القرآن الكريم مع التفسير

سورة التوبة

آية
إجمالي الآيات: 129 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 21
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ
📝 التفسير:
{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ} يبشر الله أولئك الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، ويعدهم برحمة عظيمة، ورضوان كبير منه.
{وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ 21} نعيم دائم لا ينقطع ولا ينتهي.
الآية 22
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
📝 التفسير:
{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ 22} لأولئك المؤمنين بالله سبحانه وتعالى المجاهدين في سبيله.
الآية 23
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 23} (1) فاقطعوا أيها المؤمنون ما بينكم وبين آبائكم وإخوانكم من صلات وعادوهم في الله سبحانه وتعالى، ولا تواصلوهم وتخبروهم بأسرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأسرار الإسلام والمسلمين، واتركوا مناصحتهم ومخالطتهم، ما داموا على الكفر والشرك، ومن تولاهم أو نصح لهم فهو من الخاسرين.
__________
(1) -سؤال: من فضلكم قد يلتبس معنى الولاية المأمور بتركها من المؤمنين لقراباتهم الكافرين وكذا المنافقين، فلو وضحتموها؟ وأيضاً توضحوا ما الذي يجوز في معاملة هؤلاء مما ظاهره الموالاة وليس بموالاة؟
الجواب: المحبة القلبية والرحمة والشفقة للمشرك ليست من الولاية المنهي عنها؛ لأن المحبة القلبية للولد ونحوه طبيعة فطرية لا يمكن المرء أن يتخلص منها، والأمر والنهي الشرعي إنما يتعلق بالأفعال والأقوال الاختيارية، فأي قول أو فعل يكون فيه إدخال مضرة على المؤمنين فهو منهي عنه، وهو الولاية المنهي عنها، فإن لم تكن مضرة فلا مانع؛ بدليل ثناء الله على إطعام أسير المشركين، وقوله: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ 8} [الممتحنة]، فيجوز الإحسان والبر إلى المشرك المسالم؛ لأنه لا يحصل ضرر على المسلمين من ذلك بخلاف المحارب.
الآية 24
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
📝 التفسير:
{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ 24} كان في المسلمين منافقون ضعيفو الإيمان، وكانوا يميلون بمحبتهم ومناصحتهم إلى أقربائهم المشركين وعشائرهم الكافرة من أجل سلامة أموالهم وتجاراتهم، وسلامة مساكنهم وأولادهم، أي من أجل ألا يتعرض لها المشركون، ويتركون طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتركون الجهاد في سبيل الله؛ فأخبر الله تعالى هؤلاء المنافقين بسوء اختيارهم، وأنه قد أرصد لهم عذابه على عملهم ذلك، وهو واقع بهم، فلينتظروه.
والمراد بالكساد في الآية: بوار التجارة وعدم نفاقها وعدم رغبة الناس فيها، أو قلة المشترين والراغبين فيها.
الآية 25
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ
📝 التفسير:
{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} يستنكر الله سبحانه وتعالى على المسلمين عدم مواصلتهم للجهاد مع علمهم بأنه قد نصرهم في أكثر المواطن التي تقدمت، وهذه عادة الله وسنته فيكم فقد نصركم فيما مضى، وسينصركم فيما يستقبل فلماذا تتباطؤون عن الجهاد، وتتكاسلون عنه.
{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} وكذلك نصركم في غزوة حنين، ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن حالتهم في ذلك اليوم، وأنهم أعجبوا بكثرتهم (1)،
وأنهم أظهروا ذلك الإعجاب وتحدثوا به، وكانوا نحواً من اثني عشر ألف مقاتل، فعندما رأوا كثرتهم هذه اغتروا بها، وظنوا أنه لن يستطيع أحد أن يغلبهم، وقد انضم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقتال ألفان من الذين أسلموا من مكة بعد فتحها، وكانوا قبل ذلك عشرة آلاف مقاتل؛ فلما رأوا ما بهم من الكثرة أعجبوا بأنفسهم، وداخلهم الغرور والخيلاء (2).
__________
(1) -سؤال: يقال: قد يحصل للمؤمن سرور عندما يرى كثرة المؤمنين في مواطن الحرب وهم محقون، فهل هذا السرور هو الإعجاب الذي عوقبوا بسببه؟

الجواب: السرور بكثرة المؤمنين في مواطن الحرب ليس بإعجاب؛ فالإعجاب الذي عوقبوا بسببه هو ثقتهم بالكثرة واعتمادهم عليها، ونسوا أن يعتمدوا على الله وعلى نصره والثقة به، {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ} [الأنفال:10]، وليس بالكثرة، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ 249} [البقرة].
سؤال: وما هو معنى الإعجاب بالطاعات؟ وهل نفهم أن للعجب معنيين أم كيف؟
الجواب: الإعجاب له معنى واحد، وإنما يتغير معناه بتغير متعلَّقه؛ فإعجاب المسلمين بكثرتهم في يوم حنين هو كإعجاب المرء بكثرة أعماله الصالحة.

(2) -سؤال: وأيضاً قد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي دجانة وقد مشى متبختراً: ((إن هذه لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن)) يعني المعركة، فكيف مع ظاهر هذه الآية؟
الجواب: المفروض أن يظهر المؤمنون أمام عدوهم القوة وعدم المبالاة بهم، وأن لا يظهر منهم ما يدل على التهيب من ملاقاة العدو ومواجهته، وما ظهر من أبي دجانة هو من هذا الباب، والإعجاب أمر آخر غير هذا، وقد رتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة المسلمين وفوَّجهم أفواجاً، وأمر العباس أن يوقف أبا سفيان على طريقهم، والقصة مشهورة، وليس ذلك من الإعجاب، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه في عمرة القضاء: ((رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة))، والإعجاب هو كما ذكرنا أولاً.
الآية 26
ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} بقي قلة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثابتين معه، لا يتجاوزون العشرة منهم علي والعباس والحارث بن المطلب وأيمن ابن أم أيمن، وهو من الموالي، ومن كان مع النبي من عبيده يحرسونه، ويضربون بسيوفهم يذودون عنه؛ فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفنة من تراب فألقاه في أوجه المشركين وعند ذلك أنزل الله سبحانه وتعالى نصره على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، والثابتين معه فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم العباس بأن ينادي في الأنصار: يا أهل بيعة الشجرة ويا أهل بيعة كذا، وكان العباس جهوري الصوت حتى قيل عنه إن الحبلى كانت إذا سمعت صوته أخدجت وسقط ما في بطنها من شدة صوته، وعندما ناداهم رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ، ولكن لم يرجعوا إلا بعد أن أنزل الله سبحانه وتعالى نصره.
والسكينة هي الطمأنينة في القلب أنزلها الله سبحانه وتعالى على النبي والذين ثبتوا معه.
{وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} وهي الملائكة، {وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ 26} عذب الله سبحانه وتعالى الكافرين بالقتل، وجعله جزاءً لهم على كفرهم.
الآية 27
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
📝 التفسير:
{ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 27} (1)
وهم أهل الطائف الذين خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لغزوهم وقتالهم في حنين، وقد هزم الله سبحانه وتعالى الكافرين، وعذبهم بالقتل على أيدي المسلمين وبالأسر لنسائهم وتغنم أموالهم، وأما بعضهم فقد أتوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك وأسلموا عنده فتاب الله عليهم، وأما من بقي على تكبره وإصراره فلن يغفر الله سبحانه وتعالى له.

__________
(1) -سؤال: هل في هذه الآية دليل على أنه قد حسن إسلام المتأخرين من المسلمين سواء في حنين أم في فتح مكة أم كيف؟

الجواب: فيها دليل على أن الله تعالى سيتوب على التائبين من أهل حنين؛ لأن الآية فيهم وغيرهم مثلهم، وليس فيها دليل على أنه قد حسن إسلام كل المسلمين من أهل الطائف أو من غيرهم كمسلمة الفتح، ومن أسلم بعدهم فقريش عن بكرة أبيها تنكرت لعلي عليه السلام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحاربته في يوم الجمل وصفين مع معاوية إلا قلة قليلة تعد بالأصابع، وقد كان علي عليه السلام يكثر التشكي منهم كقوله عليه السلام كما في نهج البلاغة: (ما لي ولقريش، والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتونين، وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم)، وقوله عليه السلام كما في نهج البلاغة: (اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي ... إلخ)، وقوله: (فدع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال وتجوالهم في الشقاق وجماحهم في التيه، فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلي، فجزت قريشاً عني الجوازي فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي)، وقال عليه السلام في ذكر حالته بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجى، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمرّ من طعم العلقم). اهـ من نهج البلاغة.
الآية 28
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (1) فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} وكان هذا الحكم عليهم بعد أن نادى أمير المؤمنين بالبراءة من المشركين ونقض ما بينهم من العهود، وكانت في السنة العاشرة، قال بعد أن قرأ عليهم براءة: ألا لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومنعهم عن ذلك.
{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 28} إن خفتم على تجاراتكم من النقص والضعف عند منع المشركين من الحج أو انقطاع تجارات المشركين عنكم- فاعلموا أن الله سبحانه وتعالى هو الرزاق، وسيفتح لكم باب رزق من غيرهم؛ وكأن المسلمين اغتموا لذلك وخافوا على تجاراتهم وأرزاقهم، فأزال الله ذلك الخوف بوعده لهم بالغنى من فضله الواسع. والعيلة في اللغة: الفقر وهي مصدر عالَ يعِيلُ.
__________
(1) -سؤال: هل نجاستهم معنوية أم حسية؟
الجواب: قد قيل: إنها نجاسة حسية، وقيل: إنها نجاسة معنوية، والآية محتملة للأمرين، والأقرب أنها نجاسة معنوية؛ إذ لا يوجد أثر عليهم للنجاسة الحسية فهم كغيرهم.
الآية 29
قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ
📝 التفسير:
{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ 29} ثم بعد الانتهاء من أمر المشركين أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين بقتال اليهود والنصارى إلى أن يخضعوا لهم ويعطوا الجزية ويكونوا تحت رحمتهم، صاغرين ذليلين مقهورين، أو يؤمنوا.
فبعد أن فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيبر ودخلها صالحه أهلها على أن يبقوا في أرضهم على أن يصلحوا أموالها وأن يعطوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصف ما تغله، فأجابهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك: على أنا متى شئنا أن نرحلكم منها رحلناكم، فمكثوا على ذلك الصلح، ولم يخرجوا منها إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخرجهم عمر إلى الشام، كما فعل مثل هذا بغيرهم من أهل الكتاب.
والمراد بـ {يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ 29}: هو أن يدفعوا الجزية عداً ونقداً لا أجل فيها ولا مهلة، ومع ذلك يؤدونها وهم صاغرون، وذلك بأن يمسك المسلمون الذمي بتلابيبه إلى صندوق دفع الجزية حتى يضع ما في يده، ويكون ذلك في رأس كل سنة: الفقير يعطي اثني عشر درهماً، ومتوسط الحال أربعة وعشرين، والغني ثمانية وأربعين درهماً، وليست إلا على الرجال الذين يستطيعون حمل السلاح، أما النساء والصبيان وكبار السن الذين لا يستطيعون القتال فلا شيء عليهم (1).
__________
(1) -سؤال: فضلاً من أين فُهِم أن النساء وكبار السن لا جزية عليهم؟
الجواب: يؤخذ ذلك من حيث أن صيغة «قاتلوا» صيغة مشاركة، أي: أن كل طرف يقاتل الطرف الآخر، والنساء وكبار السن لا يقاتلون.
الآية 30
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ (1)وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} قول اختلقوه من عند أنفسهم، ولا أصل له في الصحة، وليس إلا كذباً وافتراءً.
{يُضَاهِئُونَ (2) قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} (3) ادعت اليهود والنصارى بنوة عزير وعيسى ' لله سبحانه وتعالى ودعواهم هذه الباطلة مشابهة لقول الذين كفروا من قبلهم.
{قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ 30} قاتلهم الله: أي لعنهم الله، فكيف يصرف هؤلاء عن الحق والتوراة والإنجيل بين أيديهم فيهما حكم الله، وفيهما الهدى والنور، ويذهبون إلى تلك الأقوال التي تؤدي إلى الكفر والبهتان العظيم، وما هو الذي صرفهم عن الهدى والنور الذي بين أيديهم؟
يُعَجِّبُ الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم هنا من شدة كفرهم بالله سبحانه وتعالى وتمردهم، بالرغم من وجود التوراة والإنجيل بين أيديهم.
__________

(1) -سؤال: من هو عزيرٌ هذا؟ وما معنى بنوته لله في زعمهم؟

الجواب: عزير: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل، وهو الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، ذكر ذلك في المصابيح عن الإمام الناصر بن الهادي '، فلما بعثه الله تعالى من موته أتى بني إسرائيل وقال لهم: إنه عزير؛ فأنكروه، ثم إنه أملى على بني إسرائيل التوراة كما أنزلها الله، فاستعظموه وغلوا في تعظيمه حتى قالوا: إنه ابن الله. ويحتمل قول اليهود: «عزير ابن الله» وجهين اثنين:
1 - ... البنوة الحقيقية أي: كبنوة عيسى عند النصارى، ويؤيد هذا جمعهما هنا في سلك واحد وحكم واحد.
2 - ... بنوة مجازية كالبنوة التي ادعتها اليهود والنصارى في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ .. } [المائدة:18]، فلم يريدوا بقولهم هذا إلا أن لهم عند الله تعالى منزلة رفيعة، وكرامة عالية، وشرفاً كبيراً، من دون الناس جميعاً، وهذا القول لا يوجب الكفر، وهو بمنزلة قول المشركين من أهل مكة: نحن آل الله؛ لذلك يكون القول الأول هو الأقرب إلى الصحة والله أعلم.
(2) -سؤال: ما محل جملة: {يُضَاهِئُونَ}؟
الجواب: محلها النصب حال من الضمير في «قولهم» أو من القول، والعائد محذوف أي: «يضاهئون به».
(3) - سؤال: من هم هؤلاء الذين كفروا من قبل؟ وما وجه المشابهة بين قول اليهود والنصارى وقولهم؟
الجواب: هم عبدة الأصنام الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، أو يكون المراد أن قول النصارى في عيسى يضاهي قول اليهود في عزير، ووجه المشابهة ادعاء البنوة لله.
الآية 31
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
📝 التفسير:
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} أخبر الله سبحانه وتعالى عن اليهود والنصارى بأنهم جعلوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً لهم من دون الله، والمراد بهذا أنهم كانوا يمتثلون لما أمروهم به، وينتهون عما نهوهم عنه، حتى ولو أدى ذلك إلى معصية الله سبحانه وتعالى، وجعلوا أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه وراء ظهورهم.
والأحبار هم علماء اليهود، والرهبان هم علماء النصارى، وأخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بأنهم قد اتخذوا المسيح ابن مريم إلهاً.
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} لم يأمرهم الله سبحانه وتعالى في التوراة والإنجيل وعلى ألسنة أنبيائهم إلا بعبادته وحده، {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} فلا يستحق الربوبية إلا هو {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ 31} تقدس وتنزه عن الآلهة التي يدعون أنها شركاء لله سبحانه وتعالى.
الآية 32
يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
📝 التفسير:
{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ (1) وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ 32} يريد أهل الكتاب أن يمحوا ما أنزل الله سبحانه وتعالى، ويبدلوه بأكاذيبهم وحيلهم ومكرهم؛ وقد كانوا أهل دهاء ومكر شديدين، وكانوا أصحاب سياسة، ومن مكرهم ودهائهم أنهم لم يحملوا سلاحاً في أغلب أحوالهم ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ولم يفكروا بحرب الإسلام بسيوفهم مع كثرتهم وقوتهم وعدتهم وعتادهم وغنائهم وتجارتهم، {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر:14]، وإنما كانوا يدبرون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الحيل، ويكيدونه من حيث لا يشعر ويحيكون المؤامرات لإطفاء الإسلام، وإبطال نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدخلون الشبه على المسلمين، ولكن الله سبحانه وتعالى قد وعد بأن يبطل حيلهم وشبههم هذه ومؤامراتهم، وأن يظهر دينه على كل الأديان على رغم أنوف اليهود والنصارى والمشركين.
__________
(1) -سؤال: من فضلكم ما معنى: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ}؟ وكيف صح الاستثناء: {إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ}؟
الجواب: المعنى: لم يرض الله إلا أن يتم نوره، أو لم يرد الله إلا أن يتم نوره. وصح الاستثناء لأن «يأبى» بمعنى: لم يرد، فالاستثناء على المعنى.
الآية 33
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
📝 التفسير:
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 33} أرسل الله سبحانه وتعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بدين الحق ليظهره على جميع الأديان التي كانت سائدةً في الأرض، ويكون دينه هو الدين السائد عليها، والمهيمن عليها، والناسخ لها؛ فهذا هو الغرض من إرساله.
الآية 34
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} (1) أخبر الله سبحانه وتعالى أن كثيراً من أحبار اليهود ورهبان النصارى يأكلون أموال الناس رشوة على تحريف التوراة والإنجيل، وأنهم يضلون الناس عن الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى في كتبهم؛ يحذر الله سبحانه وتعالى المسلمين في هذه الآية ألا يعملوا عمل اليهود والنصارى.
{وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} فإذا أراد أحد أن يؤمن منعوه عن الإيمان وقالوا له إن محمدا هذا ليس إلا ساحراً وكذاباً وأنه ليس ذلك النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل وأوصافه لا تنطبق على الأوصاف التي ذكرت فيها.
{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 34} أي: الذين لا يخرجون زكاتها فهم من أهل وعيد الله بعذاب جهنم (2).
فإن قيل: هل يدخل في هذا الوعيد كل من خزن أمواله؟
فإنه يجاب عليه: بأن الوعيد هذا ليس إلا لمن لا يخرج زكاة ماله، وأما ما دام قد أخرج زكاته فلا بأس عليه ولا ضير، ولو كنز القناطير المقنطرة وخزنها (3).

__________
(1) -سؤال: هل يفهم من الآية أن قليلاً منهم لا يأكلون أموال الناس بالباطل؟
الجواب: قد كان كثير منهم يأكلون أموال الناس بالباطل، وكثير غيرهم لم يتهيأ لهم أكل أموال الناس بالباطل، ولم يرد هنا تزكية من لم يأكل منهم أموال الناس بالباطل.
(2) -سؤال: لماذا عبَّر الله عن إخراج الزكاة بالإنفاق في سبيله؟

الجواب: المراد بسبيل الله المواضع التي أمر الله بوضعها فيها، وهي المصارف المعروفة، وقد قيل: إن سبيل الله قد نقل في الشرع إلى القتال لإعلاء كلمة الله وما يتصل بذلك، ولكن ذلك لا يمنع من استعماله في معناه قبل النقل، وإنما حملناه على المعنى العام للدليل الدال على مصارف الزكاة.

(3) -سؤال: وهل يشترط أيضاً أن لا يكتنزها تكاثراً أو تفاخراً أو نحو ذلك؟
الجواب: نعم بشرط عدم نية التكاثر والتفاخر.
الآية 35
يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ
📝 التفسير:
{يَوْمَ يُحْمَى (2) عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} سوف يحمي الله سبحانه وتعالى الذهب والفضة التي كانوا يكنزونها، ولا يؤدون حق الله فيها، ثم يعذبهم بها؛ فإذا عرف أنه يعذب بذلك المال الذي كان يخزنه ويدخره- فإن ذلك سيزيده حسرة وندماً في نفسه.
{هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ 35} فذوقوا عذاب ما كنزتموه (3).
__________

(2) -سؤال: علام نصب «يوم» في قوله: {يَوْمَ يُحْمَى}؟
الجواب: نصب بـ «اذكر» محذوفاً، أو بمحذوف صفة لعذاب في قوله: {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 34} أي: كائن في يوم يحمى.
(3) -سؤال: هل تريدون أنه على حذف مضاف تقديره: عذاب ما كنتم؟
الجواب: نعم ذلك هو المراد بدليل: {فَذُوقُوا ... }، وقوله: «هذا ما كنزتم» مثله.
الآية 36
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ (4) خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} يريد الله سبحانه وتعالى بهذه الشهور- الشهور القمرية، فهي اثنا عشر شهراً منذ أن خلق السموات والأرض.
{مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} بين هذه الاثني عشر شهراً أربعة أشهر حرم يحرم عليكم القتال فيهن، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم.
{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أخبر الله سبحانه وتعالى أن الالتزام بحرمة هذه الأشهر الحرم هو الدين الحق، فلا تنتهكوا حرمة هذه الأشهر، ومن انتهكها فقد ظلم نفسه؛ لأنه جرَّ عليها سخط الله ونقمته.
{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ 36} وأما المشركون فقاتلوهم ولو في هذه الأشهر إن قاتلوكم فيها لأنهم سيقاتلونكم فيها لو تمكنوا، ولن يرقبوا فيكم إلّاً ولا ذمة، ولأن قتالكم لهم ليس إلا دفعاً لشرهم ودفاعاً عن أنفسكم، وأما هم فمصرون على قتلكم وقتالكم واستئصالكم في أي وقت تمكنوا من ذلك، غير مراعين لحرمة وقت ولا مكان، ولا حرمة عهد ولا ميثاق، فقاتلوهم فالله معكم ما دمتم متقين لمعاصيه وسينصركم ويؤيدكم.
__________

(4) -سؤال: «يوم» ظرف لماذا؟ أو ما هو العامل فيه النصب؟
الجواب: العامل في «يوم» النصب هو متعلق الجار والمجرور {فِي كِتَابِ} فإن: {فِي كِتَابِ اللَّهِ} صفة لـ {اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} أي: كائنة في كتاب الله يوم ...

(1) -سؤال: قد يقال: من أين استفيد أنهم يقاتلونهم ولو في الأشهر الحرم؟ فظاهر قوله: {كَافَّةً} حال من واو الجماعة (الفاعل) أي: مجتمعين؟

الجواب: قد تقدم في أوائل هذه السورة وصف المشركين بقوله: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}، {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً}، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ 10}، وقوله سبحانه: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ... } فيدل ذلك أن المشركين في حالة قتال وحرب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، لا يصرفهم عن حربهم وجدهم حرمة عهد، ولا حرمة الشهر الحرام، وأن صفة عدوانهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين وحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام صفة ثابتة دائمة لهم، ولا يخفى أن رد العدوان جائز على الإطلاق، في الشهر الحرام والبلد الحرام وفي غيرهما، فمن هنا قلنا بقتال المشركين في الأشهر الحرم وفي غيرها، وقد قال علماؤنا بجواز قتل الصائل في الحرم ولو آدمياً، وقالوا بجواز قتل الفواسق على الإطلاق، وذلك لما طبعت عليه من صفة العدوان والإفساد، وقد وصف الله تعالى المشركين بقوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ 10}، فيدل ذلك أنهم قد بلغوا في العدوان مدىً بعيداً، وأنهم صاروا في صفة العدوانية عَلَماً يعرفون به، ويتميزون به من دون الناس، فهذا ما دعانا إلى القول بقتال المشركين ولو في الشهر الحرام. وهذا بالنسبة للمشركين الذين نزلت فيهم تلك الآيات ثم من كان على شاكلتهم من الكافرين، أما من لم يكن على صفتهم من الكافرين فلا يكون حكمه حكمهم، والله أعلم.
الآية 37
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} الأشهر الحرم هي أربعة: رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، والنسيء: هو تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر؛ فإذا دخل رجب مثلاً وهم في حرب استحلوا حرمته وحرموا مكانه شهر شعبان، وهكذا في ذي القعدة وذي الحجة ومحرم؛ فأخبر الله سبحانه وتعالى أن فعلهم هذا إنما هو زيادة في كفرهم وتمردهم وعصيانهم.
{يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} ضل المشركون وتوغلوا في الضلال بسبب صنيعهم هذا، فأضلوا أتباعهم (1).
{يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} هكذا من تلقاء أنفسهم يستحلون حرمته في هذه السنة، وإذا جاءت السنة الأخرى يجعلونه حراماً بسبب تلاعبهم بالأشهر الحرم.
{لِيُوَاطِئُوا (2) عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} يفعلون ذلك لأجل قضاء أربعة أشهر في السنة بدل التي ضيعوها ظناً منهم أنهم إذا فعلوا كذلك فقد راعوا حرمتها.
{زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ 37} (3)يرون صنيعهم هذا الذي زينه لهم الشيطان حسناً، وهم يظنون أنهم بهذا في خير العمل، وأنه عمل بر يرضاه الله سبحانه وتعالى.

__________
(1) -سؤال: قد يقال: هذا التفسير موافق لقراءة نافع، وأما على قراءة حفص فظاهره أن الذين كفروا وقع عليهم الضلال من غيرهم لأن الفعل مغير صيغة، فكيف؟
الجواب: وقع عليهم الحكم بالضلال من الله بسبب النسيء، فالإضلال بمعنى الحكم والتسمية.
(2) -سؤال: ما هي المواطأة المذكورة في الآية؟
الجواب: هي الموافقة يقال: واطأت فلاناً على كذا إذا وافقته عليه.
(3) -سؤال: ما هو الهدى الذي نفاه الله سبحانه عن الكافرين؟

الجواب: هو التوفيق والتسديد والتنوير. وأما الهدى الذي بمعنى الدلالة فهو هدى عام يعطيه الله تعالى للكافرين وغيرهم، والذي بمعنى التنوير والتوفيق خاص بالمؤمنين المستجيبين لربهم يعطيهم الله تعالى ثواباً على استجابتهم وإيمانهم وتواضعهم لربهم وتذللهم له.
الآية 38
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ
📝 التفسير:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} (1) يخاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين: ما لكم إذا دعاكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخروج للجهاد معه في سبيل الله تباطأتم عن الخروج معه، وتقاعدتم عنه، مؤثرين لمتاع الدنيا الفانية بين نسائكم وأولادكم وأموالكم وتجاراتكم، وكان هذا في آخر غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي غزوة تبوك (2).
{أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} (3) استنكر الله سبحانه وتعالى عليهم تثاقلهم عن الخروج، وإيثارهم لمتاع الدنيا الفانية على الدار الآخرة الباقية.
{فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ 38} فكيف تؤثرونها وليست شيئاً بالنسبة للحياة الآخرة.
__________
(1) -سؤال: ما وجه تعبير الباري سبحانه عن التباطؤ بالتثاقل إلى الأرض؟
الجواب: «اثاقلتم» أي: تثاقلتم بمعنى: تباطأتم، إلا أنه ضمنه معنى الميل، فعدي بـ «إلى» أي: ملتم إلى متاع الأرض وزينتها.
(2) -سؤال: من أين يمكن لنا أن نأخذ الخصوصية في هذه الغزوة؟
الجواب: يؤخذ ذلك من السياق فهو في غزوة تبوك، وقد شدد الله تعالى فيها بوجوب الخروج في سبيل الله للجهاد على كل مكلف إلا أهل الأعذار.
(3) -سؤال: ما معنى «من» في قوله: «من الآخرة»؟
الجواب: «من» هي بمعنى «بدل» أي: بدل الآخرة.
الآية 39
إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 39} إذا لم تنفروا عند دعاء النبي لكم للخروج معه في سبيل الله، وتهبُّوا للقيام معه- فسوف يلحق بكم العذاب الأليم في الدنيا بأن يسلط عليكم عدواً أو ينزل بكم نقمة من عنده، يكون فيها هلاككم؛ وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد دعاهم في هذه الغزوة غزوة تبوك، وتوعدهم على القعود، وكانوا كثرة فهددهم الله هنا بأنهم إن لم يقوموا للجهاد في سبيله ونصرة دينه فسوف يعذبهم ويهلكهم بعذاب ينزله بهم من جنس ذلك العذاب (1) الذي عذب به أولئك الكافرين الذين كذبوا بأنبيائهم، وكفروا بهم، كقوم نوح وقوم هود وقوم صالح، وأخبرهم الله سبحانه وتعالى أنهم بتقاعدهم لن يضروه شيئاً، وسيبدلهم برجال غيرهم ينصرون دينه.
__________
(1) -سؤال: من أين نستفيد هذا؟
الجواب: نستفيد من ذكره للعذاب الأليم، واستبدالهم بغيرهم، فمجموع هذين الأمرين يشير إلى أنه عذاب من جنس العذاب الذي عذب به الأمم الكافرة من قبل.
الآية 40
إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{إِلَّا تَنْصُرُوهُ} إن لم تنصروا نبيكم أيها المسلمون وتقاعدتم عن نصرته، {فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ} (4) فسوف ينصره الله سبحانه وتعالى كما نصره من قبل حين كان وحيداً ليس معه أحد إلا أبو بكر، وذلك عند خروجه من مكة مهاجراً من بين أيدي المشركين.
{إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} نجاه الله سبحانه وتعالى من المشركين مع أنهم قد وقفوا على باب الغار ليس بينهم وبينه إلا بضعة أقدام، حتى قال أبو بكر: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، مع أن هذا الغار ليس بالواسع حتى يختبئوا فيه بحيث لا يراهم أحد، بل إنه من الصغر بحيث لو نظر الناظر من بابه لأبصر جميع ما فيه، ومع هذا فقد حفظه الله سبحانه وتعالى من المشركين مع أنهم قد وصلوا عنده، وقد خاف أبو بكر خوفاً شديداً فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما.
فإذا لم تنصروه أيها المؤمنون فسينصره الله سبحانه وتعالى كما قد نصره من قبل، ولن يخذل نبيه.
{إِذْ (1) يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} حزن أبو بكر وتملكه الخوف وأيقن بالهلاك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم واثقاً بالله سبحانه وتعالى: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟ فلا تخف ولا تحزن فهو معنا ولن يخذلنا.
{فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} (2)جعل الله سبحانه وتعالى في قلب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم الطمأنينة فلم يخف، {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} يحرسونه في طريق الهجرة، {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ (3) اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 40} رجع المشركون خائبين مهزومين، ونجى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم منهم، وهذا نصر من الله سبحانه وتعالى عندما ينجي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم وقد وصلوا عنده، ثم أكمل طريقه إلى أن وصل المدينة.
وعزيز معناه: غالب، وحكيم معناه: أن أفعاله كلها حكمة ومصلحة.

__________

(4) -سؤال: ما إعراب: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ}؟
الجواب: «ثاني اثنين» حال من مفعول «أخرجه».
(1) -سؤال: ما إعراب «إذ» وما العامل فيها في المواضع الثلاثة؟
الجواب: «إذ» الأولى ظرف زمان لـ «نصره الله»، و «إذ» الثانية بدل من الأولى، والثالثة بدل أيضاً.
(2) -سؤال: وهل يصح أن يحمل الضمير في قوله: {عَلَيْهِ} على أبي بكر لأنه هو الذي بحاجة السكينة والطمأنينة من أجل الخوف الذي اعتراه؟

الجواب: لا يصح أن يعود الضمير على «صاحبه»؛ لأن السياق في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والضمائر راجعة إليه: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... } {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ}، فضمير «أيده» يعود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يدع أحد أن الضمير لأبي بكر فيلزم أن يكون الضمير الذي قبله مثله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإلا حصل خلل وتنافر، وقد جاء في آية: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح:26]، وفي آية: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:26]، فمن أبعد البعيد أن ينزل الله سكينته في هذه الآية على أبي بكر دون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالسكينة لأنه المقصود بالقتل والإخراج والحبس من قريش دون أبي بكر، وهو صلى الله عليه وآله وسلم المكلف بتبليغ الرسالة ومواجهة قريش والعرب وهو الغرض المطلوب لإسكاته وإسكات دعوته، فإذا قتلوه قتلوا الإسلام، أما أبو بكر فلا غرض لهم في قتله ولا فائدة لهم من إزهاق روحه، وإنما عرض له الخوف بسبب مصاحبته للغرض المقصود بالقتل.

(3) -سؤال: ما المراد بالكلمة في قوله: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ} هل الرأي أو الحال والشأن؟ ولماذا لم يعطف قوله: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ} على {كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا}؟
الجواب: المراد بكلمة الله دينه وحجته، ولم يعطف «وكلمة الله هي العليا» ليفيد أن علو كلمة الله ثابت مستمر من قبل ومن بعد، ولو عطف لفهم أن علو كلمة الله حصل بعد أن لم يكن.