القرآن الكريم مع التفسير

سورة الإسراء

آية
إجمالي الآيات: 111 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 41
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا 41} وأخبرهم الله سبحانه وتعالى بأنه قد بين لهم في القرآن بيناته وحججه وصرفها لهم ونوَّعها بأساليب مختلفة لعل شيئاً منها يدخل في قلوبهم فيرجعوا إليه، غير أن ذلك لم ينفع فيهم، ولم يزدادوا إلا بعداً عن الحق وعتواً وكفراً.
الآية 42
قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا 42} يجادل الله سبحانه وتعالى المشركين ويحاججهم بأنه لو كان هناك آلهة غيره لتوجهوا إلى مغالبته في ملكه وممانعته ومحاربته، وذلك كما يكون من الملوك والرؤساء في الدنيا، ولتنازعوا معه في الاستيلاء على العرش والسلطة.
الآية 43
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا
📝 التفسير:
{سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا 43} ولكنه تقدس وتعالى وتنزه عن مقالتهم هذه أن يكون له شريك ينازعه في ملكه لا إله إلا هو وسع كل شيء رحمة وعلماً.
الآية 44
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
📝 التفسير:
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (1)وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا 44} تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ويشهدون له بالتعالي عن الشريك، فكل مخلوقات السماوات والأرض تنزهه عن المشارك، وتشهد له بالوحدانية، وليس هناك لسان على الحقيقة تتكلم به، وإنما أراد بذلك أنها آيةٌ ناطقةٌ دالةٌ على تفرده بالإلهية، وأن من نظر وتفكر فيها علم علماً يقيناً ألا شريك له ولا مثيل، وأن من نظر إلى الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب والسحاب والمطر- علم أنها مسخرة في مصلحة واحدة، تصب في خدمة الإنسان، وأن كل واحدة منها آية مكملة للأخرى، لا تتم الحياة ولا تستمر إلا بها، مما يدل على أن مدبرها واحد، وأنه لو كان هناك إله غيره لما تمت الحياة، ولما استمرت، ولتفرد كل إله بخلقه، ولأخذ ما خلقه واستبد به.
هذا ويجب النظر على كل مكلف ليسبح الله تعالى وينزهه عن اتخاذ الشريك؛ لأنه لن يعرف وحدانية الله تعالى، ولن تزول الشكوك عن قلبه إلا إذا نظر وتفكر وتأمل في خلق السموات والأرض، ففي كل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى آية ناطقة، ودلالة واضحة على وحدانيته تعالى وتفرده بالإلهية.
ثم خاطب الله سبحانه وتعالى مشركي قريش بأنهم لا يفقهون تسبيح السماوات والأرض وكل ما خلقه الله فيهما؛ لأنهم لم ينظروا ولم يتفكروا فيما خلقه، وأخبرهم أنه حليم لم يعجل بتعذيبهم، وأنه أمهلهم في الدنيا، وأسبغ عليهم نعمه بالرغم من كل ذلك مع استحقاقهم للعذاب.
__________
(1) -سؤال: ما معنى الباء في قوله: {بِحَمْدِهِ}؟

الجواب: الباء للملابسة والمصاحبة أي: يسبح الله حال كونه متلبساً بحمده، أي أنهم جمعوا بين التسبيح والحمد، ودليل هذا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علمهم التسبيح في الركوع والسجود: «سبحان الله العظيم وبحمده» و «سبحان الله الأعلى وبحمده».
الآية 45
وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا
📝 التفسير:
{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا 45} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه سيمنع المشركين من النيل منه عندما يقرأ عليهم القرآن، وذلك لأنه كان قد علم أنهم سيؤذونه إن قرأه عليهم لتكبرهم وقسوتهم وجبروتهم، وذلك أن الله سبحانه وتعالى أمره أن يقرأ عليهم القرآن فخاف أن يؤذوه لما هم عليه من الكبر والقسوة والتجبر فطمأنه الله سبحانه وتعالى بأنه سيجعل بينه وبينهم حجاباً (1) من قدرته يحميه منهم ويمنعهم منه.
__________
(1) -سؤال: هل يستفاد من هنا أن قراءة القرآن سبب في حجب الظالمين عن القارئ ومنعهم منه بقدرة الله تعالى أم لا؟
الجواب: لا شك أن قراءة القرآن كما ينبغي وسيلة مقربة إلى الله سبحانه وتعالى بها تنال الرغائب، وتأدية ما أمر الله به وترك ما نهى عنه كل ذلك وسيلة إلى الله تعالى والازدياد من نوافل الصدقات والصيام والصلاة والحج والاعتمار والإحسان و ... إلخ كل ذلك وسائل، إلا أنه ينبغي أن يعلم أن حفظ الله لأوليائه المتوسلين إليه بطاعته من الظالمين مبني على الحكمة والمصلحة، فإذا كان في تخلية الظالم من المؤمن مصلحة للمؤمن وخير كثير وثواب عظيم خلّى بينه وبين الظالم ولم يحفظه، كما هو الحال في يوم أحد فقد أدمي وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكسرت رباعيته وقتل عمه الحمزة عليه السلام وغيره من الصحابة الأخيار، وقد تكون الحكمة والمصلحة والخير الكثير في حفظ المؤمن من الظالم فيحفظه الله ويحول بينه وبين الظالم بقدرته، وأمثلة ذلك كثيرة، والحمد لله رب العالمين.
الآية 46
وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا
📝 التفسير:
{وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ (2)وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} وأخبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه إذا قرأ عليهم القرآن فلن يفهموه، ولن يعوا منه شيئاً، وأن قلوبهم كأنها قد أغلقت، وقد طبع عليها فلا ينفذ إليها شيء، وآذانهم كأنه قد أصابها الصمم فلا يسمعون شيئاً.
عبر الله سبحانه وتعالى بهذا التعبير كناية عن عدم قبولهم للحق وعظيم تكبرهم، وإنما نسب الباري تعالى جعل الأكنة والوقر إلى نفسه لأنه تعالى حرمهم من الألطاف والتنوير {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ 40} [النور]، وكان حرمانهم سبباً لضلالهم فنسب إلى الله تعالى لأنه فاعل السبب.
{وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا 46} وأخبره بأنه إذا ذكر الله سبحانه وتعالى وحده ولم يذكر آلهتهم فإنهم سيعرضون عنه أشد الإعراض، وسيصيبهم الاشمئزاز والغضب مما يقول.

__________

(2) -سؤال: ما إعراب: {أَنْ يَفْقَهُوهُ}؟

الجواب: {أَنْ يَفْقَهُوهُ} في محل جر والجار له محذوف.
الآية 47
نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا
📝 التفسير:
{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ (1)الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا 47} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بأن المشركين يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنهم لا ينتفعون بما يسمعون، وأخبر أنه عالم بأنهم إنما يستمعون إليه ليجدوا فيما يسمعون طريقاً يطعنون من خلالها عليه، فربما وجدوا مدخلاً في القرآن يدخلون عليه من خلاله، وأخبر أنهم يتشاورون ويتناجون فيما بينهم بأن محمداً ليس إلا رجلاً قد أصابه الجنون وليس إلا ساحراً.

__________
(1) -سؤال: من فضلكم ما إعراب هذه الآية: {بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ}؟
الجواب: «بما يستمعون به» الباء حرف جر، و «ما» اسم موصول، وجملة «يستمعون به» صلة الموصول، والباء في «به» سببية أي: بما يستمعون بسببه أي بالهزء، وقد تكون «به» في موضع الحال أي: مستهزئين، وقيل: الباء بمعنى اللام أي: بما يستمعون له أي للهزء.

{إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا 47}: «إذ» الأولى: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ «أعلم»، و «إذ» عطف على إذ الأولى، و «إذ» الثالثة بدل من «إذ» الأولى، أي: أن الله تعالى عالم بالمستهزئين الذين جاءوا للاستماع لا لقصد الاستماع وإنما للاستهزاء وهم جماعة يتناجون في ذلك الوقت بالهزء والسخرية مما تقرأه، ويقولون في ذلك الحين: إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً.
الآية 48
انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا 48} وذكر تعالى أن المشركين ضربوا له الأمثال، وشبهوه بتشبيهات عدة؛ فمرة يقولون ساحر، ومرة شاعر، ومرة مجنون، ومرة يقولون إنما يعلمه بشر، ومرة أساطير الأولين، وأخبر أنهم قد ضلوا في أوصافهم، ولم يصيبوا وصفه الحقيقي، وأنهم كلما ضربوا له مثلاً وتشبيهاً كذَّبهم الواقع، وأثبت أنه على خلاف ما وصفوه به، فتحيروا ولم يجدوا سبيلاً يدخلون عليه منه.
الآية 49
وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا
📝 التفسير:
{وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا (1) لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا 49} يستنكر المشركون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم كيف يبعثون ويخلقون مرة أخرى وقد صاروا تراباً، واستبعدوا قدرة الله سبحانه وتعالى على ذلك.
__________
(1) -سؤال: ما فائدة إعادة الاستفهام مرة أخرى؟
الجواب: الفائدة هي الإشارة إلى أنهم توغلوا في الجحود والاستنكار للبعث.
الآية 50
قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا
📝 التفسير:
{قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا 50 أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} وعند استنكارهم واستبعادهم أخبرهم الله سبحانه وتعالى أنهم لن يعجزوه، وأنهم كيفما صاروا وعلى أي صفة صاروا، ولو صاروا حجارة أو حديداً، أو أي خلق يستعظمونه، ومهما كبر في أعينهم- فسيعيد خلقهم مرة أخرى.
الآية 51
أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا
📝 التفسير:
{قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا 50 أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} وعند استنكارهم واستبعادهم أخبرهم الله سبحانه وتعالى أنهم لن يعجزوه، وأنهم كيفما صاروا وعلى أي صفة صاروا، ولو صاروا حجارة أو حديداً، أو أي خلق يستعظمونه، ومهما كبر في أعينهم- فسيعيد خلقهم مرة أخرى.
{فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وأخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم سيسألونه من الذي سيعيد خلقهم ويبعثهم؟ فأمره الله سبحانه وتعالى بأن يخبرهم بأن الذي قدر على خلقهم من العدم قادر على إعادة خلقهم وهم تراب.
{فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا 51} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بأنهم سيميلون إليه رؤوسهم مستنكرين متى سيكون مبعثهم، وقد أمره بأن يجيب عليهم بأن موعد بعثهم قريب،
الآية 52
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
📝 التفسير:
وقد أمره بأن يجيب عليهم بأن موعد بعثهم قريب، وأن ذلك: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ (1) وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا 52} (2) يخبر الله سبحانه وتعالى المشركين بأنه سيدعوهم حين موعد بعثهم وسيستجيبون له معترفين بالبعث والحساب والجزاء، وأخبر أنهم سوف يظنون يوم مبعثهم أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا فترة قصيرة؛ كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار.
__________
(1) -سؤال: ما معنى الباء في {بِحَمْدِهِ}؟ وكيف استجابتهم بحمده؟
الجواب: الباء بمعنى الملابسة والمصاحبة أي أنهم يلبون الداعي حال كونهم حامدين لله أي: حال كونهم ذليلين منقادين غير متأبين ولا متمنعين كما كانوا في الدنيا، أي: أن حالهم في تلبيتهم للنداء مشابهة لحالة الحامد لله المنقاد له إذا دعاه الله، والله أعلم.
(2) - سؤال: يقال: ما سبب ظنهم هذا الظن؟
الجواب: قَلَّتْ في نفوسهم الحياة الدنيا وتحقرت لهول ما يرون في القيامة، وهذا مع أن الإنسان إذا نظر إلى ما مضى من عمره لا يرى السنين الطويلة الماضية إلا كيوم واحد متلاحق الأحداث، أو كرؤيا رآها في منامه، فهو يتذكر أحداثها ويتصور خيالها، فيذكر بعضها وينسى بعضها.
الآية 53
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا
📝 التفسير:
{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا 53} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأمر المؤمنين بألا يغلظوا في كلامهم على الغير، وأخبرهم أن الكلمة القاسية تورث العداوة والبغضاء والمشاحنة، وأن الشيطان يتحين الفرص لإثارة العداوة بين الناس وزرعها بينهم، وأن لا يخاطبوا غيرهم إلا بالكلمة الطيبة وبأحسن الكلام حتى ولو كان عدواً، وأن الكلمة الطيبة ستجمد العداوة وتوقف العدو عند حده؛ فلا يجد مع ذلك مدخلاً يدخل من خلاله عليك، وأنها ستجعله ينجذب إليك ويطمئن، ويسمع منك حتى ولو كان مشركاً فسيكون ذلك أدعى إلى إسلامه، بخلاف الكلمة القاسية.
الآية 54
رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
📝 التفسير:
{رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} وأخبر أنه عالم بخلقه وبما يصلحهم، وبما يجمع بينهم ويؤلف بين قلوبهم.
{إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} لله الملك والقدرة والقوة والسلطان في السماوات والأرض وكأن هذه الآية تخاطب المشركين وتقول لهم: إن العذاب قد حق عليكم أيها المشركون فإذا أنزل الله بكم عذابه فلاستحقاقكم للعذاب بكفركم، وإن أمهلكم ولم ينزله بكم (1) فبرحمته أمهلكم ومتعكم في الدنيا.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا 54} وأخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لم يرسله إلى الناس ليحاسبهم ويجازيهم، فليس عليه إلا البلاغ فقط وتلاوة آيات الله سبحانه وتعالى عليهم وحججه وبيناته.

__________
(1) -سؤال: يقال: هل تأخير العذاب عليهم هو رحمته بهم؟ وهل يصح أن يكون ذلك كناية عن عظيم سلطانه ونفوذ قدرته على كل شيء؟
الجواب: نعم قد أردنا في التفسير أن تأخير العذاب رحمة. ويصح التفسير بأنه كناية عن نفوذ قدرته وعظيم سلطانه فيكون في المعنى مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ 18} [الحج]، {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ 1} [المائدة]، {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد:41].
الآية 55
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا
📝 التفسير:
{وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} وأخبر بأنه وحده المختص بعلم أهل السماوات والأرض وما هم عليه، وأن إليه حسابهم وجزاءهم فهو وحده العالم بأعمالهم صغيرها وكبيرها، وخفيها وظاهرها لا يخفى عليه شيء منها.
{وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} (1) يؤكد الله تعالى لنا أن الأنبياء عليهم السلام ذوو مراتب ودرجات عنده، فبعضهم أرفع من بعض.
{وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا 55} وأن من الأنبياء الذين قد فضلهم الله سبحانه وتعالى داوود عليه السلام أعطاه الله كتاباً اسمه الزبور.
__________
(1) -سؤال: هل لهذا المقطع علاقة بما قبله؟
الجواب: هذا المقطع {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ ... } مرتبط بما قبله، فإن أول الآية: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} تحدثت عن علمه بمن في السماوات والأرض من الملائكة والجن والإنس على أبلغ ما يكون من العلم، ثم ذكر بعدها: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ... } ليدل على أن اصطفاءه للأنبياء وتفضيل بعضهم على بعض صادر عن علم محيط بظواهر المعلومات وبواطنها وماضيها ومستقبلها وسرها وجهرها و .. إلخ، وهذا مدلول: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ} ومدلول قوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124]، فاعتراض المشركين على اختيار الله تعالى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم للنبوة والرسالة واعتراضهم على تفضيل بعضهم على بعض كل ذلك اعتراض مردود لجهل المشركين وقصور علمهم.
الآية 56
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا
📝 التفسير:
{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا 56} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول للمشركين ويأمرهم أن يدعوا آلهتهم التي يعبدونها فينظرون هل يستطيعون كشف الضر عنهم وإجابة دعائهم، أو أن تحول حالكم من حال إلى حال؟ ثم أخبرهم بأنها لن تستطيع أن تفعل لهم شيئاً لا نفعاً ولا ضراً.
الآية 57
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا
📝 التفسير:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ (1) وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا 57} كان مشركو قريش يعبدون الملائكة فكانوا ينحتون أصناماً ويسمونها باسم ملك ويعبدونها، فخاطبهم الله سبحانه وتعالى بأن أولئك الذين يعبدونهم من الملائكة هم في أنفسهم يعبدون الله تعالى ويتوسلون إليه، ويتنافسون في عبادته وطاعته من يكون منهم الأقرب إليه، واستنكر عليهم لماذا يعبدونهم والحال هكذا، وأخبرهم أن الأولى لهم والأحسن لهم أن يحذروا عذاب الله سبحانه وتعالى وسخطه وأن يخافوه.
__________
(1) -سؤال: ما إعراب: {أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} وجملتها؟
الجواب: قد جوزوا في «أيهم» أن تكون موصولة وأن تكون استفهامية، وقد بنينا في التفسير على أنها استفهامية، والفعل المعلق مقدر دل عليه قوة السياق أي: ينظرون أيهم أقرب.
وعلى تقدير أنها موصولة فتكون «أيهم» بدلاً من الواو في «يبتغون» أي: يبتغي الذي هو أقرب الوسيلة إلى الله، أي: أن الملائكة الذين هم أقرب الملائكة إلى الله يبتغون الوسيلة إلى الله، والوسيلة إلى الله هي عبادته وذكره والتذلل له تعالى والخشوع وطاعته المتواصلة على مرور الزمان المدلول عليها بالفعل المضارع «يبتغون» الدال على ذلك.
الآية 58
وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا
📝 التفسير:
وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا 58} (1) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم تكن قرية في الدنيا إلا وسيهلكها في الدنيا بعذابه بسبب عصيان أهلها وتمردهم، وأنه سيستأصلهم جميعاً أو يعذبهم عذاباً شديداً يؤلمهم كالجوع والجدب والخوف، وأخبر أن هذا الذي ذكر واقع لا محالة، وأن مكة من جملة هذه القرى.
__________
(1) -سؤال: يقال: كيف توجه الآية ونحن نشاهد مئات القرى لم يحصل لها الهلاك أو التعذيب قبل يوم القيامة؟
الجواب: القرى المراد بها المدن، وقد شاهدنا الكثير من المدن في عذاب، وفي حال كتابة هذا (6/ 11/ 1438 هـ) أكثر مدن اليمن تحت ويلات العذاب بسبب الحرب التي اشتعلت في اليمن قبل هذا التاريخ بسنتين ونصف تقريباً، ومدن سوريا والعراق وليبيا طحنتها الحروب، وفي الحرب العالمية الثانية حصل من الخراب والهلاك والقتل في مدن أوربا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط وشرق آسيا ما لا يخطر على بال، وإذا رجعنا إلى الوراء ونظرنا ما سطرته التواريخ رأينا تصديق وعد الله إما موتاً عاماً بوباء، وإما عدماً وجوعاً، وإما حروباً، وإما زلازل وفيضانات، وإما ... وإما ... إلخ.
الآية 59
وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا
📝 التفسير:
{وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ (2)بِهَا الْأَوَّلُونَ} أخبر الله سبحانه وتعالى أن حكمته اقتضت ألا ينزل لقريش آية من آياته العظيمة كناقة صالح؛ لأنه إن أعطاهم آية من آياته تلك، ولم يؤمنوا فسيعذبهم ويستأصلهم، وأنه لم يترك إنزال ما طلبوا من الآيات إلا رحمة بهم حتى لا يستأصلهم؛ لأنه عالم بأنه سيأتي من أصلابهم من يعبد الله سبحانه وتعالى ويوحده، وأن هذه هي الحكمة من عدم استئصالهم، فلم يستأصل قوم نوح إلا بعد أن علم أنهم لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً، وأنه لن يخرج من أصلابهم رجل يعبد الله سبحانه وتعالى، بخلاف مشركي قريش فقد علم الله أنه سيخرج من أصلابهم من يعبد الله، فعلى سبيل المثال عتبة بن أبي وقاص الذي شج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد وكسر رباعيته وأسقطه بداخل الحفرة وجرحه فقد خرج من صلبه أولاد كانوا من أعمدة الدين ومن أنصار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة كهاشم الملقب بالمرقال وابنه عبدالله.
{وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} فلو أنه أعطى قريشاً آية مثل آية ثمود هذه عندما أخرج الله سبحانه وتعالى لهم ناقة عظيمة من الجبل، وكانت تشرب عدل ما يشرب جميع قوم صالح {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ 155} [الشعراء]، لعذبهم لكفرهم بها كما عذب ثمود واستأصلهم عندما كفروا بها.
{وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا 59} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه إنما يرسل آياته ليخوف عباده ليرجعوا إليه.

__________

(2) -سؤال: ما محل المصدرين: {أَنْ نُرْسِلَ}، و {أَنْ كَذَّبَ}؟

الجواب: محل الأول الجر بـ «من» مقدرة، ومحل الثاني الرفع على أنه فاعل «منعنا».
الآية 60
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا
📝 التفسير:
{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} يذكر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد أحاط بالناس بعلمه وقدرته، وأنه مطلع على جميع أعمالهم لا يخفى عليه منها شيء؛ وسيجازيهم عليها ويحاسبهم على كبيرها وصغيرها.
{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ (1)الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا 60} كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد رأى في المنام بني أمية، وهم يتتابعون على منبره واحداً بعد واحد، ورؤيا الأنبياء حقيقة، فأخبره الله سبحانه وتعالى أن هذا الذي رآه في المنام إنما جعله فتنة للناس واختباراً لهم هل سيصبرون على إيمانهم؟ وهل سيتمسكون به أم سيميلون مع هؤلاء الظلمة الذين سيتولون عليهم؟
والشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أمية وبنو مخزوم من قريش، وهم الذين قاموا في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي وجه دعوته من حين مبعثه إلى أن فتح مكة.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أنه يخوفهم بآياته ولكن ذلك لم يزدهم إلا طغياناً وعناداً وتمرداً.

__________
(1) -سؤال: فضلاً علام عطف: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ}؟ وكيف يكون التركيب المفروض؟

الجواب: «والشجرة .... » معطوفة على الرؤيا والتقدير: وما جعلنا الرؤيا والشجرة ... إلا فتنة للناس، ولكنه عدل عن هذا التركيب لأن الضمائر في قوله: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا 60} تعود إلى الشجرة الملعونة دون من رآهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرؤيا.