القرآن الكريم مع التفسير

سورة الحج

آية
إجمالي الآيات: 78 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 41
الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ
📝 التفسير:
{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ (2) فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} (3) فهؤلاء هم الذين وعدهم الله سبحانه وتعالى بالنصر.
{وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ 41} العاقبة الحسنة ستكون لأوليائه، ولو كان يحصل لهم في أول الأمر إحباط وشدة وخوف وهزيمة، وهذا هو ما حصل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في آخر الأمر فقد أعزهم الله سبحانه وتعالى بعد الذلة ومكنهم على ألد أعدائهم من قريش حتى دخلوا عليهم في عقر دورهم، وقهروهم فدخلوا في الإسلام مُكْرَهين خوفاً من حرِّ السيوف.
__________

(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ}؟
الجواب: تعرب بدلاً من الموصول أو ترفع على «هم الذين» أو ينصب على «أعني أو أمدح الذين .. ».
(3) - سؤال: هل يؤخذ من هذه الآية أن التمكين شرط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فإذا قيل: فيلزم أن يكون شرطاً في إقامة الصلاة فكيف نرد على ذلك؟
الجواب: التمكين شرط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشرط أيضاً في إظهار أكبر شرائع الإسلام فلا يجب إظهار الصلاة على الساحة العامة بأذان مرفوع وصلاة جماعة في مسجد جامع إلا عند التمكين لذلك، فلم تقم شعيرة الصلاة بأذان وجماعة جامعة في الساحة العامة وفي مسجد جامع إلا في المدينة حين حصل التمكين للمؤمنين.
الآية 42
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ
📝 التفسير:
{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ} يا محمد ولم يستجيبوا لك، ورفضوا دعوتك {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ 42 وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ 43 (1) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى} فلست أول رسول كذبه قومه، فقد لقي الأنبياء من قبلك مثل ما تلقاه من قومك من التكذيب والاستهزاء، فحالك كحالهم.
__________
(1) - سؤال: هل في إطلاق الباري تعالى لاسم قبائل عاد وثمود تمييز لهم عن أصحاب نوح وإبراهيم و ... حتى عبّر عنهم بقوم نوح وقوم إبراهيم؟
الجواب: قد كانت عاد وثمود معروفون عند العرب بهذا الاسم ولهم بهم معرفة كونهم من قبائل جزيرة العرب، أما قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين فلم يكونوا معروفين عند العرب كمعرفتهم لعاد وثمود.
الآية 43
وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ
📝 التفسير:
{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ} يا محمد ولم يستجيبوا لك، ورفضوا دعوتك {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ 42 وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ 43 (1) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى} فلست أول رسول كذبه قومه، فقد لقي الأنبياء من قبلك مثل ما تلقاه من قومك من التكذيب والاستهزاء، فحالك كحالهم.
__________
(1) - سؤال: هل في إطلاق الباري تعالى لاسم قبائل عاد وثمود تمييز لهم عن أصحاب نوح وإبراهيم و ... حتى عبّر عنهم بقوم نوح وقوم إبراهيم؟
الجواب: قد كانت عاد وثمود معروفون عند العرب بهذا الاسم ولهم بهم معرفة كونهم من قبائل جزيرة العرب، أما قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين فلم يكونوا معروفين عند العرب كمعرفتهم لعاد وثمود.
الآية 44
وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
📝 التفسير:
{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ} يا محمد ولم يستجيبوا لك، ورفضوا دعوتك {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ 42 وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ 43 (1) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى} فلست أول رسول كذبه قومه، فقد لقي الأنبياء من قبلك مثل ما تلقاه من قومك من التكذيب والاستهزاء، فحالك كحالهم.
{فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} وكل الكافرين والمكذبين بأنبيائهم فإن الله سبحانه وتعالى يمهلهم ويمد لهم في أعمارهم ويزيدهم من نعمه، ويمتعهم بالصحة في حياتهم، ولا يأخذهم بعذابه ساعة تكذيبهم برسلهم؛ لعلهم ينتبهون من غفلتهم يوماً، ولأجل إتمام الحجة عليهم يوم القيامة فلا يكون لهم أي عذر عند الله سبحانه وتعالى.
{ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ 44} يعظم الله تعالى ويهوِّل إنكاره وأخذه وعذابه الذي أنزله بقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط، وانظر إلى عذابه الذي أنزله على قوم نوح عليه السلام عندما أغرقهم بالطوفان الذي دمرهم واستأصلهم ودمر مساكنهم ومزارعهم، وعطل الحياة كلها على وجه الأرض بما فيها من الحيوانات والطير والوحوش، ولم ينج إلا من كان في السفينة مع نوح، وعلى هذا المنوال ما أنزله الله سبحانه وتعالى على بقية الأمم من العذاب.

__________
(1) - سؤال: هل في إطلاق الباري تعالى لاسم قبائل عاد وثمود تمييز لهم عن أصحاب نوح وإبراهيم و ... حتى عبّر عنهم بقوم نوح وقوم إبراهيم؟
الجواب: قد كانت عاد وثمود معروفون عند العرب بهذا الاسم ولهم بهم معرفة كونهم من قبائل جزيرة العرب، أما قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين فلم يكونوا معروفين عند العرب كمعرفتهم لعاد وثمود.
الآية 45
فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ
📝 التفسير:
{فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ 45} (1) أي كثير من القرى أهلكها الله سبحانه وتعالى ودمرها بسبب ظلم أهلها بالكفر والتكذيب، وخرب دورها ومساكنها، ومعنى «خاوية على عروشها»: ضعفت أعمدة البيوت وجدرانها فسقطت السقوف عليها، وكم من بئر أصبحت خالية من أهلها بعد أن كانوا يزدحمون حولها ويستقون من مائها هم ومواشيهم ودوابهم، وأيضاً تلك القصور الناظرة والفاخرة التي كانت عامرة بأهلها فذهبوا وتركوها خالية، وكأن أحداً لم يسكنها، فقد أبادهم الله سبحانه وتعالى بسبب تكذيبهم.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا}؟ وعلام عطف قوله: {وَبِئْرٍ}؟
الجواب: «كأين» خبرية مبني على السكون في محل رفع مبتدأ والجملة بعدها خبر أو في محل نصب على الاشتغال بفعل مقدر يفسره: «أهلكناها»، و «من قرية» تمييز، و «بئر» معطوف على قرية.
سؤال: ما حجة من قال بأن البئر المعطلة المذكورة في الآية في منطقة ريدة أو ناعط وما حولها التي سكنها ملوك حمير؟
الجواب: الآية تحدثت عن قرى كثيرة العدد وعن آبار كثيرة العدد كانت آهلة بالسكان فأهلك الله تعالى أهل القرى وأهل الآبار بظلمهم فخربت القرى وتعطلت الآبار من الناس، ولم يُقصد في الآية بئر بعينها ولا بئران، لكن تدخل كل بئر استؤصل أهلها بالعذاب، ومنها ما كان في اليمن وحضرموت وجزيرة العرب بلاد عاد وثمود وقوم تبع وحمير، والله أعلم.
الآية 46
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
📝 التفسير:
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا (2)أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} يستنكر الله سبحانه وتعالى على المشركين، ويعجبنا من حالهم كيف يرون ما قد حل بأولئك القوم المكذبين بسبب تكذيبهم بأنبيائهم، فلم يتعظوا ولم يتركوا التكذيب والكفر وقد كانوا يمرون على تلك القرى في طريق أسفارهم وتنقلاتهم، ويشاهدون مساكنهم وقراهم وما حل عليها، وكيف أبادها الله سبحانه وتعالى ودمرها واستأصلها، فلماذا لا يعتبرون بها وبما حل على أهلها؛ لأنه كان من المفترض بهم عندما يرون ذلك أن يحذروا من أن يقعوا في مثل ما حل بتلك الأمم، شأن كل عاقل إذا رأى مثل ذلك.
{فَإِنَّهَا (1) لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ 46} فقد رأوا القصور المشيدة والآبار المعطلة، ورأوا ما حل بأهلها غير أن قلوبهم عميت عن الحق فلم تبصر الهدى ولم تعتبر.

__________

(2) - سؤال: إذا قيل: تدل هذه الآية على أن القلب آلة ووسيلة للعقل، فكيف استنبطتم أن القلب محل العقل فبماذا نجيب؟

الجواب: القلب آلة للعقل كما أن العين آلة للبصر، والأذن آلة للسمع، وهذا هو ما يريده من يقول إن القلب هو محل العقل والأذن هو محل السمع لا يريدون إلا هذا.

(1) - سؤال: فضلاً ما هو الرابط بين هذا التعليل وبين أول الآية؟
الجواب: الرابط أن هذا الكلام الذي دخلت عليه الفاء بيان للعلة التي كانت السبب في عدم اعتبارهم.
الآية 47
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ
📝 التفسير:
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن قريشاً يطلبون منه أن يعجل بإنزال ما يتوعدهم به من عذاب الله سبحانه وتعالى وسخطه، وما يهددهم به من أنه سيحل بهم مثل ما حل بتلك الأمم المكذبة.
{وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} فأخبره الله تعالى بأنه سيعذبهم لا محالة، غير أن لذلك أجلاً لا بد أن يحين وقته.
{وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ 47} يريد بذلك أنه سبحانه وتعالى لا يعجلُ كما هو شأنُ بني آدم، وأن الزمن قصير عنده، فما دام العباد في قبضته وتحت قدرته، وهو متمكن منهم متى شاء فلا داعي لأن يستعجل عليهم (2).
__________

(2) - سؤال: يقال: وهل يصح أن تحمل الآية على التهديد لهم بأمر القيامة وأن يوماً من أيامها مثل ألف سنة في حساب المخلوقين لأن الإخبار عن اليوم؟

الجواب: يوم القيامة مقداره كما قال الله تعالى: {مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ 4} [المعارج]، فلم يصح تفسيره بأنه يوم من أيام يوم القيامة، وما ذكرناه من التفسير هو بمعونة السياق.
الآية 48
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
📝 التفسير:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا} فكم من القرى أمهل الله سبحانه وتعالى أهلها، ولم يَعْجَل بنزول العذاب عليهم، بل تركهم يجيئون ويذهبون، ومتعهم بالصحة والعافية، وقلَّبهم بين نعمه، ولكنه آخر الأمر يعذبهم جزاءً على ظلمهم وكفرهم وتكذيبهم؛ فلا تستبعد قريش عندما ترى ما هي عليه من الجاه والسلطان والقوة والعزة أن يأخذها الله بعذابه، فشأنها كشأن تلك الأمم سواء.
{وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ 48} حتى ولو لم يأخذهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا فمرجعهم إليه يوم القيامة وسيحاسبهم ثم يعذبهم في نار جهنم، وكفى بها جزاءً.
الآية 49
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
📝 التفسير:
{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ 49} أخبرهم يا محمد أن الله سبحانه وتعالى لم يرسلك إلا لتنذرهم بالآيات الواضحات، والحجج القاطعة، والمعجزات الدالة على صدق ما جئت به، وأخبرهم أن تعذيبهم ليس بيدك، وأنك لن تستطيع أن تدخلهم في الإيمان، أو أن تحاسبهم؛ فأمر ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، فلا تهتم بما يطلبونه منك يا محمد.
الآية 50
فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
📝 التفسير:
{فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ 50} وأخبرهم بأن من آمن وعمل الأعمال الصالحة فسيغفر الله سبحانه وتعالى لهم ذنوبهم، وسيجازيهم في دار النعيم في الجنة.
الآية 51
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ 51} وأما من سعوا في إبطال ما جئت به، وجهدوا جهدهم في طمس آيات الله سبحانه وتعالى وتكذيبها وردها، ويظنون مع ذلك أنهم سيعجزون الله تعالى، ويتغلبون عليه؛ فهؤلاء هم أصحاب النار خالدين فيها أبداً.
الآية 52
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
📝 التفسير:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 52} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه إذا أرسل نبياً إلى أمة ثم تلا عليهم آيات الله فإن الشيطان يدخل بوساوسه في قلوبهم محاولاً إدخال الريب والشك عليهم، ويدخل بوساوسه مع هذه الآيات ليلبس عليهم في صحتها وصدقها، حتى ولو كان ذلك مؤمناً فإن إبليس لا بد أن يوسوس إليه، ويدخل الشك في قلبه، ولكن الله سبحانه وتعالى ينسخ ما يلقي الشيطان في قلوب المؤمنين من الوساوس والشبهات بالأدلة التي تدفع ذلك، ويثبت آياته ويحكمها في قلوبهم فلا يبقى لوسوسة الشيطان مدخل فيها (1).
__________
(1) - سؤال: ما أروع ما أوردتموه في هذا التفسير لكن ظهر لنا أن ذلك مبني على أن معنى الأمنية القراءة فهل لذلك دليل؟ ثم إنه قد يقال: ظاهر الآية أن الشيطان يلقي في نفس قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما الصارف إلى أنه يلقي في القلوب بسبب القراءة؟ وقد يقال: ظاهر الآية أن الإحكام بعد إزالة ما يلقي الشيطان وهو على كلامكم من قبل وفي حالة الإحكام فكيف ذلك حفظكم الله ورعاكم.
الجواب: الدليل على أن الأمنية تستعمل بمعنى القراءة قول الشاعر كما في الكشاف:
تمنى كتاب الله أول ليلة ... ***
وهو لحسان بن ثابت.

وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة:78]، أي: إلا قراءة، لأن الأمي لا يعلم القرآن من المصحف وإنما يعلمه قراءة هكذا استدل الرازي ثم ساق في الاستدلال على استعمال الأمنية في القراءة. ويلقي الشيطان الشك في قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتستقر القراءة والشك في القلوب، وبضاعة الشيطان هي وساوسه الخبيثة. وتعترض وساوس الشيطان وشبهه في قلوب المؤمنين وغيرهم فيفتتن بها الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم أما المؤمنون فإنها وإن اعترضت في قلوبهم الشبه ووساوس الشيطان فهم كما قال الله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ ... }.
الآية 53
لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
📝 التفسير:
{لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ 53} والسبب في التخلية من الله تعالى بين إبليس وبني آدم هو ما أراده من التكليف، وكذلك لأجل الفتنة والاختبار لضعاف الإيمان، فيتميز صادق الإيمان من الذي ليس كذلك، إذ سرعان ما ينكشف أمر هؤلاء الذين خلطوا إيمانهم بالأعمال السيئة والمعاصي فتكون وسوسة الشيطان في قلوب المنافقين وضعاف الإيمان سبباً لابتعادهم عن الإيمان، ودخولهم في عبادة الشيطان.
الآية 54
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
📝 التفسير:
{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أما المؤمنون الصادقون في إيمانهم فلا يقعون في تلك الفتن والوساوس التي يلقيها الشيطان (1)، وإذا وقعت فتنة فإنهم ينظرون فيها، ويتأملون حتى يحصل لهم العلم بأن ذلك من مكائد إبليس وفِتَنِهِ، وأيضاً قلوبهم خاضعة للحق ومتقبلة ومنقادة، وعندهم معرفة تامة بآيات الله ودلائل جلاله وعظمته فلا يلتفتون إلى وساوس الشيطان ومكائده، ولا تزيغ قلوبهم عن الإيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن وشرائع الإسلام، ومعنى «فتخبت له» أي: تخضع وتسكن.
{وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ 54} فهو يثبت المؤمنين وينور قلوبهم للحق والهدى، ويزيدهم منه فلا يتمكن إبليس ووساوسه من قلوبهم؛ أما الذين في قلوبهم مرض فقد اطمأنوا إلى وساوسه وركنوا إليها، فحلت في قلوبهم وتمكنت منها.
__________
(1) - سؤال: يقال: ظاهر الآية أن إلقاء الشيطان هذا سبب في علم أهل العلم بمصداقية القرآن وأحقيته فكيف ذلك؟
الجواب: يزداد أهل العلم ثباتاً لأن الناظر إذا تبين له بطلان شبه خصمه يزداد ثباتاً فيما هو عليه من دينه.
الآية 55
وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ
📝 التفسير:
{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} فهم في شك وريبة دائمة من القرآن الذي تتلوه عليهم يا محمد، ولن ينفكوا منها.
{حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ 55} (1) فاحسم طمعك من إيمانهم فقد استولى عليهم الشيطان، ولن يؤمنوا بك أبداً.
وهؤلاء هم أهل مكة، حتى إنهم عندما آمنوا يوم الفتح لم يكن إيمانهم صادقاً، وإنما كان خوفاً على أنفسهم من القتل.
__________
(1) - سؤال: فضلاً لماذا سمى الله يوم القيامة باليوم العقيم إن كان المراد به ذلك؟
الجواب: قد قالوا: إن المراد باليوم العقيم يوم بدر، وسمي عقيماً لأن أولاد النساء يقتلون فيصرن عقماً، أو لأنه يقال للمحاربين أبناء الحرب فإذا قتلوا في يوم الحرب قيل يوم عقيم.
الآية 56
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ
📝 التفسير:
{الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} (2) يعني يوم القيامة فالله سبحانه وتعالى هو وحده الذي سيحكم بين هؤلاء الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وبين المؤمنين؛ لأن كلاً منهم في الدنيا يدعي أنه وحده على الحق، وأن غيره في ضلال.
ثم فَصَّلَ حكمَهُ بينهم بقوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ 56 وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ 57} فهذا هو حكم الله سبحانه وتعالى بينهم يوم القيامة فيدخل أهل الحق الجنة وأهل الباطل النار.
__________

(2) - سؤال: ما محل جملة: {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}؟
الجواب: مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر أي: ماذا يصنع بهم.
الآية 57
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
📝 التفسير:
{الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} (2) يعني يوم القيامة فالله سبحانه وتعالى هو وحده الذي سيحكم بين هؤلاء الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وبين المؤمنين؛ لأن كلاً منهم في الدنيا يدعي أنه وحده على الحق، وأن غيره في ضلال.
ثم فَصَّلَ حكمَهُ بينهم بقوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ 56 وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ 57} فهذا هو حكم الله سبحانه وتعالى بينهم يوم القيامة فيدخل أهل الحق الجنة وأهل الباطل النار.
__________

(2) - سؤال: ما محل جملة: {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ}؟
الجواب: مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر أي: ماذا يصنع بهم.
الآية 58
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
📝 التفسير:
{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ 58} وَعَدَ اللهُ تعالى المهاجرين الذين لا غرض لهم في الهجرة من مكة إلى المدينة إلا طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه بالوعد الحسن في الدنيا والآخرة. والرزق الحسن هو الجنة ونعيمها.
يخاطب الله سبحانه وتعالى بالقرآن أولئك الموجودين في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين والمؤمنين واليهود والنصارى وغيرهم، ويلحق بهم كل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة قال تعالى: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام:19]، فكل خطاب وكل تكليف أو أمر أو نهي موجه للأولين فهو موجه للآخرين أيضاً.
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا هجرة بعد الفتح)) المراد به من مكة إلى المدينة، فقد أصبحت مكة دار إسلام، وأما الهجرة فهي واجبة من دار الكفر إلى دار الإيمان ما دام المؤمن متمكناً منها للآيات والأخبار الصحيحة الصريحة المذكورة في مظانها.
الآية 59
لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ
📝 التفسير:
{لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ 59} أقسم الله سبحانه وتعالى أنه سوف يثيبهم في الدنيا بأن يعوضهم بدل ديارهم التي تركوها لأجله ولأجل دينه دياراً (1) خيراً منها، وسيسبغ عليهم نعمه، ويرزقهم الأمن والأمان، وكذلك في الآخرة يثيبهم بالنعيم الدائم في جنات النعيم.
__________
(1) - سؤال: يقال: هل هذا منكم بناء على أن مدخلاً اسم مكان يحتمل الأمرين في الدنيا والآخرة؟
الجواب: قرئ مدخلاً بفتح الميم وبضمها فبالفتح اسم مكان وبالضم المصدر، والتفسير على أنه بفتح الميم قراءة نافع وعلى قراءة الضم يكون المعنى: إدخالاً كريماً.
الآية 60
ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
📝 التفسير:
{ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ 60} (1) فمن اقتص من غريمه بمثل ما ألحقه به من جراحة أو غيرها (2)، ثم أراد الغريم أن ينتقم ممن اقتص منه فإن الله سبحانه وتعالى سينصره عليه ويمنعه منه، وعد منه تعالى بانتصاره للمظلوم أيًّا كان، ولكن لا بد في ذلك من اليقين والتحقق من جناية الجاني إما بالرؤية أو التواتر أو بشهادة الشهود، فلا يجوز له أن يأخذ على الظن والتهمة (3).
__________
(1) - سؤال: ما مناسبة ختم الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ 60}؟
الجواب: المناسبة هي كون المقتص ترك ما ندبه الله إليه ودعاه ورغّبه فيه {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى:40]، {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237]، {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ 43} [الشورى].
(2) - سؤال: يقال: فما وجه اشتراط أهل المذهب في الجراحة أن تكون موضحة فما فوق، وأن تكون في مفصل ونحو ذلك؟
الجواب: اشتراطهم ذلك لتعلم المساواة فلا تعلم المساواة إلا إذا كانت الجناية قد بلغت العظم وأوضحته أو كانت قطعاً من مفصل.
(3) - سؤال: يقال: هل يجوز للإنسان أن يقتص بشهادة الشهود أم لا بد له من حكم حاكم معتبر مع ذلك؟
الجواب: لا يجوز إلا إذا حكم الحاكم بالاقتصاص بشهادة الشهود.