القرآن الكريم مع التفسير

سورة الفرقان

آية
إجمالي الآيات: 77 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 41
وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
📝 التفسير:
{وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} وأخبره أن قريشاً إذا نظرت إليك يا محمد فإنما ينظرون إليك نظر استهزاء واحتقار، ويجعلونك محل سخريتهم واستهزائهم.
{أَهَذَا (2) الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا 41} (3)هذا تفسير الهزؤ الذي يستهزئون به والاحتقار الذي يحتقرونه به، فذكر أنهم كانوا يقولون: أهذا الفقير يتيم أبي طالب هو الذي يدعي أنه نبي مبعوث من عند الله؟! أما رأى الله تعالى إلا هذا ليجعله محل نبوته ورسالته؟! يتضاحكون بذلك.

__________

(2) - سؤال: هل يعني أن هذه الجملة لا محل لها؛ لأنها جواب سؤال مقدر؟
الجواب: لا محل لها؛ لما ذكرتم.
(3) - سؤال: أين العائد للموصول الذي في الآية؟ وما إعراب {رَسُولًا}؟

الجواب: العائد محذوف أي: بعثه الله رسولاً، و «رسولاً» حال.


الآية 42
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا (1) عَلَيْهَا} وكانوا يقولون: إن محمداً قد أوشك أن يدخلنا في ضلاله وسحره، لولا زكاء عقولنا، وقوة إيماننا بآلهتنا، وتمسكنا بديننا.
{وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا 42} فرد الله سبحانه وتعالى عليهم بأنهم عما قريب سيعلمون من هو الذي في طريق الحق، ومن هو الذي في طريق الضلال.
______________

(1) - سؤال: ما إعراب: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا}؟ وما محل المصدر: {أَنْ صَبَرْنَا}؟
الجواب: «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن مستتر، وجملة «كاد ليضلنا» خبرها، ومحل المصدر الرفع مبتدأ.
الآية 43
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
📝 التفسير:
{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (2) أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا 43} أخبرني يا محمد عن ذلك الذي يتبع هوى نفسه، ويميل معها حيثما مالت به، هل تستطيع أن تمنعه عن ذلك أو أن تحاسبه؟ وهل تستطيع أن تدخله في الهدى والإيمان؟
فاتركه يختار الطريق التي أراد فمرجعه إلينا وسنحاسبه ونجازيه، أما أنت فقد أديت ما عليك من التبليغ.
__________

(2) - سؤال: فضلاً لم أخر «هواه»، والأصل: اتخذ الهوى إلهاً؟
الجواب: قدم «إلهه» لأن ذكره أهم من حيث أن الإلهية هي مركز الاستنكار.
سؤال: ما المسوغ لإطلاق الآلهة على الهوى بالنسبة لمتبع الهوى؟
الجواب: المسوغ لذلك أنهم جعلوا للهوى من الطاعة والانقياد ما لا ينبغي إلا لله.
الآية 44
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{أَمْ (3)تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} أم تظن يا محمد أنهم يسمعون الهدى الذي تأتيهم به أو يتفكرون في الآيات التي تتلوها عليهم.
{إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ} فما حالهم إلا كحال البهائم لا يفقهون شيئاً مما تقول، {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا 44} بل إن الأنعام أفضل حالاً منهم.

__________

(3) - سؤال: ما معنى الاستفهام في هذه الآية: {أَمْ تَحْسَبُ ... } إلخ؟

الجواب: الاستفهام استنكاري.
الآية 45
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
📝 التفسير:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} ألم تنظر إلى آيات ربك التي جعلها لعباده في الأرض دالة على عظمته وجلاله وقدرته، فلماذا لا تنظرون وتتفكرون فيها؟
ثم أخبرهم كيف يتفكرون فأمرهم أن ينظروا إلى ظل الأشياء كيف يكون في أول النهار ممدوداً، ثم يبدأ في التناقص إلى أن ينتهي، ثم يزيد، وهكذا.
{وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} وأنه لو شاء لأمسك الشمس مكانها فلا يتحرك ذلك الظل أو يزيد أو ينقص.
{ثُمَّ جَعَلْنَا (1) الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا 45} (2) وأن الظل هذا الذي ترونه يأتي بسبب الشمس ويسير بسيرها (3).
__________
(1) - سؤال: فضلاً علام عطف هذا الفعل؟
الجواب: عطف على: {مَدَّ الظِّلَّ}.
(2) - سؤال: لم يظهر لبعض المرشدين كون الشمس دليلاً على الظل وأن معناه أنها سبب فيه، فلو وضحتموه أكثر، أيدكم الله بتأييده؟
الجواب: الظل المذكور هنا آية من آيات الله الدالة على قدرته وعلمه وحكمته وعظيم رحمته، يجيء مع مجيء الشمس، وينتهي بمغيبها، فهو ملازم للشمس، ولا يكون له وجود إلا إذا كانت الشمس في السماء، وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا 45} يدل على أن آية الشمس أعظم وأكبر من آية الظل، فالظل آية عظيمة تابعة لآية الشمس التي هي أعظم وأكبر؛ لأن الظل بالنسبة للشمس ليس إلا أثراً من آثارها، فالشمس هي الأصل لوجود الظل.
(3) - سؤال: هل ما يقال: إن الشمس تبعث الإنسان وغيره على الاستظلال فكأن الشمس تقول للإنسان: اذهب إلى الظل، فكانت دليلاً للإنسان على الظل- صحيح؟ أو ما رأيكم فيه؟

الجواب: قد يكون ذلك وجه صحيح، ينضم إلى ما ذكرنا في جواب السؤال السابق، والله أعلم.
الآية 46
ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا
📝 التفسير:
{ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا 46} وذلك أنه عند شروق الشمس يكون ممتداً ثم يأخذ في التناهي والتناقص شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي، وذلك هو المراد بقوله قبضناه، فكل ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى وإرادته.
فالشمس هذه آية من آيات الله الدالة عليه، فالمفروض أن ينظروا فيها ويتفكروا في عجائبها ليعرفوا قوة من أبدعها وأوجدها، وأنه وحده الذي يستحق العبادة، دون تلك الأصنام التي يعبدونها، والتي لا تملك شيئاً، أو تستطيع فعل أي شيء.
الآية 47
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا 47}
ثم أمرهم أن يتفكروا في آية الليل والنهار، فأمرهم أن ينظروا كيف جعل لهم الليل ستراً يسترهم من عدوهم فيسيرون آمنين تحت ظلامه؛ لأن العرب كانوا في خوف وثأرات وقتل وقتال، وكانوا يستعينون بظلام الليل في التخفي من أعدائهم تحت أستاره، فأمرهم الله سبحانه وتعالى أن ينظروا في هذه الآية، ويتفكروا من الذي سخرها لهم؟ وما مدى قدرته وعلمه؟
وكذلك فيما جعل لهم في النوم من الراحة والهدوء لأجسامهم، وإزالة ما يلاقونه من الجهد والتعب في نهارهم، فلا يستيقظون صباحاً إلا وقد استعادت أجسامهم نشاطها، وعادت إليها حيويتها، فكيف يكون حالهم لو سلب الله تعالى عليهم هذه النعمة العظيمة التي أنعم بها عليهم؟
وأيضاً أمرهم أن ينظروا كيف أضاء لهم النهار وجعله مبصراً ليستطيعوا أن ينظروا إلى أمور معايشهم ويهتدوا إلى أرزاقهم، ويتنقلوا في الأرض ليبتغوا من فضل ربهم وما جعل لهم من الرزق فيها، فكيف يكون حالهم لو سلب الله تعالى عنهم هذه النعمة العظيمة؟ وكيف سيهتدون إلى أرزاقهم ومعايشهم؟
يحثهم الله سبحانه وتعالى أن ينظروا في آياته هذه ليرجعوا إليه ويتوجهوا بعبادتهم إليه وحده، ويتركوا عبادة الأصنام التي لا تملك شيئاً، أو تهتدي إلى شيء.
الآية 48
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} وأخبرهم أنه هو الذي يرسل الرياح لا الأصنام التي يعبدونها.
{بُشْرًا (1) بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} وأنه يرسلها لتبشر الناس بنزول المطر، وهو المراد برحمته، وبين يدي رحمته يعني قبيل نزول المطر.
{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا 48} وأنه هو الذي ينزل لكم من جهة السماء الماء الطهور الذي تشربونه وتتطهرون به وتسقون منه أشجاركم وأنعامكم ودوابكم.
__________
(1) - سؤال: ما إعراب {بُشْرًا}؟ وكيف يكون معناها على القراءة الأخرى: {نُشُراً} بالنون؟
الجواب: «بشراً» حال كقوله تعالى: {يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} [الروم:46]. و «نشراً» بالنون: حال أيضاً ومعناها كالمعنى في قوله تعالى: {وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا 3} [المرسلات]، أي: حال كونها تنشر السحاب في الجو.
الآية 49
لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا
📝 التفسير:
{لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} (2) وأنه ينزله لأجل أن يحيي به البلاد التي ماتت من الجدب.
{وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ (3)كَثِيرًا 49} ولأجل أن نسقي به الأنعام والناس، يعدد الله سبحانه وتعالى عليهم آياته هذه أيضاً ويذكرهم بها لعلهم يرجعون إليه ويتوجهون بعبادتهم إليه؛ لأنه وحده الذي يستحق العبادة دون تلك الأصنام التي يعبدونها.

__________

(2) - سؤال: ما الوجه في تذكير هذه الصفة {مَيْتًا}؟
الجواب: ذكرت الصفة لأن البلدة في معنى البلد فجاءت الصفة على المعنى الذي يسمى في غير القرآن على التوهم.
(3) - سؤال: ما أصل هذا الاسم ونوعه؟ وكيف تعدى «نسقي» إلى الضمير بنفسه، وقد يفهم تعديته بالباء «نسقي به»؟
الجواب: قال الفراء والزجاج: الإنسي والأناسي مثل الكرسي والكراسي. اهـ من الرازي. أي: أن الياء فيهما ليست للنسب، والإنسي مفرد، وجمعه: أناسي، كما تقول: كرسي وكراسي، والإنس اسم للجنس الجمعي، والإنسان كذلك اسم للجنس، والناس اسم جنس جمعي.

«نُسقي» بضم النون يتعدى بنفسه، {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} [الحجر:22]، {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا} [النحل:66].
الآية 50
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا 50} (1) صرف الله المطر بين الناس على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ليتنبهوا إلى عظيم رحمة الله بعباده، ولما فيه من الآية على عظمة الله وقدرته وعلمه وحكمته، إلا أنهم أبوا التفكر والتدبر، وأعرضوا وكفروا بعظيم نعمة الله عليهم.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما إعراب: {إِلَّا كُفُورًا 50} بالتفصيل؟
الجواب: الاستثناء مفرغ على المعنى، من حيث إن: {أَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ} في معنى: لم يرض أكثر الناس إلا كفوراً.
الآية 51
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا
📝 التفسير:
{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا 51} وأخبر أنه لو شاء أن يبعث في كل قرية نبياً يدعوهم- لَفَعَل، غير أن حكمته اقتضت أن يرسل نبياً واحداً إلى الناس جميعاً.
الآية 52
فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا
📝 التفسير:
{فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} ثم نهى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يسمع للكافرين أو يستجيب لما يطلبون منه؛ لأنهم كانوا يريدون منه أن يترك دعوتهم وتبليغهم رسالة ربه.
{وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا 52} (2)وأمره أن يجاهد المشركين بالقرآن والدعوة، وأن يبالغ في ذلك في كل الأوقات، متجاوزاً لكل العوائق والعقبات من كثرة المكذبين، وعدم الاستجابة والاستهزاء والاستحقار.

__________

(2) - سؤال: هل هذه الآية نصٌّ في أن الإرشاد والمقارعة بالحجة جهاد في سبيل الله، يستحق فاعلها ثواب المجاهدين؟

الجواب: نعم، هذه الآية دليل قاطع على أن الإرشاد والدعوة إلى الله، وإعلان الحق وإظهاره بالحجة والبرهان جهاد في سبيل الله، بل إن أفضل الأعمال هو عمل الأنبياء الذين يبلغون رسالات الله، والإرشاد والدعوة إلى الدين الحق هو عمل الأنبياء والرسل ¢ الذي كلفهم الله تعالى به، وحمَّلهم نشره بين الناس، وحتم عليهم تبليغه. والجهاد بالسيف إنما هو وسيلة إلى الدعوة إلى الله وإرشاد الناس عند الحاجة والضرورة للجهاد بالسيف، والمفروض أن المتوسل إليه أفضل من الوسيلة.
الآية 53
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا 53} ثم رجع إلى تذكيرهم بقدرته وتمكنه في كل شيء، فأخبر أنه بقدرته وحده خلط هذا البحر المالح بالبحر العذب، فجعل أحدهما يشق طريقه وسط الآخر من دون أن يمتزج به أو يخالط أجزاءه، ثم في الأخير ينفصل كل منهما عن الآخر ويسير كل منهما في جهة، وكان المسافرون في البحر يستطيعون الشرب من تلك المياه العذبة في وسطه على الرغم من الأمواج الهائلة وهيجان مياه البحر؛ لأن قدرة الله سبحانه وتعالى قد منعت من اختلاط تلك المياه وامتزاجها (1).
__________
(1) - سؤال: هل عرف هذا البحر الذي يمتلك هذه الخاصية؟ أم تريدون أنها خاصية كل بحر فلعله يشكل؟ وما رأيكم فيما قيل إن هذه الخاصية موجودة في بحر في إيران حيث يلتقي بحران بهذه الصفة ولا تمتزج الملوحة بالعذوبة رغم اختلاطهما؟
الجواب: قالوا: إن ذلك كان قبل وجود البواخر الكبيرة فقد كان دجلة والفرات يصبان في الخليج العربي ويجري ماؤهما فيه من غير أن يختلط بماء الخليج.
الآية 54
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا
📝 التفسير:
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا} وهو تلك النطفة الحقيرة التي يلقيها الرجل في رحم المرأة، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي يجعلها من بعد ذلك إنساناً سوياً، لا تلك الأصنام التي يعبدونها من دونه.
{فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} ثم أخبر أنه قد جعل هذا البشر المخلوق من الماء على قسمين: نسباً وهم الذكور، وصهراً وهم الإناث (2).
{وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا 54} وهو وحده القادر على ذلك وعلى كل شيء.

__________

(2) - سؤال: لم نفهم كيف جُعِل النسب هم الذكور والصهر هم الإناث؟ وأيضاً كيف أخبر عن الذات «البشر» باسم المعنى «النسب»؟

الجواب: المراد ذوي نسب وهم الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان بن فلان، وفلانة بنت فلان، وذوات صهر أي: إناثاً يصاهر بهن، وما ذكرنا من التقدير هو المصحح للإخبار باسم المعنى.
الآية 55
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا
📝 التفسير:
{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ} فبالرغم من كل الآيات التي رآها المشركون، والتي قد استيقنوا عندها أن الله تعالى هو الذي أوجدها، وأنه المتصرف في جميعها بقدرته وقوته، لم يعتبروا بها أو يتعظوا، ولا زالوا في ظلمات الجهل والضلال يتخبطون، وعلى الكفر والتكذيب والإعراض محافظين، ذاهبين إلى عبادة تلك الأصنام التي لا تنفعهم بشيء أو تضرهم.
{وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ (1) ظَهِيرًا 55} وكانت طبيعة الكفار والمشركين مناصرة أعداء الله ضد أنبيائه ورسله، ومظاهرتهم ومعاونتهم على حرب رسله وأنبيائه، ومعنى «ظهيراً» معاوناً ومساعداً.
__________
(1) - سؤال: هل ترون هذا على حذف مضاف أي: رسل ربه؟ أم ماذا؟
الجواب: المحاربة للرسل وللكتب المنزلة من عند الله ولأولياء الله هي محاربة لله، فعلى هذا لا مانع من تقدير مضاف، أو عدم تقديره؛ فيجوز الوجهان.
الآية 56
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا
📝 التفسير:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا 56} ثم أوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يرسله إلى المشركين ليدخلهم في الإسلام كرهاً، فليست هذه مهمته وإنما مهمته التبليغ، وأن يبشرهم وينذرهم بما أعد الله لهم من الثواب والعقاب، وأما أمر حسابهم وجزائهم فهو إلى الله سبحانه وتعالى وحده.
وكان قد كبر في نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما لم يَرَ فيهم أيَّ تَأثُّرٍ بدعوته، ولم يلق منهم أي استجابة، فخاف أن يكون ذلك عن تقصير منه فيما كلفه ربه، فطمأنه الله سبحانه وتعالى في هذه الآية بأنه قد أدى مهمته على أكمل وجه.
الآية 57
قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا
📝 التفسير:
{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} وأمره أن يخبر المشركين أنه لم يطلب منهم أجراً مقابل تبليغهم حتى يمتنعوا عن الاستماع له واتِّباعِه خوفاً على أموالهم أن يهدروها في ذلك.
{إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا 57} (1) الاستثناء هنا بمعنى لكن، والمعنى لا أسألكم أي أجر على تبليغي لكم، ولكن من أراد أن يدخل في الإيمان والهدى فليدخل دون أي مقابل.

__________
(1) - سؤال: ما هي البلاغة المستوحاة من التعبير القرآني: {أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا 57}؟
الجواب: المعنى في هذه الآية مثل المعنى في قوله تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} [سبأ:47]، أي: أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الزكاة والإحسان إلى الوالدين والأقربين والجيران والمساكين والأيتام والأرامل وأبناء السبيل فمصلحة ذلك ومنافعه هي للمزكي والمنفق ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها أي منفعة ولا مصلحة تخصه.
سؤال: يقال: كيف يجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23]؟ وكيف نجمع بينهما وبين قوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ 86} [ص]؟
الجواب: مودة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومودة أهل بيته هي فريضة مفروضة من الله تعالى على أهل الإسلام، ومصلحتها ومنفعتها خاصة بأهل الإسلام، والمراد بالمودة هي الطاعة والاتباع، وطاعة الرسول وطاعة أهل بيته هي في الواقع والحقيقة طاعة لله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]، وإن سمى الله تعالى المودة أجراً فليست أجراً في الحقيقة، فالأجر في الحقيقة يكون من عين المال نقداً أو غير نقد، أو يكون منفعة قائمة مقام المال، والمودة في القربى ليست من هذا الباب.
الآية 58
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا
📝 التفسير:
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} وأمره أن يمضي في مواصلة دعوته متوكلاً عليه، وأخبره أن لا يهمه ما يوجهونه إليه من التهديدات والوعود فلن يستطيعوا أن يمسوه بأي أذى أو مكروه ما دام الله معه.
{وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} (1) ونزه الله تعالى من الشريك والمثيل، واحمده على كل ما أنعم به عليك، ومن وحد الله سبحانه وتعالى ونفى كل معبود سواه فقد سبحه. وحمدُ الله تعالى: هو الاعتراف بأن كل نعمة منه لا من غيره.
{وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا 58} (2) ويكفيك أن يكون الله هو الذي سينتقم من كل المكذبين بدعوتك، وأنه الذي سيحاسبهم ويعذبهم؛ لأنه وحده المطلع على أسرار عباده والمحصي لجميع أعمالهم، وسيجازيهم على صغيرها وكبيرها، لا يضيع عنده شيء.
__________
(1) - سؤال: فضلاً ما معنى الباء في قوله: {بِحَمْدِهِ}؟ وما هو المعنى الذي يضيفه إلى الجملة؟
الجواب: الباء للملابسة والمصاحبة، أي: فسبحه حال كونك متلبساً بحمده، أي: اجمع بين تسبيح الله وحمده.
(2) - سؤال: ما معنى الباء في «به»؟ وبماذا تعلقت مع مجرورها في قوله: {بِذُنُوبِ}؟ وما إعراب {خَبِيرًا}؟
الجواب: الباء في «به» زائدة، والهاء فاعل «كفى» مجرورة لفظاً مرفوعة محلاً، و «بذنوب» متعلق بخبيراً.
الآية 59
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا
📝 التفسير:
{الَّذِي خَلَقَ (3) السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} ثم وصف الله تعالى نفسه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما والمسيطر عليهما بقدرته وجبروته.
{فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} (4)وأخبره أن مدة خلقهما كان في ستة أيام، {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وأخبر بأنه بعد أن خلق السماوات والأرض وما بينهما استولى وسيطر على الجميع بقوته وقدرته وعلمه وتدبيره، والعرش المراد به ملك السماوات والأرض وما فيهما.
{الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا 59} ووصف نفسه بالرحمن دون غيره من الأسماء ليفيد بأنه الذي أنعم بكل تلك النعم الظاهرة المشاهدة المعلومة، وإذا سألت فاسأل (1) الرحمن فإنه المحيطُ خُبْراً بكل شيء، لا تخفى عليه خافية في السماوات والأرض.

__________

(3) - سؤال: من فضلكم ما إعراب: {الَّذِي خَلَقَ}؟ وهل يترتب إعراب {الرَّحْمَنُ} على إعراب: {الَّذِي خَلَقَ} أم لا؟
الجواب: «الذي خلق» صفة ثانية للحي في قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}، أو يعرب مبتدأ و «الرحمن» خبره، وإذا أعرب صفة -أي: «الذي» - فالرحمن خبر لمبتدأ محذوف أي: هو الرحمن.
(4) - سؤال: ما فائدة الإخبار بهذه المدة، مع العلم أنه لا يعجزه خلقهما في لحظة واحدة من يوم من تلك الأيام الطوال؟

الجواب: قد أشار إلى وجه الحكمة في قوله تعالى في سورة «ق»: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ 38 فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ}، ومثل هذه الآية قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ 36 إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ 37} [ق]. طالت الشدة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المؤمنين وقد وعدهم الله تعالى بالنصر والتمكين والأمن، وطال انتظار المؤمنين للنصر واستبطأوه؛ فأخبرهم الله تعالى أنه سينجز لهم وعده ولن يخلفه، فذكرهم بأنه قد أهلك الكثير من القرون الذين كذبوا بأنبيائهم وقد كانوا أشد من قريش بطشاً وفتكاً وأذىً؛ يطمئنهم بهذا أنه سيهلك عدوهم وينصرهم. ثم أفاد السياق في سورة «ق» بأن لا يستعجلوا فقد اقتضت حكمة الله التمهيل الطويل في أفعاله وقضائه وأحكامه فذكرهم بقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ 38} بعدما ذكرهم بذلك أمرهم بالصبر وبذكر الله على الدوام فقال: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ... } [ق:39]، وبهذا يظهر وجه قول المفسرين إنه تعالى خلق العالم في ستة أيام ليحملهم على الصبر ويبعثهم عليه ويوجههم إلى التمسك به.

(1) - سؤال: هل تريدون أن الفاء هنا فصيحة؟ وهل الباء في قوله: {بِهِ} على بابها أم أنها حلت محل «عن»؟ وما فائدة تنكير المفعول به: {خَبِيرًا}؟
الجواب: الفاء هي الفصيحة والباء في «به» متعلق بـ «خبيراً»، أو يتعلق بـ «فاسأل» وتكون بمعنى «عن». والتنكير في «خبيراً» للتعظيم.
الآية 60
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا
📝 التفسير:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ} يتكلم الله سبحانه وتعالى هنا عن المشركين بأن أحداً إذا أمرهم أن يسجدوا لذلك الذي وصف نفسه بأنه الرحمن: {قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ (2) أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} أجابوا مستنكرين عليه: ما هو هذا الرحمن الذي تسألنا السجود له؟ ومن هو حتى نسجد له؟
{وَزَادَهُمْ نُفُورًا 60} ثم أخبر الله تعالى أن هذا القول لا يزيدهم إلا نفوراً وبعداً عن الحق، أراد الله تعالى أن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تنفع فيهم أي نفع أو تؤثر فيهم أي تأثير، وأنه كلما دعاهم ازدادوا بعداً عن الحق والهدى وازدادوا عتواً واستكباراً.

__________

(2) - سؤال: هل في استخدامهم «ما» في السؤال عن الرحمن ما يوحي بزيادة تعنتهم واستهزائهم؟ إن كان فما وجه ذلك؟ وما العلة في فصل: {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} عن جملة: {وَمَا الرَّحْمَنُ} مع أنهما مشتركتان في كونهما مقول القول؟ وما هي فائدة دخول الواو في جوابهم: {وَمَا الرَّحْمَنُ}؟
الجواب: نعم، في استعمالهم «ما» للسؤال عن الرحمن تجاهل وتعنت واستخفاف يوحي بالتكبر والترفع، وذلك من حيث أن «ما» موضوعة للسؤال عن الشيء المجهول.
وفصل «أنسجد لما تأمرنا» لكونها بدلاً من: «وما الرحمن»؛ لأن معنى: «أنسجد لما تأمرنا»: أنسجد لما لا نعرفه. والواو في «وما الرحمن» زائدة وليست للعطف.