القرآن الكريم مع التفسير

سورة فصلت

آية
إجمالي الآيات: 54 • المفسرة: 0 (0%)
الآية 41
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ 41 لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ 42} (1) وهم المشركون عندما أتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن وقرأ عليهم آياته التي بلغت المنتهى في الفصاحة والبلاغة التي كانوا يتقنون صناعتها ويتبارون فيها تيقنوا أنه حق وصدق لا مدخل للشك والريبة فيه، وحاولوا جهدهم في التشكيك في شيء من آياته فلم يجدوا لهم أي مدخل عليه، فكل ذلك مما يدل على أنه كلام منزل من عند الله تعالى الذي أحكمها وفصلها ووضحها. ومعنى: «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه»: لا يتطرق إليه الباطل من أي جهة من الجهات.
__________
(1) - سؤال: فضلاً أين خبر: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ... }؟ وما إعراب {لَمَّا جَاءَهُمْ}؟ وما إعراب «تنزيل»؟
الجواب: خبر «إن الذين كفروا .. » مقدر يدل عليه سياق الكلام فيمكن أن يقدر: سيجازيهم بما عملوا لقوله في الآية السابقة: {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 40} وقد قدروا له خبراً غير ما ذكرنا من سياق هذه الآيات. «لما» بمعنى حين، متعلق بكفروا، و «جاءهم» في محل جر بالإضافة. «تنزيل» خبر ثان لـ «إن» في قوله: «وإنه لكتاب».
الآية 42
لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
📝 التفسير:
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ 41 لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ 42} (1) وهم المشركون عندما أتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن وقرأ عليهم آياته التي بلغت المنتهى في الفصاحة والبلاغة التي كانوا يتقنون صناعتها ويتبارون فيها تيقنوا أنه حق وصدق لا مدخل للشك والريبة فيه، وحاولوا جهدهم في التشكيك في شيء من آياته فلم يجدوا لهم أي مدخل عليه، فكل ذلك مما يدل على أنه كلام منزل من عند الله تعالى الذي أحكمها وفصلها ووضحها. ومعنى: «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه»: لا يتطرق إليه الباطل من أي جهة من الجهات.
__________
(1) - سؤال: فضلاً أين خبر: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ... }؟ وما إعراب {لَمَّا جَاءَهُمْ}؟ وما إعراب «تنزيل»؟
الجواب: خبر «إن الذين كفروا .. » مقدر يدل عليه سياق الكلام فيمكن أن يقدر: سيجازيهم بما عملوا لقوله في الآية السابقة: {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 40} وقد قدروا له خبراً غير ما ذكرنا من سياق هذه الآيات. «لما» بمعنى حين، متعلق بكفروا، و «جاءهم» في محل جر بالإضافة. «تنزيل» خبر ثان لـ «إن» في قوله: «وإنه لكتاب».
الآية 43
مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ
📝 التفسير:
{مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} فلا يكبر عليك تكذيب قومك يا محمد، وما يقولونه فيك ويفترونه عليك، وما يقابلونك به من السخرية والاستهزاء، فكل رسول أرسلناه من قبلك قد لقي من قومه مثل ما تلاقيه من التكذيب والاستهزاء والطرد والجحود.
{إِنَّ (2) رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ 43} وهو سبحانه يمهل عباده ويتأنى بهم ويمتعهم في الدنيا ولا يعجل في الانتقام منهم بسبب كفرهم وتكذيبهم، وهذا من رحمته بهم لعلهم يتوبون ويرجعون إليه، ولكنه إذا أنزل عذابه فليعلموا أنه سيكون شديداً وأليماً عليهم وأن أخذه أليم شديد.
__________
(2) - سؤال: ما الوجه في كسر همزة «إن» هنا؟
الجواب: كسرت «إن» لوقوعها في صدر جملة مستأنفة في جواب سؤال مقدر تقديره: فلم لا يعذبهم كما عذب المكذبين برسله؟ فكان الجواب: {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ} أي: لا يعجل بعقوبته وعذابه كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ 6} [الرعد]، وقال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر:45].
الآية 44
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ
📝 التفسير:
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} أنزله الله تعالى بلغتهم حتى لا يبقى لهم أي عذر يعتذرون به عند ربهم بأنهم لم يفهموا آياته أو يعقلوها، أو يقولوا لو أنه نزل بلسانهم ولغتهم لآمنوا به ولصدقوه.
{ءَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} (1) ولئلا يستنكروا ويقولوا: كيف ينزل الله تعالى علينا كلاماً أعجمياً ونحن قوم عرب.
{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ (2) آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبرهم بأن هذا القرآن فيه هدى للمؤمنين إلى طريق نجاتهم وخلاصهم، وفيه شفاء لهم من أمراض الشك والكفر والنفاق.
{وَالَّذِينَ (3) لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} وأخبرهم بأن الذين لم يؤمنوا بالله تعالى قد صمت آذانهم عن سماع آياته، وقد عموا عن الاهتداء بهديه.
{أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ 44} فشأن قومك يا محمد في عدم سماعهم للحق والهدى كشأن (4) الذي يناديه المنادي من مكان بعيد فلا يدري ما يقول.
__________
(1) - سؤال: هل يصح أن يحمل هذا على أنه من رد الله عليهم لما اقترحوا أن يكون أعجمياً؟ أم لا لأجل قوله: «قل» بعد ذلك؟
الجواب: الأولى حمله على ما ذكرنا أي: أنه من قول المشركين الذي سيقولونه لو جعل الله القرآن أعجمياً؛ يؤيده ما ذكرتم من أن بعده «قل».
(2) - سؤال: بماذا تعلق الجار والمجرور وما محله؟
الجواب: متعلق بمحذوف خبر مقدم، ومحله الرفع، و «هدى» مبتدأ مؤخر.
(3) - سؤال: فضلاً هل هذا مبتدأ خبره الجملة بعده أم ماذا؟
الجواب: هو مبتدأ خبره الجملة التي بعده وهي قوله: «في آذانهم وقر».
(4) - سؤال: فعلى هذا فمن أي أقسام الكلام يكون؟
الجواب: يكون من باب الاستعارة التمثيلية، وهذه الآية في المعنى كقوله تعالى في تشبيه المشركين: {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً} [البقرة:171].
الآية 45
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ
📝 التفسير:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} ثم انتقل الله سبحانه وتعالى إلى إخبار نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بما جرى لموسى من قومه، وما حصل له من تكذيب أكثرهم بما أنزل الله تعالى عليه في التوراة،وما جرى منهم من التحريف والتبديل فيها.
ثم أخبره الله سبحانه وتعالى أنه لولا حكمته التي اقتضت أن يؤخر تعذيبهم إلى يوم القيامة لحكم بين المختلفين في التوراة في الدنيا بأن يعذب الكافرين ويثيب المؤمنين، غير أنه سبق وعده بتأخير حسابهم وجزائهم إلى يوم القيامة لمصلحة قد علمها في ذلك.
{وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ 45} أي: أولئك الذين كفروا بالتوراة.

الآية 46
مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ
📝 التفسير:
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} فالله سبحانه وتعالى غني عن طاعة المطيعين غير محتاج إلى عبادتهم، ولن تضره معصية من عصاه، وتكليفه لعباده إنما هو رحمة بهم ليعرضهم على الثواب العظيم والنعيم الدائم، فمن عمل الأعمال الصالحة فقد نفع نفسه وأنقذها، وأما من عمل المعاصي والسيئات فهو بذلك إنما يجلب الضرر على نفسه.
{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ 46} فتعذيبه للعصاة والكافرين إنما هو بسبب أعمالهم الخاسرة وكفرهم فهم الذين أوقعوا أنفسهم في العذاب.
الآية 47
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ
📝 التفسير:
{إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} (1) فهو وحده المختص بعلم موعد الساعة والقيامة فلم يطلع على ذلك أحداً من خلقه، لا نبياً مرسلاً ولا ملكاً مقرباً، وهو المختص بالإحاطة بكل شيء، فلا تخرج ثمرة من خباها، ولا تضع أنثى ما في بطنها إلا وهو عالم بذلك. والأكمام: هي أوعية الثمار.
{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ 47} (2) وذلك يوم القيامة عندما ينادي الله سبحانه وتعالى المشركين ويسألهم: أين أولئك الذين كنتم تعبدونهم في الدنيا؟ فيجيبون على ذلك بإنكار الشركاء معه، وأنهم مقرون له بأنه لا إله إلا هو. ومعنى «آذناك»: أعلمناك.

__________
(1) - سؤال: ما موضع الجار والمجرور «بعلمه»؟
الجواب: محله النصب حالاً.
(2) - سؤال: من فضلكم هل للجملة {مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ 47} محل من الإعراب أم لا؟ ولماذا؟
الجواب: «آذناك» بمعنى أعلمناك؛ فجملة «ما منا من شهيد» سادة مسد المفعولين الثاني والثالث، فهي في محل نصب.
الآية 48
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ
📝 التفسير:
{وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ 48} (1) فقد ضاعت عنهم تلك الآلهة التي كانوا يزعمون أنها ستنصرهم وتدفع عنهم، وقد أيقنوا في ذلك الوقت أن لا مفر لهم ولا مهرب من عذاب الله سبحانه وتعالى.
__________
(1) - سؤال: يقال: إذا كان الظن في هذه الآية بمعنى اليقين كما هو الظاهر فهل ذلك من باب الحقيقة أو المجاز؟ وهل يمكن أن يكون كثرة استعماله في القرآن في ذلك المعنى دليلاً على أنه حقيقة فيه أم لا؟ ولماذا؟
الجواب: قد قدمنا الجواب عن مثل هذا السؤال في سورة البقرة على الآية (46)، فيؤخذ من هناك.
الآية 49
لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ
📝 التفسير:
{لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ} ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن طبيعة الإنسان أنه لا يمل أو يسأم من طلب الخير من المال والولد ومتاع الدنيا وشهواتها والسعي وراءها، فهو يبحث عن ذلك ويجري وراءه مدة عمره.
{وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ 49} (2) وأما إذا لحقه أي سوء أو مكروه فإنه يصيبه اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى، وقد أراد الله سبحانه وتعالى بذلك الإنسان الكافر، وأما المؤمن فهو في خير وطمأنينة، وإن أصابه الشر فلا يزال في قلبه الرجاء في الله تعالى، والقناعة بأن ما أصابه إنما هو من عند الله تعالى وأن الفرج من عنده، فإن فرج عنه في الدنيا وإلا فسيعوضه في الآخرة، ولا يزال على يقين بأنه سيثيبه على الصبر إن هو صبر على ما أصابه، فلا ينقطع أمله في الله سبحانه وتعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة.
والسبب في يأس الكافر هو كفره بالآخرة، وإنكاره لثواب الله سبحانه وتعالى، فلذلك ينقطع أمله ويصيبه اليأس والقنوط.

__________
(2) - سؤال: فضلاً ما إعراب «فيئوس قنوط»؟
الجواب: يعرب خبراً لمبتدأ محذوف.
الآية 50
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ
📝 التفسير:
{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} وأما إن أنعم الله سبحانه وتعالى على الكافر بعد ضر وشدة أصابته فإنه يزعم أنه لم ينل ما أعطي من الخير والنعيم إلا لأنه (1) يستحقه، ولأنه أهل لذلك الخير والعطاء، وأن الله سبحانه وتعالى لم يعطه ذلك إلا لكرامته عليه فيأخذه العجب بنفسه والتعظيم لها وينسى شكر الله.
{وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} (2) اغتر بما هو فيه من النعيم، ونسي الله سبحانه وتعالى، ونسي أن هناك موتاً وحياة بعد الموت، وحساباً وعقاباً، وتشكك في وقوع ذلك، وعلى فرض (3) صحة القيامة فهو على ثقة ويقين من نفسه بأنه مقبول عند الله تعالى، وأنه من أهل الإحسان عنده، وأنه سيكرمه في الآخرة كما أكرمه في الدنيا.
{فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ 50} فليعلم أهل هذه الصفة أنهم من أهل وعيد الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى سوف يطلعهم يوم القيامة على سوء أعمالهم، ثم يجازيهم عليها.
__________
(1) - سؤال: من أين نفهم هذا؟
الجواب: فهم من اللام في قوله «لي» فإنها للاختصاص والملك.
(2) - سؤال: ما السر في سقوط الفاء من الجواب: {إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى}؟
الجواب: «إن لي عنده» هو جواب القسم فلا يحتاج إلى الفاء.
(3) - سؤال: هل فهمنا أنه يفرض وقوع القيامة فرضاً من قوله: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} أو من غيره فمِمَّ؟
الجواب: فهم من قوله: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ} حيث جاء بـ «إن» التي تفيد الشك الذي هو تجويز مرجوح.
الآية 51
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ
📝 التفسير:
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ 51} طبيعة الإنسان الكافر الجاحد (4) لنعم الله سبحانه وتعالى هي أن الله تعالى إذا أسبغ عليه نعمه وأوسع عليه في الرزق ومتعه بالصحة والعافية- نسي الله تعالى، وأعرض عن ذكره وشكره.
ومعنى {نَأَى بِجَانِبِهِ}: لوى جنبه (1) وابتعد عن ذكر الله سبحانه وتعالى استخفافاً وكبراً، وأما إن أصابه سوء أو شر أو مكروه فإنه يتذكر الله تعالى ويستغيث به، ويتوسل إليه أن يرفع عنه ما هو فيه من البلاء والشدة. ومعنى «دعاء عريض»: كثير مستمر.

__________
(4) - سؤال: من أين نفهم أن هذه طبيعة الكافر فقط مع أنه قد يحصل مع بعض المسلمين الغفلة عن استشعار الشكر لبعض النعم والإلحاح إلى الله بقوة عند الإصابة بمكروه، أم أن المراد نسيان الله تعالى بالكلية؟
الجواب: المؤمن -وإن غفل عن شكر الله على بعض النعم- هو معترف لله ومقر ومؤمن بأن الله تعالى هو الذي أنعم عليه، وهو مؤد لما أوجب الله تعالى عليه من الشكر فهو مطيع لله تعالى فيما أمره به، ومنتهٍ عما نهاه الله عنه، أما الكافر فبخلاف المؤمن فهو غير معترف ولا مقر بنعم الله عليه ومتكبر عن طاعة الله وأداء ما أوجب الله عليه، والانتهاء عما نهاه الله عنه.

(1) - سؤال: ومن أي أنواع الكلام هذا التعبير؟
الجواب: هذا من باب الكناية أي: أنه تكبر، فهي كناية عن تكبر الإنسان.
الآية 52
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
📝 التفسير:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (2) ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ (3) أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ 52} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للمشركين حين أصروا على الكفر والتكذيب: كيف لو كان ما جئتكم به من عند الله ثم إنكم كفرتم به فمن يكون أضل منكم؟ وكيف سيكون حالكم؟ والمفروض على كل عاقل أن يأخذ الحيطة والحذر إذا حذره أحد بمثل ما حذرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يعد العدة لذلك المكروه لئلا يقع فيه؛ فأنتم أيها المشركون من المفروض أن تعدوا عدتكم، وتأخذوا حيطتكم وحذركم من الوقوع في ذلك المكروه الذي حذركم منه نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم، فمن شأن العاقل أن يحتاط من المخاوف المعلومة والمظنونة.

__________
(2) - سؤال: ما السر في استخدام هذا الأسلوب {إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}؟
الجواب: السر هو بيان جهل المخاطبين وشدة غفلتهم وعدم النظر لأنفسهم، وعدم الاحتياط لأنفسهم؛ إذ من شأن العاقل أن يأخذ حذره من المخاطر ولو موهومة أو مشكوكة فيأخذ حذره ويعد عدته فإن وقعت كان في مأمن وإن لم تقع لم يضره ما فعل من الحذر والاحتياط، فمن هنا أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يوجه السؤال إلى المشركين {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... } وقد كان من المفروض أن يسأل المشركون أنفسهم بهذا السؤال كما هو شأن ذوي العقول.
(3) - سؤال: يقال: ما الوجه في سقوط الفاء من جواب الشرط إن كانت الجملة جواباً للشرط؟
الجواب: «من أضل» جملة في محل نصب مفعول به ثان لـ «أرأيتم» وليست الجملة جواباً للشرط وجواب الشرط محذوف لدلالة هذه الجملة عليه والتقدير فأنتم أضل.
الآية 53
سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
📝 التفسير:
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ (1) الْحَقُّ} ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبر المشركين بأن الله تعالى سوف يريهم آياته التي بثها لهم في السماوات والأرض ليتفكروا فيها ويعرفوا إذا نظروا فيها صدق ما جاءهم به، وأن ما جاءهم به هو الدين الحق، وأنه من عند الله سبحانه وتعالى، وكذلك إذا نظروا في آثار قدرته في كيفية خلقهم.
{أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ 53} يكفي قومك يا رسول الله أن الله مطلع على أعمالهم صغيرها وكبيرها ظاهرها ومستورها، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وسيجازيهم على ما عملوا حتى على مثقال الذرة فلا يكبر عليك يا رسول الله ما ترى عليه المشركين من الترف والغنى وكثرة المال والولد والأمن فإن مرجعهم إلى من يحصي عليهم أنفاسهم وخطرات قلوبهم وجميع حركاتهم وسكناتهم.
__________
(1) - سؤال: هل الضمير عائد إلى الله سبحانه أم إلى الدين أم إلى الأمرين جميعاً؟
الجواب: هو عائد إلى القرآن فالسياق فيه من أول الكلام {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ} {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا ... } و ... إلى آخر السياق، وآخره: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}.
الآية 54
أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ
📝 التفسير:
{أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ 54} (2) إن المشركين في شك وريب دائم من لقاء ربهم، ومن البعث بعد الموت والحساب والجزاء، ولكن الله سبحانه وتعالى مطلع على جميع أعمالهم، وسيحاسبهم ويجازيهم على كل ذلك.
_________
(2) - سؤال: ما مناسبة جعل هذه الآية خاتمة لهذه السورة المباركة؟
الجواب: في ختم السورة بهذه الآية إشارة إلى تمامها وختمها وذلك من حيث أن ما تضمنته هو نتيجة الجدال مع المشركين ونهايته {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ} ثم النداء بالجزاء على كل أعمالهم هو الاخر مؤذن بالتمام من حيث أن ذلك عاقبتهم وغاية أعمالهم.