إرشاد الجن يحصل بواسطة الإنس فقد استرشد الجن أصحاب هذه القصة بما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن، كما يؤخذ منها أنهم كالإنس في إرشاد بعضهم بعضاً ودعوة بعضهم لبعض، ويؤخذ منها أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حجة عليهم ودعوته عامة لهم: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ ... } الآية.
(3) - سؤال: ما هو العامل في «إذ» الظرفية في قوله: «وإذ صرفنا»؟ وما محل جملة «يستمعون» وجملة «يهدي إلى الحق»؟
الجواب: «إذ» مفعول به لـ «اذكر» محذوفاً وليست ظرفاً هنا، و «يستمعون» في محل نصب حالية من «نفراً» فهي في محل نصب أو صفة لـ «نفراً». «يهدي إلى الحق» في محل نصب صفة لـ «كتاباً» أو حال منه.

(1) - سؤال: من أين أخذنا أنهم صالحون قبل هذه القصة؟ وكيف حصل أمرهم بالتوجه إلى النبيصلى الله عليه وآله وسلم؟
الجواب: أخذ أنهم صالحون من قولهم: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا ... } الآية، فإنه يؤخذ من ذلك أنهم كانوا مصدقين بالتوراة ومن أهل العلم بها؛ لذلك قالوا في القرآن: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ... } فإنهم لن يقولوا هذا القول إلا وهم من أهل العلم بما أنزل الله فيها. وتم صرفهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخلق الله تعالى في نفوسهم دواعي إلى التوجه إلى مكة إما للطواف بالبيت الحرام أو لغير ذلك، والله على كل شيء قدير.
الآية 31
يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
📝 التفسير:
{يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ 31 وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ} ودعوا قومهم من الجن إلى اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه مرسل إليهم من عند الله سبحانه وتعالى ليبلغهم رسالات الله، وأمروهم أن يؤمنوا به ويصدقوا بما جاءهم به، ومن أعرض عنه وكذب به فقد عَرَّضَ نفسَه لغضب الله سبحانه وتعالى وسخطه، وسيأخذه الله تعالى بعذابه (2).
{وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 32} ولن يستطيع أحد أن يدفع عنه شيئا من عذاب الله وسخطه.

__________
(2) - سؤال: يقال: هل اكتسبوا هذه المعرفة من خلال سماعهم للقرآن هذه المرة فقط، أم كيف؟ وهل إنذار الجن هذا كان آخر إنذار لهم على وجه الأرض أم كيف بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
الجواب: يظهر من قوله تعالى حاكياً عنهم: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ... } أنهم كانوا من أهل العلم بالتوراة، وأنهم سمعوا قسطاً كبيراً من القرآن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى علموا وتيقنوا أنه موافق لما أنزله الله في التوراة، وإذا كانوا مكلفين بإجابة داعي الله فالتكليف مستمر إلى يوم القيامة، وحجة الله قائمة عليهم بالقرآن إلى يوم القيامة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد عهده، فإن كان منهم علماء صالحون فسيأخذون القرآن والعلم عنهم لمخالطتهم لهم لإمكان التفاهم والمناقشة و .. إلخ، وإن لم يكن منهم علماء صالحون فحجة الله تعالى قائمة عليهم بأهل القرآن من الإنس يأخذون عنهم القرآن والعلم، وذلك لا طريق لهم لأخذ القرآن والعلم إلا ما ذكرنا أي من بعضهم البعض أو من الإنس.
الآية 32
وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
📝 التفسير:
{يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ 31 وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ} ودعوا قومهم من الجن إلى اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه مرسل إليهم من عند الله سبحانه وتعالى ليبلغهم رسالات الله، وأمروهم أن يؤمنوا به ويصدقوا بما جاءهم به، ومن أعرض عنه وكذب به فقد عَرَّضَ نفسَه لغضب الله سبحانه وتعالى وسخطه، وسيأخذه الله تعالى بعذابه (2).
{وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 32} ولن يستطيع أحد أن يدفع عنه شيئا من عذاب الله وسخطه.

__________
(2) - سؤال: يقال: هل اكتسبوا هذه المعرفة من خلال سماعهم للقرآن هذه المرة فقط، أم كيف؟ وهل إنذار الجن هذا كان آخر إنذار لهم على وجه الأرض أم كيف بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
الجواب: يظهر من قوله تعالى حاكياً عنهم: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ... } أنهم كانوا من أهل العلم بالتوراة، وأنهم سمعوا قسطاً كبيراً من القرآن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى علموا وتيقنوا أنه موافق لما أنزله الله في التوراة، وإذا كانوا مكلفين بإجابة داعي الله فالتكليف مستمر إلى يوم القيامة، وحجة الله قائمة عليهم بالقرآن إلى يوم القيامة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد عهده، فإن كان منهم علماء صالحون فسيأخذون القرآن والعلم عنهم لمخالطتهم لهم لإمكان التفاهم والمناقشة و .. إلخ، وإن لم يكن منهم علماء صالحون فحجة الله تعالى قائمة عليهم بأهل القرآن من الإنس يأخذون عنهم القرآن والعلم، وذلك لا طريق لهم لأخذ القرآن والعلم إلا ما ذكرنا أي من بعضهم البعض أو من الإنس.
الآية 33
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ (1) بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 33} ثم توجه الله سبحانه وتعالى إلى خطاب المشركين مستنكراً عليهم كفرهم وتمردهم واستكبارهم عليه مع علمهم أنه وحده الذي تفرد بخلق السماوات والأرض وما بينهما من غير تعب، فمن قدر على كل ذلك أليس بقادر على خلقهم وإحيائهم وبعثهم مرة أخرى، ومن أوجدهم من العدم أليس قادراً على إيجادهم وإحيائهم مرة أخرى؟
فلن يجد العاقل بداً من الاعتراف والإقرار بقدرة الله سبحانه وتعالى على ذلك، وأنه لا سبيل إلى إنكار شيء من ذلك أبداً؛ لوضوح دلائل القدرة.
__________
(1) - سؤال: ما الأولى في الاستفهام في الآية أن يكون إنكارياً أم تقريرياً؟ وبماذا جزم الفعل «يَعْيَ»؟
الجواب: الاستفهام هو تقريري لما بعد النفي، أو إنكاري أي: أنه يصح فيها الوجهان على ما ذكرنا، وقد سبق الجواب على مثل هذا. و «يَعْيَ» مجزوم بحذف حرف العلة الألف لأنه هكذا: «يعيى».
الآية 34
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ (2) قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ 34} ثم عقب الله سبحانه وتعالى ذلك بتذكير أولئك المكذبين والمنكرين للبعث والحساب، بأنه سوف يذكرهم بذلك الذي ينكرونه يوم القيامة عندما يعرضهم على جهنم، وأنه سوف يخاطبهم حينها ويسألهم عن هذا الذي كانوا ينكرونه: أليس حقاً وصدقاً؟ وأنهم سوف يجيبون عليه بالإقرار والاعتراف، ولكن جوابهم ذلك سيكون حين لا ينفعهم تصديقهم ذلك.
وأخبرهم بعد ذلك أنه سوف يأمر خزنة جهنم بسوقهم وسحبهم على وجوههم إلى جهنم بسبب كفرهم وتكذيبهم وتمردهم.

__________
(2) - سؤال: ما معنى الباء في قوله: «بالحق»؟
الجواب: الباء صلة زيدت في خبر «ليس» للتأكيد.
الآية 35
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ
📝 التفسير:
{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ (1) مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا (2) إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} (3) بعد أن قص الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم حال المكذبين والمنكرين، وأخبره عن مصيرهم، أمره أن يصبر عليهم وأن يتحمل ما يلحقه منهم من التكذيب والأذى والاستهزاء، وأن لا يبالي بشيء من ذلك، وأن يواصل ما هو فيه من تبليغهم، ولا يستعجل نزول العذاب الذي استحقوه فعما قريب سوف يحل بهم، ثم أخبره كيف سيتقاصرون مدة بقائهم على الدنيا وحياتهم فيها عندما يرون نزوله بهم حتى لا تساوي مدة أعمارهم عندهم إلا ساعة من النهار فقط.
ومعنى «أولو العزم»: أولو الثبات والجد القوي البالغ.
{بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ (4) إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ 35} (5) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن هذا الذي قصه عليه إنذار وبلاغ للمشركين، وأن عذابه وسخطه لن يلحق إلا بالمتمردين الخارجين عن حدوده المتعدين لها.

__________
(1) - سؤال: من هم أولو العزم؟ وهل هناك دلالة على تعيينهم؟
الجواب: الأولى في «من» في قوله: «من الرسل» أن تكون لبيان الجنس فيكون الرسل كلهم أولي عزم، ولا ينبغي أن يقال: إن بعض الرسل أولو عزم وبعضهم ليس من أولي العزم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ... } [الأحزاب:39]، فكلهم عليهم السلام قد بلغوا رسالات الله كما أمرهم الله ولو كان منهم من لم يكن من أولي العزم لما تمت رسالته ولما بلغها، فتبليغ الرسالات يحتاج إلى عزم وجد وثبات وصبر وجَلَد وقوة لا تلين حتى يصل إلى فعل ما أمر به.
(2) - سؤال: ما إعراب «كما صبر»؟ وما محل جملة: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا}؟
الجواب: «كما صبر» محله النصب صفة لمصدر محذوف أي: فاصبر كصبر أولي العزم، ولا محل لجملة «كأنهم .. »؛ لأنها كالتعليل لما قبلها.
(3) - سؤال: يقال: بأنه يؤخذ من الآية أن قول المجرمين: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [المؤمنون:113]، أو تسميتهم للقبر مرقداً لا يعني عدم وقوع العذاب فيه إنما هو استقصار للمدة لهول ما رأوا في القيامة، فهل ذلك صحيح؟ أم كيف؟
الجواب: نعم يؤخذ منها ذلك، وينبغي أن تفسر كذلك.
(4) - سؤال: فضلاً ما إعراب «بلاغ»؟ وهل قوله: «فهل يهلك» بمعنى: ما يهلك؟ أم ماذا؟
الجواب: «بلاغ» خبر لمبتدأ محذوف أي: هذا بلاغ، والاستفهام بمعنى النفي كما ذكرتم، أي: ما يهلك.
(5) - سؤال: ما هي المناسبة في جعل هذه الآية خاتمة للسورة؟
الجواب: في الآية «فاصبر ... » إشارة إلى تمام السورة، وإيذان بنهايتها، فالصبر هو الحل الأخير، وقوله: «بلاغ» مما يؤذن بتمامها، والهلاك أيضاً نهاية الحي، فكل ذلك مما يؤذن بتمامها ونهايتها، والحمد لله.