القرآن الكريم مع التفسير
سورة الحديد
آية
الآية 21
سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
📝 التفسير:
{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 21} (1) سارعوا وبادروا إلى فعل أسباب المغفرة من ربكم بتقوى الله سبحانه وتعالى وفعل ما يرضيه لتظفروا بما أعد من النعيم، وتفوزوا بثوابه الذي لا ينقطع ولا يزول، وأخلصوا إيمانكم بالله تعالى ورسوله بفعل ما أمركم واجتناب ما نهاكم عنه، والمخلص في إيمانه: هو المصدق بلسانه وقلبه مع العمل بجوارحه وأركانه، وما سوى ذلك فليس بإيمان على الحقيقة، ولا ينطبق عليه اسم الإيمان.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما الوجه في تقديم المغفرة على الجنة؟ وهل قوله: «كعرض السماء والأرض» يقتضي أنها كمجموع عرضيهما؟ وما الوجه في فصل جملة «أعدت للذين .. »، وكذا «ذلك فضل الله»؟ وهل دلالتها صريحة على أن الثواب تفضل من الله لا على وجه المجازاة والاستحقاق أم كيف؟
الجواب: قدمت المغفرة لأنها سبب في دخول الجنة، والسبب مقدم على المسبب. «كعرض السماء والأرض» يقتضي أن عرض الجنة كمجموع العرضين. وجملة «أعدت للذين .. » فصلت لأنها نعت ثان للجنة والنعت الأول: «عرضها كعرض .. ». وفصلت جملة «ذلك فضل الله» لأنها تعليلية لما قبلها. ودلالة هذه الآية «ذلك فضل الله .. » صريحة في أن الثواب تفضل من الله وليس مستحقاً على الأعمال الصالحة، إلا أن الله تعالى لعظيم فضله جعل ذلك جزاءً على الأعمال وأجراً وثواباً عليه تفضلاً منه، ويلوح بخاطري أن الله تعالى فعل ذلك لطفاً بالمؤمنين ورحمة بهم ليزدادوا من أعمال الخير فإن المؤمن إذا علم أن الله سيثيبه على كل عمل صالح ولو قل وعلى كل مثقال ذرة من الخير استزاد وأكثر من صغير البر وكبيره، وحمله ذلك على عدم التهاون بعمل مثقال الذرة من الخير.
{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 21} (1) سارعوا وبادروا إلى فعل أسباب المغفرة من ربكم بتقوى الله سبحانه وتعالى وفعل ما يرضيه لتظفروا بما أعد من النعيم، وتفوزوا بثوابه الذي لا ينقطع ولا يزول، وأخلصوا إيمانكم بالله تعالى ورسوله بفعل ما أمركم واجتناب ما نهاكم عنه، والمخلص في إيمانه: هو المصدق بلسانه وقلبه مع العمل بجوارحه وأركانه، وما سوى ذلك فليس بإيمان على الحقيقة، ولا ينطبق عليه اسم الإيمان.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما الوجه في تقديم المغفرة على الجنة؟ وهل قوله: «كعرض السماء والأرض» يقتضي أنها كمجموع عرضيهما؟ وما الوجه في فصل جملة «أعدت للذين .. »، وكذا «ذلك فضل الله»؟ وهل دلالتها صريحة على أن الثواب تفضل من الله لا على وجه المجازاة والاستحقاق أم كيف؟
الجواب: قدمت المغفرة لأنها سبب في دخول الجنة، والسبب مقدم على المسبب. «كعرض السماء والأرض» يقتضي أن عرض الجنة كمجموع العرضين. وجملة «أعدت للذين .. » فصلت لأنها نعت ثان للجنة والنعت الأول: «عرضها كعرض .. ». وفصلت جملة «ذلك فضل الله» لأنها تعليلية لما قبلها. ودلالة هذه الآية «ذلك فضل الله .. » صريحة في أن الثواب تفضل من الله وليس مستحقاً على الأعمال الصالحة، إلا أن الله تعالى لعظيم فضله جعل ذلك جزاءً على الأعمال وأجراً وثواباً عليه تفضلاً منه، ويلوح بخاطري أن الله تعالى فعل ذلك لطفاً بالمؤمنين ورحمة بهم ليزدادوا من أعمال الخير فإن المؤمن إذا علم أن الله سيثيبه على كل عمل صالح ولو قل وعلى كل مثقال ذرة من الخير استزاد وأكثر من صغير البر وكبيره، وحمله ذلك على عدم التهاون بعمل مثقال الذرة من الخير.
الآية 22
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
📝 التفسير:
{مَا أَصَابَ (2) مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ 22 لِكَيْ لَا تَأْسَوْا (1) عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} لا تكبر في أنفسكم المصائب التي تنزل بكم أيها المؤمنون من نقص الأموال والأولاد والأمراض وغيرها فما من مصيبة تنزل على أحد إلا والله تعالى يعلمها، وقد كتبها وقدرها في علمه من قبل خلقكم وخلق السماوات والأرض، فإذا علم المؤمن ذلك وعلم أن ما فاته أو نقص عليه فإنه مكتوب عند الله تعالى مقدر منه تبارك وتعالى فإن ذلك سَيُهَوِّن عليه مصيبته وسيخفف ذلك عنه وقع المصيبة ويحمله على الرضا والصبر (3).
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (4)
__________
(2) - سؤال: ما الوجه في حذف المفعول هنا؟ ودخول «مِنْ» على الفاعل؟ وهل يعود الضمير في «نبرأها» على الأنفس أم على الأرض؟ أم عليهما جميعاً؟
الجواب: حذف المفعول للعلم به، ودخلت «من» على الفاعل لتأكيد العموم فيه، والضمير يحتمل أن يعود على الأرض وعلى الأنفس وعليهما جميعاً.
(1) - سؤال: ما هو الأسى والحزن الذي ذمه الله سبحانه؟
الجواب: الأسى والحزن الذي ذمه الله تعالى هو الذي يخرج صاحبه عن الرضا بما قدره الله عليه وقضاه، وليس المراد الألم الذي يحصل بالمصيبة فلا بد منه، وإنما المراد ما يصحبه من السخط وعدم الرضا.
(3) - سؤال: قد يقال: ظهر لنا التعليل في عدم الأسى، ولم يظهر لنا في عدم الفرح، فكيف ذلك؟
الجواب: المراد بالفرح فرح البطر.
(4) - سؤال: ما السر في الجمع بعد الإفراد في «مختال فخور»؟
الجواب: السر في الجمع هو نظراً لمراعاة معنى «كل» فمعناها الجمع.
{مَا أَصَابَ (2) مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ 22 لِكَيْ لَا تَأْسَوْا (1) عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} لا تكبر في أنفسكم المصائب التي تنزل بكم أيها المؤمنون من نقص الأموال والأولاد والأمراض وغيرها فما من مصيبة تنزل على أحد إلا والله تعالى يعلمها، وقد كتبها وقدرها في علمه من قبل خلقكم وخلق السماوات والأرض، فإذا علم المؤمن ذلك وعلم أن ما فاته أو نقص عليه فإنه مكتوب عند الله تعالى مقدر منه تبارك وتعالى فإن ذلك سَيُهَوِّن عليه مصيبته وسيخفف ذلك عنه وقع المصيبة ويحمله على الرضا والصبر (3).
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (4)
__________
(2) - سؤال: ما الوجه في حذف المفعول هنا؟ ودخول «مِنْ» على الفاعل؟ وهل يعود الضمير في «نبرأها» على الأنفس أم على الأرض؟ أم عليهما جميعاً؟
الجواب: حذف المفعول للعلم به، ودخلت «من» على الفاعل لتأكيد العموم فيه، والضمير يحتمل أن يعود على الأرض وعلى الأنفس وعليهما جميعاً.
(1) - سؤال: ما هو الأسى والحزن الذي ذمه الله سبحانه؟
الجواب: الأسى والحزن الذي ذمه الله تعالى هو الذي يخرج صاحبه عن الرضا بما قدره الله عليه وقضاه، وليس المراد الألم الذي يحصل بالمصيبة فلا بد منه، وإنما المراد ما يصحبه من السخط وعدم الرضا.
(3) - سؤال: قد يقال: ظهر لنا التعليل في عدم الأسى، ولم يظهر لنا في عدم الفرح، فكيف ذلك؟
الجواب: المراد بالفرح فرح البطر.
(4) - سؤال: ما السر في الجمع بعد الإفراد في «مختال فخور»؟
الجواب: السر في الجمع هو نظراً لمراعاة معنى «كل» فمعناها الجمع.
الآية 23
لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
📝 التفسير:
{مَا أَصَابَ (2) مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ 22 لِكَيْ لَا تَأْسَوْا (1) عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} لا تكبر في أنفسكم المصائب التي تنزل بكم أيها المؤمنون من نقص الأموال والأولاد والأمراض وغيرها فما من مصيبة تنزل على أحد إلا والله تعالى يعلمها، وقد كتبها وقدرها في علمه من قبل خلقكم وخلق السماوات والأرض، فإذا علم المؤمن ذلك وعلم أن ما فاته أو نقص عليه فإنه مكتوب عند الله تعالى مقدر منه تبارك وتعالى فإن ذلك سَيُهَوِّن عليه مصيبته وسيخفف ذلك عنه وقع المصيبة ويحمله على الرضا والصبر (3).
__________
(2) - سؤال: ما الوجه في حذف المفعول هنا؟ ودخول «مِنْ» على الفاعل؟ وهل يعود الضمير في «نبرأها» على الأنفس أم على الأرض؟ أم عليهما جميعاً؟
الجواب: حذف المفعول للعلم به، ودخلت «من» على الفاعل لتأكيد العموم فيه، والضمير يحتمل أن يعود على الأرض وعلى الأنفس وعليهما جميعاً.
(1) - سؤال: ما هو الأسى والحزن الذي ذمه الله سبحانه؟
الجواب: الأسى والحزن الذي ذمه الله تعالى هو الذي يخرج صاحبه عن الرضا بما قدره الله عليه وقضاه، وليس المراد الألم الذي يحصل بالمصيبة فلا بد منه، وإنما المراد ما يصحبه من السخط وعدم الرضا.
(3) - سؤال: قد يقال: ظهر لنا التعليل في عدم الأسى، ولم يظهر لنا في عدم الفرح، فكيف ذلك؟
الجواب: المراد بالفرح فرح البطر.
{مَا أَصَابَ (2) مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ 22 لِكَيْ لَا تَأْسَوْا (1) عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} لا تكبر في أنفسكم المصائب التي تنزل بكم أيها المؤمنون من نقص الأموال والأولاد والأمراض وغيرها فما من مصيبة تنزل على أحد إلا والله تعالى يعلمها، وقد كتبها وقدرها في علمه من قبل خلقكم وخلق السماوات والأرض، فإذا علم المؤمن ذلك وعلم أن ما فاته أو نقص عليه فإنه مكتوب عند الله تعالى مقدر منه تبارك وتعالى فإن ذلك سَيُهَوِّن عليه مصيبته وسيخفف ذلك عنه وقع المصيبة ويحمله على الرضا والصبر (3).
__________
(2) - سؤال: ما الوجه في حذف المفعول هنا؟ ودخول «مِنْ» على الفاعل؟ وهل يعود الضمير في «نبرأها» على الأنفس أم على الأرض؟ أم عليهما جميعاً؟
الجواب: حذف المفعول للعلم به، ودخلت «من» على الفاعل لتأكيد العموم فيه، والضمير يحتمل أن يعود على الأرض وعلى الأنفس وعليهما جميعاً.
(1) - سؤال: ما هو الأسى والحزن الذي ذمه الله سبحانه؟
الجواب: الأسى والحزن الذي ذمه الله تعالى هو الذي يخرج صاحبه عن الرضا بما قدره الله عليه وقضاه، وليس المراد الألم الذي يحصل بالمصيبة فلا بد منه، وإنما المراد ما يصحبه من السخط وعدم الرضا.
(3) - سؤال: قد يقال: ظهر لنا التعليل في عدم الأسى، ولم يظهر لنا في عدم الفرح، فكيف ذلك؟
الجواب: المراد بالفرح فرح البطر.
الآية 24
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
📝 التفسير:
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (3) 23 الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ 24} ثم ذم الله سبحانه وتعالى الذين إذا أنعم عليهم بنعمه أو أسبغ عليهم رزقه أصابهم العجب الشديد وافتخروا بأنفسهم وتكبروا على الناس، وبطروا بنعم الله تعالى عليهم غافلين عن شكر الله تعالى وعن أداء ما افترض عليهم، فهؤلاء لا يحبهم الله وليس لهم نصيب من رحمة الله وثوابه، فينبغي إذا أنعم الله تعالى على عبده بنعمة أن لا يفرح فرح بطر وعجب، وأن يشكر الله تعالى على ما أعطاه، وأن يضع ما أعطاه في مواضعه وحيث أمره ربه، وأن يتواضع ويخشع ويستكين.
وأما فرح السرور مع أداء شكر نعم الله تعالى عليه فذلك محمود (1) عند الله تعالى، ثم وصف الله تعالى المختالين بأنهم الذين يبخلون (2) بإخراج ما يجب عليهم في أموالهم ويمنعون غيرهم عن إنفاقه فيما يجب، وأخبر أن من كان كذلك فإنه تعالى غني عنه غير محتاج إليه ولا إلى ماله، فالملك ملكه وخزائن السماوات والأرض بيده، وإذا أنفقوا أموالهم فنفعها عائد إليهم.
__________
(3) - سؤال: ما السر في الجمع بعد الإفراد في «مختال فخور»؟
الجواب: السر في الجمع هو نظراً لمراعاة معنى «كل» فمعناها الجمع.
(1) - سؤال: فضلاً لو أوردتم لنا شيئاً من الأدلة على هذا لكان مناسباً؟
الجواب: قال تعالى: {الم 1 غُلِبَتِ الرُّومُ 2 ... } إلى قوله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ 4 بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم]، وقال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 58} [يونس]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} [الرعد:36].
وبعد، فالفرح والسرور طبيعة بشرية تحصل إذا حصل السبب، وهكذا الأسى والحسرة يحصل إذا حصل سببه، ولا يمكن المرء أن يتخلص من هذه الطبيعة البشرية، كذلك لا يحسن المدح أو الذم عليها؛ لأنه ليس في وسع المكلف أن يتخلص من طبيعته، والمدح والذم لا يحسن إلا على الأفعال الاختيارية المصاحبة للفرح والحزن، فالمؤمن إن حدثت له نعمة فرح وشكر الله وحمده، وإن أصابته ضراء حزن وصبر ورضي واسترجع، {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ 157} [البقرة]، والغافل إن حدث له نعمة فرح واستر وامتلأت نفسه عجباً وفخراً وتطاولاً غير معترف لله بنعمة ولا مقر له بمنة، وإن أصابته مصيبة حزن وسخط وكفر، ليس له أمل في الله ولا فيما عند الله.
(2) - سؤال: ما المناسبة في اجتماع الخيلاء والبخل مع أن ظاهر الخيلاء يناسب العطاء مباهاة أو تطاولاً؟
الجواب: الخيلاء صفة للمشي، وليس من صفات البذل والعطاء، والخيلاء هي إظهار التكبر في المشي؛ لذلك فتكون المناسبة ظاهرة بين المختال والفخور فكلاهما من فروع الكبر.
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (3) 23 الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ 24} ثم ذم الله سبحانه وتعالى الذين إذا أنعم عليهم بنعمه أو أسبغ عليهم رزقه أصابهم العجب الشديد وافتخروا بأنفسهم وتكبروا على الناس، وبطروا بنعم الله تعالى عليهم غافلين عن شكر الله تعالى وعن أداء ما افترض عليهم، فهؤلاء لا يحبهم الله وليس لهم نصيب من رحمة الله وثوابه، فينبغي إذا أنعم الله تعالى على عبده بنعمة أن لا يفرح فرح بطر وعجب، وأن يشكر الله تعالى على ما أعطاه، وأن يضع ما أعطاه في مواضعه وحيث أمره ربه، وأن يتواضع ويخشع ويستكين.
وأما فرح السرور مع أداء شكر نعم الله تعالى عليه فذلك محمود (1) عند الله تعالى، ثم وصف الله تعالى المختالين بأنهم الذين يبخلون (2) بإخراج ما يجب عليهم في أموالهم ويمنعون غيرهم عن إنفاقه فيما يجب، وأخبر أن من كان كذلك فإنه تعالى غني عنه غير محتاج إليه ولا إلى ماله، فالملك ملكه وخزائن السماوات والأرض بيده، وإذا أنفقوا أموالهم فنفعها عائد إليهم.
__________
(3) - سؤال: ما السر في الجمع بعد الإفراد في «مختال فخور»؟
الجواب: السر في الجمع هو نظراً لمراعاة معنى «كل» فمعناها الجمع.
(1) - سؤال: فضلاً لو أوردتم لنا شيئاً من الأدلة على هذا لكان مناسباً؟
الجواب: قال تعالى: {الم 1 غُلِبَتِ الرُّومُ 2 ... } إلى قوله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ 4 بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم]، وقال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ 58} [يونس]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} [الرعد:36].
وبعد، فالفرح والسرور طبيعة بشرية تحصل إذا حصل السبب، وهكذا الأسى والحسرة يحصل إذا حصل سببه، ولا يمكن المرء أن يتخلص من هذه الطبيعة البشرية، كذلك لا يحسن المدح أو الذم عليها؛ لأنه ليس في وسع المكلف أن يتخلص من طبيعته، والمدح والذم لا يحسن إلا على الأفعال الاختيارية المصاحبة للفرح والحزن، فالمؤمن إن حدثت له نعمة فرح وشكر الله وحمده، وإن أصابته ضراء حزن وصبر ورضي واسترجع، {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ 157} [البقرة]، والغافل إن حدث له نعمة فرح واستر وامتلأت نفسه عجباً وفخراً وتطاولاً غير معترف لله بنعمة ولا مقر له بمنة، وإن أصابته مصيبة حزن وسخط وكفر، ليس له أمل في الله ولا فيما عند الله.
(2) - سؤال: ما المناسبة في اجتماع الخيلاء والبخل مع أن ظاهر الخيلاء يناسب العطاء مباهاة أو تطاولاً؟
الجواب: الخيلاء صفة للمشي، وليس من صفات البذل والعطاء، والخيلاء هي إظهار التكبر في المشي؛ لذلك فتكون المناسبة ظاهرة بين المختال والفخور فكلاهما من فروع الكبر.
الآية 25
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
📝 التفسير:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} قد أبلغ الله سبحانه وتعالى حججه الواضحة إلى عباده بما أرسل إليهم من الرسل وأنزل إليهم من الكتب، وبما شرع لهم من الشرائع والأحكام التي بها يقام الحق والعدل فيما بينهم (3).
{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ (1) بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (2) وأنعم تعالى على عباده بأن خلق لهم الحديد الذي يصنعون منه السيوف الفتاكة والرماح القتالة والدروع وآلات الحراثة والصناعة و .. إلخ، ومنافع الحديد كثيرة ولا سيما في عصرنا هذا الذي تطورت فيه الصناعة، ومعنى «فيه بأس»: قوة شديدة.
{وَلِيَعْلَمَ (3) اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ 25} كلف الله سبحانه وتعالى عباده بالجهاد والقتال في سبيله، وأنزل لهم الحديد ليقاتلوا به بين أيدي أنبيائهم وأئمتهم، وبذلك التكليف يظهر المخلص من المنافق.
__________
(4) - سؤال: يقال: إذا كان معنى الميزان العدل صار المعنى: أنزلنا العدل ليقوم الناس بالعدل، فهل يستقيم ذلك، أم له توجيه آخر؟
الجواب: نعم، المعنى مستقيم فقد أنزل الله العدل ليقوم الناس بالعدل في الأرض، وأنزل الحق ليقوم الناس بالحق في الأرض، وأنزل الكتاب ليقوم الناس بأحكام الكتاب.
(1) - سؤال: ما محل الجملة الاسمية هذه؟
الجواب: في محل نصب حال من «الحديد».
(2) - سؤال: هل ترون بفهمكم الثاقب قوة استدلال الأصحاب بـ «أنزلنا الحديد» على أن إنزال القرآن بمعنى خلقه وإحداثه؟ أم كيف؟
الجواب: ليس ما ذكرتم من الاستدلال بقوي، ولكن يمكن الاستدلال على حدوث القرآن بكونه منزلاً والنزول من صفات المحدثات، وذلك من حيث أن النزول لا يصح إلا في الأجسام والأعراض.
(3) - سؤال: علام عطف قوله: «ليعلم الله» مفصلاً؟
الجواب: هو معطوف على المعنى كأنه قيل: وأنزلنا الحديد لينفع الناس بباسه ولينتفعوا بمصنوعاته وليعلم الله.
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} قد أبلغ الله سبحانه وتعالى حججه الواضحة إلى عباده بما أرسل إليهم من الرسل وأنزل إليهم من الكتب، وبما شرع لهم من الشرائع والأحكام التي بها يقام الحق والعدل فيما بينهم (3).
{وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ (1) بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (2) وأنعم تعالى على عباده بأن خلق لهم الحديد الذي يصنعون منه السيوف الفتاكة والرماح القتالة والدروع وآلات الحراثة والصناعة و .. إلخ، ومنافع الحديد كثيرة ولا سيما في عصرنا هذا الذي تطورت فيه الصناعة، ومعنى «فيه بأس»: قوة شديدة.
{وَلِيَعْلَمَ (3) اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ 25} كلف الله سبحانه وتعالى عباده بالجهاد والقتال في سبيله، وأنزل لهم الحديد ليقاتلوا به بين أيدي أنبيائهم وأئمتهم، وبذلك التكليف يظهر المخلص من المنافق.
__________
(4) - سؤال: يقال: إذا كان معنى الميزان العدل صار المعنى: أنزلنا العدل ليقوم الناس بالعدل، فهل يستقيم ذلك، أم له توجيه آخر؟
الجواب: نعم، المعنى مستقيم فقد أنزل الله العدل ليقوم الناس بالعدل في الأرض، وأنزل الحق ليقوم الناس بالحق في الأرض، وأنزل الكتاب ليقوم الناس بأحكام الكتاب.
(1) - سؤال: ما محل الجملة الاسمية هذه؟
الجواب: في محل نصب حال من «الحديد».
(2) - سؤال: هل ترون بفهمكم الثاقب قوة استدلال الأصحاب بـ «أنزلنا الحديد» على أن إنزال القرآن بمعنى خلقه وإحداثه؟ أم كيف؟
الجواب: ليس ما ذكرتم من الاستدلال بقوي، ولكن يمكن الاستدلال على حدوث القرآن بكونه منزلاً والنزول من صفات المحدثات، وذلك من حيث أن النزول لا يصح إلا في الأجسام والأعراض.
(3) - سؤال: علام عطف قوله: «ليعلم الله» مفصلاً؟
الجواب: هو معطوف على المعنى كأنه قيل: وأنزلنا الحديد لينفع الناس بباسه ولينتفعوا بمصنوعاته وليعلم الله.
الآية 26
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه أرسل نوحاً وإبراهيم، واصطفاهما وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، فلا يبعث الله نبياً إلا من ذريتهما.
{فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ (4) وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ 26} فقليل من ذريتهما ثبتوا على الهدى، وأما الكثرة فهم فاسقون خارجون عن حدود الله تعالى ومواثيقه.
____________
(4) - سؤال: فضلاً ما إعراب «مهتد»؟
الجواب: «مهتد» مبتدأ والجار والمجرور خبره.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه أرسل نوحاً وإبراهيم، واصطفاهما وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، فلا يبعث الله نبياً إلا من ذريتهما.
{فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ (4) وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ 26} فقليل من ذريتهما ثبتوا على الهدى، وأما الكثرة فهم فاسقون خارجون عن حدود الله تعالى ومواثيقه.
____________
(4) - سؤال: فضلاً ما إعراب «مهتد»؟
الجواب: «مهتد» مبتدأ والجار والمجرور خبره.
الآية 27
ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا (5) فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ 27} ثم إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً كثيرة بعدهما وكان آخرهم عيسى عليه السلام، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى عليه الإنجيل وجعل أتباعه أهل رحمة ولين ولطافة، ولا زال طبعهم ذلك إلى يومنا هذا.
ثم إنهم تعبدوا لله تعالى وأوجبوا على أنفسهم أشياء لم يكتبها الله سبحانه وتعالى أو يوجبها عليهم، وابتدعوا ذلك من عند أنفسهم ابتداعاً، ولكن الله تعالى أوجبها عليهم وكتبها فيما بعد (1) عقوبة لهم، فكان أحدهم يوجب على نفسه أن لا يتزوج وأن لا يظله سقف أو يفترش تحته فراشاً وغير ذلك من الأشياء التي يتنسكون بها ابتداعاً من عند أنفسهم، ثم بعد أن أوجبها الله سبحانه وتعالى عليهم أخل بها الكثير منهم، وقصروا في أدائها وتركوها، ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن الذين ثبتوا على إيمانهم من أولئك واستقاموا على دينهم وما أمرهم ربهم، فإنه سيوفيهم أجورهم يوم القيامة، وهم قلة، وأكثرهم خرجوا عن الدين وفسقوا عن أمر الله.
__________
(5) - سؤال: مم اشتقت لفظة «قفينا»؟ وما أصل معناها؟ وما إعراب «ابتغاء» و «حق رعايتها»؟
الجواب: «قفينا» مأخوذة من القفا الذي هو الخلف، وأصل معنى «قفينا» جعلنا عيسى في قفا الرسل السابقين أي: خلفهم. «ابتغاء» مفعول من أجله. «حق رعايتها» مفعول مطلق.
(1) - سؤال: فضلاً من أين فهمنا الفرضية فيما بعد؟ وكذا العقوبة مع قوله: «ابتغاء رضوان الله»؟ وهل يصح أن تحمل على أن الله فرض عليهم شيئاً من تلك الرهبنة ابتداء ثم إنهم غالوا فيها وزادوا عليها حتى أطلق الله عليهم اسم الابتداع فيكون معنى «ابتدعوها» نفس: «فما رعوها حق رعايتها»؟ وليستقيم الاستثناء متصلاً، ووصل «رهبانية» بما قبلها من دون وقف على «رحمة» في المصاحف المتبعة قراءتها؟ أم لا؟ ولماذا؟
الجواب: فهمنا الفرضية فيما بعد من قوله: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} وقد يكون ذلك أن الله تعالى لم يوجب عليهم الرهبانية التي ابتدعوها في الكتاب إلا أنهم أوجبوها على أنفسهم بعد نزول الكتاب بالنذر فأوجبها الله عليهم حين أوجبوها على أنفسهم.
وأصل الرهبانية هي الخوف من الله بفعل طاعته واجتناب معصيته، وهذا مكتوب عليهم، والابتداع الذي كتب عليهم هو ما زادوه من عند أنفسهم كتبه الله عليهم حين أوجبوه على أنفسهم بالنذر، وعلى هذا فالمعنى واحد فيما ذكرتموه وفيما ذكرناه، ومعنى: ابتدعوها أي الزيادة، فما رعوا الزيادة التي أوجبوها على أنفسهم.
{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا (5) فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ 27} ثم إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً كثيرة بعدهما وكان آخرهم عيسى عليه السلام، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى عليه الإنجيل وجعل أتباعه أهل رحمة ولين ولطافة، ولا زال طبعهم ذلك إلى يومنا هذا.
ثم إنهم تعبدوا لله تعالى وأوجبوا على أنفسهم أشياء لم يكتبها الله سبحانه وتعالى أو يوجبها عليهم، وابتدعوا ذلك من عند أنفسهم ابتداعاً، ولكن الله تعالى أوجبها عليهم وكتبها فيما بعد (1) عقوبة لهم، فكان أحدهم يوجب على نفسه أن لا يتزوج وأن لا يظله سقف أو يفترش تحته فراشاً وغير ذلك من الأشياء التي يتنسكون بها ابتداعاً من عند أنفسهم، ثم بعد أن أوجبها الله سبحانه وتعالى عليهم أخل بها الكثير منهم، وقصروا في أدائها وتركوها، ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن الذين ثبتوا على إيمانهم من أولئك واستقاموا على دينهم وما أمرهم ربهم، فإنه سيوفيهم أجورهم يوم القيامة، وهم قلة، وأكثرهم خرجوا عن الدين وفسقوا عن أمر الله.
__________
(5) - سؤال: مم اشتقت لفظة «قفينا»؟ وما أصل معناها؟ وما إعراب «ابتغاء» و «حق رعايتها»؟
الجواب: «قفينا» مأخوذة من القفا الذي هو الخلف، وأصل معنى «قفينا» جعلنا عيسى في قفا الرسل السابقين أي: خلفهم. «ابتغاء» مفعول من أجله. «حق رعايتها» مفعول مطلق.
(1) - سؤال: فضلاً من أين فهمنا الفرضية فيما بعد؟ وكذا العقوبة مع قوله: «ابتغاء رضوان الله»؟ وهل يصح أن تحمل على أن الله فرض عليهم شيئاً من تلك الرهبنة ابتداء ثم إنهم غالوا فيها وزادوا عليها حتى أطلق الله عليهم اسم الابتداع فيكون معنى «ابتدعوها» نفس: «فما رعوها حق رعايتها»؟ وليستقيم الاستثناء متصلاً، ووصل «رهبانية» بما قبلها من دون وقف على «رحمة» في المصاحف المتبعة قراءتها؟ أم لا؟ ولماذا؟
الجواب: فهمنا الفرضية فيما بعد من قوله: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} وقد يكون ذلك أن الله تعالى لم يوجب عليهم الرهبانية التي ابتدعوها في الكتاب إلا أنهم أوجبوها على أنفسهم بعد نزول الكتاب بالنذر فأوجبها الله عليهم حين أوجبوها على أنفسهم.
وأصل الرهبانية هي الخوف من الله بفعل طاعته واجتناب معصيته، وهذا مكتوب عليهم، والابتداع الذي كتب عليهم هو ما زادوه من عند أنفسهم كتبه الله عليهم حين أوجبوه على أنفسهم بالنذر، وعلى هذا فالمعنى واحد فيما ذكرتموه وفيما ذكرناه، ومعنى: ابتدعوها أي الزيادة، فما رعوا الزيادة التي أوجبوها على أنفسهم.
الآية 28
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 28} ثم وجه الله سبحانه وتعالى خطابه للمؤمنين من أتباع (1) النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمرهم أن يتقوا الله تعالى حق تقاته، وأن يؤمنوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ووعدهم بأنه سيضاعف لهم أجرهم على ذلك مرتين، ويجعل لهم تنويراً في قلوبهم، وعلماً يفرقون به بين الحق والباطل، ويكفر عنهم سيئاتهم ويغفر لهم ذنوبهم.
__________
(1) - سؤال: هل يصح أن تحمل على المؤمنين من أهل الكتاب ليوافق: «كفلين من رحمته» قوله في آية القصص: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص:54]، أم كيف؟
الجواب: الظاهر أن المقصود المؤمنون من أهل الملة الإسلامية، يزيد ذلك ظهوراً قوله بعدها: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ ... }، ولا يصح أن يكون المراد به المؤمنين من أهل الكتاب لوقوعها في سياقهم، وقد فسرت بالوجهين.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 28} ثم وجه الله سبحانه وتعالى خطابه للمؤمنين من أتباع (1) النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمرهم أن يتقوا الله تعالى حق تقاته، وأن يؤمنوا بما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ووعدهم بأنه سيضاعف لهم أجرهم على ذلك مرتين، ويجعل لهم تنويراً في قلوبهم، وعلماً يفرقون به بين الحق والباطل، ويكفر عنهم سيئاتهم ويغفر لهم ذنوبهم.
__________
(1) - سؤال: هل يصح أن تحمل على المؤمنين من أهل الكتاب ليوافق: «كفلين من رحمته» قوله في آية القصص: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص:54]، أم كيف؟
الجواب: الظاهر أن المقصود المؤمنون من أهل الملة الإسلامية، يزيد ذلك ظهوراً قوله بعدها: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ ... }، ولا يصح أن يكون المراد به المؤمنين من أهل الكتاب لوقوعها في سياقهم، وقد فسرت بالوجهين.
الآية 29
لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
📝 التفسير:
{لِئَلَّا (2) يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 29} كان أهل الكتاب يزعمون أنه لا يصح أن يرسل الله سبحانه وتعالى نبياً إلا منهم، وأنه لا يصح أن يجعلها في غير بني إسرائيل، وأن مغفرة الله وفضله حكر عليهم، فرد الله سبحانه وتعالى عليهم أن الأمر ليس كما يزعمون فقد أخرج النبوة منهم وجعلها في العرب، وتفضل بها عليهم، وقد اصطفاكم أيها المؤمنون وفضلكم عليهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأجزل لكم المثوبة والعطاء، واختصكم بفضله ورحمته، ليعلم أهل الكتاب أن الملك بيد الله وحده، وأن له أن يختار لنبوته ويصطفي لها من أراد من خلقه، وليعلم أهل الكتاب أنه لا يصح لهم أن يعترضوا على الله سبحانه وتعالى أو يقترحوا عليه أو يتحكموا في ملكه.
__________
(2) - سؤال: فضلاً أين المعلول هنا؟ وما إعراب «لئلا»؟ وكذا «ألا يقدرون» مفصلاً؟ وعلام عطف «أن الفضل بيد الله»؟ وما محل جملة «يؤتيه من يشاء»؟
الجواب: المعلول هو قوله: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} وما عطف عليه. «لئلا» اللام للتعليل، «أن» مصدرية، و «لا» صلة للتأكيد. «ألا يقدرون»: «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن مقدر، «لا يقدرون» في محل رفع خبر «أن» المخففة. «وأن الفضل بيد الله» معطوف على «ألا يقدرون». «يؤتيه من يشاء» في محل رفع خبر ثان لـ «أن».
{لِئَلَّا (2) يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 29} كان أهل الكتاب يزعمون أنه لا يصح أن يرسل الله سبحانه وتعالى نبياً إلا منهم، وأنه لا يصح أن يجعلها في غير بني إسرائيل، وأن مغفرة الله وفضله حكر عليهم، فرد الله سبحانه وتعالى عليهم أن الأمر ليس كما يزعمون فقد أخرج النبوة منهم وجعلها في العرب، وتفضل بها عليهم، وقد اصطفاكم أيها المؤمنون وفضلكم عليهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأجزل لكم المثوبة والعطاء، واختصكم بفضله ورحمته، ليعلم أهل الكتاب أن الملك بيد الله وحده، وأن له أن يختار لنبوته ويصطفي لها من أراد من خلقه، وليعلم أهل الكتاب أنه لا يصح لهم أن يعترضوا على الله سبحانه وتعالى أو يقترحوا عليه أو يتحكموا في ملكه.
__________
(2) - سؤال: فضلاً أين المعلول هنا؟ وما إعراب «لئلا»؟ وكذا «ألا يقدرون» مفصلاً؟ وعلام عطف «أن الفضل بيد الله»؟ وما محل جملة «يؤتيه من يشاء»؟
الجواب: المعلول هو قوله: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} وما عطف عليه. «لئلا» اللام للتعليل، «أن» مصدرية، و «لا» صلة للتأكيد. «ألا يقدرون»: «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن مقدر، «لا يقدرون» في محل رفع خبر «أن» المخففة. «وأن الفضل بيد الله» معطوف على «ألا يقدرون». «يؤتيه من يشاء» في محل رفع خبر ثان لـ «أن».