القرآن الكريم مع التفسير

سورة الروم

آية
إجمالي الآيات: 60 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 41
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
📝 التفسير:
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (1) بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ 41} ظهر الفساد في الأرض وهو ما يحصل من إخافة الطريق، ونهب الأموال، وإقلاق الأمن، وبث الرعب في قلوب الناس، فأخبر سبحانه أن كل ذلك الذي يحصل إنما هو عقاب بسبب الذنوب والمعاصي التي أطبقت وانتشرت بين أوساط الناس، فلو أنهم استقاموا على طاعة الله سبحانه وتعالى لهيأ لهم أسباب الأمن والأمان ولسهل لهم أرزاقهم، ووفر لهم أسباب معايشهم، ولأصلح لهم جميع أحوالهم، وبارك لهم في تجاراتهم وثمارهم وزروعهم.
ثم أخبر الله سبحانه وتعالى أن ما يحصل إنما هو جزاء (2)على بعض ذنوبهم، وأنه لو أخذهم بذنوبهم جميعها لأهلكهم ولدمرهم، وأخبر أيضاً أن في ذلك مصلحة لهم لعل ذلك يكون سبباً إلى رجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى، وتنبيهاً لهم إن أرادوا أن ينتبهوا من غفلتهم، ويستيقظوا من رقدتهم.

__________
(1) - سؤال: إذا قيل: ما هو الفساد في البحر فبماذا نجيب؟
الجواب: قد يكون الفساد في البحر هو تعسر ركوب البحر لشدة العواصف وهيجان البحر، وأيضاً قلة ماء الأنهار، وكثرة قراصنة البحر، وكثرة الغرقى فيه.
(2) - سؤال: هل هنا مقدر محذوف تقديره: ليذيقهم جزاء بعض الذي عملوا؟ أم كيف؟
الجواب: الأمر كذلك، فلا بد من التقدير المذكور.
سؤال: هل العقوبة من الله في هذه الآية بتخلية أهل الفساد وفسادهم؟ أم ماذا؟

الجواب: بعضها من الله كقلة الأمطار وفساد الثمار وهيجان البحار، وبعضها يحصل بالتخلية كتسليط الظلمة وقلة الأمن ونحو ذلك.
الآية 42
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ
📝 التفسير:
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ 42} (1) عندما دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قومه رفضوا وعاندوا واستكبروا، فأنزل الله سبحانه وتعالى عليه أن يأمر المشركين بأن ينظروا كيف كانت عاقبة أولئك الذين كانوا يتمردون على أنبيائهم، وذلك عند مرورهم على قراهم ومساكنهم، وكيف أصبحت بسبب ذلك؟ وكيف استأصلهم الله سبحانه وتعالى وأهلكهم جزاءً على كفرهم وتكذيبهم؟
__________
(1) - سؤال: ما محل جملة: {كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ 42}؟
الجواب: الجملة مستأنفة للتعليل فلا محل لها من الإعراب.
الآية 43
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ
📝 التفسير:
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يتوجه بوجهه وعبادته إلى الدين القيم، وأن يستقيم عليه، وأن لا يأخذه الوهن والفتور في مواصلة دعوته وتبليغه ما أمره.
{مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ} وهو يوم القيامة، فإذا حان موعده فقد انقطع الأمل، وأغلقت أبواب التوبة، فلا الندم ينفع ولا أحد يشفع.
{يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ 43} أي: يتفرقون إلى الجنة وإلى النار، وذلك يوم القيامة سينقسم الناس إلى فريقين: كفار ومؤمنين؛
الآية 44
مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
📝 التفسير:
ثم ذكر كل فريق وما يستحق فقال:
{مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} فالذين كفروا يكون وبال كفرهم عليهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً.
{وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ 44} وأما أهل الأعمال الصالحة فقد نفعوا أنفسهم بما قدموا من الأعمال الصالحة، وسيخلدون في نعيم الجنة.
الآية 45
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ
📝 التفسير:
{لِيَجْزِيَ (1) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ (2) إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ 45} فسيبعث الله سبحانه وتعالى الناس جميعاً يوم القيامة للحساب والجزاء، فيجزي المؤمنين بما استحقوه من الثواب على أعمالهم، ويعذب الكافرين جزاءً على كفرهم وتكذيبهم بالله تعالى وبما جاءت به رسله؛ فهذا هو الغرض الذي سيبعث الله تعالى الناس من أجله.
__________
(1) - سؤال: هل قوله: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ... } إلخ علة لقوله: {يَصَّدَّعُونَ 43} كما هو ظاهر كلامكم أيدكم الله بتأييده؟
الجواب: نعم، ذلك متعلق بيصدعون.
(2) - سؤال: يقال: ظاهر هذه الآية أن الثواب تفضل من الله سبحانه لا استحقاق، فكيف ترون ذلك؟ وكيف يجمع بين هذه الآية والآيات الأخرى: {وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} آية النور [النور:38]؟
الجواب: قد سبق منا جواب على مثل هذا السؤال خلاصته: أن الثواب في الآخرة تفضل من الله تعالى، إلا أنه سبحانه وتعالى جعله جزاءً؛ تفضلاً منه تعالى ولطفاً لأوليائه المؤمنين؛ ليستكثروا من الأعمال الصالحة؛ ليكثر أجرهم وثوابهم، وليحلو لهم الأجر والثواب ويعظم في نفوسهم، فإن ما حصل للمرء من المكاسب بعمل يده وبتعبه وجهده يكون أوقع في نفس المرء مما حصل عفواً بغير تعب.
الآية 46
وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
📝 التفسير:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ} (3) ومن آياته الدالة على قدرته وإلهيته وعظمته وجلاله تلك الرياح التي يرسلها مبشرة بقدوم المطر.
{وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ} وسخرها أيضاً لتسيير السفن في البحر.
{وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} (1) وهذا من فوائد الرياح التي سخرها الله تعالى لخلقه، وهو أنها تُسيّرُ السفن التي تحمل المسافرين في البحر للتجارة وجلب البضائع، وتسوق السحب وتلقحها، وبها تصلح الأشجار وتزكو الثمار، ويتلطف الهواء وتتخفف حرارة الجو.
{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 46} ومن فوائدها أيضاً أن جعلها الله تعالى من النعم العظيمة التي إذا شكرناه عليها تعرضنا لنيل ثوابه ورضوانه، وفيها أيضاً تلقيحُ الأشجارِ وإصلاحُ الثمارِ، وغير ذلك من الفوائد التي يكثر تعدادها.

__________
(3) - سؤال: هل إذاقة الرحمة هي التبشير بالمطر؟ أم أنها شيء آخر فما هو؟
الجواب: الذي يظهر أن الرحمة هي المطر وما يحصل بسببه من الأرزاق، وذلك أنه قد ذكر الرياح وذكر التبشير ثم عطف قوله: {وَلِيُذِيقَكُمْ ... }، وظاهر العطف التغاير.

(1) - سؤال: هل هذا العطف {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} على ما قبله من باب عطف الخاص على العام، أم لها مفهوم آخر؟
الجواب: ليس هذا العطف من عطف الخاص على العام، بل من عطف المتغايرات فالابتغاء من فضل الله هو غير جري الفلك في البحر، فالجري بالسفن على الماء نعمة، وتحصيل المكاسب والأرباح وتنمية الأموال بالتجارة نعمة أخرى.
الآية 47
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد أرسل كثيراً من الأنبياء إلى أممهم ليبلغوهم آياته وحججه، وأن كل نبي قد لاقى مثل ما لاقيت من أمتك يا محمد، فلا يضق صدرك أو يفتر عزمك أو تضعف قوتك في مواصلة ما أمرك ربك.
{فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} فاصبر يا محمد فإن الله تعالى سوف ينتقم لك من قومك كما انتقم من المكذبين بأنبيائهم قبلك.
{وَكَانَ حَقًّا (2)عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ 47} وعد من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لا بد أن ينتصر لأوليائه المؤمنين (1)؛ وكان المؤمنون قد استبطئوا نصر الله سبحانه وتعالى، وقد طالت عليهم مدة انتظارهم لذلك، فطمأن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، وبشره بأنه لا بد أن ينزل نصره للمؤمنين حين الموعد الذي قد حدده بحكمته لنزوله.

__________
(2) - سؤال: ما السر في تقديم الخبر في قوله: {وَكَانَ حَقًّا}؟

الجواب: قدم للاهتمام به وذلك أن المؤمنين كانوا قد استبطأوا النصر حتى ضعف يقين بعضهم بوقوعه، فقدم «حقاً» ليصدمهم أولاً بحتمية وقوع النصر، وأنه قضاء مقضي لا خلف فيه، وكون النصر حقاً أو غير حق هو الغرض من الكلام وهو المقتضي له؛ لذلك قدم.

(1) - سؤال: كثير من المؤمنين لا يرى النصر الفعلي لجماعة الحق فيتشكك في كونهم على الحق، فما توجيهكم في ذلك؟
الجواب: الابتلاء بالأعداء وقوتهم وظلمهم فتنة واختبار للمؤمنين، {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ .. } [محمد:4]، فمن نظر وتدبر فيما لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من الأذى والمضايقات سنين طويلة، وما أصابهم من القتل والجرح، ثم ما لقي علي عليه السلام وأهل بيته من ذلك- لم يحصل له شك بعدم النصر.
الآية 48
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
📝 التفسير:
{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ 48} ثم أخبر الله تعالى المشركين بأنه هو الذي يرسل الرياح التي تسوق ذلك البخار الذي يتصاعد من البحار فتجمعه حتى يتكون سحاباً يحمل الماء (2)،ثم تسوقه الرياح بأمر الله تعالى إلى حيث أراد أن ينزل رحمته التي يستبشر بها كل من وصلت إليه. ومعنى «كسفاً»: قطعاً متفرقة، والودق: المطر.

__________
(2) - سؤال: إذا قيل بأن البخار الذي يتصاعد لا يمكنه أن يكوّن السحاب الكثيف الكثير الذي يشبه الجبال، خصوصاً في أوقات الشتاء والبرودة، فبماذا يجاب على ذلك؟

الجواب: قال تعالى: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا 1} [النازعات]، فسرها الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام بالرياح تنزع السحاب من البحر، وبإرادة الله فإن الرياح تغرق في النزع، أي: تبالغ في سحب الماء من البحر وترفعه في السماء على شكل ذرّات صغيرة ثم تسوقه الرياح إلى حيث يشاء الله، وبعد، فقد صار ذلك من الحقائق الثابتة اليوم عند أهل العلم الحديث.
الآية 49
وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ
📝 التفسير:
{وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ (1) عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ 49} أخبر الله تعالى أنه ينزل المطر عليهم بعد أن كان قد أصابهم اليأس والقنوط من رحمته، وأخبر أن هذه سنته أن ينشر رحمته بعد أن يصيبهم اليأس.
__________
(1) - سؤال: ما محل هذا المصدر «أن ينزل» من الإعراب؟ وما إعراب: «لمبلسين»؟ وما الحكمة من زيادة قوله: «من قبله»، مع فهم المعنى بدونها؟ وما إعرابها؟
الجواب: محل المصدر «أن ينزل» الجر بإضافة «قبله» إليه، و «لمبلسين» اللام: هي الفارقة، و «مبلسين»: خبر كان. وزيادة «من قبله» قد كانت للتأكيد حيث أفادت «من قبله» الثانية أن يأتيهم من المطر حاصل إلى حين نزوله، بخلاف الأولى فإنها محتملة للفسحة في الزمان، وتعرب «من قبل» الثانية إعراب الأولى بالتبعية لها في إعرابها.
الآية 50
فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
📝 التفسير:
{فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} انظر وتفكر يا محمد، أو أيها السامع إلى الأثر الذي يتركه المطر بعد نزوله من إحياء الأرض بالزرع والشجر والثمر بعد أن كانت قد يبست وتفتتت وقد أخذ الجفاف منها كل مأخذ.
{إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 50} فالذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي الموتى بعد تفتت عظامهم، فإن كل من نظر وتفكر في إحياء الأرض بعد موتها علم علماً يقينياً أن من قدر على ذلك فهو قادر على أن يبعث الأموات، ويحييهم بعد موتهم وتفتت عظامهم، وأن ذلك ليس ببعيد على قدرته (2).
__________
(2) - سؤال: هل هذا المدلول للآية هو المسمى بالقياس العقلي عند أهل علم الكلام؟ وهل في قولهم: «قياس الشاهد على الغائب» تعكيس للعبارة، أم كيف توجيهها؟

الجواب: هذا هو القياس العقلي عند أهل علم الكلام وهو غير القياس المنطقي. وقولهم «قياس الشاهد على الغائب» يقصدون به قياس الغائب على الشاهد فالعبارة معكوسة، إلا أنهم لا يقصدون بها إلا عكسها.
الآية 51
وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ
📝 التفسير:
{وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ (1) يَكْفُرُونَ 51} وهذه هي طبيعة المشركين أن الله تعالى إذا أرسل تلك الريح (2) التي تجعل الزرع أو النبات أصفر بعد الخضرة تشاءموا بها وانقطع أملهم في الله تعالى وفي رحمته، فلا تراهم يلجأون إليه أو يتوسلون، وإنما طبيعتهم القنوط واليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى والكفر به.
__________
(1) - سؤال: إلام يرجع الضمير في قوله: «من بعده»؟
الجواب: يعود الضمير للاصفرار أو للريح أو للمطر كل ذلك جائز.
(2) - سؤال: ما هي هذه الريح؟ وكيف عملها؟ وما هي الحكمة في عملها مع أن في ظاهرها إضراراً بالنبات؟
الجواب: هذه الريح هي من جنس الريح المبشر بالمطر إلا أنه لا يعقبها مطر فيصفر الزرع ويجف لعدم المطر، ولما خاب ظنهم في نزول المطر انتعشت فيهم دواعي الكفر وظلوا يكفرون. وعمل هذه الريح هو كعمل المبشرة إلا أنه لا يعقبها المطر، ويمكن أن تكون هذه الريح ريح عذاب تضرب زرعهم كالريح التي تضرب شجرة القات، بقرينة تسميتها باسم الريح أما ريح الرحمة فتسمى رياحاً.
الآية 52
فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
📝 التفسير:
{فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ (3)إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ 52 وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} يريد الله سبحانه وتعالى أن يقطع طمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إيمان قريش، فأخبره أنهم لن يؤمنوا أبداً مهما حاول فيهم، ولذلك شبههم الله تعالى بالموتى الذين لا يستطيعون أن يسمعوا شيئاً، وكذلك بالصم عندما يلوي أحدهم ظهره عنك فلا تستطيع أن تُسْمِعَهُ مهما حاولت؛ فذلك حال المشركين، وكذلك شبههم بالعمي فمهما وصفت لهم الطريق لن يستطيعوا أن يهتدوا إليها.
__________
(3) - سؤال: هل قوله: «الدعاء» مفعول للفعلين المتقدمين أم ماذا؟

الجواب: الفعلان متنازعان للدعاء؛ لذلك يكون مفعولاً به للفعل الأول، ويضمر للفعل الثاني ضمير الدعاء. ووجه آخر: أن يكون الدعاء مفعولاً به للثاني، ويقدر للأول مفعول به على غير وجه التنازع.
الآية 53
وَمَا أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ
📝 التفسير:
وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} يريد الله سبحانه وتعالى أن يقطع طمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إيمان قريش، فأخبره أنهم لن يؤمنوا أبداً مهما حاول فيهم، ولذلك شبههم الله تعالى بالموتى الذين لا يستطيعون أن يسمعوا شيئاً، وكذلك بالصم عندما يلوي أحدهم ظهره عنك فلا تستطيع أن تُسْمِعَهُ مهما حاولت؛ فذلك حال المشركين، وكذلك شبههم بالعمي فمهما وصفت لهم الطريق لن يستطيعوا أن يهتدوا إليها.
{إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} وأنه لن يسمع منك يا محمد ويستجيب لدعوتك إلا أولئك الذين آمنوا بالله تعالى وصدقوا ما جئت به وتواضعوا لقبول الحق.
{فَهُمْ (1) مُسْلِمُونَ 53
__________
(1) - سؤال: ما الوجه في عطف هذه الجملة الاسمية على سابقتها الفعلية؟
الجواب: عطفت على معنى الجملة الأولى، أي: على التوهم، كأنه قيل: إلا الذين هم مؤمنون.
الآية 54
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
📝 التفسير:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ (2) ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً} يكرر الله تعالى نداءه للمشركين ويذكرهم بما قد بث لهم من الآيات التي يحثهم على النظر والتفكر فيها، فأمرهم هنا أن يتفكروا في كيفية خلقهم من تلك النطفة الماء المهين، وكيفية تكوينهم درجة بعد درجة وطوراً بعد طور إلى أن يصبح هذا المخلوق إنساناً سوياً ثم كيف تبتني قوته شيئاً فشيئاً إلى أن يصبح إنساناً في أوج قوته.
{ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} (3)وكيف يصير بعد أن يستكمل قوته فيبدأ بالنقص والتدرج إلى الوراء إلى أن يرجع إنساناً ضعيفاً كما كان من قبل.
{وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ 54} فالخلق خلقه وهذه مشيئته وإرادته يخلق ما يشاء بعلمه وقدرته، فمن تفكر في ذلك عرف الله سبحانه وتعالى حق معرفته.

__________
(2) - سؤال: هل «من» في قوله: «من ضعف» على بابها؟ فكيف تعلقها؟ أم ليست على بابها فما معناها؟ وما نوع اسمية «ضعف»؟
الجواب: «من» على بابها ابتدائية، فخلق الآدميين ناشئ من ضعف، ومتعلق بخلقكم، أي: أن الخلق ابتدأ ونشأ من الضعف، و «ضعف» مصدر للفعل «ضَعُفَ»، والله أعلم.
(3) - سؤال: ما محل جملة: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} من الإعراب؟

الجواب: يجوز أن تكون خبراً ثانياً فتكون في محل رفع، ويجوز أن تكون في محل نصب حالية، ويصح أن تكون للتأكيد؛ لأن معناها هو معنى ما سبقها من الجمل.
الآية 55
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ
📝 التفسير:
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} (1) ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن حال المشركين والكافرين ساعة مبعثهم وقيامهم من قبورهم إلى الحساب والجزاء حيث يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا (2)فيحلفون أنهم لم يلبثوا إلا ساعة.
{كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ 55} وهكذا كانت حالتهم في الدنيا، لا يهتدون إلى الحق والصدق؛ لأنهم بقولهم ذلك القول يوم القيامة: ما لبثوا إلا ساعة لم يتكلموا بالحق والصدق فقد لبثوا في الحقيقة أكثر من ذلك، فطبيعتهم الكذب في الدنيا والآخرة والعمى عن معرفة الحق والصواب.

__________
(1) - سؤال: هل لجملة: {مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} محل من الإعراب أم لا؟ وما إعراب «غير ساعة»؟ وهل المراد بالساعة هذه المعروفة في زماننا بتحديدها أم ماذا؟
الجواب: لا محل لقوله: {مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} من الإعراب؛ لأنها جواب القسم، و «غير ساعة» غير: ظرف زمان لإضافته إلى ظرف زمان فهو مفعول فيه لـ «لبثوا»، وساعة: مضاف إليه. والمراد بالساعة هنا جزء من النهار مقدر على أكثر تقدير من شروق الشمس إلى الزوال، بدليل قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا 46} [النازعات]؛ لذلك فتفسر الساعة المذكورة هنا وفي قوله تعالى: {إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} [الأحقاف:35] بهذا، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
(2) - سؤال: فضلاً هل يصح أن تحمل الآية على استقصارهم لمدة لبثهم في القبور ليوافق قولهم: {يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس:52]، ولقولهم: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} [المؤمنون:113]، ولأنه المتبادر؟ أم كيف؟

الجواب: نعم، ذلك يدل على استقصارهم للمدة مع علمهم بأنهم لبثوا أكثر، ولكنهم لاستقصارهم المدة شبهوا بمن لم يلبث إلا يوماً أو بعض يوم {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} [الأحقاف:35].
الآية 56
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 56} (1)ثم أخبر الله تعالى أن المؤمنين سوف يردون على كذبتهم تلك بأنهم قد لبثوا أكثر من ساعة، وقد لبث أنبياء الله ورسله يدعونهم إلى الله سبحانه وتعالى الأعمار والسنين الطويلة.
ومعنى «في كتاب الله»: أي في مصاحبة كتاب الله في الدنيا وهذا على تفسير استقصارهم لمدة لبثهم في الدنيا كما قدمنا، وإن فسرناه باستقصارهم لمدة لبثهم في البرزخ فمعناها فيما علمه الله من المدة المقدرة عنده في اللوح المحفوظ.

__________
(1) - سؤال: هل في هذه الآية رد صريح على من استدل على نفي عذاب القبر بتسمية المجرمين له مرقداً واستقصارهم لمدته؟
الجواب: حياة البرزخ ونعيمه أو عذابه كالمجمع عليه بين علماء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أنها حياة روحية لا جسدية، فالأجساد قد ماتت وفارقتها الروح وصارت تراباً وعظاماً نخرة، لا حياة لها في القبر. والحياة في القبر يراد بها حياة الروح وحدها، وعذاب الروح في البرزخ هو عذاب معنوي حيث تعرض على المجرم ما أعد الله له من العذاب في نار جهنم، فيرى جزاءه وما فيه من الأهوال والشدة، ويرى لهيب النار وشدة سعيرها، ويرى مكانه فيها، ويعلم أن مصيره إليها؛ فهو في ضيق شديد وخوف عظيم وفزع لا يقدر قدره، ولا يزال مع ذلك متوقعاً لليوم الذي تبعث فيه الأجساد؛ فإذا وقع ذلك اليوم وبعث الله الأجساد وأحياها ورد فيها أرواحها استقصر المجرمون مدة لبثهم في البرزخ؛ لعلمهم بما أعد الله لهم من العذاب الدائم في نار جهنم، وعلمهم بشدته.
سؤال: يقال: هل بين مدلول هذه الآية والتي قبلها وبين ما يقال: إنهم سيصدقون يوم القيامة بجميع ما أنكروه ضرورة تعارض أم لا؟

الجواب: ليس بين ما ذكرتم تعارض، وليس في الآيتين ما ينافي تصديقهم يوم القيامة لجميع ما كانوا أنكروه في الدنيا؛ إذ لم يقع منهم يوم القيامة إلا استقصارهم لمدة لبثهم في الدنيا، وقد أجاب عليهم الذين أوتو العلم والإيمان بأنهم لبثوا في الدنيا زمناً طويلاً يتلى عليهم فيه كتاب الله وآياته وحججه عليهم فكذبوه، وأنذرهم بيوم القيامة فكذبوه، فقالوا لهم: فهذا يوم القيامة الذي كنتم تكفرون به.
سؤال: ما علاقة تذييل الآية بقوله: {وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 56}؟
الجواب: علاقته أنه تتمة لقوله: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ... } أي: ولكنكم أعرضتم عن كتاب الله وكذبتم به ولم تصدقوا ما جاءكم فيه من الإنذار بيوم القيامة وما أعد الله للكافرين وكنتم من الجاهلين به.

الآية 57
فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
📝 التفسير:
{فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ 57} (1) وذلك يوم القيامة لا تنفعهم الأعذار عند الله سبحانه وتعالى، ولن يروا هناك من يلومهم أو يعاتبهم ويردهم إلى صوابهم كما في الدنيا فقد انتهى كل شيء، ولم يبق لهم إلا أن يلقوا جزاء أعمالهم.
__________
(1) - سؤال: مم أخذت هذه الكلمة «يستعتبون» وما أصلها؟
الجواب: الأصل «عَتَبَ» وبابه نصَر وطرِب، يعتب عَتَباً وعَتْباً، عتب عليه بمعنى: وجِد عليه وغضب عليه مع الإذلال، ولا زلنا نستعمل هذا اللفظ إلى اليوم. وأعتبه بمعنى: سرَّه، واستعتبه بمعنى: استرضاه، أي: طلب رضاه. اهـ من المختار. [وقد تقدم هذا الكلام في جواب سؤال على الآية (84) من سورة النحل].
الآية 58
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} (2)أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قد صَرَّفَ للمشركين آياته، ونوع لهم الأمثال في القرآن لعل شيئاً من ذلك ينفع فيهم، أو لعلهم يعتبرون بشيء من ذلك فيرجعون إلى رشدهم وصوابهم، ويقلعون عن كفرهم وضلالهم، ولكنهم لا زالوا على إصرارهم على كفرهم وتكذيبهم وضلالهم.
{وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ 58} وأنك مهما حاولت فيهم يا محمد، ومهما جئتهم به من الآيات فلن يقبلوا منك أبداً.
__________
(2) - سؤال: ما معنى «من» في قوله: {مِنْ كُلِّ مَثَلٍ}؟
الجواب: يتعدى «ضربنا» بنفسه إلى المفعول به كقوله تعالى: {وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ... } [الفرقان:39]، {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا} [الروم:28]، {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [التحريم:10]، فمجيء «من» هنا يكون:
1 - ... إما لأن «ضرب» ضُمّن معنى فعل يتعدى إلى المفعول به بـ «من» فتكون للتعدية.
2 - ... أو أن يكون «ضرب» هذا يتعدى مرة بنفسه ومرة بـ «من».

3 - ... وإما أن تكون «من» للتبعيض أي: أن الله تعالى ضرب للناس بعضاً من الأمثال الحسنة لا كل مثل حسن، وقد يكون هذا المعنى هو الأولى؛ لأن الله تعالى لم يضرب للناس في القرآن كل مثل وإنما ضرب لهم منها ما يتعلق ببيان الدين الحق.
الآية 59
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
📝 التفسير:
{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ 59} (1) فقد أصبحت قلوبهم كالمطبوع عليها فلا يستطيع الإيمان أن ينفذ إليها أبداً، فلا تطمع في إيمانهم يا محمد فلن يؤمنوا أبداً.
__________
(1) - سؤال: ما العلة في تخصيصهم بهذه الصفة وهي نفي العلم عنهم؟
الجواب: خصهم بهذه الصفة لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءهم بالعلم من عند الله فردوه وكفروا به، فوصفوا لذلك بأنهم لا يعلمون.
الآية 60
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ
📝 التفسير:
{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يصبر على دينه وعلى مواصلة دعوته وتبليغه ما أمره ربه؛ ووعده بأنه سينتصف له منهم، وسوف يعذبهم بسبب أذيتهم واستهزائهم وتكذيبهم.
{وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ 60} (2)واثبت على ما أنت عليه يا محمد، ولا تترك لهم مدخلاً عليك، أو تدعهم يستخفوا عقلك بأفكارهم وضلالاتهم، أو يستهووك حتى تدخل معهم في باطلهم وأعمال كفرهم.
__________
(2) - سؤال: ما هي مناسبة جعل هذه الاية خاتمة لهذه السورة المباركة؟

الجواب: من شأن التكذيب والكفر بما جاءهم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدم الاستجابة له وهو يدعوهم الوقت بعد الوقت والسنة بعد السنة من غير أن يرى أثراً لدعوته سوى التكذيب والسخرية والكفر والاستهزاء- من شأن ذلك كله أن يكون سبباً لفتور عزيمته وقلة نشاطه وانهيار قوته؛ لذلك جاءت هذه الآية لتبعثه على الصبر، وتنهاه عن ترك الدعوة والفتور فيها والإعراض عنها، مع ما فيها من الإشارة لانتهاء السورة وتمامها، وذلك من حيث أن وعد الله بالنصر له هو العاقبة والنهاية التي تنتهي بها دعوتك، وتصير إليها في عاقبة أمرك.