القرآن الكريم مع التفسير

سورة المائدة

آية
إجمالي الآيات: 120 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ
📝 التفسير:
{يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أخرج موسى بني إسرائيل من مصر، واستنقذهم من سيطرة فرعون الذي كان مستعبداً لهم ومستذلاً لهم، وأنعم الله عليهم بأن فلق لهم البحر، وكلمهم الله، وأظلهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وفضلهم على العالمين، وجعل الملك فيهم والأنبياء منهم، وقول موسى لهم: {يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} يريد به أن يبعثهم على الامتثال لأمره في قوله تعالى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} وكان ذلك بعدما خرجوا من مصر، وأصبحوا في الشام في فلسطين؛ فأخبرهم بأن الله كتب عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، وهي أورشليم (القدس)، ويستوطنوا ويتمركزوا فيها، وأن تكون مقراً لأنبيائهم وملوكهم، وعاصمة للدين، ولكنهم أبوا ذلك، ولم يندفعوا وكفروا النعم ولم يشكروها، ولم يطيعوا موليها.
{وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ 21} فلا تعصوا الله بعدم استجابتكم لأمره،
الآية 22
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ
📝 التفسير:
{قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا} أمروا بأن يدخلوا المدينة التي كتبها الله لهم فأبوا أن يدخلوها وتعللوا بأن فيها قوماً جبارين أقوياء لا يقدرون على قتالهم، وأقنعوا موسى عليه السلام بأنهم لن يدخلوها حتى يخرج منها أولئك القوم الجبارون، فإذا خرجوا دخلناها؛ فلن ندخلها ما داموا فيها.
{فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ 22} تمرداً منهم، وكان فيها ناس من العماليق (1) من ذرية عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام.
__________
(1) - سؤال: هل المراد بالجبارين هم هؤلاء العماليق؟ وماذا كانت ديانتهم؟
الجواب: هم المرادون بالجبارين، وكانت ديانتهم الكفر والشرك، بدليل أمر الله تعالى لبني إسرائيل بقتالهم وأخذ مدينتهم الكبيرة المسورة: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ}.
الآية 23
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} (2) كان بين اليهود رجلان من العماليق أنعم الله عليهما بالإيمان بموسى، فأخبر هذان الرجلان اليهود بأن يدخلوا عليهم الباب قالوا: فإنكم إذا دخلتم عليهم الباب فإنكم غالبون لهم، وسيفشل العمالقة في قتالكم، ولن تحتاجوا إلى قتل وقتال.
{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 23} توكلوا على الله واعتمدوا عليه وادخلوا.

__________

(2) - سؤال: لماذا وصفهم الله بأنهم من الذين يخافون، مع إقدامهم وجرأتهم هذه؟
الجواب: الرجلان من العماليق، والعماليق وإن كانوا رجالاً جبارين إلا أنهم يجبنون ويخافون إذا هوجموا {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} فوصف الله الجبارين بأنهم قوم يخافون، وقد كان الرجلان عارفين بطبيعة الجبارين، وعارفين بأسرارهم ومن أين يؤتون.
الآية 24
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ
📝 التفسير:
{قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ 24 قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ 25} (1) تمرد بنو إسرائيل عن طاعة نبيهم موسى عليه السلام، وحاول موسى أن يردهم إلى طاعة الله وامتثال أمره فأعيوه وما استجابوا له، وأصروا على التمرد والعصيان؛ فلما أيس منهم توجه إلى الله بشكواه فقال: يا رب لم يستجب لأمرك إلا أنا وأخي هارون، أما بنو إسرائيل فقد فسقوا عن أمرك وأصروا على العصيان، فاحكم بيني وبينهم وأذقهم جزاء فسقهم في الدنيا.

__________
(1) - سؤال: هل يؤخذ من شكوى موسى سقوط الجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عدم الأنصار وخذلان الأتباع؟
الجواب: يؤخذ منها ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
الآية 25
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
📝 التفسير:
{قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ 24 قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ 25} (1) تمرد بنو إسرائيل عن طاعة نبيهم موسى عليه السلام، وحاول موسى أن يردهم إلى طاعة الله وامتثال أمره فأعيوه وما استجابوا له، وأصروا على التمرد والعصيان؛ فلما أيس منهم توجه إلى الله بشكواه فقال: يا رب لم يستجب لأمرك إلا أنا وأخي هارون، أما بنو إسرائيل فقد فسقوا عن أمرك وأصروا على العصيان، فاحكم بيني وبينهم وأذقهم جزاء فسقهم في الدنيا.

__________
(1) - سؤال: هل يؤخذ من شكوى موسى سقوط الجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند عدم الأنصار وخذلان الأتباع؟
الجواب: يؤخذ منها ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
الآية 26
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
📝 التفسير:
{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} (2)
هذا حكم من الله على بني إسرائيل، فقد استجاب الله دعوة موسى عليه السلام فعاقبهم بالتيه يتيهون في الأرض فلا يهتدون سبيلاً إلى ما يريدون، فمكثوا في التيه يسيرون على غير هدى أربعين سنة.
{فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ 26} فلا تحزن يا موسى لما حل بقومك؛ لأن الله قد حكم عليهم بهذا الحكم، فهم يستحقونه وأكثر منه.
وقد كان موسى وهارون ' مع قومهم في التيه (1) يبلغانهم الأحكام والشرائع، وماتا في التيه، ثم بعد الأربعين السنة دخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم بعدما رفع الله عنهم التيه، وكان قد بعث الله لهم يوشع بن نون نبياً.

__________

(2) - سؤال: ما هو التيه هل لا يدرون أين يذهبون ويأتون؟ أو لم يدركوا باب المدينة؟ وهل ترونه تيهاً معنوياً أم حقيقياً؟

الجواب: التيه: هو السير على غير هدى، وإلى غير هدف وغاية، وقد كانوا مهيؤون لذلك فإنهم خرجوا من مصر إلى الشام، وليس لهم في الشام بيوت ولا بلد ولا أرض، وليس لهم إلا الأرض التي كتبها الله لهم، ولما امتنعوا من دخولها ورفضوا أمر الله لم يجدوا إلا التيه في الأرض والسير فيها لعلهم يجدون بالصدفة والحظ مكاناً مناسباً ليحطوا فيه رحالهم ويبنوا فيه مساكنهم، تتوفر فيه أسباب المعيشة من الماء وخصب الأرض وسعتها و .. إلخ، ولم ينقطع أملهم من الطلب مع طول المدة، وهذا مع ما أراده الله تعالى من معاقبتهم بالتيه. وعلى ما شرحنا فالتيه حقيقي وليس معنوياً.

(1) - سؤال: يقال: إذا كانا معهم فقد دخلا في العذاب، فكيف؟
الجواب: أرسل الله تعالى موسى وهارون ' إلى بني إسرائيل فلزم أن يدخلا معهم في التيه لتبليغ رسالة الله إلى بني إسرائيل، فدخلا يصحبهما رضوان الله ورحمته والوعد الجميل بالثواب العظيم والدرجات الرفيعة، مع أنهما راضيان بأمر الله في تبليغ رسالته، واستصلاح بني إسرائيل، ومحاولة ردهم إلى طاعة الله، فهما في طاعة الله وكرامته، وبنو إسرائيل في سخط الله ومهانته.
الآية 27
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يتلو على اليهود وبني إسرائيل (2) قصة ابني آدم، وأنها حقيقة وقد وقعت.
{إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} (3)
والذي لم يتقبل الله قربانه حسد الآخر وقتله، وكانت هذه القصة لا يعرفها إلا بنو إسرائيل؛ فأمره الله تعالى أن يخبرهم بها لتكون معجزة له بأنه نبي من عند الله.
{قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ 27} (1) فأنا لا ذنب لي عندما لم يقبل الله قربانك؛ لأنك لست من المتقين، والله إنما يتقبل من المتقين،
__________

(2) - سؤال: هل تشمل التلاوة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم لا؟
الجواب: نعم التلاوة هي لبني إسرائيل أولاً، ثم لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثانياً، {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام:19]، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف:111].
(3) - سؤال: ما معنى: {إِذْ قَرَّبَا}؟ وما هو القربان الذي تقربا به؟

الجواب: قرب كل واحد من ابني آدم قرباناً، والقربان قد يكون كبشاً أو تبيعاً أو مقداراً من الحب أو غيره من المال؛ لطلب القرب من الله وثوابه ورضوانه. ومعنى: {إِذْ قَرَّبَا}: حين قربا قرباناً.
(1) - سؤال: هل عرف السبب الذي استحق به الخروج من المتقين فلو وضحتموه؟
الجواب: هناك روايات يذكرها المفسرون غير موثوق بها، إلا أن هذه الآية تفيد أن الله لم يتقبل من أحدهما لعصيانه لله وتمرده عن طاعته.
سؤال: هل في الآية دليل على أن الكبائر تحبط الحسنات؟
الجواب: فيها دليل واضح على ذلك، ولو كان الأمر كما يقوله أهل الموازنة لتقبل الله من ابني آدم جميعاً المطيع والعاصي.
الآية 28
لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
📝 التفسير:
{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ 28} (2).
__________

(2) - سؤال: قد يقال: بأنه يجوز لهذا المقتول أن يدافع عن نفسه، فلماذا قال: {مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ ... } إلخ؟ أم أن ترك الدفاع أفضل؟ وما الحل في أمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا سيما مع ما ورد في حديث الفتن عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((أن الناجي كخير ابني آدم))، أو كما قال، مع ما اشتهر أن من قتل دون ماله ونفسه فهو شهيد؟ فوضحوا المسألة فهي من المشكلات؟ ومما يشكل ما فهم عن المقتول هذا أنه لو قتله لأثم؟

الجواب: ليس لمن هُدِّد بالقتل أن يقتل المهدِّد له، ولكن يحاول أن يردَّ رأي المهدد له بالموعظة، ويحذره عذاب الله، ويبين له أنه لم يفعل ما يوجب القتل، ثم عليه بعد ذلك أن يأخذ حذره، وليس له أن يمد يده إلى قتل المهدد له، وهكذا صنع ابن آدم المقتول، وليس في الآية أن المقتول لم يدافع القاتل حين أقدم على القتل، ولعله قتله على غرة، ولعله فاجأه بالقتل و ... إلخ. هذا، والمقرر عقلاً أن الدفاع عن النفس واجب بما أمكن، مع تقديم الأخف فالأخف، ولا فضل في ترك الدفاع عن النفس، {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء:71]. وما ورد في الفتن فالمراد منه التحذير عن الدخول فيها وسل السيف مع المفتونين والقيام مع أي من الفريقين، وفيها الترغيب في القعود في البيوت، فإن قتل وهو قاعد عن الدخول في الفتنة فهو كخير ابني آدم، وليس في ذلك أنه لا تجوز مدافعة القاتل، أو أن الأولى ترك مدافعته، والحذر والدفاع عن النفس جبلّة وطبيعة مطبوعة في بني آدم يندفعون إلى ذلك من غير أمر آمر شرعي أو غير شرعي.
الآية 29
إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ
📝 التفسير:
{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ 29} فلا أريد أن أتحمل إثم قتلك، فاحمله أنت بقتلك لي لأني لو قتلتك لتحملت إثم قتلك ولكني لا أفعل؛ فتحمّل الإثمين أنت إثم قتلي وإثم فجورك وعصيانك الذي كان سبباً في عدم قبول قربانك.
الآية 30
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ
📝 التفسير:
{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ 30} (1) لأنه قد تحمل ذنباً عظيماً بقتله لأخيه، واستحكم عليه سخط الله وحق عليه عذابه.
__________
(1) - سؤال: هل معنى {طَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}: زيَّنت وحسَّنت وسهَّلت؟
الجواب: معنى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ} هو: زينت وسهلت وحسنت له نفسه قتل أخيه، وهكذا النفس الأمارة بالسوء تزين لصاحبها وتسهل عليه ارتكاب المعصية.
الآية 31
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
📝 التفسير:
{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} (2) كان هذا المقتول أول مقتول على وجه الأرض؛ فتحير القاتل كيف يصنع بجثة أخيه المقتول، فبعث الله غراباً قتل صاحبه فحفر حفرة في الأرض ودفن صاحبه؛ من أجل أن يفعل القاتل بجثة أخيه مثل ما فعل الغراب.
{قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} فسأفعل مثل هذا الغراب، فلست عاجزاً عن ذلك.
{فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ 31} (3)
وندمه هذا إنما كان على عجزه عن كيفية التخلص من جثة أخيه؛ لأنه كان يحمله معه أينما ذهب إلى أن تعفن وتحللت جثته (1)، ولم يكن ندمه هذا على قتله لأخيه؛ لأنه لو كان ندمه على ذلك لكان ندمه هذا توبة.
__________

(2) - سؤال: هل المواراة هي الدفن؟ ولماذا سمى الجثة سوأة؟
الجواب: المواراة هي الدفن، وسماها سوأة لأنها تسوء من نظر إليها، أي: أنه يستاء ويتقذر ويتأفف إذا تغيرت.
(3) - في ذهني كلام لبعض العلماء أنه لا يصح الوقف على قوله: {النَّادِمِينَ 31} وأنه لا يوقف إلا على قوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} فهل غرضهم تصحيح ندمه من أجل القتل؟ وما هي الدلائل على ضعف قولهم، وأن فيه مخالفة للواقع ولنظم القرآن؟

الجواب: المعهود أن الوقف على الفواصل القرآنية وقف تام، وفواصله من بديع القرآن التي تزيد من حسنه وجماله، والوصل يخفيها، ولا يخفى أن الفاصلة تدل على تمام الآية من حيث القراءة والترتيل؛ لذلك نقول بأولوية الوقف على {النَّادِمِينَ 31} من غير نظر إلى تمام المعنى أو عدم تمامه. وبعد، فنقول: يجوز أن يتعلق: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} بالنادمين، وبكتبنا، من حيث الصناعة النحوية إلا أنه يرجح تعلق ذلك بكتبنا أو يحتمه أمور:
-أن علة ندم القاتل في قوله: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ 31} معلومة من سياق القصة، فمن قرأها علم أن ندم القاتل دائر بين علتين هما: أنه ندم من أجل قتل أخيه، أو من أجل عدم اهتدائه إلى كيفية مواراة أخيه، وهذه الأخيرة هي الأولى بأن يكون ندمه من أجلها؛ لأن سياق الآية يدل عليها: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ ... } الآية، فلا يقول مثل هذا الكلام إلا من فاته أمر وندم على فواته، وظاهر العطف بالفاء يفيد أن ما قبلها علة لما بعدها.
-وإذا فرضنا تساوي جواز تعلق الجار والمجرور بما قبل الفاصلة أو بما بعدها، كان التعلق بما بعد الفاصلة أولى لوجود الفاصلة.
-إذا علقنا الجار والمجرور بـ «النادمين» اختل الربط بين قصة ابني آدم وبين آية {كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ... }، وإذا علقناه بـ «كتبنا» حصل الربط والتناسب.
-إذا علقناه بـ «كتبنا» حصلت فائدة جديدة للجار والمجرور، وإذا علقناه بـ «النادمين» لم تحصل فائدة جديدة للجار والمجرور؛ لأن العلة مفهومة من سياق القصة، وقد قالوا: إن التأسيس خير من التوكيد.

(1) - سؤال: لماذا اهتم هذا الاهتمام بجثة أخيه، ولم يهتم لقتله وسفك دمه؟
الجواب: اهتم بجثة أخيه لأن رؤيتها يقلقه ويضيق بها صدره، ولا سيما بعدما تغيرت وتجيفت، ومن حيث إن رؤيتها تبعث على مقته وذمه ولعنه.
الآية 32
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
📝 التفسير:
{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (2)، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى بني إسرائيل: أن من قتل نفساً بغير حق فهو كما لو قتل الناس جميعاً، وجزاؤه القصاص، وهذا جزاؤه عندهم، ولا دية فيه عندهم بخلافه في شريعتنا؛ فإنه يصح أن يعفو ولي المقتول عن القصاص ويأخذ الدية، وهذا تخفيف من الله في شريعتنا، أما في شريعة بني إسرائيل فليس للقاتل إلا القتل.
وهذا إذا لم يكن ذلك المقتول قد قتل ولا كان مفسداً في الأرض، وهو المراد بقوله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (3) أي: أنه يكون حكمه كمن قتل الناس جميعاً، إذا لم يكن المقتول كذلك.
{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} إذا أنقذ نفساً فأجره عند الله كمن أحيا الناس جميعاً.
{وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ} جاءت اليهودَ رسلُ الله وأنبياؤه وبينوا لهم حرمة النفس عند الله، وقبح إزهاقها بغير حق، وما أعد الله للمسرفين في الدماء من العذاب العظيم في الدنيا والآخرة.
{ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ 32} (1) فلم ينفع فيهم إرسال الله الرسل إليهم، بل أسرفوا في الدماء والقتل والفساد في الأرض.

__________

(2) - سؤال: ما المقصود بقوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ}؟
الجواب: المراد بذلك أن قصة قتل أحد ابني آدم لأخيه هي العلة والسبب الذي كتب الله من أجله على بني إسرائيل قتل القاتل والقصاص و ... إلخ.
(3) - سؤال: هل المراد كمن قتل الناس جميعاً في تحمل وزر قتلهم جميعاً؟ أو ماذا؟
الجواب: المراد تصوير عظم الذنب وكبره من حيث إن قتل الناس جميعاً مُسْتَنْكَر في العقول ومستقبح وعظيم، لا في تحمل ذنب قتل الناس جميعاً، فإن العدل يقتضي أن يكون عذاب من قتل اثنين مضاعفاً على من قتل واحداً.
(1) -سؤال: ما فائدة التعبير بـ «ثم» في قوله: {ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ}؟
الجواب: فائدة «ثم» أن اليهود أقدموا على فعل يستبعد أن يقدموا على فعله؛ لكثرة ما سمعوا من آيات الله في التحذير منه والزجر عنه، وما أعد الله لفاعله من العذاب العظيم، ثم إنهم بعد ذلك التحذير والزجر والوعيد أقدموا على فعله، بل جعلوا فعله لهم عادة لا يتركونها.
الآية 33
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 33} (2) فهذا جزاء المفسدين في الأرض، وهو من واجبات ولاة الأمور.
فإذا كان هذا المحارب لله ورسوله حين يدركه الإمام قد قتل- فجزاؤه القتل والصلب، وإذا لم يكن قد قتل وكان مفسداً في الأرض وقد حصل منه أخذ مال أو انتهاك عرض بجرح أو كسر أو نحو ذلك، فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى (1).
وإذا كان قد اعترض في طريق المسلمين ولم يكن قد حصل منه شيء- فجزاؤه أن ينفى من الأرض إما بسجنه أو مطاردته حتى لا يستقر في مكان.

__________

(2) - سؤال: ما هي المحاربة لله ورسوله في الآية؟ وهل هي غير الفساد في الأرض أم نفسه؟
الجواب: محاربة الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم هي محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومحاربة المسلمين هي محاربة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد فسرها علماء المسلمين بأنها إخافة المسلمين في طرقهم بنهب أموالهم وقتلهم، وتماماً كما يفعله المتقطعون اليوم في الطرق البعيدة عن المدن والقرى، وهذه المحاربة التي ذكرنا هي الفساد في الأرض نفسه.
(1) - سؤال: يقال: ظاهر الآية التخيير بين القتل أو الصلب، فما توجيهكم في الحكم بجمعهما؟ ومن أين استفيد توزيع الأحكام هذه على الأفعال التي شرحتموها؟
الجواب: جمعنا بين القتل والصلب لأن الصلب قد تضمن القتل، وإنما اختلفوا هل يصلب حياً ثم يبعج بالرماح بعد الصلب، أو يقتل ثم يصلب جثمانه. والمراد بـ «أو» التوزيع كما يقال: «الكلمة اسم أو فعل أو حرف»، واستفيد التوزيع الذي ذكرنا من أن الله تعالى نوَّع الجزاء إلى أنواع بعضها أعظم من بعض، وكان الواقع من المحاربين أنواعاً بعضها أخف من بعض، فاقتضى العدل أن نجعل الجزاء الخفيف للمحاربة الخفيفة، والجزاء المتوسط للمحاربة المتوسطة، والجزاء الكبير للمحاربة الكبيرة.
الآية 34
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 34} إذا تاب المفسد في الأرض- فلا شيء عليه ولو كان قد قتل، ولا يُلْزَم برد شيء من الأموال، ويجب على الإمام أن يؤمنه، وأن يمنع منه، ولكن إذا كانت توبته قبل أن يقدر الإمام على أخذه وضبطه ومعاقبته، وهذا ترغيب من الله لهم في التوبة؛ لأجل أن يقل الفساد في الأرض، وعوض المجني عليه يكون على الله تعالى، أو الدولة تتحمل ذلك إذا كانت هذه الدولة تراعي مصالح المسلمين (2).
__________

(2) - سؤال: ما الوجه في نظركم السديد هذا؟ وهل أشار إليه أحد من أئمتنا عليهم السلام؟

الجواب: المفروض أن يتحمل ذلك الدولة، وذلك من حيث أن الوالي هو الذي يصدر العفو عن المحارب ويمنع من التعرض له، ولا يخفى أن هذا العفو يضر بالمجني عليه الذي أخذ المتقطع ماله، وليس من الحق أن يكون العفو على حسابه، ويكون هو المتحمل له مع أن العفو صادر عن الإمام، ومن أجل مصالح المسلمين العامة، لا من أجل مصلحة المأخوذ عليه ماله؛ لذلك قلنا بأن الوالي يتحمل تعويض المجني عليه من أموال الدولة (بيت مالها). وكلام أئمتنا فيما كان كذلك مفيدٌ لما ذكرنا، ولعلهم مطبقون على سقوط الحقوق عنه مع توبته قبل أن يُقدَر عليه.
الآية 35
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} فلا تفعلوا فعل اليهود (1) من الفساد في الأرض، ونقض المواثيق والعهود.
{وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} (2)
انظروا ما هي الوسائل التي تقربكم إلى الله تعالى واعملوها وهي كثيرة كقراءة القرآن والصدقة والحج والاستغفار وغيرها كثير فكل واحد من هذه يسمى وسيلة، فليتقرب كل امرئ إلى الله تعالى بها، وينو بكل عمل يعمله القربة إلى الله تعالى.
{وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 35} لأجل أن تفوزوا وتظفروا بثوابه ومغفرته وجنته، ومن الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله تعالى والإصلاح بين الناس وتعليمهم أمور دينهم (3).
والقتال لا يكون إلا عندما تدعو إليه الضرورة، فلم يقاتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشركين إلا حين وقفوا في وجهه، وصدوا الناس عن الإسلام، وحالوا بينه وبين تبليغ الدعوة وحاصروه، وأقصوه وطردوه.
وإلا فمهمة الأنبياء هي تبليغ الناس حجج الله وبيناته، وتعليمهم أمور دينهم.
ولم يأمر الله المسلمين بقتال المشركين إلا حينما هموا بقتل المسلمين وإبادتهم: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36].
__________
(1) - سؤال: من أين نفهم أن التقوى عدم فعلهم كفعل اليهود؟
الجواب: قلنا ذلك لأن اليهود تركوا طاعة الله تعالى فيما أمر ونهى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر:19]، ولأن هذه الآية وقعت في سياق ذكر اليهود، ولأن مخالفة اليهود في صنيعهم هذا هو نفس التقوى، وذلك من حيث إن اليهود تخلوا عن تقوى الله.
(2) - سؤال: ما هي أعظم وسيلة يتقرب بها الإنسان المؤمن المستقيم إلى الله سبحانه في زمننا هذا في نظركم؟

الجواب: أعظم القرب المقربة إلى الله، وأكبر الوسائل الموصلة إلى رضوانه- هي إرشاد الناس إلى الدين الحق، وتعليمه الناس ونشره فيهم، ودعوة الناس إليه، وبيان حججه وبراهينه، مع النية الصالحة، بحيث يكون الباعث لهذا العمل والداعي إليه هو طاعة الله، والاستجابة لأمره، مع الصبر واحتساب الأجر والثواب عند الله، وقد قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110]، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ 33} [فصلت]. والإرشاد اليوم هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأن المرشدين يعلمون الناس الدين الحق، ويحثونهم على الالتزام به، ويعلمونهم سبل الضلال العلمية والعملية ويحذرونهم منها، وهذا العمل هو عمل الأنبياء والمرسلين، وعمل الأوصياء والأئمة الهادين، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 2} [الجمعة].
(3) - سؤال: ما هو الدليل على أن الدعوة إلى الله سبحانه من الجهاد في سبيل الله؟
الجواب: الدليل هو لغوي فالجهاد هو إبلاغ الجهد في طاعة الله أو غيرها {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت:8]، و «سبيل الله» هي الطريق المستقيم ودين الله القويم فكل عمل في إعلاء كلمة الله ونشر دينه وتعليمه الناس ودعوتهم إليه هو عمل في سبيل الله سواء أكان بالحكمة والموعظة الحسنة أم بالسيف عند الضرورة القصوى، وإلا فالذي أمر الله تعالى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو ما ذكر في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ 2} [الجمعة].
سؤال: هل المراد بالدعوة إلى الله الدعوة إلى شرع الله سبحانه وإقامته والاهتمام به تعلماً وتعليماً وتطبيقاً؟
الجواب: الدعوة إلى الله معناها الدعوة إلى تعلم شريعة الله ومعرفتها والعمل بها ونشرها في الناس وإظهارها وتدين الناس بها.
الآية 36
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 36} يتهاون الكافرون بوعيد الله وعذابه في يوم القيامة وآثروا متاع الدنيا القليل على السلامة منه يوم القيامة، {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ} [الزمر:47]، إلا أنها لا تقبل الفدية يومئذ لو حصلت، فكيف يؤثرون متاع الدنيا القليل على السلامة من ذلك العذاب العظيم، فلا تنفعهم شفاعة حينها ولو بملء الأرض ذهباً (1).
__________
(1) - سؤال: من فضلكم من أين نأخذ تخصيص: {مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} بملء الأرض ذهباً؟
الجواب: إنما قلنا ذلك نظراً إلى قوله تعالى: {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} [آل عمران:91].
سؤال: هل يؤتى بقوله: {وَمِثْلَهُ مَعَهُ} للمبالغة في عدم القبول أو لحقيقته؟
الجواب: أتي بذلك للمبالغة في تيئيس الكافرين من إمكان الخلاص من عذاب الله، ورجاء التخلص منه بأي وسيلة.
الآية 37
يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ
📝 التفسير:
{يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ 37} حكم الله على أهل النار بالخلود في العذاب الذي لا ينقطع.
الآية 38
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 38} (2)
__________

(2) - سؤال: ما إعراب «جزاءً» و «نكالاً»؟
الجواب: كل منهما مفعول من أجله منصوب.

سؤال: من أين أخذ بيان أن اليد إنما تقطع من الرسغ «الكف»؟
الجواب: أخذ بيان ذلك من السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي عمل بها المسلمون من بعده.
الآية 39
فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 39} فمن تاب وأصلح ما قد أفسد (1) من السارقين والسارقات- فتوبته مقبولة، وسيغفر الله له ما قدم، ويدخله في رحمته.
__________
(1) - سؤال: هل إصلاح ما أفسد يكون برد الأموال التي أخذها أو بماذا؟
الجواب: الإصلاح يكون برد الأموال التي سرقها إلى أهلها مع الاعتذار إليهم.
الآية 40
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 40} إن الله تعالى غني عن العالمين غير محتاج إليهم، لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه، وله ملك السماوات والأرض وبيده خزائنهما فهو سبحانه يعذب العصاة جزاءً على عصيانهم، ويغفر للمؤمنين التائبين جزاءً على إيمانهم وطاعتهم.